النوع الخامس: المحرمات بالكفر

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > النوع الخامس: المحرمات بالكفر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

النوع الخامس: المحرمات بالكفر - الأقوال والأدلة

النَّوعُ الخامِسُ: المُحرَّماتُ بالكُفرِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جوازِ نكاحِ المُسلمِ للكِتابيةِ، وأنه لا يَجوزُ نكاحُ المُشرِكاتِ والمَجوسيةِ وأيِّ امرأةٍ لا تَدِينُ بدِينٍ سَماويٍّ كمَن عبَدَ ما استَحسنَ مِنْ الأصنامِ والأحجارِ والشجرِ والحَيوانِ أنه تَحرمُ نِساؤُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فرخَّصَ مِنْ ذلكَ في أهلِ الكتابِ، فمَن عَداهُم يبقَى على ظاهرِ التحريمِ (١).

وقالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، معناهُ أي: أُنزلَتْ عليكم لِئلَّا تقولُوا: «إنِّما أُنْزِلَ الكتابُ على طائِفتَينِ مِنْ قَبلِنا»، ولو كانَ المَجوسُ مِنْ أهل الكتابِ لَكانَ أهلُ الكتابِ ثَلاثَ طوائفَ، فيُؤدِّي إلى الخُلْفِ في خَبَرِه ﷿ وذلكَ مُحالٌ، على أنَّ هذا لو كانَ حكايةً عن قولِ المُشركِينَ لَكانَ دليلًا على ما قُلنا؛ لأنه حَكَى عنهم القولَ ولم يعقبْه بالإنكارِ عليهم والتكذيبِ إياهم، والحكيمُ إذا حكَى عَنْ مُنكَرٍ غيَّرَه.

وسُئلَ أحمَدُ: أيَصحُّ عن عليٍّ أنَّ للمَجوسِ كتابًا؟ فقالَ: هذا باطلٌ، واستَعظَمَه جِدًّا، ولو ثبَتَ أنَّ لهم كتابًا فإنَّ حُكمَ أهلِ الكتابِ لا يَثبتُ لغير أهلِ الكتابَينِ.

(١) المَصادِر السَّابقَة.

وأمَّا قولُه : «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ» دليلٌ على أنه لا كِتابَ لهم، وإنما أرادَ به النبيُّ حقْنَ دمائِهم وإقرارَهم بالجِزيةِ لا غيرَ، وذلكَ أنهم لَمَّا كانَتْ لهم شبهةُ كِتابٍ غُلِّبَ ذلكَ في تحريمِ دمائِهم، فيَجبُ أنْ يُغلَّبَ حُكمُ التحريمِ لنِسائِهم وذبائحِهم، فإننا إذا غلَّبْنا الشبهةَ في التحريمِ فتَغليبُ الدليلِ الذي عارضَتْه الشبهةُ في التحريم أَولى، ولم يَثبتْ أنَّ حذيفةَ تزوَّجَ مَجوسيةً.

وأما إقرارُهم بالجِزيةِ فلِأنَّنا غلَّبْنا حُكمَ التحريمِ لِدمائِهم، فيَجبُ أنْ يُغلَّبَ حُكمُ التحريمِ في ذَبائحِهم ونسائِهم (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنه لا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الوثنيةَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، واختَلفُوا في نكاحِها بالمِلكِ (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومنها أنْ لا تَكونَ المرأةُ مُشرِكةً إذا كانَ الرجلُ مُسلمًا، فلا يجوزُ للمسلمِ أنْ يَنكحَ المُشرِكةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويَجوزُ أنْ يَنكحَ الكتابيةَ؛ لقولِه ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والفَرقُ أنَّ

(١) «المبسوط» (٤/ ٢١١)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩) رقم (١١٦٤)، و «البيان» (٩/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «الإشراف» لابن المنذر (٥/ ٩٤)، و «المغني» (٧/ ١٠٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣).

الأصلَ أنْ لا يَجوزَ للمسلمِ أنْ يَنكحَ الكافرةَ؛ لأنَّ ازدواجَ الكافرةِ والمُخالَطةَ معها مع قيامِ العَداوةِ الدِّينيةِ لا يَحصلُ السَّكنُ والمودةُ الذي هو قوامُ مَقاصِدِ النكاحِ، إلا أنه جوَّزَ نكاحَ الكتابيةِ لرَجاءِ إسلامِها؛ لأنها آمنَتْ بكُتُبِ الأنبياءِ والرُّسلِ في الجُملةِ، وإنما نقضَتِ الجملةَ بالتفصيلِ بناءً على أنها أُخبِرَتْ عنِ الأمرِ على خِلافِ حقيقتِه، فالظاهرُ أنها متَى نُبِّهَتْ على حقيقةِ الأمرِ تنبَّهتْ وتأتي بالإيمانِ على التفصيلِ على حَسبِ ما كانَتْ أتَتْ به على الجُملةِ.

هذا هوَ الظاهرُ مِنْ حالِ التي بُنِي أمرُها على الدليلِ دونَ الهوى والطبعِ، والزوجُ يَدعوها إلى الإسلام ويُنبِّهُها على حقيقةِ الأمرِ، فكانَ في نكاحِ المُسلمِ إياها رَجاءُ إسلامِها، فجوَّزَ نكاحَها لهذهِ العاقبةِ الحَميدةِ، بخلافِ المُشرِكةِ؛ فإنها في اختيارِها الشِّركَ ما ثبَتَ أمرُها على الحُجةِ، بل على التقليدِ بوُجودِ الإباءِ عن ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ ينتهيَ ذلكَ الخبَرُ ممَّن يَجبُ قَبول قولِه واتِّباعُه وهو الرسولُ، فالظاهرُ أنها لا تَنظرُ في الحُجةِ ولا تَلتفتُ إليها عندَ الدعوةِ، فيَبقى ازدواجُ الكافرِ مع قيامِ العَداوةِ الدينيةِ المانِعةِ عن السَّكنِ والازدواجِ والمودةِ خاليًا عن العاقبةِ الحَميدةِ، فلم يَجُزْ إنكاحُها، وسواءٌ كانتِ الكِتابيةُ حرَّةً أو أمَةً عندَنا.

وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ نكاحُ الأمَةِ الكتابيةِ، ويَحلُّ وَطؤُها بملكِ اليمين (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٠، ٢٧١) «المبسوط» (٤/ ٢١١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩) رقم (١١٦٤)، و «البيان» (٩/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «الإشراف» لابن المنذر (٥/ ٩٤)، و «المغني» (٧/ ١٠٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في المحرمات بالرضاع

كِتَابُ الرَّضَاعِ فَصْلٌ فِي الْمُحْرِمَات بِالرَّضَاعِ

قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نِكَاحًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالصِّهْرِيَّةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالرَّضَاعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمُحَرَّمَاتِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِيَّةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَهَذَا الْكِتَابُ وُضِعَ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي.

بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ صِفَةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ (فَصْلٌ) :

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ مِنْ الْفِرَقِ السَّبْعِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ؛ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَفِي جَانِبِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 451 - 453

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله