الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط في النكاح والمهر > ج- تزوجها بشرط أن لا ينفق عليها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةج- تَزوَّجَها بشَرطِ أنْ لا يُنفقَ عليها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ على شَرطِ أنْ لا يُنفِقَ عليها وأنْ تكونَ نَفقتُها على نَفسِها، هل يَصحُّ هذا الشَّرطُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ على أنْ لا نَفقةَ لها عليهِ أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ؛ لأنهُ لا يَمنعُ المَقصودَ وهو الاستِمتاعُ، ولأنَّ فَسادَ العِوضِ لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، والشَّرطُ باطلٌ؛ لأنهُ شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ، ولأنهُ شَرطٌ تَضمَّنَ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلم يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ، ويَلزمُه حِينئذٍ النَّفقةُ عليها.
ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ عندَ الشَّافعيةِ؛ لأنَّ شارِطَ ذلكَ لم يَرضَ بالمُسمَّى إلَّا عندَ سَلامةِ شَرطِه، فيجبُ مَهرُ المِثلِ (١).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: ولو أصدَقَها ألفًا على أنْ لا يُنفِقَ عليها أو على أنْ لا يَقسِمَ لها أو على أنهُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ بها كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَ لهُ إنْ كانَ صَداقُ مِثلِها أقلَّ مِنْ الألفِ أنْ يَرجِعَ عليها حتَى يُصيِّرَها إلى صَداقِ مثلِها؛ لأنها شَرطَتْ له ما ليسَ له فزادَها ممَّا طرَحَ عَنْ
(١) «البيان» (٩/ ٣٨٩)، و «التنبيه» (١٦١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٢٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٢)، و «الديباج» (٣/ ٣١٩)، و «المغني» (٧/ ٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٠٧، ١٠٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٨٩، ١٩٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٩٤، ٥٩٥).
نَفسِه مِنْ حَقِّها، فأَبطلْتُ حصَّةَ الزِّيادةِ مِنْ مَهرِها ورَدَّدتُها إلى مَهرِ مثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا تُجيزُ عليهِ ما شرَطَ لها وعليها ما شَرطَتْ له؟
قيلَ: رَددْتُ شَرطَهُما إذ أَبطلَا به ما جعَلَ اللهُ لكلِّ واحدٍ ثمَّ ما جعَلَ النَّبيُّ ﷺ، وبأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَشتَرطونَ شُروطًا ليسَتْ في كتابِ اللهِ تعالَى؟ ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ تعالَى فهو باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللهِ أحقُّ وشَرطُه أَوثَقُ، فإنِّما الولاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، فأبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثَناؤُه إذا كانَ في كتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ خِلافُه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما الشَّرطُ للرَّجلِ على المرأةِ والمرأةِ على الرَّجلِ ممَّا إبطالُه بالشَّرطِ خِلافٌ لكتابِ اللهِ أوِ السُّنةِ أو أمرٍ اجتَمعَ النَّاسُ عليه؟
قيلَ له إنْ شاءَ اللهُ تعالَى: أحَلَّ اللهُ ﷿ للرَّجلِ أنْ يَنكحَ أربَعًا وما مَلكَتْ يَمينُه، فإذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَنكحَ ولا يَتسرَّى حَظرَتْ عليه ما وسَّعَ اللهُ تعالَى عليهِ، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ يَومًا تَطوُّعًا وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، فجعَلَ له منْعَها ما يُقرِّبُها إلى اللهِ إذا لم يَكنْ فَرضًا عليها؛ لعَظيمِ حَقِّهِ عليها، وأوجَبَ اللهُ ﷿ له الفَضيلةَ عليها، ولم يَختلِفْ أحدٌ عَلِمْته في أنَّ له أنْ يُخرجَها مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ ويَمنعَها مِنْ الخُروجِ، فإذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَمنعَها مِنْ الخُروجِ ولا يُخرجَها شَرطَتْ عليه إبطالَ ما له عليها، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، فدَلَّ كتابُ اللهِ تعالَى على أنَّ
على الرَّجلِ أنْ يَعولَ امرأتَه ودَلَّتْ عليهِ السُّنةُ، فإذا شرَطَ عليها أنْ لا يُنفِقَ عليها أُبطِلَ ما جعَلَ لها وأُمِرَ بعِشرتِها بالمَعروفِ ولمْ يُبَحْ له ضَربُها إلَّا بحالٍ، فإذا شرَطَ عليها أنَّ له أنْ يُعاشِرَها كيفَ شاءَ وأنْ لا شيءَ عليهِ فيما نالَ مِنها فقدْ شرَطَ أنَّ لهُ أنْ يأتيَ منها ما ليسَ له، فبهذا أبطَلْنا هذهِ الشُّروطَ وما في مَعناها وجعَلْنا لها مَهرَ مثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فقدْ يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُم به مِنْ الشُّروطِ ما استَحلَلْتُم بهِ الفُرُوجَ»، فهكذا نَقولُ في سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، أنهُ إنَّما يُوفَّى مِنْ الشُّروطِ ما يَبِينُ أنهُ جائِزٌ ولمْ تَدُلَّ سُنةُ رسولِ اللهِ ﷺ على أنهُ غيرُ جائِزٍ، وقَد يُروَى عنهُ عليه الصلاة والسلام: «المُسلمونَ على شُروطِهِم، إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، ومُفسَّرُ حَديثِه يدلُّ على جُملتِه (١).
وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا تَزوَّجَها على أنْ لا نَفقةَ لها أبدًا، فإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهتِها تَوَّجَه إلى الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ؛ لأنهُ حَقٌّ لها إنْ تَركَتْه جازَ، فلذلكَ توَجَّه إلى الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ، فيَبطلُ الصَّداقُ ببُطلانِ الشَّرطِ في النَّفقةِ، وهو باطِلٌ باشتِراطِ سُقوطِه، والنِّكاحُ جائِزٌ ولها مَهرُ المِثلِ والنَّفقةُ.
وإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ فهل يَقدحُ في صحَّةِ النِّكاحِ أم لا؟ على وَجهَينِ:
(١) «الأم» (٥/ ٧٣، ٧٤).
أحدُهُما: أنَّه قادِحٌ في صحَّةِ النِّكاحِ فيكونُ باطِلًا؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ العَقدِ مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ، فصارَ كالوَليِّ الَّذي هو مَقصودُ العَقدِ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ.
والوَجهُ الثَّاني: أنهُ غيرُ قادِحٍ في صحَّةِ النِّكاحِ؛ لجَوازِ خُلوِّ النِّكاحِ مِنْ صَداقٍ ونَفقةٍ، فعَلى هذا يَختَصُّ هذا الشَّرطُ بفَسادِ الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ، ويُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: القِسمُ الثَّاني: ما يُبطلُ الشَّرطَ ويُصِحُّ العَقدَ، مثلَ أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها، أو أنْ لا يُنفِقَ عليها، أو إنْ أصْدَقَها رجَعَ عليها، أو تَشتَرطَ عليه أنْ لا يَطأهَا أو يَعزِلَ عنها أو يَقسِمَ لها أقلَّ مِنْ قَسْمِ صاحِبتِها أو أكثرَ أو لا يكونَ عندَها في الجُمعةِ إلَّا ليلةً، أو شرَطَ لها النَّهارَ دونَ اللَّيلِ، أو شرَطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليهِ أو تُعطيَهُ شيئًا، فهذِه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ في نَفسِها؛ لأنها تُنافي مُقتضَى العَقدِ، ولأنها تَتضمَّنُ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلمْ يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ (٢).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: النَّوعُ الثَّاني: أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها ولا نَفقةَ أو أنْ يَقسِمَ لها أكثرَ مِنْ امرأتِه الأُخرَى أو أقلَّ فالشَّرطُ باطلٌ ويَصحُّ النِّكاحُ، وكذا لو شرَطَ أحدُهُما عدَمَ الوَطءِ، وهذا المَذهبُ نصَّ
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٠٨).
(٢) «المغني» (٧/ ٧٢).
عليهما، وصحَّحَهُ في «التَّصحيح» وغيرِه، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وغَيرِه، وقَدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغِير» و «الفُروع»، واختارَهُ ابنُ عَبْدُوسٍ في تَذكِرتِه وغيرُه.
وقيلَ: يَبطلُ النِّكاحُ أيضًا.
وقيلَ: يَبطلُ إذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَطأَها.
قالَ ابنُ عَقيلٍ في مُفرداتِه: ذكَرَ أبو بكرٍ فيما إذا شرَطَ أنْ لا يطَأَ أو أنْ لا يُنفِقَ أو إنْ فارَقَ رجَعَ بما أنفَقَ رِوايتَينِ، يَعني في صحَّةِ العَقدِ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: ويَحتمِلُ صحَّةَ شَرطِ عَدمِ النَّفقةِ، قالَ: لا سيِّما إذا قُلنَا: إنهُ إذا أعسَرَ الزَّوجُ ورَضيَتْ بهِ أنها لا تَملكُ المُطالَبةَ بالنَّفقةِ بَعدُ.
واختارَ فيما إذا شرَطَ أنْ لا مَهرَ فَسادَ العَقدِ، وأنهُ قولُ أكثرِ السَّلفِ.
واختارَ أيضًا الصِّحةَ فيما إذا شرَطَ عدَمَ الوَطءِ كشَرطِ تَركِ ما تَستحِقُّه.
وقال أيضًا: لو شَرطَتْ مُقامَ وَلدِها عندَها ونَفقتَه على الزَّوجِ كانَ مِثلَ اشتِراطِ الزِّيادةِ في الصَّداقِ، ويُرجَعُ في ذلكَ إلى العُرفِ، كالأجيرِ بطَعامِه وكُسوتِه (١).
وقالَ الحَنفيةُ: رَجلٌ تَزوَّجَ امرأةً بألفٍ على أنْ لا يُنفِقَ عليها ومَهرُ مِثلِها مِائةٌ كانَ لها الألفُ والنَّفقةُ (٢).
(١) «الإنصاف» (٨/ ١٦٥، ١٦٦).
(٢) «فتاوى قاضيخان» (١/ ١٨٩)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٣٠٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٤١ - مسألة؛ قال: (وإذا تزوجها، وشرط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، فلها شرطها؛ لما
شُرُوطِهِمْ ". ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا. ورَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، أَنَّ رَجُلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجلُ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ . ولأنَّه شَرْطٌ لها فيه مَنْفعةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ المَقْصُودَ من النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو شَرَطَتْ عليه زِيادةً فى المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ. وقولُه عليه السلام: " كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّه، فَهُوَ باطِلٌ". أى ليس فى حُكْمِ اللَّه وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ ، وقد ذكرْنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّتِه، على أَنَّ الخِلافَ فى مَشْرُوعيَّتِه وعلى مَنْ نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلَالَ. قُلْنا: لا يُحَرِّمُ حلالًا، وإنما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس من مَصْلَحَتِه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ فإنَّه من مصلحةِ المرأةِ، وما كان من مصلحةِ العاقدِ كان من مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِراطِ الرَّهْنِ والضَّمِين فى البَيْعِ، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادةِ على مَهْرِ المِثْلِ، وشَرْطِ غيرِ نَقْدِ البَلَدِ. إذا ثَبَتَ أنَّه شَرْطٌ لازمٌ فلم يَفِ لها به، فلها الفَسْخُ؛ ولهذا قال الذى قَضَى عليه عمرُ بلُزُومِ الشَّرْطِ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فلم يَلْتَفِتْ عمرُ إلى ذلك، وقال: مقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. ولأنَّه شَرْطٌ لازمٌ فى عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ والضَّمِينِ فى البَيْعِ.
ارجع إلى الشروط في النكاح والمهر للاطلاع على جميع المسائل.