الصورة الثانية: أن يتزوج من زنى بها دون استبرائها من الزنا

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > الصورة الثانية: أن يتزوج من زنى بها دون استبرائها من الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الصورة الثانية: أن يتزوج من زنى بها دون استبرائها من الزنا - الأقوال والأدلة

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَصحُّ العقدُ على الزانيةِ إذا كانَ العاقدُ هو الزاني، إذ لا حرمَةَ لماءِ الزنا، ويَحِلُّ وطؤُها وتَستحقُّ النَّفقةَ عندَ الحَنفيةِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الحامِلِ مِنَ الزنا ولو كانَ هو الزاني بها؛ لقَولِه ﷿: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعَمَّ، ولأنها حامِلٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحَواملِ (٢).

الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَتزوَّجَ مَنْ زنَى بها دُونَ استِبرائِها مِنْ الزِّنا:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَزنِيَّ بها يجوزُ نكاحُها إذا لم تَكنْ حامِلًا واستُبْرِئتْ.

(١) «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥١١)، و «المهذب» (٢/ ٤٥)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، و (١٤/ ٣٠٦)، و «البيان» (٩/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٥١٢)، و «التفريع في فقه الإمام مالك» لابن الجلاب (٢/ ٧٨)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩)، و «المعونة» (١/ ٥٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٧، ٣١٨) رقم (١١٥٣، ١١٥٤)، و «عيون المسائل» مسألة (٦٦٢)، و «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).

إلا أنهمُ اختَلفوا فيما لو زَنَى بها وأرادَ أنْ يَتزوجَها دونَ استِبراءٍ، هل يَجوزُ أم لا؟

فذهبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ نكاحُ الزانيةِ إلا بعدَ أنْ تُستبْرَأَ مِنْ الزِّنا.

قالَ المالِكيةُ: الرجلُ إذا زنَى بالمرأةِ ثم أرادَ نكاحَها فذلكَ جائزٌ له بعدَ أنْ يَستبْرِئَها عن مائِهِ الفاسدِ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبلَ أنْ يَستبرئَها فهوَ كالناكحِ في العدَّةِ، ولا تَحِلُّ له أبَدًا إنْ كانَ وَطأَه في ذلكَ.

قالَ مالكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حُرةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بولدٍ بعدَ شهرٍ إنهُ لا يَنكحُها أبدًا؛ لأنه وَطأَها في عدَّةٍ.

قالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أمَّا حُجةُ مالكٍ فإنهُ قاسَ استبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزِّنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةٍ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجميعِ كالنكاحِ الصحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ الزِّنى؛ لأنه لا يَستبْرِئُ رَحِمَ غيرِه في حُرةٍ بأقلَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).

وقالَ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: ورَأى مالكٌ أنَّ ماءَ الزِّنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألَّا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلَطَ الحرامُ بالحلالِ ويُمزَجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العزَّةِ، فكانَ نَظرُ مالكٍ أشدَّ مِنْ نَظرِ سائرِ فقهاءِ الأمصارِ (٢).

(١) «الاستذكار» (٧/ ٥١٢).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩).

وقالَ الحَنابلةُ: المرأةُ إذا زنَتْ لم يَحِلَّ نكاحُها إلا إذا استُبرئتْ بالأقراءِ أو الشُّهورِ عندَ عدمِ القُرْءِ، فيَلزمُها العدَّةُ ويَحرمُ نكاحُها فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرحمِ، ولأنها قَبْلَ العدَّةِ يُحتملُ أنْ تكونَ حامِلًا فيَكونَ نكاحُها باطلًا، فلمْ يَصحَّ كالموطوءةِ بشبهةٍ، ولأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحاملِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ولأنه وطءٌ في القُبل، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشبهةِ (١).

إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ قُدامةَ رحمة الله عليه قالَ: وكلُّ مُعتدَّةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصَّحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نكاحٍ فاسدٍ فقياسُ المَذهبِ تحريمُ نكاحِها على الواطئِ وغيرِه، والأَولى حِلُّ نكاحِها لمَن هيَ مُعتدَّةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه نَسبُ ولدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصِيانةِ نسبهِ، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائه المُحترمِ ولا يُحفظُ نسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَن لا يَلحقُه نسبُ وَلدِها كالزانيةِ لا يَحلُّ له نكاحُها؛ لأنَّ نكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، فالواطئُ كغيرِه في أنَّ الولدَ لا يَلحقُ نَسبُه بواحدٍ منهُما (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَصحُّ عقدُ النكاحِ على المرأةِ وإنْ لم تُستبرأْ حتى لو كانَتْ حاملًا مِنَ الزنا؛ لأنها مِنَ المُحلَّلاتِ بالنصِّ، فهيَ

(١) «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).
(٢) «المغني» (٨/ ١٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب في الشهادة في اللعان)

(باب في الشهادة في اللعان)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا جَاءَ الزَّوْجُ وَثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى امْرَأَتِهِ مَعًا بِالزِّنَا لَاعَنَ الزَّوْجُ فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ لِأَنَّ حُكْمَ الزَّوْجِ غَيْرُ حُكْمِ الشُّهُودِ لأن الشهود لا يلتعنون ويكونون عند أكثر العلماء قذفه يحدون إذا لم يتموا أربعة وإذا زعم بأنها قد وترثه في نفسه بأعظم من أن تأخذ كثير ماله أو تشتم عرضه أو تناله بشديد من الضرب بما يبقى عليه من العار في نفسه بزناها تحته وعلى ولده فلا عداوة تصير إليهما فيما بينها وبينه تكاد تبلغ هذا ونحن لا نجيز شهادة عدو على عدوه " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا شَهِدَ الزَّوْجُ مَعَ ثَلَاثَةٍ عُدُولٍ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ مَعَهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُقْبَلُ استدلالا بقوله عز وجل {واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاسشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} النساء: ١٥ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ الزَّوْجِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حَدٍّ غَيْرِ الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حَدِّ الزِّنَى كَالْأَجْنَبِيِّ.

وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} النور: ٦ فَلَمْ يَجْعَلْ لِشَهَادَتِهِ عَلَيْهَا حُكْمًا وَلَا جَعَلَ قَوْلَهُ عَلَيْهَا مَقْبُولًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 417 - 419

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل