لبن الفحل هل يحرم أم لا؟

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > لبن الفحل هل يحرم أم لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

لبن الفحل هل يحرم أم لا؟ - الأقوال والأدلة

لَبنُ الفَحلِ هلْ يُحرِّمُ أم لا؟

اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ لبَنَ الفَحلِ يُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النسَبُ، فإذا أرضَعَتِ المرأةُ طِفلًا مِنْ وَطءِ رَجلٍ حَرُمَ هذا الطفلُ على الرجلِ زَوجِ هذهِ المرأةِ وأقاربِه كما يَحرمُ ولدُهُ مِنَ النسبِ؛ لِمَا رَويَ عن عَمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيَّ أخبَرَتْها «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ عِندَها، وأنها سَمعَتْ صَوتَ رَجلٍ يَستأذِنُ في بَيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-، قالَتْ عائِشةُ: لو كان فُلانٌ حيًّا -لعَمِّها مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ علَيَّ؟، فقالَ: نَعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).

وعنْ عُروةَ بن الزُّبَيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: استَأذَنَ عَليَّ أفْلَحُ فلَمْ آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبنِ أخي، فقالَتْ: سأَلْتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ فقالَ: «صدَقَ أفْلَحُ، ائْذنِي له» (٢).

وفي روايةٍ عن عُروةَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: جاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضاعةِ فأستَأذنَ علَيَّ فأَبَيْتُ أنْ آذَنَ له حتَّى أَسألَ رسولَ اللهِ ، فجَاءَ رسولُ اللهِ فسَأَلتُه عن ذلكَ فقالَ: «إنهُ

(١) رواه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (١٤٤٤).
(٢) رواه البخاري (٢٥٠١)، ومسلم (١٤٤٥).

عمُّكِ فأْذَنِي لهُ»، قالَتْ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنما أرضَعَتْني المَرأةُ ولم يُرضِعْني الرَّجلُ، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ : «إنه عمُّكِ فلْيَلِجْ عليكِ»، قالَتْ عائشةُ: وذلكَ بعدَ أنْ ضُرِبَ علينا الحِجابُ، قالَتْ عائِشةُ: يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ (١).

فعائشةُ رضي الله عنها قد رضَعَتْ مِنِ امرأةِ أبي القعيسِ بلَبنِه، فصارَ أبو القعيسِ أبًا لعائِشةَ، وصارَ أخوه عمًّا لعائِشةَ، فأشكَلَ هذا على عائشةَ إذْ لا رَضاعةَ حقيقةً إلا مِنِ امرأةٍ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فلمْ تَرَ للرَّجلِ حُكمًا للرَّضاعِ، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنما أرضَعَتْني المرأةُ ولمْ يُرضِعْني الرجلُ، فأخبَرَها النبيُّ أنَّ لبَنَ الفحلِ يُحرِّمُ بقولِهِ: «إنه عَمُّكِ فأذني لَهُ».

قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: والسنَّةُ مُستغنًى بها عمَّا سِواها، ومِن جِهةِ النظَرِ أنَّ سببَ اللَّبنِ هوَ ماءُ الرَّجلِ والمرأةِ جميعًا، فوجَبَ أنْ يكونَ الرضاعُ منهُما كما كانَ الولدُ لهُما وإنِ اختَلفَ سببُهما، كما أنَّ الجَدَّ لمَّا كانَ سببًا في الولدِ تعلَّقَ تحريمُ ولَدِ الولدِ به كتَعلُّقِه بولدِهِ، كذلكَ حُكمُ الرجلِ والمرأةِ، وقد سُئلَ ابنُ عبَّاسٍ عن رَجلٍ له امرأتانِ فأرضَعَتْ إحداهُما غلامًا والأخرَى جاريةً، فقالَ: لا يَجوزُ للغلامِ أنْ يَتزوَّجَ الجاريةَ؛ لأنَّ اللقاحَ واحدٌ، أي: الأمهاتُ وإنْ افتَرقْنَ فإنَّ الأبَ واحدٌ الذي هوَ سببُ اللَّبنِ للمرأتَينِ، فالغلامُ والجاريةُ أخوانِ لأبٍ مِنَ الرضاعِ (٢).

(١) رواه البخاري (٤٩٤١).
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٠١)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٦٩).

وقالَ أبو عمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه في حديثِ عائشةَ: فهذا أوضَحُ شيءٍ في هذا البابِ وأشَدُّ بَيانًا ورَفعًا للإشكالِ، أَلَا ترَى لقَولِ عائِشةَ: إنَّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرَّجلُ فيَكونَ أبي ويَكونَ أخوه عَمِّي، فأجابَها رسولُ اللهِ : أنَّ المرأةَ لمَّا أرضعَتْكِ صارَتْ أمَّكِ وصارَ زوجُها الذي كانَ سبَبَ لبنِها أباكِ فصارَ أخوه عمَّكِ، ففَهمَتْ عائِشةُ هذا ولم تَكنْ تعرفُهُ قَبْل فقالَتْ: «إنَّ الرضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ»، لو كانَ ذلكَ كالعمِّ قد رضَعَ مع أبيها أبي بَكرٍ امرأةً واحدةً لمَا احتِيجَ إلى شيءٍ مِنْ هذا الخِطابِ (١).

ولقولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرَّضاعِ محرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زوجتُهُ؛ لأنَّ اللَّبنَ منهما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوه عمًّا وكانَتْ أختُ المرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ العمَّاتُ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخواتُ وبناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنْ النسب، هذا معنَى قولِهِ عليه السلام: «الرَّضاعةُ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ».

قالَ ابنُ المنذرِ رحمة الله عليه: إذا أرضَعَتِ امرأةُ الرَّجلِ جاريةً حَرُمَتْ على ابنِه وعلى أبيه وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدٍ ذكَرٍ

(١) «الاستذكار» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «التمهيد» (٨/ ٢٤٢)، و (٢٢/ ١٥٥).

وولدِ ولدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيهِ وأمهِ، وإذا كانَ المرضَعُ غلامًا حَرَّمَ اللهُ عليهِ ولَدَ المرأةِ التي أرضعَتْه وأولادَ الرَّجلِ الذين أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ لهُ عمتُه مِنَ الرضاعةِ ولا خالتُه ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أخته مِنَ الرضاعةِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الرَّجلُ المَنسوبُ ذلكَ اللَّبنُ إليه لكَونِهِ زوْجَ المرأةِ أو وَطئَها بمِلكٍ أو شُبهةٍ فمَذهبُنا ومَذهبُ العلماءِ كافَّةً ثُبوتُ حُرمةِ الرضاعِ بينَه وبينَ الرضيعِ ويَصيرُ ولداً لهُ، وأولادُ الرَّجلِ إخوةُ الرضيعِ وأخواتُه، وتكونُ إخوةُ الرجلِ أعمامَ الرضيعِ وأخواتُه عمَّاتِه، وتكونُ أولادُ الرضيعِ أولادَ الرجلِ، ولم يُخالِفْ في هذا إلا أهلُ الظاهرِ وابنُ عُليةَ فقالُوا: لا تَثبتُ حُرمةُ الرَّضاعِ بينَ الرجلِ والرضيعِ، ونقَلَه المَازريُّ عن ابنِ عمرَ وعائشةَ، واحتجُّوا بقولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يَذكرِ البنتَ والعمَّة كما ذكَرَهُما في النسبِ.

واحتجَّ الجُمهورُ بهذه الأحاديثِ الصَّحيحةِ الصريحةِ في عَمِّ عائشةَ وعَمِّ حفصةَ وقولِه مع إذنِهِ فيهِ أنهُ «يَحرمُ مِنَ الرضاعةِ ما يحرمُ مِنَ الولادةُ»، وأجابوا عمَّا احتَجُّوا بهِ مِنَ الآيةِ أنهُ ليسَ فيها نصٌّ بإباحةِ البنتِ والعمَّةِ ونحوِهما؛ لأنَّ ذِكْرَ الشيءِ لا يَدلُّ على سُقوطِ الحُكمِ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١٩٣).

عمَّا سواهُ لو لمْ يُعارضْهُ دليلٌ آخَرُ، كيفَ وقد جاءَتْ هذه الأحاديثُ الصحيحةُ؟ واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المرأةُ إذا أَرضعَتْ طِفلًا بلَبنٍ ثابَ مِنْ وَطءِ رَجلٍ حَرُمَ الطفلُ على الرَّجلِ وأقاربِهِ كما يَحرمُ ولدُهِ مِنَ النسبِ؛ لأنَّ اللبنَ مِنَ الرَّجلِ كما هوَ مِنَ المرأةِ، فيصيرُ الطفلُ ولدَ الرَّجلِ والرجلُ أباه، وأولادُ الرجلِ إخوتُه، سواءٌ كانوا مِنْ تلكَ المرأةِ أو مِنْ غيرِها، وإخوةُ الرجلِ وأخواتُه أعمامُ الطفلِ وعمَّاتُه، وآباؤُه وأمَّهاتُه أجدادُه وجدَّاتُه.

قالَ أحمَدُ: لبنُ الفَحلِ أنْ يكونَ للرجلِ امرأتانِ فتُرضِعُ هذهِ صَبيةً وهذهِ صبيًّا لا يزوَّجُ هذا مِنْ هذا، سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن رجلٍ لهُ جاريتَانِ أرضعَتْ إحداهُما جاريةً والأخرى غلامًا فقالَ: «لا، اللقاحُ واحدٌ».

قالَ التِّرمذيُّ: هذا تَفسيرُ لَبنِ الفَحلِ، وممَّن قالَ بتَحريمِه عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ وطاوسٌ ومُجاهِدٌ والحسَنُ والشعبيُّ والقاسمُ وعُروةُ ومالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ وابنُ المنذِرِ وأصحابُ الرأيِ.

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وإليهِ ذهَبَ فقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ والعراقِ والشامِ وجَماعةُ أهلِ الحديثِ.

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٩).

ورخَّصَ في لبنِ الفَحلِ سعيدُ بنُ المسيِّبِ وأبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ وعطاءُ بنُ يسارٍ والنخَعيُّ وأبو قلابةَ، ويُروى ذلكَ عن ابنِ الزبيرِ وجَماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ غيرِ مُسمَّينَ؛ لأنَّ الرضاعَ مِنَ المرأةِ لا مِنَ الرجلِ، ويُروى عن زينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أنها أرضَعَتْها أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ امرأةُ الزبيرِ قالَتْ: وكانَ الزبيرُ يَدخلُ عليَّ وأنا أمتَشِطُ فيأخُذُ بقَرنٍ مِنْ قُرونِ رأسي فيقولُ: اقْبِلِي عليَّ فحَدِّثيني، أراهُ والدًا، وما ولَدَ فهُمْ إخوتي، ثمَّ إنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ أرسَلَ يَخطُبُ إليَّ أمَّ كلثومٍ ابنَتي على حَمزةَ بنِ الزبيرِ، وكانَ حَمزةُ للكلبيَّةِ، فقلتُ لرسولِهِ: وهل تَحِلُّ لهُ وإنما هيَ ابنةُ أخيه؟ فقالَ عبدُ اللهِ: إنما أردْتُ بهذا المنعِ لمَا قِبَلَك، أمَّا ما ولَدَتْ أسماءُ فهُم إخوتُكِ، وما كانَ مِنْ غيرِ أسماءَ فليسُوا لكِ بإخوةٍ، فأرسلِي فسَلِي عن هذا، فأرسَلَتْ فسَألتْ وأصحابُ رسولِ اللهِ مُتوافِرونَ فقَالوا لها: إنَّ الرَّضاعةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجلِ لا تحرِّمُ شيئًا، فأنكَحَتْها إياهُ فلمْ تَزَلْ عندَهُ حتى هَلكَ عنها.

ولنا: ما رَوتْ عائشةُ رضي الله عنها «أنَّ أفلَحَ أخَا أبي القُعيسِ استَأذنَ عليَّ بعدَما أُنْزِلَ الحِجابُ فقلتُ: واللهِ لا آذَنُ له حتى أَستأذِنَ رسولَ اللهِ فإنَّ أخَا أبي القُعيسِ ليسَ هوَ أرضعَنِي ولكنْ أرضَعتْنِي امرأةُ أبي القُعيسِ، فدَخلَ عليَّ رسولُ اللهِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ الرجلَ ليسَ هوَ أرضَعَني ولكِنْ أرضعَتْني امرأتُه، قالَ: «ائْذَنِي لهُ فإنه عمُّكِ

تَرِبَتْ يَمينُكِ»، قالَ عُروةُ: فبذلكَ كانَتْ عائشةُ تأخذُ بقولِ: حرِّمُوا مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النسَبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا نصٌّ قاطِع في مَحلِّ النِّزاعِ، فلا يُعوَّلُ على ما خالَفَه.

فأمَّا حديثُ زينبَ فإنْ صَحَّ فهوَ حُجةٌ لنا، فإنَّ الزبيرَ كانَ يَعتقدُ أنها ابنتُه وتَعتقدُهُ أباها، والظاهرُ أنَّ هذا كانَ مَشهورًا عندَهم، وقولُه معَ إقرارِ أهلِ عصرِهِ أَولى مِنْ قولِ ابنِه وقولِ قومٍ لا يُعرَفونَ (١).

قالَ محمدُ بنُ الحسَنِ رحمة الله عليه: وأمَّا لَبنُ الفحلِ فإنَّا نراهُ يحرِّمُ، ونرَى أنَّه يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ، فالأخُ مِنَ الرَّضاعةِ مِنَ الأبِ تَحرمُ عليه أختُه مِنَ الرضاعةِ مِنَ الأبِ وإنْ كانتِ الأمَّانِ مُختلفتَينِ إذا كانَ لَبنُهما مِنْ رَجلٍ واحدٍ كما قالَ ابنُ عباسٍ: «اللقاحُ واحدٌ»، فبِهذا نأخُذُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ رحمة الله عليه (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الحُرمةُ في جانبِ زوجِ المُرضِعةِ التي نزَلَ لها منهُ لبنٌ فثَبتَتْ عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعامةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم.

ورويَ عن رافعِ بنِ خُديجٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: لا تَثبتُ، وهوَ قولُ سَعيدِ ابنِ المسيِّبِ وعطاءِ بنِ يَسارٍ وبشرٍ المريسِيِّ ومالكٍ، وهي المَسألةُ الملقَّبةُ عندَ الفقهاءِ: بلَبنِ الفَحلِ أنه هل يُحرِّمُ أو لا؟

(١) «المغني» (٧/ ٧٨، ٨٨).
(٢) «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٥٨٠)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣١٨).

وتَفسيرُ تحريمِ لَبنِ الفحلِ أنَّ المُرضَعَةَ تحرمُ على زوجِ المُرضِعَةِ؛ لأنها بنتُه مِنَ الرضاعِ، وكذا على أبنائِه الذينَ مِنْ غيرِ المرضِعةِ؛ لأنهم أخوتُها لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، وكذا على أبناءِ أبنائِه وأبناءِ بناتِه مِنْ غيرِ المرضِعةِ؛ لأنهم أبناءُ إخوةِ المرضَعةِ وأخواتُها لأبٍ مِنَ الرضاعةِ.

وعلى هذا إذا كانَ لرَجلٍ امرأتانِ فحمَلَتَا منهُ وأرضَعَتْ كلُّ واحدةٍ منهما صَغيرًا أجنَبيًا فقد صارَا أخوَينِ لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، فإنْ كانَ أحدُهما أنثى فلا يَجوزُ النكاحُ بينَهما؛ لأنَّ الزوجَ أخوها لأبيها مِنَ الرضاعةِ، وإنْ كانا أُنثَيَينِ لا يَجوزُ لرَجلٍ أنْ يَجمَعَ بينَهما؛ لأنهما أُختانِ لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، وتَحرمُ على آباءِ زوجِ المرضِعةِ؛ لأنهم أجدادُها مِنْ قِبَلِ الأبِ مِنَ الرضاعةِ، وكذا على إخوتِه؛ لأنهم أعمامُها مِنَ الرضاعةِ، وأخواتُه عمَّاتُ المرضَعِ، فيَحرُمْنَ عليهِ، وأمَّا أولادُ إخوتِه وأخواتِه فلا تَحرمُ المُناكَحةُ بينَهم؛ لأنهم أولادُ الأعمامِ والعمَّاتِ ويَجوزُ النكاحُ بينَهم في النسَبِ، فيجوزُ في الرضاعِ، هذا تَفسيرُ لبنِ الفحلِ.

احتَجَّ مَنْ قالَ أنه لا يُحرِّمُ بأنَّ اللهَ ﷿ بيَّنَ الحُرمةَ في جانبِ المُرضِعةِ ولم يبيِّنْ في جانبِ الزوجِ بقولِه تعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولو كانتِ الحُرمةُ ثابتةً في جانبِه لَبيَّنَها كما بيَّنَ في النسبَ بقولِه ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنَّ المحرِّمَ هوَ الإرضاعُ وأنه وُجِدَ منها لا منه، فصارَتْ بنتًا لها لا له.

والدليلُ عليه أنَّه لو نزَلَ للزوجِ لَبنٌ فارتَضَعَتْ منهُ صغيرةٌ لم تَحرمْ عليهِ، فإذا لم تَثبُتِ الحرمةُ بلَبنِه فكَيفَ تَثبتُ بلبنِ غيرِه؟

ولنا: الحديثُ المشهورُ، وهو قولِ النبيِّ : «يحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يحرمُ مِنَ النسبِ» - ثمَّ ذَكَرَ أحاديثَ عائشةَ ثمَّ قالَ: - وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّه سُئلَ عن رَجلٍ له امرأتانِ أو جاريةٌ وامرأةٌ فأَرضَعتْ هذه غلامًا وهذه جاريةً، هل يَصلحُ للغلامِ أنْ يتزوَّجَ الجاريةَ؟ فقالَ رضي الله عنه: «لا، اللقاحُ واحدٌ»، بيَّنَ الحُكمَ وأشارَ إلى المعنَى وهو اتِّحادُ اللقاحِ، ولأنَّ المحرِّمَ هو اللَّبنُ، وسَببُ اللَّبنِ هوَ ماءُ الرَّجلِ والمرأةِ جميعًا، فيَجبُ أنْ يكونَ الرضاعُ منهما جَميعًا كما كانَ الولدُ لهُما جَميعًا.

وأمَّا قولُهم أنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ الحرمةَ في جانبِ المرضِعةِ لا في جانبِ زوجِها فنقولُ: إنْ لم يبيِّنْها نصًّا فقدْ بيَّنَها دَلالةً؛ وهذا لأنَّ البَيانَ مِنَ اللهِ تعالَى بطريقَينِ: بَيانُ إحاطةٍ وبَيانُ كِفايةٍ، فبيَّنَ في النسبِ بَيانَ إحاطةٍ، وبيَّنَ في الرضاعِ بيانَ كفايةٍ، تَسليطًا للمُجتهدِينِ على الاجتهادِ والاستدلالِ بالمَنصوصِ عليه على غيرِهِ، وهوَ أنَّ الحُرمةَ في جانبِ المرضِعةِ لمَكانِ اللبنِ، وسببُ حصولِ اللبنِ ونزولِه هو ماؤُهما جميعاً، فكانَ الرضاعُ منهما جميعًا؛ وهذا لأنَّ اللبنَ إنما يُوجِبُ الحُرمةَ لأجلِ الجُزئيةِ والبَعضيةِ؛ لأنه يُنبِتُ اللحمَ ويُنشِرُ العَظمَ على ما نطَقَ به الحديثُ، ولمَّا كانَ سَببُ حصولِ اللَّبنِ ونزولِه ماءَهُما جَميعًا، وبارتضاعِ اللبنِ تَثبتُ الجُزئيةُ بواسطةِ نَباتِ اللحمِ، يُقامُ سببُ الجُزئيةِ مقامَ حَقيقةِ الجزئيةِ في بابِ الحُرُماتِ احتياطًا،

والسببُ يُقامُ مَقامَ المُسَببِ خُصوصًا في بابِ الحُرُماتِ أيضًا، ألَا ترَى أنَّ المرأةَ تَحرمُ على جَدِّها كما تَحرمُ على أبيها وإنْ لم يَكنْ تحريمُها على جَدِّها منصوصًا عليه في الكتابِ العَزيزِ، لكنْ لمَّا كانَ مبيَّنًا بَيانَ كفايةٍ وهو أنَّ البنتَ وإنْ حدَثَتْ مِنْ ماءِ الأبِ حقيقةً دونَ ماءِ الجَدِّ لكنَّ الجَدَّ سَببُ ماءِ الأبِ، أُقيمَ السَببُ مَقامَ المُسَببِ في حقِّ الحرمةِ احتياطًا، كذا ههُنا.

والدليلُ عليه أنهُ لمَّا لمْ يَذكرِ البَناتِ مِنَ الرضاعةِ نصًّا لم يَذكرْ بناتِ الأخوةِ والأخواتِ مِنَ الرضاعةِ نصًّا، وإنما ذَكَرَ الأخواتِ ثمَّ ذَكَرَ لبَناتِ الأخوةِ والأخواتِ دَلالةً حتى حَرُمْنَ بالإجماعِ، كذا ههُنا، على أنه لم يُبيِّنْ بوَحيٍ مَتلوٍّ فقدْ بيَّنَ بوَحيٍ غيرِ مَتلوٍّ على لِسانِ رسولِ اللهِ بقوله: «يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسَبِ»، وقد خرَجَ الجوابُ عن قولِهم أنَّ الإرضاعَ وُجِدَ منها لمَا ذكرْنَا أنه وُجِدَ منهُما؛ لأنَّ سببَ حصولِ اللبنِ ماؤُهما جميعًا، فكانَ الإرضاعُ منهُما جَميعًا.

وأمَّا الزوجُ إذا نزَلَ له لَبنٌ فارتضَعَتْ صَغيرةٌ فذاكَ لا يُسمَّى رَضاعًا عُرفًا وعَادةً، ومَعنى الرضاعِ أيضًا لا يحصلُ بهِ؛ وهوَ اكتفاءُ الصَّغيرِ به في الغذاءِ؛ لأنه لا يُغنيهِ مِنْ جوعٍ، فصارَ كلَبَنِ الشاةِ، واللهُ ﷿ أعلَمُ.

ثمَّ إنما تَثبتُ الحُرمةُ مِنْ جانب الزوجِ إذا كان لها زَوجٌ، فأما إذا لم يَكنْ لها زوجٌ بأنْ ولَدَتْ مِنَ الزنا فنَزلَ لها لبنٌ فأرضَعَتْ به صبيًّا فالرضاعُ يكونُ منها خاصةً لا مِنَ الزاني؛ لأنَّ نَسبَهُ يَثبتُ منها لا مِنَ الزاني.

والأصلُ أنَّ كلَّ مَنْ يَثبتُ منه النَّسبُ يَثبتُ منه الرضاعُ، ومَن لا يَثبتُ منه النسبُ لا يَثبتُ منه الرَّضاعُ، وكذا البِكرُ إذا نزَلَ لها لبنٌ وهي لم تَتزوَّجْ قطُّ فالرَّضاعُ يكونُ منها خاصةً، واللهُ المُوَفِّقُ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: المَسألةَ السابعةُ: وأمَّا هلْ يَصيرُ الرجلُ الذي لهُ اللبنُ -أعنِي زوْجَ المرأةِ- أبًا للمرضَعِ حتَّى يَحرمَ بينَهُما ومِن قِبَلِهما ما يَحرمُ مِنْ الآباءِ والأبناءِ الذينَ مِنَ النسبِ، وهي التي يُسمُّونَها لبنَ الفَحلِ؟

فإنهمُ اختَلفُوا في ذلكَ، فقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ والأوزاعيُّ والثوريُّ: لبنُ الفَحلِ يُحرِّمُ، وقالَت طائفةٌ: لا يحرِّمُ لبنُ الفَحلِ، وبالأوِّلِ قالَ عليٌّ وابنُ عباسٍ، وبالقولِ الثَّاني قالَت عائشةُ وابنُ الزبيرِ وابنُ عُمرَ.

وسَببُ اختلافِهم: مُعارَضةُ ظاهِرِ الكِتابِ لحَديثِ عائشةَ المشهورِ، أعني آيةَ الرَّضاعِ، وحديثُ عائشةَ هوَ قالَتْ: «جاءَ أفلَحُ أخو أبي القُعيسِ يَستأذِنُ عليَّ بعدَ أنْ أُنْزِلَ الحِجابُ، فأبيتُ أنْ آذَنَ لهُ، وسألْتُ رسولَ اللهِ فقالَ: إنه عمُّكِ فأْذَني لهُ، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنما أرضَعتْنِي المرأةُ ولمْ يُرضِعْني الرَّجلُ، فقالَ: إنه عمُّك فلْيَلجْ عليكِ» خرَّجَه البُخاريُّ ومسلمٌ ومالكٌ.

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٣، ٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرضاع
١٣٧٠ - مسألة؛ قال: (ويحرم لبن الميتة، كما يحرم لبن الحية؛ لأن اللبن لا يموت)

فصل: ولو حَلَبَتِ المرأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صبيٌّ، نَشَرَ الحُرْمةَ. في قولِ كلِّ مَنْ جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ.

١٣٧١ - مسألة؛ قال: (وإذَا حَبِلَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِها بِهِ، فثابَ لها لَبَنٌ، فأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، في حَوْلَينِ، حُرِّمَتْ عَلَيْه، وبَناتُها مِنْ أَبِى هذَا الحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وبَنَاتُ أبى هذَا الْحَمْلِ مِنْهَا ومِنْ غَيْرِهَا. وإنْ أرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنةً لها، ولِزَوْجِهَا؛ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِى هُوَ مِنْهُ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
(مسألة)

(كتاب مختصر ما يحرم من الرضاعة

من كتاب الرضاع ومن كتاب النكاح ومن أحكام القرآن)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ حَرُمَ مَعَ الْقَرَابَةِ {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخوانكم من الرضاعة} وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ " "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الرَّضَاعُ فَاسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ، وَقَدْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُنْتَشِرَةً بَيْنَهُمْ وَمَرْعِيَّةً عِنْدَهُمْ، حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَوَازِنَ لِمَا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ لِحُنَيْنٍ قَدِمَتْ وُفُودُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُسْلِمِينَ فَقَامَ فِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ وَاللَّائِي كُنَّ يُرْضِعْنَكَ وَيَكْفُلْنَكَ وَلَوْ أنا ملحنا أَيْ أَرْضَعْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ، أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَزَلْنَا بِمِثْلِ مَنْزِلِنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا وَفَائِدَتَهُمَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَافِلِينَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

(امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ)

(امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ)

(إِنْ لَمْ تدراكها نَعْمَاءُ نَسْتُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ)

(إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 341 - 351

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله