الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > الصورة الثانية: أن تكون زانية ولم تستبرأ من الزنا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالصُّورةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ زانيةً ولم تُستبرَأْ مِنْ الزنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ الزانيةِ إذا زنَتْ ولم يَظهرْ عليها حَملٌ، هل يَصحُّ عقدُ النكاحٍ عليها أو وَطؤُها وإنْ لم تُستَبْرَأ؟ أم لا بدَّ مِنْ استبرائِها بالعدَّةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ إلى أنه لا يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الزانيةِ حتى تُستبْرَأَ.
قالَ المالِكيةُ: إذا زنَتِ المَرأةُ أو غُصِبَتْ وجَبَ عليها الاستبراءُ مِنْ وَطئِها بثلاثِ حِيَضٍ، ولا يجوزُ نكاحُها حتَّى تُستبْرَأَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَه زرْعَ غَيرِه» (١)، ولأنه لا يَلحقُ بالمتزوِّجِ، فلمْ يَجُزْ له العقدُ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبْلَ أنْ يَستبْرِئَها فهو كالناكحِ في العدَّةِ، ولا يَحلُّ لهُ أبدًا إنْ كانَ وطؤُه في ذلكَ.
قالَ مالكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حرَّةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بولَدٍ بعدَ شهرِ إنهُ لا ينكحُها أبدًا؛ لأنهُ وطَأَها في عدَّةٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أمَّا حُجةُ مالكٍ فإنه قاسَ استبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةِ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجَميعِ كالنكاح الصحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٥٨)، وأحمد (١٧٠٣١).
الزنى؛ لأنهُ لا يَستبرئُ رَحِمَ غيرِه في حرَّةٍ بأقلَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: ورَأى مالكٌ أنَّ ماءَ الزنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألَّا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلطَ الحرامُ بالحَلالِ ويُمزجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العِزةِ، فكانَ نظرُ مالكٍ أشَدَّ مِنْ نظَرِ سائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا زَنَتِ المرأةُ لم يَحلَّ لمَن يَعلمُ ذلكَ نكاحُها إلَّا بعدَ انقضاءِ عدَّتها، فإنْ حَملَتْ مِنْ الزنا فقَضاءُ عدَّتِها بوَضعِه، ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وَضعِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَحلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَهُ زرْعَ غَيرِه» (٣)، يعني وَطءَ الحواملِ، وقولِ النبيِّ ﷺ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٤)، وهو عامٌّ.
ورويَ عن سَعيد بنِ المسيبِ عن رجلٍ مِنَ الأنصارِ يُقال له بصرةُ قالَ: تَزوجْتُ امرأةً بكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هي حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ
(١) «الاستذكار» (٧/ ٥١٢).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٧، ٣١٨) رقم (١١٥٣، ١١٥٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٩).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٥٨)، وأحمد (١٧٠٣١).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٥٧)، والترمذي (١٥٦٤).
ﷺ: «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهو ظاهرٌ في عدمِ صِحةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.
وعن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه «عن النبي ﷺ أنَّه أُتيَ بامرَأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لقد هَمَمتُ أنْ ألعَنَهُ لَعنًا يَدخلُ معهُ قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدمُه وهو لا يَحِلُّ لهُ؟» (٢)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحَواملِ.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٣١)، والحاكم في «المستدرك» (٢٧٤٦).
(٢) رواه مسلم (١٤٤١) قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «شرح صحيح مسلم»: قولُه: «أتَى بامرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطاطٍ» المُجِحُّ بميمٍ مَضمومةٍ ثمَّ جيمٍ مَكسورةٍ ثم حاءٍ مُهمَلةٍ: وهي الحاملُ التي قَرُبتْ ولادتُها، وفي الفُسطاطِ سِتُّ لُغاتٍ: فُسطاطٌ، وفُستاطٌ، وفُسَّاطٌ بحذفِ الطاءِ والتاءِ لكنْ بتَشديدِ السينِ، وبضَمِّ الفاءِ وكَسرِها في الثلاثةِ، وهو نحو بيتِ الشَّعرِ، قولُه: «أتَى بامرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطاطٍ فقالَ: لعلَّه يُريدُ أنْ يُلمَّ بها؟ فقالوا: نعمْ: فقالَ: لقدْ هَمَمْتُ أنْ ألَعنَه لعنًا يَدخلُ معه قَبرهُ، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحلُّ له؟ كيفَ يَستخدمُه وهو لا يَحلُّ له؟» معنَى «يُلِمُّ بها» أي: يَطأُها وكانَتْ حاملًا مَسبيةً لا يَحلُّ جِماعُها حتى تضَعَ، وأما قولُه ﷺ: «كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحلُّ له؟ كيفَ يَستخدمُه وهو لا يَحلُّ له؟» فمعناهُ أنه قد تَتأخرُ وِلادتُها ستةَ أشهُرٍ حيثُ يُحتملُ كونُ الولدِ مِنْ هذا السابِي، ويُحتملُ أنه كانَ ممَّن قبلَه، فعلى تَقديرِ كونِه مِنْ السابي يكونُ ولَدًا له ويَتوارثانِ، وعلى تَقديرِ كونِه مِنْ غيرِ السابي لا يَتوارثانِ هو ولا السابي؛ لعدمِ القَرابةِ، بل له استِخدامُه؛ لأنه مَملوكُه، فتَقديرُ الحديثِ أنه قد يَستلحقُه ويَجعلُه ابنًا له ويُورِّثُه مع أنه لا يَحلُّ له تَوريثُه؛ لكونِه ليسَ منه ولا يَحلُّ تَوارثُه ومُزاحَمتُه لباقي الورَثةِ، وقد يَستخدمُه استخدامَ العَبيدِ ويَجعلُه عبدًا يتملَّكُه مع أنه لا يَحلُّ له ذلكَ؛ لكونِه منه إذا وضَعَتْه لمدَّةٍ مُحتمِلةِ كونِه مِنْ كلِّ واحدٍ منهُما، فيَجبُ عليه الامتناعُ مِنْ وَطئِها خوفًا مِنْ هذا المَحظورِ، فهذا هو الظاهِرُ في معنَى الحَديثِ، وقالَ القاضي عِياضٌ: معناهُ الإشارةُ إلى أنه قد يُنمَّى هذا الجنينُ بنُطفةِ هذا السابي، فيَصيرُ مُشارِكًا فيه، فيَمتنعُ الاستخدامُ، قالَ: وهو نَظيرُ الحديثِ الآخَرِ: «مَنْ كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَسْقِ ماءَه ولَدَ غيرِه»، هذا كَلامُ القاضي، وهذا الذي قالَه ضَعيفٌ أو باطلٌ، وكيفَ يَنتظمُ التَّوريثُ مع هذا التأويلِ؟ بل الصَّوابُ ما قدَّمناهُ، واللهُ أعلَمُ. «شَرح النَّوويِّ على صَحيحِ مُسلمٍ» (١٠/ ١٤، ١٥).
وإذا ثبَتَ هذا لزمَتْها العدَّةُ وحَرُمَ عليها النكاحُ فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرحمِ، ولأنها قبْلَ العدَّةِ يَحتملُ أنْ تكونَ حامِلًا فيكونَ نكاحُها باطِلًا، فلمْ يَصحَّ كالموطوءةِ بشُبهةٍ؛ لأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحاملِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وَطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ ولَدُها مِنَ الأولِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مِنَ الثاني، فيُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، فكانَ بالتحريمِ أَولى، ولأنه وطءٌ في القُبلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشبهةِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وكلُّ معتدَّةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نكاحٍ فاسدٍ فقِياسُ المَذهبِ تحريمُ نكاحِها على الواطئِ وغيرِه، والأَولى حِلُّ نكاحِها لمَن هي معتدَّةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه
(١) «الإفصاح» (٢/ ١٣٩)، و «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «زاد المعاد» (٥/ ١٠٤)، و «الفروع» (٥/ ٩٩، ١٠٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).
نَسبُ ولدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصيانةِ نسبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائِه المُحترمِ ولا يُحفظُ نَسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها ومَن لا يَلحقُه نَسبُ ولَدِها، كالزانية لا يَحلُّ له نكاحُها؛ لأنَّ نكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النسبِ، فالواطئُ كغيره في أنَّ الولدَ لا يَلحقُ نسبُه بواحدٍ منهِما (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ومالكٌ وأحمدُ يَشترطانِ الاستبراءَ، وهوَ الصوابُ، لكنْ مالكٌ وأحمدُ في روايةٍ يَشترطانِ الاستبراءَ بحَيضةٍ، والروايةُ الأُخرى عن أحمدَ هي التي عَليها كثيرٌ مِنْ أصحابه كالقاضي أبي يَعلى وأتباعِه أنه لا بدَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ، والصحيحُ أنه لا يَجبُ إلا الاستبراءُ فقط؛ فإنَّ هذهِ ليسَتْ زوجةً يَجب عليها عدَّةٌ، وليسَتْ أعظَمَ مِنَ المُستبْرَأةِ التي يَلحقُ ولدُها سيِّدَها، وتلكَ لا يَجبُ عليها إلَّا الاستبراءُ، فهذه أَولى (٢).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ نكاحُ الزانيةِ وإنْ رَآها تَزني وإنْ لم تُستبْرَأَ مِنَ الزنا، وله أنْ يطأَها قبلَ أنْ يَستبْرِئَها، كما لو رَأى امرأتَه تَزني لم يَحرمْ عليهِ وَطؤُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه ﷺ: «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحلالَ»، والعقدُ على الزانيةِ كانَ حلالًا قبلَ الزنا وقبلَ الحَملِ، فلا يُحرِّمُه الزنا.
(١) «المغني» (٨/ ١٠٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١٠).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في بيان أركان الطلاق وما يتعلق بها]
أَوْ وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً، أَوْ كَالْقَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، فَثَلَاثٌ فِيهِمَا.
(فَصْلٌ) وَرُكْنُهُ: أَهْلٌ،
ــ
منح الجليل
أَحْسَنِهِ، أَوْ أَجْمَلِهِ أَوْ أَفْضَلِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ أَكْثَرَ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً) أَوْ خَبِيثَةً أَوْ مُنْكَرَةً، أَوْ شَدِيدَةً، أَوْ طَوِيلَةً (أَوْ) كَبِيرَةً (كَالْقَصْرِ) أَوْ الْجَبَلِ، أَوْ الْبَلَدِ، أَوْ الْمِصْرِ، أَوْ إلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ تَمْلَأُ الْأَرْضَ، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ. سَحْنُونٌ: لَوْ قَالَ: وَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ فَوَاحِدَةٌ، أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ) لَوْ قَالَ (ثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ فَثَلَاثٌ فِيهِمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا.
فَصَلِّ فِي بَيَان أَرْكَان الطَّلَاق وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.