زوجة الرجل إذا زنت هل يبطل نكاحها أم لا؟

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > زوجة الرجل إذا زنت هل يبطل نكاحها أم لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

زوجة الرجل إذا زنت هل يبطل نكاحها أم لا؟ - الأقوال والأدلة

زوجةُ الرَّجلِ إذا زنَتْ هل يَبطلُ نِكاحُها أم لا؟

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إذا كانتْ متزوِّجةً وزَنَتْ أنه لا يَنفسخُ نكاحُها؛ لمَا رُويَ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ امرأتِي لا تَدفعُ يدَ لامسٍ، فقالَ : طلِّقْها، فقالَ: إني أحبُّها وهيَ جَميلةٌ، فقالَ : استَمتِعْ بها» وفي رِوايةٍ: «أَمسِكْها إذًا» (١)، ولأنَّ الزوجَ لو أقَرَّ بأنها زنَتْ لمْ يَنفسخْ نكاحُها منه، فكذلكَ إذا ثبَتَ بغيرِ إقرارِه؛ اعتبارًا بسائرِ الأصولِ طَردًا وعَكسًا (٢).

قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: وفُقهاءُ الأمصارِ مُتفِقونُ على جوازِ النكاحِ، وأنَّ الزنا لا يُوجِبُ تحريمَها على الزوجِ ولا يُوجِبُ الفرقةَ بينَهما (٣).

وقالَ أيضًا: ومِنَ الناس مَنْ يقولُ: إنَّ تَزويجَ الزانيةِ وإمساكَها على النكاحِ مَحظورٌ مَنهيٌّ عنه ما دامَتْ مُقيمةً على الزنا وإنْ لم يؤثِّرْ ذلكَ في إفسادِ النكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أباحَ نكاحَ المُحصَناتِ مِنَ المؤمناتِ ومِن أهلِ الكتابِ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يعني العَفائفَ مِنهنَّ، ولأنها إذا كانَتْ كذلكَ لا يُؤمنُ أنْ تأتِيَ بولدٍ مِنْ الزنا فتُلحِقَه به وتُورِّثَه مالَه، وإنما يُحمَلُ قولُ مَنْ رخَّصَ في ذلكَ على أنها تائبةٌ غيرُ مُقيمةٍ على الزنا.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي (٣٢٢٩، ٣٤٦٤).
(٢) «المعونة» (١/ ٥٣٣).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٠٨).

ومِن الدَّليلِ على أنَّ زناها لا يُوجِبُ الفرقةَ أنَّ اللهَ تعالى حَكَمَ في القاذفِ لزَوجتِه باللِّعانِ ثمَّ بالتفريقِ بينَهما، فلو كانَ وُجودُ الزنا منها يُوجِبُ الفرقةَ لَوجَبَ إيقاعُ الفرقةِ بقَذفِه إياها؛ لاعترافِه بما يُوجبُ الفرقةَ، أَلَا ترَى أنه لو أقَرَّ أنها أختُه مِنْ الرضاعةِ أو أنَّ أباهُ قد كانَ وَطئَها لَوقعَتِ الفُرقةُ بهذا القولِ.

فإنْ قيلَ: لمَّا حكَمَ اللهُ تعالَى بإيقاعِ الفرقةِ بعدَ اللعانِ دَلَّ ذلك على أنَّ الزنا يُوجبُ التحريمَ، لولا ذلك لَمَا وجَبَتِ الفرقةُ باللعانِ.

قيلَ له: لو كانَ كما ذكَرْتَ لَوجبَتِ الفرقةُ بنفسِ القذفِ دونَ اللِّعان، فلمَّا لم تَقعْ بالقذف دَلَّ على فسادِ ما ذكَرْتَ.

فإنْ قيلَ: إنما وقَعَتِ الفرقةُ باللعانِ؛ لأنه صارُ بمَنزلةِ الشهادةِ عليها بالزنا، فلمَّا حُكِمَ عليها بذلكَ حُكمَ بوقوعِ الفرقةِ لأجْلِ الزنا.

قيلَ له: وهذا غلطٌ أيضًا؛ لأنَّ شهادةَ الزوجِ وحْدَه عليها بالزنا لا تُوجبُ كونَها زانيةً، كما أنَّ شهادتَها عليه بالإكذابِ لا تُوجبُ عليه الحُكمَ بالكذب في قَذفِه إياها؛ إذ ليسَتْ إحدى الشهادتَينِ بأَولى مِنْ الأُخرى، ولو كان الزوجُ مَحكومًا له بقَبولِ شهادتِه عليها بالزنا لَوجَبَ أنْ تُحَدَّ حَدَّ الزنا، فلمَّا لم تُحَدَّ بذلكَ دَلَّ على أنه غيرُ مَحكومٍ عليها بالزنا بقولِ الزوجِ، واللهُ أعلَمُ بالصوابِ (١).

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٠٨، ١١٠).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: زَوجةُ الرجلِ إذا زَنَتْ هل يَنفسخُ نكاحُها أم لا؟ فمَذهبُ الشافعيِّ وجُمهورِ الفقهاءِ أنَّ النكاحَ صَحيحُ لا ينفسخُ بزناها، وهو قولُ الصحابةِ، إلا حكايةً عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليهِ أنَّ نكاحَها قد بَطَلَ، وهو قولُ الحسنِ البَصريِّ؛ لتَحريمِ اجتماعِ الماءَينِ في فَرجٍ.

ودليلُنا مع ما قدَّمْناه مِنْ حَديثِ عائشةَ ما رواهُ أبو الزُّبيرِ عن جابرٍ قالَ: «جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ فقالَ: إنَّ امرأتِي لا تَرُدُّ يدَ لامِسٍ، قالَ: طلِّقْها، قالَ: إني أحبُّها، قالَ: استَمتِعْ بها»، فكَنَّى بقولِه: «لا تَردُّ يدَ لامِسٍ» عنِ الزنا فأمَرَه بطَلاقِها، ولو انفَسخَ نكاحُها بالزنا لَمَا احتاجَ إلى طلاقٍ، ثمَّ لمَّا أخبَرَه أنه يُحبُّها أَذِنَ له في الاستمتاعِ بها، ولو حَرُمَتْ عليهِ لَنهاهُ عنِ الاستمتاعِ بها ولَأَعْلمَه تَحريمَها.

فإنْ قيلَ: فالمُرادُ بقولِه: «لا تَردُّ يدَ لامِسٍ» أنها لا تَرُدُّ مُتصدِّقًا طلَبَ منها مالَه.

قيلَ: هذا خَطأٌ مِنْ وجهَين:

أحَدُهما: أنه لو أرادَ هذا لقَالَ: «لا تَردُّ يدَ مُلتمِسٍ»؛ لأنَّ الطالبَ يَكونُ مُلتمِسًا، واللامِسُ يكونُ مباشِرًا، فلمَّا عدَلَ إلى «يدِ لامسٍ» خرَجَ عن هذا التأويلِ.

والثاني: أنها لو كانَتْ تتصدَّقُ بمالِه لَمَا خرَجَ قولُه فيها مَخرَجَ الذمِّ، ولَمَا أمَرَ بطلاقِها، ولأمَرَه بإحرازِ مالِه منها.

ورُويَ أنَّ رَجلًا قالَ: «يا رسولَ الله إنَّ امرأتي ولَدَتْ غُلامًا أسودًا، فقالَ النبيُّ : لعَلَّ عِرقًا نَزَعَه»، فكانَ ذلكَ منه كنايةً عن زِناها بأسوَدَ، فلمْ يُحرِّمْها عليهِ، ولأنَّ العَجلانِيَّ أخبَرَ رسولَ الله أنه وَجَدَ مع امرأتِه رَجلًا فلاعَنَ بينَهما ولم يَجعلْها بالزنا حرامًا، ورُويَ أنَّ النبيَّ قالَ: «لا تَزْنُوا فتَزنِيَ نساؤُكم، فإنَّ بنِي فُلانٍ زَنَوا فزَنَتْ نِساؤُهم» (١)، فدَلَّ هذا على بَقائِهم مع الأزواجِ بعدَ الزنا، فأمَّا تَحريمُ اجتماعِ الماءَينِ في فرجٍ فنحنُ على تَحريمِهما، وإذا اجتمَعَا ثبَتَ حُكمُ الحلالِ منهُما وسقَطَ حُكمُ الحرامِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ المرأةَ المُحصَنةَ بالزواجِ إذا زنَتْ لم يَنفسخْ نكاحُها مِنْ زوجِها (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ زنَتِ امرأةُ رَجلٍ أو زنَى زوجُها لم يُفسخِ النكاحُ، سواءٌ كانَ قبلَ الدخولِ أو بعدَه في قولِ عامةِ أهلِ العِلم، وبذلكَ قالَ مجاهدٌ وعطاءٌ والنخَعيُّ والثوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفرَّقُ بينَهما وليسَ لها شيءٌ، وكذلكَ رُويَ عن الحسَنِ، وعن عليٍّ رضي الله عنه أنه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه زَنَى قبلَ الدخولِ بها، واحتُجَّ لهُم بأنه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانَتْ منه؛ لتَحقيقِه الزنى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزنا يُبِينُها.

(١) لم أعثُرْ عليهِ بهذا اللَّفظِ.
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ١٩٠، ١٩١).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ١٣٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللعان
فصل في بيان ما يبطل به حكم اللعان

نَفَى الْوَلَدَ فَلُوعِنَ ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي فَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ هُمَا ابْنَايَ يَحْتَمِلُ الْإِكْذَابَ وَيَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ حُكْمٍ لَزِمَهُ شَرْعًا وَهُوَ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدَيْنِ فَلَا يُجْعَلُ إكْذَابًا مَعَ الِاحْتِمَالِ بَلْ حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ إكْذَابًا لَلَزِمَهُ الْحَدُّ، وَلَوْ جُعِلَ إخْبَارًا عَمَّا قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَقَالَ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» حَتَّى لَوْ قَالَ: كَذَبْت فِي اللِّعَانِ وَفِيمَا قَذَفْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْإِكْذَابِ فَزَالَ الِاحْتِمَالُ، وَقَدْ قَالَ مَشَايِخُنَا: إنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَلَدِ بَعْدَ النَّفْيِ إنَّمَا يَكُونُ إكْذَابًا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ بِحَالٍ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَلُوعِنَ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ وَهَهُنَا لَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِمَا لَمْ يُلَاعَنْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِمَا لَلُوعِنَ بِهِ.

وَعَلَى هَذَا قَالُوا: لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَقَالَ: هُوَ ابْنِي ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ فَنَفَاهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُكَذِّبًا نَفْسَهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ.

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَا يُلَاعَنُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 443 - 446

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل