الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > الضرب الثاني: أن يعقد على واحدة بعد أخرى، فهذا لا يخلو من صورتين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوحلَّتِ الثانيةُ مِنْ مُحرَّمتَي الجمعِ كأختَين إذا كانَ تحتَه إحداهُما ببَينونةِ الأُولى بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بانقضاءِ عدَّةِ رَجعيٍّ (١).
الضَّربُ الثاني: أنْ يَعقِدَ على واحدةٍ بعدَ أخرى، فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَعقدَ على واحدةٍ ثمَّ يَعقدَ على الثانيةِ وعلمَ أنها الثانيةُ:
فلا خِلافَ أنَّ نكاحَ الأُولى ثابتٌ صَحيحٌ؛ لأنه لا جمْعَ فيهِ، ونكاحُ الثانيةِ باطلٌ؛ لاستِقرارِ العقدِ على الأُولى قبلَ الجَمعِ؛ لأنَّ الجمعَ يَحصلُ به، فبالعَقدِ على الأُولى تَحرمُ الثانيةُ ولا يَصحُّ العقدُ عليها حتى تَبِينَ الأُولى منه ويَزولَ نكاحُها.
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَتزوَّجَهما في عقدَينِ ولا يَدري أيَّتهما أولًا:
هنا اختَلفَ الفقهاءُ فيه.
فقالَ الحَنفيةُ: إنْ تزوَّجَهما في عقدَينِ ولا يدري أيَّتهما أولًا فإنه لا يَتحرَّى في ذلكَ، ولكن يُفرَّقُ بينَهما وبينَه؛ لأنَّ نكاحَ إحداهُما باطلٌ بيقينٍ، ولا وجهَ إلى التعيينِ؛ لعَدمِ الأولَويةِ، ولا إلى التقييدِ معَ التجهيلِ، فيَتعينُ
(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢١٠، ٢١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٦٤، ٦٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٨، ٦٠٩)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٣٨، ٣٩).
التفريقُ، ويَلزمُه نصفُ الصَّداقِ، فيكونُ بينَهما -يعني نِصف المُسمَّى-؛ لأنه وجَبَ للأُولى وانعدَمَتِ الأولويةُ، فيُصرفُ إليهما جَميعًا (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا تزوَّجَ اثنتَينِ في عقدَينِ فُسخَ نكاحُ الثانيةِ مِنْ مُحرمتَي الجَمعِ بلا طلاقٍ، ولا مهرَ لها إذا فسخَ قبلَ الدُّخولِ، هذا إذا صدَّقتْه أنها الثانيةُ أو وُجِدتْ بينةٌ، أما إنْ لم تُصدِّقْه وادَّعَتْ أنها الأُولى ولا بيِّنةَ أو قالت: «لا عِلمَ عندي» فُسخَ نِكاحُها بطلاقٍ؛ عَملًا بإقرارِها، وحلَفَ الزوجُ أنها الثانيةُ وما هيَ الأُولى؛ لأجْلِ إسقاطِ النصفِ الواجبِ لها بالطلاقِ قبلَ المسيسِ على تقديرِ أنها الأُولى وأنَّ نكاحَها صحيحٌ؛ فإنْ نكَلَ غَرمَ لها نصفَ الصداقِ بمُجردِ نُكولِه، وإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ بعدَ الدخولِ فُسخَ النكاحُ بطلاقٍ وكانَ لها المهرُ كاملًا بالبناءِ ولا يَمينَ عليه وبقيَ على نكاحِه الأولِ بدَعواهُ مِنْ غيرِ تجديدِ عقدٍ.
وحلَّتِ الثانيةُ مِنْ مُحرمتَي الجَمعِ كأختَين إذا كانَ تحتَه إحداهُما ببَينونةِ الأُولى بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بانقضاءِ عدَّةِ رَجعيٍّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: فلو شكَّ في أيَّتهما نكَحَ أولًا فهذا على ضَربَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَطرأَ الشكُّ بعدَ تقدُّمِ اليقينِ، فنِكاحُهما مَوقوفٌ
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٧٤).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢١٠، ٢١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٦٤، ٦٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٨، ٦٠٩)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٣٨، ٣٩).
وإحداهُما زَوجةٌ مَجهولةُ العَينِ والأُخرى أجنبيةٌ وكلُّ واحدةٍ منهما مَمنوعةٌ منه ومِن غيرِه مِنَ الأزواجِ حتى يَبِينَ أمرُها، فإنْ صرَّحَ بطلاقِ إحداهما حلَّتْ لغيرِه، وكانَ تَحريمُها عليهِ بِحالةٍ، والأُخرى على التحريمِ، فإنِ استأنَفَ عليها عقدًا حلَّتْ له.
والضَّربُ الثاني: أنْ يكونَ الشكُّ مع ابتداءِ العقدِ لم يَتقدَّمْه يقينٌ، فنِكاحُها باطلٌ لا يُوقفُ على البيانِ؛ لعَدمِه، وهل يَفتقرُ بطلانُه إلى فَسخِ الحاكمِ أم لا؟ على وجهَين:
أحَدُهما: يَفتقرُ ويكونُ الإشكالُ والاشتباهُ باطلًا؛ لأنَّ ما لم يَتميَّزْ إباحتُه مِنْ الحظرِ غلبَ عليه حُكمُ الحظرِ.
والوجهُ الثاني: أنه لا يَنفسخُ إلا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنَّ العلمَ محيطٌ بأنَّ فيهما زوجةً، فلم يَكنِ الجهلُ بها مُوجِبًا لفَسخِ نكاحِها حتى يَتولاهُ مَنْ له مَدخلٌ في فَسخِ النكاحِ وهو الحاكمُ.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا عقَدَ الرجلُ على امرأةٍ نكاحًا فاسِدًا ثم تَزوجَ عليها أختَها فهذا على ضربَين:
أحَدُهما: أنْ يَعلمَ بفسادِ العقدِ الأولِ، فيكونُ نكاحُ الثانيةِ جائزًا، سَواءٌ عَلِمَ أنها أختُ الأُولى وقتَ العقدِ أو لم يَعلمْ.
والضَّربُ الثاني: أنْ لا يَعلمَ بفسادِ النكاحِ فيه حتَّى يَعقدَ على انتهاءٍ، فهذا على ضربَين:
أحدُهما: أنْ لا يَعلمَ وقتَ عَقدِه على الثانيةِ أنها أختُ الأُولى فيَكونُ نكاحُها جائزًا؛ لأنه لم يَقترنْ بعقدِه منعٌ.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَعلمَ وقتَ عَقدِه على الثانيةِ أنها أختُ الأُولى ولا يَعلمَ بفَسادِ نكاحِ الأُولى حتى يَعقدَ على الثانيةِ، فنكاحُ الثانيةِ باطلٌ؛ لأنه أقدَمَ على نكاحٍ هو مَمنوعٌ منه في الظاهرِ، فجَرَى عليه حُكمُ الحظرِ في الفَسادِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ تزوَّجَ مُحرَّمتَي الجَمعِ في عَقدَين ولم يَدْرِ أُولاهُما فعَليهِ فُرقتُهما معًا، قالَ أحمَدُ في رَجلٍ تزوَّجَ أختَينِ لا يَدرِي أيَّتَهما تَزوَّجَ أولًا: نُفرِّقُ بينَهُ وبينَهُما؛ وذلكَ لأنَّ إحداهُما مُحرَّمةٌ عليه ونِكاحُها باطلٌ ولا نَعرفُ المُحلَّلةَ له، فقدِ اشتَبهتَا عليهِ، ونكاحُ إحداهُما يَصحُّ ولا تُتيقَّنُ بَينونتُها منه إلا بطَلاقِهما جَميعًا أو فَسخِ نكاحِهما، فوجَبَ ذلكَ، كما لو زوَّجَ الوليَّانِ ولم يُعرَفِ الأولُ منهُما، وإنْ أحَبَّ أنْ يُفارِقَ إحداهُما ثمَّ يُجدِّدَ عقْدَ الأُخرى ويُمسكَها فلا بأسَ، وسواءٌ فعَلَ ذلكَ بقُرعةٍ أو بغيرِ قُرعةٍ.
ولا يَخلو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ لا يكونَ دخَلَ بواحدةٍ منهُما، فلهُ أنْ يَعقدَ على إحداهُما في الحالِ بعدَ فِراقِ الأُخرى.
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٠٥، ٢٠٦).
الثاني: إذا دخَلَ بإحداهُما، فإنْ أرادَ نكاحَها فارَقَ التي لم يُصِبْها بطَلقةٍ ثمَّ ترَكَ المُصابةَ حتى تَنقضيَ عدَّتُها ثم نكَحَها؛ لأننا لا نأمَنُ أنْ تكونَ هي الثانيةَ، فيَكونُ قد أصابَها في نكاحٍ فاسدٍ، فلِهذا اعتبَرْنا انقضاءَ عدَّتِها، ويَحتملُ أنْ يجوزَ له العقدُ عليها في الحالِ؛ لأنَّ النسَبَ لاحِقٌ به ولا يُصانُ ذلكَ عن مائهِ، وإنْ أحَبَّ نكاحَ الأُخرى فارَقَ المُصابةَ بطلقةٍ ثم انتظَرَها حتى تَنقضيَ عدَّتُها ثم تزوَّجَ أختَها.
القسمُ الثالثُ: إذا دخَلَ بهما، فليسَ له نكاحُ واحدةٍ منهُما حتى يُفارِقَ الأُخرى وتَنقضيَ عدَّتُها مِنْ حينِ فُرقتِها وتَنقضيَ عدَّةُ الأُخرى مِنْ حين أصابَها، وإنْ ولَدَتْ منه إحداهُما أو هما جَميعًا فالنسَبُ لاحقٌ به؛ لأنه إمَّا مِنْ نكاحٍ صحيحٍ أو نكاحٍ فاسدٍ، وكلاهُما يَلحقُ النَّسبُ فيه، وإنْ لم يُرِدْ نكاحَ واحدةٍ منهُما فارَقَهما بطَلقةٍ طلقةٍ.
فأما المَهرُ فإنْ لم يَدخلْ بواحدةٍ منهما فَلإحداهُما نِصفُ المَهرِ، ولا نَعلمُ مَنْ يَستحقُّه منهُما، فيَصطلحانِ عليهِ، وإنْ لم يفعَلَا أقرَعَ بينَهما فكانَ لمَن خرَجَتْ قُرعتُها مع يَمينِها، وقالَ أبو بكرٍ: اختِياري أنْ يَسقطَ المهرُ إذا كانَ مُجبَرًا على الطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وإنْ دخَلَ بواحدةٍ منهُما أقرَعَ بينَهما، فإنْ وقَعَتْ لغيرِ المُصابةِ فلها نِصفُ المهرِ وللمصابةِ مهرُ المثلِ بما استَحلَّ مِنْ فرجِها، وإنْ وقَعَتْ على المُصابةِ فلا شيءَ للأُخرى وللمُصابةِ المسمَّى جميعُه، وإنْ أصابَهما معًا فلإحداهُما المسمَّى وللأُخرى مهرُ المثلِ يقرعُ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب من له الكفارة بالصيام من كتابين)
(باب من له الكفارة بالصيام من كتابين)
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (مَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا وَلَا مَا يَشْتَرِي بِهِ مَمْلُوكًا كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِ كِفَايَتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: -
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ وَلَا عَلَى قِيمَتِهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ ولا يجزيه الصَّوْمُ إِجْمَاعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ بِالصِّيَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ سَوَاءً وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَوْ قِيمَتَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِمَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ سَوَاءً وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَوْ قِيمَتَهَا وَعَلَيْهِ الْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا.
ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.