ثانيا: زواج الزانية من غير الزاني

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > ثانيا: زواج الزانية من غير الزاني

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ثانيا: زواج الزانية من غير الزاني - الأقوال والأدلة

حتى يَتطهَّرَ بالماءِ، فكذلكَ إذا كانَ حرامًا يُبعِدُ القلبَ عن اللهِ تعالى وعن الدارِ الآخرةِ، بل يَحولُ بينَه وبينَ الإيمانِ حتى يُحدِثَ طُهرًا كامِلًا بالتوبةِ وطُهرًا لبَدنِه بالماءِ (١).

ثانيًا: زَواجُ الزانيةِ مِنْ غيرِ الزَّاني:

نكاحُ الزانيةِ مِنْ غيرِ الزَّاني لا يَخلو مِنْ أحدِ ثَلاثِ صورٍ:

الصُّورةُ الأُولى: أنْ تَكونَ حامِلاً مِنْ الزنا:

اختَلفَ فُقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ في نكاحِ الحاملِ مِنَ الزنا؛ هل يَصحُّ عقدُ النكاحِ عليها أم لا؟ وهل يَحِلُّ وَطؤُها أم لا؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنه يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الحاملِ مِنَ الزنا؛ لأنها مِنَ المُحلَّلاتِ بالنصِّ، فهيَ داخلةٌ في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكلُّ مَنْ كانَتْ كذلكَ جازَ نكاحُها، ولأنَّ حَمْلَها لا يَلحقُ بأحدٍ، فكانَ وُجودُه كعَدمِه، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يطأَها حتَّى تضَعَ حمْلَها؛ لقولِ النبيِّ : «لا تُوطَأُ حاملٌ حتَّى تضَعَ» (٢)، وحُرمةُ الوطءِ كَيلَا يَسقي ماءَه زرْعَ غيرِه.

ثمَّ إذا جاءَتْ بالولدِ لسِتةِ أشهرٍ فصاعدًا بعدَ النكاحِ ثبَتَ نسَبُه ويَرِثُ منه، وإنْ جاءَتْ به لِأقلَّ مِنْ ذلكَ لا يَثبتُ نَسبُه ولا يَرثُ منه (٣).

(١) «إغاثة اللهفان» (١/ ٦٥، ٦٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٥٧)، والترمذي (١٥٦٤).
(٣) «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩).

وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ نكاحُ الحامِلِ مِنَ الزنا وله وَطؤُها على الصَّحيحِ كالحائلِ؛ إذ لا حُرمةَ له (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ عَقدُ النكاحِ على الحاملِ مِنَ الزنا؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزِ الوطءُ لحُرمةِ السَّقيِ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ لا يَترتَّبُ عليه حُكمُه لا يَصحُّ، ولأنه حَمْلٌ مُحترمٌ حتَّى لا يَجوزُ إسقاطُه.

ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وضعِ الحَملِ؛ لقولِ النبيِّ : «مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَسقي ماءَه زرْعَ غيرِه»، يعني وَطءَ الحوامِلِ، وقولِ النبيِّ : «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٢)، وهوَ عامٌّ.

ورُويَ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ عن رَجلٍ مِنْ الأنصار يُقالُ له بصرةُ قالَ: تَزوَّجْتُ امرأةً بِكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هيَ حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ : «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ

(١) «المهذب» (٢/ ٤٥)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، و (١٤/ ٣٠٦)، و «البيان» (٩/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٥٧)، والترمذي (١٥٦٤).

ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهوَ ظاهرٌ في عدمِ صحَّةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.

وعن أبي الدَّردَاءِ رضي الله عنه «عن النبيِّ أنَّه أُتِيَ بِامرَأَةٍ مُجِحٍّ (٢) على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ : لقدْ هَمَمتُ أنْ ألعَنَه لَعنًا يَدخلُ معه قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدِمُه وهو لا يَحِلُّ له؟» (٣)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحواملِ.

وإذا ثبَتَ هذا لَزمَتْها العدَّةُ وحَرُمَ عليها النكاحُ فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرَّحمِ، ولأنها قبْلَ العدَّةِ يَحتملُ أنْ تكونَ حاملًا فيَكونَ نكاحُها باطلًا، فلم يَصحَّ كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ؛ لِمَا ذكَرْناه؛ لأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحامِل فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ ولدُها مِنَ الأولِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مِنَ الثاني، فيُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، فكانَ بالتحريمِ أَولى، ولأنَّه وَطءٌ في القُبُلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشُّبهةِ (٤).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٣١)، والحاكم في «المستدرك» (٢٧٤٦).
(٢) قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هي الحامِلُ التي قَرُبَتْ وِلادتُها.
(٣) رواه مسلم (١٤٤١).
(٤) «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩)، و «الاستذكار» (٧/ ٥١٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٧، ٣١٨) رقم (١١٥٣، ١١٥٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٩)، و «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «زاد المعاد» (٥/ ١٠٤)، و «الفروع» (٥/ ٩٩، ١٠٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللعان
١٣٣٦ - مسألة؛ قال: (وإن كان بينهم فى اللعان ولد، ذكر الولد، فإذا قال: أشهد بالله، لقد زنت.

تَحالُفِهِما كالمُخْتلِفَيْنِ فى اليَمِينِ. وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِ الزَّوْجِ: وما هذا الولدُ وَلَدِى. ومن المرأةِ بقولها : وهذا الولدُ ولدُه. وقال القاضى: يُشْتَرَطُ أن يقولَ: هذا الولدُ من زِنًى، وليس هو مِنِّى. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُ بقولِه: ليس هو مِنِّى. يَعْنِى خَلْقًا وخلُقًا. ولم تَقْتَصِرْ على قولِه : من زِنًى؛ لأنَّه قد يَعْتَقِدُ أَنَّ الوَطْءَ فى نِكاحٍ فاسدٍ زِنًى، فأكَّدْنا بِذكْرِهما جَمِيعًا. ولَنا، أنَّه نَفَى الولدَ فى اللِّعانِ فاكْتُفِىَ به، كما لو ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ، وما ذَكَرُوه من التَّأْكيدِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، ولا يَنْتَفِى الاحتمالُ بضَمِّ إحْدَى اللَّفْظتَيْنِ إلى الأُخْرَى، فإنَّه إذا اعْتَقَدَ أنَّه مِن وَطْءٍ فاسدٍ، واعْتَقَدَ أَنَّ ذلك زِنًى صَحَّ منه أن يقولَ اللَّفْظَيْنِ جميعًا، وقد يُرِيدُ أنَّه لا يُشْبِهُنى خَلْقًا وخُلُقًا، أو أنَّه من وَطْءٍ فاسدٍ. فإن لم يذْكرِ الولدَ فى اللِّعانِ، لم يَنْتَفِ عنه. فإن أراد نَفْيَه، أعادَ اللِّعانَ، ويَذْكُرُ نَفْىَ الوَلَدِ فيه.

فصل: وإذا قَذَفَ امرأتَه بالزِّنَى برَجُلٍ بعَيْنِه، فقد قَذَفَهما، وإذا لَاعَنَها سَقَطَ الحَدُّ عنه لهما، سَواءٌ ذكَرَ الرَّجُلَ فى لِعانِه أو لم يَذْكُرْه، وإن لم يُلاعِنْ، فلكُلِّ واحدٍ منهما المُطالبةُ، وأيُّهما طالَبَ، حُدَّ له، ومن لم يُطالِب، فلا يُحَدُّ له، كما لو قَذَفَ رَجُلًا بالزِّنَى بامرأةٍ مُعَيَّنةٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، إلَّا فى أنَّه لا يسْقُط حَدُّه بلِعانِها . وقال بعضُ أصْحابِنا: القَذْفُ للزَّوْجةِ وحدَها، ولا يتَعَلَّقُ بغيرِها حَقٌّ فى المطالبةِ ولا الحَدِّ؛ لأنَّ هِلَالَ بن أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَه بشَرِيكِ بن سَحْماءَ، فلم يَحُدَّه

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 434 - 436

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر