الصورة الثالثة: أن تكون مستبرأة من الزنا وغير حامل

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > الصورة الثالثة: أن تكون مستبرأة من الزنا وغير حامل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 38 دقيقة قراءة

الصورة الثالثة: أن تكون مستبرأة من الزنا وغير حامل - الأقوال والأدلة

داخلةٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكلُّ مَنْ كانَتْ كذلكَ جازَ نكاحُها (١).

الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ مُستبرَأةً مِنْ الزِّنا وغيرَ حامِلٍ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يجوزُ للمَرأةِ الزانيةِ أنْ تَتزوَّجَ مَنْ زَنَى بها إذا لم تَكنْ حامِلًا واستُبْرِئتْ.

قالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد أجمَعَ أهلُ الفتوى مِنَ الأمصارِ على أنه لا يَحرمُ على الزاني تزوُّجُ مَنْ زنَى بها (٢).

إلا أنهُم اختَلفُوا هل يُشترَطُ أنْ تَتوبَ مِنْ الزِّنا أم لا؟

بعدَ اتفاقِهم جَميعًا على أنه لا يُشترطُ تَوبةُ الزاني بها إذا نكَحَها اتفاقًا.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يُشترطُ أنْ تتوبَ مِنَ الزنا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذَكَرَ المحرَّماتِ مِنْ ذواتِ الأنسابِ ثمَّ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فكان على عمومه في العفيفةِ والزانيةِ.

(١) «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩)، و «المهذب» (٢/ ٤٥)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، و (١٤/ ٣٠٦)، و «البيان» (٩/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٩).
(٢) «فتح الباري» (٩/ ١٥٧).

ولمَا رويَ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ فقالَ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ امرأتِي لا تَدفعُ يدَ لامسٍ، فقالَ : طَلِّقْها، فقالَ: إني أُحبُّها وهيَ جَميلةٌ، فقالَ : استَمتِعْ بها» وفي روايةٍ: «أَمسِكْها إذًا» (١)، والمرادُ بالنكاحِ في الآيةِ الوَطءُ، يعني: الزانيةُ لا يَطؤُها إلا زانٍ في حالةِ الزِّنا، والدليلُ عليه أنه قالَ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، ولا يَحلُّ للمُسلمةِ الزانيةِ أنْ تَتزوَّجَ بمُشركٍ، ولو كانَ المرادُ العقدَ لَجازَ، ويَجوزُ أنْ يكونَ معنَى الآيةٍ إخبارًا عن رَغبةِ كلِّ واحدٍ مِنَ الزاني والزانيةِ في الآخَرِ، على معنَى أنَّ الزاني الفاسقَ لا يَرغبُ إلا في نكاحِ مثلِهِ، وقيلَ: مَنسوخةٌ بقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] وبقَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

وعنِ النَّبيِّ قالَ: «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» (٢)، وهذا نَصٌّ، ولأنه مُنتشِرٌ في الصحابةِ بالإجماعِ، رُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعُمرَ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ، فرُويَ عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «إذا زنَى رَجلٌ بامرأةٍ لم يَحرمْ عليه نكاحُها».

ورُويَ عن عمرَ رضي الله عنه أنَّ رَجلًا تزوَّجَ امرأةً وكانَ له ابنٌ مِنْ غيرِها ولها بنتٌ مِنْ غيره، ففجَرَ الغُلامُ بالجاريةِ وظهَرَ بها حَمْلٌ، فلمَّا قَدِمَ عمرُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي (٣٢٢٩، ٣٤٦٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٠١٥).

مكَّةَ رُفِعَ إليهِ فسألَهُما فاعتَرفَا، فجلَدَهما عمرُ الحَدَّ، وحرَصَ أنْ يَجمعَ بينَهما فأبَى الغلامُ.

ورُويَ عن عبدِ الله بنِ عُمرَ أنه كانَ له أمَةٌ وعَبدٌ فظهَرَ بالأمَةِ حَمْلٌ فاتَّهمَ بها الغُلامَ، فسَألَه فأنكَرَ، وكانَ للغُلامِ إصبعٌ زائدةٌ، فقالَ له: إنْ أتَتْ بولدٍ له أصبعٌ زائدةٌ جَلدتُكَ، فقالَ: نعَمْ، فوضَعَتْ ولدًا له أصبعٌ زائدةٌ فجلَدَهُ ثمَّ زوَّجَه بها.

ورُويَ عنِ ابنِ عباسٍ أنه سُئِلَ: أيتزوَّجُ الزاني بالزانيةِ؟ فقالَ: نَعمْ … فهذا قولُ مَنْ ذكَرْنا، ولَم يَصحَّ عن غيرِهم خِلافُه، فصارَ إجماعًا.

وأمَّا قولُ اللهِ تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)[النور: ٣]، فقدِ اختَلفَ أهلُ التأويلِ فيها على ثَلاثةِ أقاويلَ:

أحَدُها: أنها نزَلَتْ مَخصوصةً في رَجلٍ مِنَ المُسلمينِ استأذَنَ رسولَ اللهِ في امرأةٍ يُقالُ لها أمُّ مَهزولٍ مِنْ بغايَا الجاهليةِ مِنْ ذواتِ الراياتِ، وشرَطَتْ له أنْ تُنفِقَ عليه، وكذلكَ كُنَّ نِساءٌ مَعلوماتٌ يَفعلَنْ ذلكَ فيَتزوَّجْنَ الرَّجلَ مِنْ فُقراءِ المسلمِينَ لتُنفِقَ المرأةُ مِنهنَّ عليه، فنَهاهُم اللهُ عن ذلكَ، فأنزَلَ اللهُ هذهِ الآيةَ فيهِ، وهذا قولُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ومُجاهدٍ.

والقولُ الثاني: أنَّ المرادَ بالآيةِ أنَّ الزاني لا يَزنِي إلا بزِانيةٍ والزانيةَ لا يَزني بها إلا زانٍ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ.

والقولُ الثالثُ: أنَّ الوِلايةَ عامَّةٌ في تَحريمِ نكاحِ الزانيةِ على العَفيفِ ونكاحِ العَفيفةِ على الزاني، ثمَّ نسَخَه قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وهذا قولُ سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ.

ولأنها خاليةٌ مِنَ الأسبابِ المانعةِ مِنْ نكاحِها، فجازَ العقدُ عليها كغيرِ الزانيةِ، ولأنَّ الزنا ليسَ فيه أكثَرُ مِنْ كونِه كَبيرةً يُعاقَبُ عليها، وذلكَ لا يَمنعُ إنكاحَها كالسَّرقةِ وشُربِ الخمرِ والقتلِ (١).

قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: واختَلفَ السلفُ في تزويجِ الزانيةِ، فرُويَ عن أبِي بكرٍ وعُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عمرَ ومُجاهدٍ وسليمانَ بنِ يسارٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ في آخَرِينَ مِنْ التابعينَ أنَّ مَنْ زنَى بامرأةٍ أو زنَى بها غيرُه فجائزٌ له أنْ يتزوَّجَها، ورُويَ عن عليٍّ وعائشةَ والبَراءِ

(١) «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥١١)، و «الاستذكار» (٧/ ٥١٢)، و «التفريع في فقه الإمام مالك» لابن الجلاب (٢/ ٧٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٥١٣)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩)، و «المعونة» (١/ ٥٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٧، ٣١٨) رقم (١١٥٣، ١١٥٤)، و «عيون المسائل» مسألة (٦٦٢) و «الحاوي الكبير» (٩/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المهذب» (٢/ ٤٥)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، و (١٤/ ٣٠٦)، و «البيان» (٩/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٩)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٨، ١٣٩).

وإحدَى الروايتَينِ عنِ ابنِ مَسعودٍ أنهما لا يَزالانِ زانِيَينِ ما اجتَمعَا، وعن عليٍّ إذا زنَى الرَّجلُ فُرِّقَ بينَه وبينَ امرأتِه، وكذلكَ هيَ إذا زنَت.

قالَ أبو بكرٍ: فمَن حظَرَ نكاحَ الزانيةِ تأوَّلَ فيه هذهِ الآيةَ، وفُقهاءُ الأمصارِ مُتفِقونَ على جوازِ النكاحِ، وأنَّ الزِّنا لا يُوجِبُ تَحريمَها على الزوجِ ولا يُوجبُ الفرقةَ بينَهما، ولا يخلُو قولُه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] مِنْ أحدِ وجهَين:

إمَّا أنْ يكونَ خبَرًا، وذلكَ حقيقتُه، أو نهيًا وتَحريمًا، ثمَّ لا يخلُو مِنْ أنْ يكونَ المرادُ بذِكرِ النكاحِ هنا الوطءُ أو العقدُ، ومُمتنعٌ أنْ يُحمَلَ على معنَى الخبَرِ وإنْ كانَ ذلكَ حَقيقةَ اللفظِ؛ لأنَّا وجَدْنا زانيًا يَتزوجُ غيرَ زانيةٍ وزانيةً تَتزوجُ غيرَ الزاني، فعَلِمْنا أنه لم يَرِدْ مَورِدَ الخبَرِ، فثبَتَ أنه أرادَ الحكمَ والنهيَ، فإذا كانَ كذلكَ فليسَ يَخلو مِنْ أنْ يكونَ المُرادُ الوطءَ والعقدَ، وحقيقةُ النكاحِ هو الوطءُ في اللغة؛ لِمَا قد بيَّناه في مَواضعَ، فوجَبَ أنْ يكونَ مَحمولًا عليه، على ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومَن تابَعَه في أنَّ المُرادَ الجِماعُ، ولا يُصرَفُ إلى العقدِ إلا بدَلالةٍ؛ لأنه مَجازٌ، ولأنه إذا ثبَتَ أنه قد أُريدَ به الحقيقةُ انتَفى دخولُ المَجازِ فيه، وأيضًا فلو كانَ المرادُ العقدَ لم يكنْ زِنَا المرأةِ أو الرجلِ مُوجِبًا للفُرقةِ إذ كانا جَميعًا موصوفَين بأنهما زانيَانِ؛ لأنَّ الآيةَ قدِ اقتَضَتْ إباحةَ نكاحِ الزاني للزانيةِ، فكانَ يجبُ أنْ يجوزَ للمرأةِ أنْ تَتزوجَ الذي زنَى بها قبلَ أنْ يتوبَا، وأنْ لا يكونَ زِناهما في حالِ الزوجيةِ يُوجبُ الفرقةَ، ولا نعلمُ أحدًا يقولُ ذلكَ، وكانَ يجبُ أنْ يجوزَ للزاني أنْ

يتزوجَ مُشرِكةً وللمرأةِ الزانيةِ أنْ تتزوجَ مُشرِكًا، ولا خلافَ في أنَّ ذلكَ غيرُ جائزٍ، وأنَّ نكاحَ المشركاتِ وتزويجَ المشركينَ مُحرَّمٌ منسوخٌ، فدَلَّ ذلكَ على أحدِ المعنَيَينِ: إمَّا أنْ يكونَ المرادُ الجِماعَ على ما رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ ومَن تابَعَه، أو أنْ يكونَ حكمُ الآيةِ مَنسوخًا على ما رُويَ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ …

ومِنَ الناسِ مَنْ يَقولُ: إنَّ تَزويجَ الزانيةِ وإمساكَها على النكاحِ مَحظورٌ مَنهيٌّ عنه ما دامَتْ مُقيمةً على الزنا وإنْ لم يُؤثِّرْ ذلكَ في إفسادِ النكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى إنما أباحَ نكاحَ المُحصناتِ مِنَ المؤمناتِ ومِن أهلِ الكتابِ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يعني العَفائفَ منهنَّ، ولأنها إذا كانت كذلكَ لا يُؤمَنُ أنْ تأتيَ بولدٍ مِنَ الزنِا فتَلحقَه بهِ وتورثَه مالَه، وإنما يُحملُ قولُ مَنْ رخَّصَ في ذلكَ على أنها تائبةٌ غيرُ مُقيمةٍ على الزنا، ومِنَ الدليلِ على أنَّ زِناها لا يُوجبُ الفرقةَ أنَّ اللهَ تعالَى حَكَمَ في القاذفِ لزوجتِه باللعانِ ثم بالتفريقِ بينَهما، فلو كانَ وجودُ الزنا منها يُوجبُ الفرقةَ لَوجَبَ إيقاعُ الفرقةِ بقذفِه إياها؛ لاعتِرافِه بما يُوجبُ الفرقةَ، ألَا ترى أنه لو أقَرَّ أنها أختُه مِنَ الرضاعةِ أو أنَّ أباهُ قد كانَ وَطئَها لَوقعَتِ الفرقةُ بهذا القولِ.

فإنْ قيلَ: لمَّا حَكَمَ اللهُ تعالى بإيقاعِ الفرقةِ بعدَ اللعانِ دَلَّ ذلكَ على أنَّ الزنا يُوجِبُ التحريمَ، لولا ذلكَ لَمَا وجَبَتِ الفرقةُ باللعانِ.

قيلَ لهُ: لو كانَ كما ذكَرْتَ لوجَبَتِ الفُرقةُ بنفسِ القذفِ دونَ اللِّعانِ، فلمَّا لم تَقعْ بالقذفِ دلَّ على فَسادِ ما ذكَرْتَ.

فإنْ قيلَ: إنما وقَعَتِ الفرقةُ باللعانِ؛ لأنه صارَ بمَنزلةِ الشهادةِ عليها بالزنا، فلمَّا حُكمَ عليها بذلكَ حُكمَ بوقوعِ الفرقةِ لأجلِ الزنا.

قيلَ له: وهذا غَلطٌ أيضًا؛ لأنَّ شهادةَ الزوجِ وحْدَه عليها بالزنا لا تُوجبُ كونَها زانيةً، كما أنَّ شهادتَها عليه بالإكذابِ لا تُوجبُ عليه الحكمَ بالكذبِ في قذفِه إياها؛ إذْ ليسَتْ إحدى الشهادتَينِ بأَولى مِنْ الأُخرى، ولو كانَ الزوجُ مَحكومًا له بقَبولِ شهادتِه عليها بالزنا لَوجبَ أنْ تُحَدَّ حَدَّ الزنا، فلمَّا لم تُحَدَّ بذلكَ دلَّ على أنه غيرُ مَحكومٍ عليها بالزنا بقولِ الزوجِ، واللهُ أعلَمُ بالصوابِ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ نكاحُها حتَّى تُوجَدَ التوبةُ منها، فمتى تزوَّجَها قبلَ التوبةِ كانَ النكاحُ فاسِدًا ويُفرَّقُ بينَهما، والتوبةُ: أنْ تُراوَدَ على الزنَا فتَمتنِعَ منه؛ لِمَا رُويَ أنه قيلَ لعُمرَ: كيفَ تَعرِفُ توبتَها؟ قالَ: يُريدَها على ذلكَ، فإنْ طاوعَتْهُ فلم تَتُبْ، وإنْ أبَتْ فقدْ تابَتْ، فصارَ أحمدُ إلى قولِ عُمرَ اتِّباعًا له، قالَ في «الاختيارات»: وعلى هذا كُلُّ مَنْ أرادَ مُخالَطةَ إنسانٍ امتَحنَه حتى يَعرِفَ بِرَّه أو فُجورَه أو تَوبتَه، ويَسألُ ذلكَ مَنْ يَعرفُه، وهذا هوَ المذهبُ؛ لنَصِّ الإمامِ في روايةِ إسحاقَ بنِ هانئٍ وقد سُئلَ: ما عِلْمُه بأنها قد

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٠٨، ١١٠).

تابَتْ؟ قال: يُريدُها على ما كانَ أرادَها عليهِ، فإنِ امتنَعَتْ فهيَ تائبةٌ يَتزوَّجُها، وإنْ طاوَعتْهُ فلا يتزوَّجُها، وكذلكَ نقَلَ أبو طالبٍ عنْهُ، وهوَ مَرويٌّ عنِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ، فإنْ تابَتْ وانقَضَتْ عدَّتُها حلَّتْ لزَانٍ كغيرِه، ولا يُقالُ: المُراوَدةُ مِنَ التجسُّسِ على العَيبِ المَنهيِّ عنه بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]؛ لأنَّا نَقولُ: الأمورُ بمَقاصدِها، والقصدُ بمُراوَدتِها العِلمُ بأنها تَصلحُ فِراشًا له أو لغيرِه فيُقدِمُ على ذلكَ، أو بعدمِه فلا يُقدِمُ هوَ عليه، ويَنصحُ مَنْ كانَ غافلًا أو مَنِ استنصَحَه في ذلكِ، إذِ النَّصيحةُ واجِبةٌ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ، وليسَ الغَرضُ العِلمَ بعَيبِها فقطْ.

وقيلَ: تَوبتُها كتوبةِ غيرِها ندمٌ وإقلاعٌ وعَزمٌ أنْ لا تَعودَ مِنْ غيرِ مُراوَدةٍ، واختارَه المُوفَّقُ وغيرُه، وقالَ: لا يَنبغي امتِحانُها بطلبِ الزنَا منها بحالٍ.

فعَلى هذا القولِ تكونُ تَوبتُها كتوبةِ غيرِها، فإذا نَدمَتْ وأقلَعَتْ وعزَمَتْ على أنْ لا تَعودَ فإنها تَصحُّ تَوبتُها ولو لم تُراوَدْ؛ لأنَّ التوبةَ مِنْ سائرِ الذنوبِ في حقِّ سائرِ الناسِ بالنسبةِ إلى سائرِ الأحكامِ على غيرِ هذا الوجهِ، فكذلكَ هُنا.

والقَصدُ العِلمُ بأنها تَصلحُ فراشًا له أو لغَيرِه؛ استِدلالًا بقولِه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)[النور: ٣]، فكانَ ما تَقدَّمَ مِنْ المَنعِ وتَعقَّبَ مِنْ التحريمِ نَصًّا لا يَجوزُ خِلافُه (١).

(١) «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «الإنصاف» (٨/ ١٣٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١١٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٩).

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: أنها لا تَحلُّ حتى تَتوبَ، وهذا هوَ الذي دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتبارُ، والمَشهورُ في ذلكَ آيةُ النُّورِ قولُه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)[النور: ٣]، وفي السُّنَنِ حديثُ أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ في عَنَاقَ، والذين لم يَعمَلوا بهذه الآيةِ ذكَرُوا لها تأويلًا ونَسخًا، أمَّا التأويلُ فقالُوا: المرادُ بالنكاحِ الوطءُ، وهذا ممَّا يَظهرُ فسادُه بأدنى تأملٍ:

أمَّا أولًا: فلَيسَ في القرآنِ لَفظُ نكاحٍ إلَّا ولا بدَّ أنْ يُرادَ به العقدُ وإنْ دخَلَ فيه الوطءُ أيضًا، فأمَّا أنْ يُرادَ به مُجردُ الوطءِ فهذا لا يُوجَدُ في كتابِ اللهِ قطُّ.

وثانيها: إنَّ سبَبَ نزولِ الآيةِ إنما هو استفتاءُ النبيِّ في التزوجِ بزانيةٍ، فكيفَ يكونُ سَببُ النزولِ خارِجًا مِنَ اللفظِ.

الثالثُ: إنَّ قولَ القائلِ: «الزاني لا يَطأُ إلَّا زانيةً، أو الزانيةُ لا يَطؤُها إلا زانٍ» كقولِه: «الآكِلُ لا يأكلُ إلَّا مأكولًا، والمأكولُ لا يأكلُه إلا آكِلٌ، والزوجُ لا يَتزوجُ إلا بزَوجةٍ، والزوجةُ لا يَتزوجُها إلا زوجٌ»، وهذا كلامٌ يُنَزَّهُ عنه كلامُ اللهِ.

الرابعُ: إنَّ الزاني قد يَستكْرِه امرأةً فيطؤُها فيكونُ زانيًا ولا تَكونُ

زانيةً، وكذلكَ المرأةُ قد تَزني بنائمٍ ومُكرَهٍ على أحدِ القولَين ولا يَكونُ زانيًا.

الخامسُ: إنَّ تحريمَ الزِّنى قد عَلِمَه المُسلمونَ بآياتٍ نزلَتْ بمِكةَ، وتحريمُه أشهَرُ مِنْ أنْ تَنزلَ هذه الآيةُ بتَحريمِه.

السادسُ: قالَ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فلو أُريدَ الوطءُ لم يَكنْ حاجةٌ إلى ذِكْرِ المُشركِ؛ فإنه زانٍ، وكذلكَ المُشرِكةُ إذا زنَى بها رجلٌ فهيَ زانيةٌ، فلا حاجةَ إلى التقسيمِ.

السابعُ: أنَّه قد قالَ قبْلَ ذلكَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فأيُّ حاجةٍ إلى أنْ يَذكرَ تحريمَ الزِّنى بعدَ ذلكَ.

وأمَّا النسخُ: فقالَ سعيدُ بنُ المسيِّبِ وطائفةٌ: نَسَخَها قولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ولمَّا عَلِمَ أهلُ هذا القولِ أنَّ دعوَى النسخِ بهذه الآيةِ ضعَيفٌ جدًّا ولم يَجدُوا ما يَنسخُها فاعتَقَدوا أنه لم يَقُلْ بها أحدٌ قالوا: «هيَ مَنسوخةٌ بالإجماعِ» كما زعَمَ ذلكَ أبو عليٍّ الجُبائيُّ وغيرُه، أمَّا على قولِ مَنْ يَرى مِنْ هؤلاءِ أنَّ الإجماعَ يَنسخُ النصوصَ كما يُذكَرُ ذلكَ عن عيسى بنِ أبانَ وغيرِه، وهوَ قولٌ في غايةِ الفسادِ مَضمونُه: أنَّ الأمَّةَ يَجوزُ لها تَبديلُ دِينِها بعْدَ نبيِّها وأنَّ ذلكَ جائزٌ لهم كما تَقولُ النصارى أُبيحَ لعُلمائِهم أنْ يَنسخُوا مِنْ شَريعةِ المسيحِ ما يَرونَه، وليسَ هذا مِنْ أقوالِ المسلمِينَ، وممَّن يَظنُّ الإجماعَ مَنْ يَقولُ: الإجماعُ دلَّ على نَصٍّ ناسخٍ لم يبلُغْنَا، ولا حديثَ إجماعٍ في خلافِ هذهِ الآيةِ، وكلُّ مَنْ عارَضَ نصًّا بإجماعٍ وادَّعى

نسْخَه مِنْ غيرِ نصٍّ يُعارِضُ ذلكَ النصَّ فإنه مُخطئٌ في ذلكَ، كما قد بُسطَ الكلامُ على هذا في موضعٍ آخرَ وبُيِّنَ أنَّ النصوصَ لم يُنسَخْ منها شيءٌ إلا بنَصٍّ باقٍ مَحفوظٍ عندَ الأمَّةِ، وعِلمُها بالناسخِ الذي العملُ به أهَمُّ عندَها مِنْ عِلمِها بالمَنسوخِ الذي لا يَجوزُ العملُ به، وحِفظُ اللهِ النصوصَ الناسخةَ أَولى مِنْ حفظِه المَنسوخةَ، وقولُ مَنْ قالَ: «هيَ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]» في غايةِ الضعفِ؛ فإنَّ كونَها زانيةً وَصفٌ عارِضٌ لها يُوجِبُ تحريمًا عارِضًا، مثلَ كونِها مُحرَّمةً ومُعتدَّةً ومَنكوحةً للغير ونحوِ ذلكَ ممَّا يُوجِبُ التحريمَ إلى غايةٍ، ولو قُدِّرَ أنها مُحرَّمةٌ على التأبيدِ لكانَتْ كالوثَنيةِ، ومَعلومٌ أنَّ هذه الآيةَ لم تَتعرَّضْ للصفاتِ التي بها تَحرمُ المرأةُ مُطلَقًا أو مُؤقَّتًا، وإنما أمَرَ بإنكاحِ الأيامَى مِنْ حيثُ الجُملةِ، وهو أمرٌ بإنكاحهنَّ بالشروطِ التي بيَّنَها، وكما أنها لا تُنكَحُ في العدَّةِ والإحرامِ لا تُنكَحُ حتى تتوبَ …

ثمَّ قالَ: وبالجُملةِ فهذهِ المَسألةُ في قلوبِ المُؤمنينَ أعظَمُ مِنْ أنْ تَحتاجَ إلى كَثرةِ الأدلَّةِ، فإنَّ الإيمانَ والقُرآنَ يحرِّمُ مثلَ ذلكَ، لكنْ لمَّا كانَ قد أباحَ مثلَ ذلكَ كثيرٌ مِنْ عُلماءِ المسلمِينَ -الذين لا رَيبَ في عِلمِهم ودِينِهم مِنَ التابعِين ومَن بعدَهم وعُلوِّ قَدْرِهم- بنوعِ تأويلٍ تأوَّلوهُ احتِيجَ إلى البسطِ في ذلكَ، ولهذا نَظائرُ كثيرةٌ يكونُ القولُ ضَعيفًا جدًّا وقد اشتَبهَ أمرُه على كَثيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ والإيمانِ وساداتِ الناسِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعلِ العِصمةَ عندَ تنازُعِ المسلمِينَ إلَّا في الردِّ إلى الكتابِ والسُّنةِ،

وكلُّ أحدٍ يُؤخَذُ مِنْ قولِه ويُتركُ إلا رَسولَ اللهِ الذي لا يَنْطِقُ عن الهوَى (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: والصوابُ القولُ بأنَّ هذهِ الآيةَ مُحكَمةٌ يُعمَلُ بها لم يَنسخْها شيءٌ، وهي مُشتمِلةٌ على خبَرٍ وتَحريمٍ، ولم يأتِ مَنْ ادَّعى نَسْخَها بحُجَّةٍ ألبتةَ، والذي أشكَلَ منها على كثيرٍ مِنَ الناسِ واضحٌ بحَمدِ اللهِ تعالَى، فإنهم أشكَلَ عليهم قولُه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] هل هو خبَرٌ أو نهيٌ أو إباحةٌ؟ فإنْ كانَ خبَرًا فقدْ رَأيْنا كثيرًا مِنْ الزُّناةِ يَنْكِحُ عفيفةً، وإنْ كانَ نهيًا فيكونُ قد نهَى الزاني أنْ يتزوَّجَ إلا بزانيةٍ أو مُشرِكةٍ، فيكونُ نهيًا له عن نكاحِ المُؤمناتِ العَفائفِ، وإباحةً له في نكاحِ المُشركاتِ والزَّواني، واللهُ سُبحانَه لم يُرِدْ ذلكَ قَطعًا، فلمَّا أشكَلَ عليهم ذلكَ طلَبوا للآيةِ وجهًا يَصحُّ حَملُها عليه، فقالَ بعضُهم: «المرادُ مِنَ النكاحِ الوطءُ والزنا، فكأنَّه قالَ: الزاني لا يَزني إلا بزانيةٍ أو مُشرِكةٍ»، وهذا فاسدٌ؛ فإنه لا فائدةَ فيه، ويُصانُ كلامُ اللهِ تعالَى عن حَمْلِه على مثلِ ذلكَ، فإنه مِنَ المعلومُ أنَّ الزاني لا يزنِي إلَّا بزانيةٍ، فأيُّ فائدةٍ في الإخبار بذلكَ، ولمَّا رَأى الجُمهورُ فسادَ هذا التأويلِ أَعرضوا عنه.

ثمَّ قالَتْ طائفةٌ: «هذا عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنَى، والمرادُ به رَجلٌ واحدٌ وامرأةٌ واحدةٌ، وهيَ عَنَاقُ البَغيُّ وصاحبُها، فإنه أَسْلَمَ واستأذَنَ رسولَ اللهِ في نكاحِها فنزَلَتْ هذه الآيةُ»، وهذا أيضًا فاسدٌ؛ فإنَّ هذه الصُّورةَ المعينةَ

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١٣، ١٢٠).

وإنْ كانَتْ سبَبَ النُّزولِ فالقرآنُ لا يُقتصرُ به على مَحالِّ أسبابِه، ولو كانَ كذلكَ لَبطَلَ الاستدلالُ به على غيرِها.

وقالَت طائفةٌ: «بلِ الآيةُ مَنسوخةٌ بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]»، وهذا أَفسَدُ مِنَ الكلِّ، فإنه لا تعارُضَ بينَ هاتَين الآيتَين ولا تُناقِضُ إحداهُما الأُخرى، بل أمَرَ سُبحانَه بإنكاحِ الأيامَى وحرَّمَ نكاحَ الزانيةِ كما حرَّمَ نكاحَ المعتدَّةِ والمُحرِمةِ وذواتِ المحارِمِ، فأينَ الناسخُ والمَنسوخُ في هذا؟

فإنْ قيلَ: فما وجهُ الآيةِ؟ قيلَ: وَجهُها -واللهُ أعلَمُ- أنَّ المتزوِّجَ أُمِرَ أنْ يتزوَّجَ المُحصَنةَ العفيفةَ، وإنما أُبيحَ له نكاحُ المرأةِ بهذا الشرط كما ذكَرَ ذلكَ سُبحانَه في سُورتَي النِّساءِ والمائدةِ، والحكمُ المُعلَّقُ على الشرطِ يَنتفي عند انتفائِه، والإباحةُ قد عُلِّقَت على شَرطِ الإحصانِ، فإذا انتَفى الإحصانُ انتَفَتِ الإباحةُ المَشروطةُ به، فالمتزوِّجُ إمَّا أنْ يلتِزمَ حُكمَ اللهِ وشرْعَه الذي شَرَعَه على لسانِ رَسولِه أو لا يَلتزمَه، فإنْ لم يَلتزمْه فهو مُشرِكٌ لا يَرضى بنكاحه إلا مَنْ هو مُشركٌ مثلَه، وإنِ التزمَه وخالَفَه ونكَحَ ما حُرِّمَ عليه لمْ يَصحَّ النكاحُ فيكونُ زانيًا، فظهَر معنَى قولِه: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتبيَّنَ غايَةَ البيانِ، وكذلكَ حُكمُ المرأةِ، وكما أنَّ هذا الحُكمَ هو موجَبُ القُرآنِ وصريحُه، فهو موجَبُ الفِطرةِ ومُقتضى العقلِ، فإنَّ اللهَ سبحانَه حرَّمَ على عبدِه أنْ يكونَ قَرنانًا ديُّوثًا زوْجَ بغيٍّ، فإنَّ اللهَ تعالَى فطَرَ الناسَ على استِقباحِ ذلك واستِهجانِه، ولهذا إذا بالَغُوا في

سَبِّ الرجلِ قالُوا: «زوجُ قَحبةٍ»، فحرَّمَ اللهُ على المُسلمِ أنْ يكونَ كذلكَ، فظهَرَتْ حِكمةُ التحريمِ وبانَ مَعنى الآيةِ، واللهُ المُوفِّقُ.

وممَّا يُوضِحُ التحريمَ وأنه هو الذي يَليقُ بهذه الشَّريعةِ الكاملةِ: أنَّ هذهِ الجِنايةَ مِنَ المرأةِ تَعودُ بفسادِ فِراشِ الزوجِ وفسادِ النسَبِ الذي جَعَلَه اللهُ تعالَى بينَ الناسِ لتَمامِ مَصالِحِهم، وعَدَّهُ مِنْ جُملةِ نِعَمِه عليهم، فالزِّنا يُفضي إلى اختلاطِ المياهِ واشتباهِ الأنسابِ، فمِن مَحاسنِ الشريعةِ تَحريمُ نكاحِ الزانيةِ حتى تَتوبَ وتُستبْرَأَ.

وأيضًا فإنَّ الزانيةَ خَبيثةٌ كما تقدَّمَ بيانُه، واللهُ سُبحانَه جعَلَ النكاحَ سَببًا للمودَّةِ والرَّحمةِ، والمودة: خالِصُ الحُبِّ، فكيفَ تكونُ الخَبيثةُ مَودودةً للطيِّبِ زوجًا له؟ والزوجُ سُمِّيَ زوجًا مِنْ الازدِواجِ وهوَ الاشتباهُ، فالزَّوجانِ: الاثنانُ المُتشابهانِ، والُمنافَرةُ ثابتةٌ بينَ الطيِّبِ والخَبيثِ شرعًا وقدَرًا، فلا يَحصلُ معها الازدواجُ والتراحمُ والتوادُّ، فلقدْ أحسَنَ كُلَّ الإحسانِ مَنْ ذهَبَ إلى هذا المَذهبِ ومنَعَ الرجلَ أنْ يكونَ زوْجَ قَحْبةٍ.

فأينَ هذا مِنْ قَولِ مَنْ جوَّزَ أنْ يتزوَّجَها ويطَأَها الليلةَ وقد وَطئَها الزاني البارحةَ؟ وقالَ: «ماءُ الزاني لا حُرمةَ له»، فهَبْ أنَّ الأمرَ كذلكَ فماءُ الزوجِ له حُرمةٌ، فكيفَ يَجوزُ اجتماعُه معَ ماءِ الزاني في رَحمٍ واحدٍ؟

والمَقصودُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه سَمَّى الزَّواني والزُّناةَ خَبيثِينَ وخَبيثاتٍ، وجنسُ هذا الفعلِ قد شُرعَتْ فيه الطهارةُ وإنْ كانَ حَلالًا، وسُمِّيَ فاعلُه جُنبًا لبُعدِه عن قَراءةِ القرآنِ وعنِ الصلاةِ وعنِ المَساجدِ، فمُنِعَ مِنْ ذلكَ كلِّه

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به

أَجَلَهُنَّ؛ لِأَنَّ أَجَلَهُنَّ مُدَّةُ حَمْلِهِنَّ، وَهَذِهِ الْعِدَّةُ إنَّمَا تَجِبُ لِئَلَّا يَصِيرَ الزَّوْجُ بِهَا سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ النِّكَاحِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ الْعِدَّةَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا جَازَ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ تَضَعْ لِئَلَّا يَصِيرَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَّةِ وَمَا تَنْقَضِي بِهِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 420 - 433

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله