ز- شرطت عليه أن يطلق ضرتها

الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط في النكاح والمهر > ز- شرطت عليه أن يطلق ضرتها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ز- شرطت عليه أن يطلق ضرتها - الأقوال والأدلة

وكانَ الحَسنُ لا يَرى بأسًا أنْ يَتزوَّجَها على أنْ يَجعلَ لهَا في الشَّهرِ أيَّامًا مَعلومةً.

ولعلَّ كَراهةَ مَنْ كَرهَ ذلكَ راجعٌ إلى إبطالِ الشَّرطِ، وإجازةَ مَنْ أجازَهُ راجعٌ إلى أصلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقةً على صحَّةِ النِّكاحِ وإبطالِ الشَّرطِ كما قُلنا، واللهُ أعلَمُ.

وقالَ القاضي: إنِّما كَرهَ أحمدُ هذا النِّكاحَ؛ لأنهُ يَقعُ على وجهِ السِّرِّ، ونِكاحُ السِّرِّ مَنهيٌّ عنه، فإنْ شُرطَ عليه تَركُ الوطءِ احتَملَ أنْ يَفسدَ العقدُ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي المَقصودَ مِنْ النِّكاحِ، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ، وكذلكَ إنْ شُرطَ عليه أنْ لا تُسلَّمَ إليه، فهو بمَنزلةِ ما لو اشتَرى شَيئًا على أنْ لا يَقبضَه.

وإنْ شرَطَ عليها أنْ لا يطأَها لم يَفسدْ؛ لأنَّ الوطءَ حَقُّه عليها وهي لا تَملِكُه عليه، ويَحتملُ أنْ يَفسدَ؛ لأنَّ لها فيهِ حقًّا، ولذلكَ تَملكُ مُطالَبتَه بهِ إذا آلَى والفسخَ إذا تَعذَّرَ بالجَبِّ والعُنَّةِ (١).

ز- شرَطتْ عليهِ أن يُطلقَ ضَرَّتَها:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا يَنبغي للمرأةِ أنْ تَشتَرطَ على الرَّجلِ في عَقدِ نِكاحِها أنْ يُطلِّقَ زَوجَتَه حتَّى تَتزوَّجَه، بأنْ تَتزوَّجَه وتَشتَرطَ عليهِ طلاقَ ضَرَّتها؛ لما رواهُ أبو هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَستَفرِغَ صَحفَتَها، ولْتَنكحْ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٧٢، ٧٣).
(٢) رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (١٤٠٨).

وفي لفظٍ: «نَهَى رَسولُ اللهِ أنْ تَسألَ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَكتَفِئَ ما في صَحْفَتِها، فإنَّ اللهَ ﷿ رازِقُها» (١).

وفي لَفظٍ: «لا يَحلُّ لامرأةٍ تَسألُ طلاقَ أُختِها لتَستَفرِغَ صَحفَتَها، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها» (٢).

وفي لَفظٍ: «نهَى رَسولُ اللهِ أنْ تَشتَرطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٣).

قالَ الدَّهلويُّ رحمة الله عليه: السِّرُّ فيهِ أنَّ طلَبَ طلاقِها اقتِضابٌ عليها وسَعيٌ في إبطالِ مَعيشتِها، ومِن أعظَمِ أسبابِ فَسادِ المَدينةِ أنْ يَقتضِبَ واحدٌ على الآخَرِ وجهَ مَعيشتِه، وإنَّما المَرضيُّ عندَ اللهِ أنْ يَطلبَ كلُّ واحدٍ مَعيشتَه بما يسَّرَ اللهُ لهُ مِنْ غيرِ أنْ يَسعَى في إزالةِ مَعيشةِ الآخَرِ (٤).

لكنَّ أكثرَ الفُقهاءِ يَرَونَ أنَّ النِّكاحَ لا يَبطلُ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّ نهيَه المرأةَ عنِ اشتِراطِها طلاقَ أُختِها أنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ بذلكَ ماضٍ جائزٌ، ولَئِنْ لم يكنْ ماضِيًا لمْ يكنْ لِنهيِه عنْ ذلكَ معنًى، وكانَ اشتِراطُها ذلكَ كَلَا اشتِراطِها (٥).

(١) رواه مسلم (١٤٠٨).
(٢) رواه البخاري (٤٨٥٧).
(٣) رواه البخاري (٢٥٧٧).
(٤) «حجة الله البالغة» (١/ ٦٨٥).
(٥) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٧٣).

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وقَولُه : «لا تَشتَرط المرأةُ طلاقَ أُختِها» حُجَّةٌ لمَن أجازَ الشُّروطَ المَكروهةَ؛ لأنهُ لو لم تَكنْ هذه الشُّروطُ عامِلةً إذا وَقعَتْ لمْ يكنْ لنَهيِه عنِ اشتِراطِ المرأةِ طلاقَ أُختِها معنًى، ولَكانَ اشتِراطُها ذلكَ كَلَا اشتِراطٍ، فكذلكَ ما شابَهَ ذلكَ مِنَ الشُّروطِ، وإنْ كانَتْ مَكروهةً فهي لازِمةٌ؛ لقَولِه : «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بها ما استَحلَلتُم بهِ الفُرُوجَ» (١).

إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا إذا وقَعَ النِّكاحُ بهذا الشَّرطِ، هل يَصحُّ الشَّرطُ أم لا؟

فالحنفيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ يَرَونَ أنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، إلَّا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: أنه شَرطٌ غيرُ لازمٍ، فإنْ وفَّى لها فحَسنٌ، وإنْ لمْ يُوفِّي لها فلها صَداقُ المِثلِ.

قالَ الحَنفيةُ: لو تَزوَّجَ امرأةً بألفٍ على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها فإنْ وفَّى لها فلها الألفُ، وإلِّا فمَهرُ المِثلِ، وكذا لو تَزوَّجَها على أقلَّ مِنْ مَهرِ مِثلِها على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها، فإنْ أبَى أنْ يُطلِّقَ لم يُجبَرْ على ذلكَ؛ لأنهُ شرَطَ الطَّلاقَ، وإيقاعُ الطَّلاقِ لا يَصحُّ التِزامُه في الذِّمَّةِ، فلا يَلزمُه بالشَّرطِ شيءٌ، ولكنْ لها كَمالُ مهرِ مثلِها؛ لأنَّ لها في طلاقِ ضَرَّتِها مَنفعةٌ، فإنَّما رَضيَتْ بدونِ مَهرِ مثلِها بشَرطِ أنْ تُسلَّمَ لها هذهِ المَنفعةُ، فإذا لم تُسلَّمْ كانَ لها كَمالُ مَهرِ مثلِها (٢).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ١١٦).
(٢) «المبسوط» (٥/ ٨٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٥١)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٧١، ١٧٣)، و «الأشباه والنظائر» (٤١٠)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٧٣٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٢٤، ١٢٥).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: المَرأةَ إذا شَرطَتْ عليهِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ الشَّرطُ؛ لأنهُ لا يُنافي العقدَ ولها فيهِ فائدةٌ، فأشبَهَ ما لو شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها، ولكنْ لا يَجبُ الوفاءُ بهِ بل يُسنُّ، فإنْ لمْ يَفِ الزَّوجُ بشَرطِها فلها الفَسخُ؛ لأنهُ شَرطٌ لازمٌ في عَقدٍ، فثَبتَ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ بهِ كالرَّهنِ والضَّمينِ في البَيعِ، وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ، فكانَ على التَّراخي تَحصيلًا لمَقصودِها كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلَّا بما يَدلُّ على الرِّضا منها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ مِنها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْهُ لم يَسقطْ خِيارُها، لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يَكونُ له أثرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعتِه قبْلَ البَيعِ (١).

وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغَيرُه: أنَّه لا يَصحُّ الشَّرطُ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ أنْ تَشتَرطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٢)، والنَّهيُ يَقتضِي فَسادَ المَنهيِّ عنهُ، ولأنها شَرطَتْ عليهِ فسْخَ عَقدِه وإبطالَ حقِّهِ وحقِّ امرَأتِه، فلمْ يَصحَّ، كما لو شَرطَتْ عليهِ فسْخَ بَيعِه (٣).

(١) «الفروع» (٥/ ١٦٢، ١٦٣)، و «المبدع» (٧/ ٨١، ٨٢)، و «الإنصاف» (٨/ ١٥٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٩، ١٠٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦).
(٢) رواه البخاري (٢٥٧٧).
(٣) «المغني» (٧/ ٧٢)، والشرح «الكبير» (٧/ ٥٢٨).

وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ تَزوَّجَها على شَرطِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ النِّكاحُ وفسَدَ الشَّرطُ، ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ، سواءٌ زادَ عنِ المُسمَّى أو نقَصَ أو ساواه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: مالكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا تَسألِ المَرأةُ طلاقَ أُختِها لِتَستَفرِغَ صَحْفتَها، ولْتَنكحْ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (٢).

في هذا الخبَرِ مِنْ الفقهِ أنهُ لا يَنبغِي أنْ تَسألَ المرأةُ زوْجَها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها لتَنفرِدَ به، فإنِّما لها ما سبَقَ بهِ القَدَرُ عليها لا يَنقصُها طلاقُ ضَرَّتِها شَيئًا ممَّا جَرى بهِ القَدَرُ لها ولا يَزيدُها، وقالَ الأخفَشُ: كأنهُ يُريدُ أنْ تُفرِغَ صَحْفةَ تلكَ مِنْ خَيرِ الزَّوجِ وتأخذَهُ هي وحْدَها.

قالَ أبو عُمرَ: وهذا الحَديثُ مِنْ أحسَنِ أحاديثِ القَدَرِ عندَ أهلِ العِلمِ والسُّنةِ، وفيهِ أنَّ المَرءَ لا يَنالُه إلَّا ما قُدِّرَ له، قالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، والأَمرُ في هذا واضِحٌ لمَن هَداهُ اللهُ، والحَمدُ للهِ.

وفِقهُ هذا الحَديثِ: أنهُ لا يَجوزُ لامرَأةٍ ولا لوَليِّها أنْ يَشتَرطَ في عَقدِ نِكاحِها طلاقَ غَيرِها، ولهذا الحَديثِ وشبهِه استَدلَّ جماعةٌ مِنْ العُلماءِ بأنَّ شرْطَ المرأةِ على الرَّجلِ عندَ عَقدِ نِكاحِها أنها إنِّما تَنكحُه على أنَّ كلَّ مَنْ

(١) «روضة الطالبين» (٥/ ١٢٦).
(٢) رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (١٤٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الإيلاء
١٣٠٣ - مسألة؛ قال: (فإن لم يطلق، طلق الحاكم عليه)

١٣٠٣ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ)

وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا امْتنَعَ مِن الفَيْئَةِ بعدَ التَّرَبُّصِ، أو امْتنَعَ المعذورُ من الفَيْئَةِ بلسانِه، أو امْتنَعَ من الوَطْءِ بعدَ زَوالِ عُذْرِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ. فإِنْ طَلَّقَ ، وَقَعَ طلاقُه الَّذى أوقَعَه، واحدةً كانت أو أَكْثَرَ. وليس للحاكِمِ إجْبارُه على أكثرَ مِن طَلْقَةٍ؛ لِأنَّه يَحْصُلُ الوفاءُ بِحقِّها بها؛ فإنَّها تُفْضِى إلى البَيْنُونةِ، والتَّخَلُّصِ مِن ضَررِه. وإن امْتنَعَ من الطَّلاقِ، طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبهذا قال مالِكٌ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، ليس للحاكم الطَّلاقُ عليه؛ لأنَّ ما خُيِّرَ الزَّوْجُ فيه بين أمرَيْنِ، لم يَقُمِ الحاكمُ مَقامَه فيه، كالاختيارِ لبعضِ الزَّوْجاتِ فى حقِّ مَنْ أَسْلَمَ وتَحْتَه أكثرُ مِن أربعِ نسوةٍ، أو أُخْتانِ. فعلى هذا يَحْبِسُه، ويُضَيِّقُ عليه، حتى يَفِىءَ، أو يُطَلِّقَ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتَيْنِ. ولَنا، أَنَّ ما دخَلتْه النِّيابةُ، وتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّه، وامْتَنعَ مَنْ هو عليه، قامَ الحاكمُ مَقامَه فيه، كقَضاءِ الدَّيْنِ، وفارَقَ الاختيارَ، فإنَّه ما تَعَيَّنَ مُسْتحِقُّه. وهذا أصَحُّ فى المذهبِ. ليس للحاكمِ أن يأمُرَ بالطَّلاقِ ولا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لِأنَّه حقٌّ لها. وإنَّما الحاكمُ يَسْتَوْفِى لها الحقَّ، فلا يكونُ إلَّا عندَ طَلَبِها.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 199 - 203

ارجع إلى الشروط في النكاح والمهر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله