الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > النوع الثاني: المحرمات بالرضاع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةالنوع الثاني: المحَرَّمات بالرَّضَاع:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ يَحرمُ مِنَ الرَّضاعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ في بنتِ حمْزَةَ: «لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هيَ بنتُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ» (١)، ففيهِ دليلٌ على أنَّ الرَّضاعَ مِنْ أسبابِ التَّحريمِ، وأنهُ بمَنزلةِ النسبِ في ثُبوتِ الحُرمةِ؛ لأنَّ ثبوتَ الحُرمةِ بالنَّسبِ لحَقيقةِ البعضيَّةِ أو شُبهةِ البعضيةِ، وفي الرَّضاعِ شُبهةُ البعضيةِ بما يَحصلُ باللبنِ الذي هوَ جُزءُ الآدَميةِ في إنباتِ اللَّحمِ وإنشازِ العَظمِ (٢).
وعن عَمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيَّ ﷺ أخبَرَتْها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ عِندَها، وأنها سَمعَتْ صَوتَ رَجلٍ يَستأذِنُ في بَيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-،
(١) رواه البخاري (٢٥٠٢)، ومسلم (١٤٤٧).
(٢) «المبسوط» (٥/ ١٣٢).
قالَتْ عائِشةُ: لو كان فُلانٌ حيًّا -لعَمِّها مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ علَيَّ؟، فقالَ: نَعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).
وعن عُروةَ بن الزُّبَيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: استَأذَنَ عَليَّ أفْلَحُ فلَمْ آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبنِ أخي، فقالَتْ: سأَلْتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «صدَقَ أفْلَحُ، ائْذنِي له» (٢).
قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُّ رحمة الله عليه: المَنصوصُ عليه في التَّنزيلِ مِنَ الرَّضاعِ الأمَّهاتُ والأخواتُ مِنَ الرَّضاعةِ، إلا أنه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ بالنقلِ المُستفيضِ المُوجِبِ للعلمِ أنهُ قالَ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واتَّفقَ الفُقهاءُ على استِعمالِه، واللهُ أعلَمُ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذهِ الأحاديثُ مُتفِقةٌ على ثبوتِ حُرمةِ الرَّضاعِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ثبوتِها بينَ الرضيعِ والمُرضِعةِ، وأنهُ يَصيرُ ابنَها يَحرمُ عليه نكاحُها أبدًا، ويَحِلُّ له النظرُ إليها والخَلوةُ بها والمُسافَرةُ، ولا يَترتبُ عليهِ أحكامُ الأمومةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، فلا يَتوارثانِ ولا يجبُ على واحدٍ منهما نَفقةُ الآخَرِ ولا يُعتَقُ عليه بالملكِ، ولا تُرَدُّ شهادتُه لها ولا يَعقِلُ عنها ولا يَسقطُ عنها القِصاص بقتلِه، فهُما كالأجنبيَّينِ في هذه الأحكامِ.
(١) رواه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (١٤٤٤).
(٢) رواه البخاري (٢٥٠١)، ومسلم (١٤٤٥).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٦٩).
وأجمَعُوا أيضًا على انتِشارِ الحُرمةِ بينَ المُرضِعةِ وأولادِ الرضيعِ، وبينَ الرضيعِ وأولادِ المُرضِعةِ، وأنهُ في ذلكَ كولدِها مِنَ النسبِ؛ لهذهِ الأحاديثِ (١).
فيَحرمُ بالرَّضاعِ سَبعٌ كما يَحرمُ بالنَّسبِ: الأمَّهاتُ والبناتُ والأخواتُ والعمَّاتُ والخالاتُ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ.
وبَيانُ ذلكَ أنَّ المرأةَ إذا أرضَعَتْ ولَدًا بلَبنٍ مِنْ زَوجٍ فالولدُ المُرضَعُ ابنٌ لها وللزوجِ؛ لأنَّ اللَّبنَ حادثٌ عنها بسَببٍ يَنتسبُ إلى الزوجِ، فاقتَضَى أنْ يكونَ المرضَعُ ابنًا لهُمَا كالمولودِ منهُما، وإذا كانَ كذلكَ كانتِ المرضِعَةُ أمًّا له، وكانَ أمَّهاتُها جَدَّاتِه مِنْ أمٍّ، وأباؤُها أجدادَهُ مِنْ أمٍّ، وبناتُها أخواتِه مِنْ أمٍّ، وإخوتُها أخوالَهُ مِنْ أمٍّ، وأخواتُها خالاتِه مِنْ أمٍّ، وكانَ الزوجُ أبًا لهُ، وآباؤُه أجدادَهُ مِنْ أبٍ، وأمهاتُه جَدَّاتِه مِنْ أبٍ، وبَنُوهُ إخوتَهُ مِنْ أبٍ، وإخوتُه أعمامَه وأخواتِه عمَّاتِه كذلكَ على تَرتيبِ الأنسابِ، فيكونُ على ما ذكَرْنا مِنَ الأحكامِ، فتَصيرُ المحرَّماتُ بالرَّضاعِ سَبعًا كما كانَ المحرَّماتُ بالأنسابِ سَبعًا، ويَتفرَّعُ عليهنَّ مَنْ ذكَرْنا مِنَ المُتفرِّعاتِ على المُناسباتِ.
فيَكونُ أختُ الأبِ مِنَ الرَّضاعِ عمَّتَهُ محرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجدِّ مِنَ الرضاعِ وآبائِهِ محرَّمةٌ كالعمةِ، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ.
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠١٩).
ويكونُ أختُ الأمِّ مِنَ الرضاعِ خالةً محرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا بنَسبٍ أو رضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجدَّةِ وأمُّها كالخالةِ في التحريمِ، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ.
وعلى هذا يكونُ حُكمُ سائرِ القَراباتِ مِنَ الرضاعِ يُحمَلُ على حكمِ القَراباتِ مِنَ النسبِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسَبِ (٢).
وأجمَعُوا على أنَّ البكرَ التي لم تُنكَحْ ثمَّ نزَلَ بها لَبنٌ فأرضَعَتْ به مَولودًا أنه ابنُها ولا أبَ له مِنَ الرَّضاعةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: كلُّ امرأةٍ حَرُمَتْ مِنَ النسبِ حَرمَ مثلُها مِنَ الرَّضاعِ، وهُنَّ: الأمَّهاتُ والبناتُ والأخواتُ والعمَّاتُ والخالاتُ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ على الوجه الذي شرَحْناه في النَّسبِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «يَحرمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرمُ منَ النسَبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وفي روايةِ مُسلمٍ: «الرَّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ»، وقالَ النبيُّ ﷺ في درةَ بنتِ أبي سلمَة: «إنها لو لم تَكنْ رَبيبتِي في حِجرِي ما حَلَّتْ لي، إنها ابنَةُ أخي مِنَ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأباها ثُوَيبةُ» مُتفَقٌ عليهِ، لأنَّ الأمَّهاتِ
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ١٩٨، ١٩٩).
(٢) «الإجماع» (٣٧٥).
(٣) «الإجماع» (٣٧٦).
والأخواتِ مَنصوصٌ عليهنَّ، والباقياتُ يَدخلْنَ في عُمومِ لَفطِ سائرِ المُحرَّماتِ، ولا نعلمُ في هذا خلافًا (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ الأمَّةِ أنه يَحرمُ مِنْ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرضاعِ محرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زَوجتُه؛ لأنَّ اللبنَ منهما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوهُ عمًّا وكانَتْ أختُ المرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنَ الرضاعِ: العمَّاتُ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخواتُ وبناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنَ النسَبِ، هذا معنى قولِه عليه السلام: «الرَّضاعةُ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ».
قالَ ابنُ المُنذرِ: إذا أرضَعَتِ امرأةُ الرَّجلِ جاريةً حَرمَتْ على ابنِه وعلى أبيه وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدِ ذكَرٍ وولدِ ولدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيه وأمه، وإذا كانَ المرضَعُ غلامًا حرَّمَ اللهُ عليه ولَدَ المرأةِ التي أرضَعَتْهُ وأولادَ الرَّجلِ الذين أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ له عمَّتُه مِنْ الرضاعةِ ولا خالتُه، ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أختِه مِنْ الرضاعةِ (٢).
(١) «المغني» (٧/ ٨٧).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٩٣).
قالَ الحَنفيةُ: وكذا كُلُّ مَنْ يَحرمُ بالصِّهريةِ مِنَ الفِرَقِ الأربعِ بالنسَبِ يَحرمُ بالرضاعِ، حتى يَحرمُ على الواطئِ أمُّ المَوطوءَةِ وبنتُها مِنْ جهةِ الرضاعِ.
وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبِ الواطِئِ وابنِه مِنْ جِهةِ الرَّضاعِ، ويَحرمُ موطوءةُ أبِ الرضاعِ على ابنِه مِنْ الرضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ ابنِ الرضاعِ على أبِ الرضاعِ.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وكذا كلُّ مَنْ يَحرمُ ممَّن ذكْرْنا مِنْ الفِرقِ الأربعِ بالمُصاهَرةِ يَحرمُ بالرضاعِ، فيَحرمُ على الرَّجلِ أمُّ زوجتِه وبنتُها مِنْ الرضاعِ، إلا أنَّ الأمَّ تَحرمُ بنفسِ العقدِ إذا كانَ صحيحًا والبنتَ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بالأمِّ كما في النسبِ، وكذا جَدَّاتُ الزوجةِ لأبيها وأمِّها وإنْ علَوْنَ، وبناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سفَلْنَ مِنَ الرضاعِ، وكذا يَحرمُ حَليلةُ ابنِ الرضاعِ وابنِ ابنِ الرضاعِ وإنْ سفَلَ على أبي الرضاعِ وأبي أبيه، وتَحرمُ مَنكوحةُ أبي الرضاعِ وأبي أبيه وإنْ علا على ابنِ الرضاع وابنِ ابنه وإنْ سفَلَ، وكذا يَحرمُ بالوطء أمُّ المَوطوءةِ وبنتُها مِنْ الرضاعِ على الواطئِ، وكذا جَداتُها وبناتُ بناتِها، وتَحرمُ الموطوءةُ على أبي الواطئِ وابنِه مِنْ الرضاعِ، وكذا على أجدادِه وإنْ علَوا، وعلى أبناءِ أبنائه وإنْ سفَلُوا، سواءٌ كانَ الوطءُ حلالًا بأنْ كانَ بمِلكِ اليمين أو كانَ الوطءُ بنكاحٍ فاسدٍ أو شُبهةِ نكاحٍ أو كانَ زنًا، والأصلُ أنهُ يَحرمُ بسَببِ الرضاعِ ما يَحرمُ
بسَببِ النسَبِ وسَببِ المصاهَرةِ إلا في مسألتَين يَختلفُ فيهما حُكمُ المُصاهَرةِ والرضاعِ (١).
وقالَ أيضًا: المرضِعةُ تَحرمُ على المرضَعِ؛ لأنها صارَتْ أمًّا له بالرضاعِ، فتَحرمُ عليهِ لقولِهِ ﷿: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولِهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسَمَّى ﷾ المرضِعَةَ أمَّ المرضَعِ وحرَّمَها عليهِ، وكذا بناتُها يَحرمْنَ عليهِ، سواءٌ كُنَّ مِنْ صاحبِ اللبنِ أو مِنْ غيرِ صاحبِ اللبنِ، مَنْ تقدَّمَ منهنَّ ومَن تَأخرَّ؛ لأنهنَّ أخواتُهُ مِنَ الرضاعةِ، وقدْ قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ اللهُ تعالَى الأخوَّةَ بينَ بناتِ المرضِعَةِ وبينَ المرضَعِ والحُرمةَ بينَهما مطلَقًا مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ أختٍ وأختٍ، وكذا بناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سَفَلْنَ؛ لأنهنَّ بناتُ أخِ المرضَعِ وأختهِ مِنَ الرضاعَةِ، وهنَّ يَحرمْنَ مِنَ النسَبِ، كذا مِنَ الرضاعةِ.
ولو أرضَعَتِ امرأةٌ صغيرَينِ مِنْ أولادِ الأجانبِ صارَا أخوَينِ؛ لكونِهما مِنْ أولادِ المرضِعةِ، فلا يَجوزُ المناكَحَةُ بينَهما إذا كان أحدُهما أنثى.
والأصلُ في ذلكَ: أنَّ كلَّ اثنَين اجتَمعَا على ثَديٍ واحِدٍ صارَا أخوَين أو أختَين أو أخًا وأختًا مِنْ الرضاعةِ، فلا يَجوزُ لأحدِهما أنْ يَتزوَّجَ بالآخَر ولا بولدِه كما في النسَبِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٢)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٢٤).
وأمَّهاتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ جَداتُه مِنْ قِبَلِ أمِّه مِنَ الرضاعةِ، وآباءُ المرضِعةِ أجدادُ المرضَعِ مِنَ الرضاعةِ، فيَحرمُ عليهِم كما في النسَبِ.
وأخواتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ خالاتُه مِنَ الرضاعةِ، وإخوتُها أخوالُ المرضَعِ، فيَحرمُ عليهم كما في النسَبِ.
فأمَّا بناتُ إخوَةِ المرضِعةِ وأخواتِها فلا يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ بناتُ أخوالِهِ وخالاتِهِ مِنَ الرضاعةِ، وإنهنَّ لا يَحرمْنَ مِنَ النسَبِ، فكذا مِنَ الرضاعةِ.
وتحرمُ المرضِعةِ على أبناءِ المرضَعِ وأبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلُوا كما في النسَبِ، هذا تَفسيرُ الحُرمةِ في جانبِ المرضِعةِ.
والأصلُ في هذهِ الجملةِ قولُ النبيِّ ﷺ: «يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ»، فيجبُ العملُ بعُمومِهِ إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المنذِرِ: ولا بأسَ أنْ يتزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ التي أرضعَتْ ابنَه، وكذلكَ يتزوَّجُ بنتَ المرأةِ التي هيَ رَضيعةُ ابنِه، ولأخِي هذا الصبيِّ المرضَعِ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ التي أرضعَتْ أخاه، ويَتزوَّج ابنتَها التي هيَ رضيعُ أخيهِ، وما أرادَ مِنْ ولَدِها وولَدِ ولدِها، وإنما يَحرمُ نِكاحُهنَّ على المرضَعِ، وهذا مَذهبُ مالكٍ والكوفيِّينَ والشافعيِّ وأبي ثورٍ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢، ٣).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١٩٤، ١٩٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في المحرمات بالرضاع
كِتَابُ الرَّضَاعِ فَصْلٌ فِي الْمُحْرِمَات بِالرَّضَاعِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نِكَاحًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالصِّهْرِيَّةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالرَّضَاعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمُحَرَّمَاتِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِيَّةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَهَذَا الْكِتَابُ وُضِعَ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي.
بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ صِفَةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ (فَصْلٌ) :
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ مِنْ الْفِرَقِ السَّبْعِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ؛ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَفِي جَانِبِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
(مسألة)
(كتاب مختصر ما يحرم من الرضاعة
من كتاب الرضاع ومن كتاب النكاح ومن أحكام القرآن)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ حَرُمَ مَعَ الْقَرَابَةِ {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخوانكم من الرضاعة} وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ " "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الرَّضَاعُ فَاسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ، وَقَدْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُنْتَشِرَةً بَيْنَهُمْ وَمَرْعِيَّةً عِنْدَهُمْ، حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَوَازِنَ لِمَا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ لِحُنَيْنٍ قَدِمَتْ وُفُودُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُسْلِمِينَ فَقَامَ فِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ وَاللَّائِي كُنَّ يُرْضِعْنَكَ وَيَكْفُلْنَكَ وَلَوْ أنا ملحنا أَيْ أَرْضَعْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ، أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَزَلْنَا بِمِثْلِ مَنْزِلِنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا وَفَائِدَتَهُمَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَافِلِينَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ)
(امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ)
(إِنْ لَمْ تدراكها نَعْمَاءُ نَسْتُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ)
(إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرضاع
١٣٧٣ - مسألة؛ قال: (ولو تزوج كبيرة وصغيرة، فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة في الحولين،
وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ من الثاني. وقال الشافعيُّ: إن لم يَنْتَهِ الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ منه اللبنُ، فهو للأوَّلِ، فإن بَلَغَ إلى حالٍ ينزلُ به اللبنُ، فزَادَ به، ففيه قَوْلان؛ أحدهما، هو للأوَّلِ. والثاني، هو لهما. ولَنا، أنَّ زِيادَتَه عندَ حُدُوثِ الحَمْلِ ظاهِرٌ في أنَّها منه، وبقاءُ لَبَنِ الأوَّلِ يَقْتَضِى كَوْنَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أن يُضافَ إليهما، كما لو كان الوَلَدُ منهما. الحال الخامس، انْقَطَعَ من الأوَّلِ، ثم ثابَ بالحَمْلِ من الثاني. فقال أبو بكر: هو منهما. وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ، إذا انْتَهَى الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبنُ؛ وذلك لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، فلما عاد بحُدُوثِ الحَمْلِ، فالظاهرُ أنَّ لَبَنَ الأوَّلِ ثابَ بِسَبَبِ الحمْلِ الثاني، فكان مُضافًا إليهما، كما لو لم يَنْقَطِعْ. واخْتار أبو الخَطَّابِ أنَّه من الثاني. وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّ لَبَنَ الأوَّلِ انْقَطَعَ، فزَال حُكْمُه بانْقِطاعِه، وحَدَثَ بالحَمْلِ من الثاني، فكان له، كما لو لم يكُنْ لها لَبَنٌ من الأوَّلِ. وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ من الثاني. وهو القولُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا يَقْتَضِى اللَّبَنَ، وإنَّما يَخْلُقُه اللَّه تعالى للوَلَدِ عندَ وُجُودِه لحاجَتِه إليه، والكلامُ عليه قد سَبَقَ.
١٣٧٣ - مسألة؛ قال: (ولَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وصَغِيرَةً، فلَمْ يَدْخُلْ بالْكَبِيرَةِ حَتَّى أرْضَعَتِ الصَّغِيرَةَ في الْحَوْلَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ. وإنْ كَانَ قَدْ دَخلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، ويَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ)
نَصَّ أحمدُ على هذا كلِّه. في هذه المسألة فصولٌ أربعة:
ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.