نكاح ابنته من الزنا

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > نكاح ابنته من الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 46 دقيقة قراءة

نكاح ابنته من الزنا - الأقوال والأدلة

نِكاحُ ابنَتِه منَ الزِّنا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في نكاحِ الرَّجلِ إذا زنَى بامرأةٍ فحمَلَتْ منهُ بابنةٍ، فهلْ تَحرمُ عليهِ هذهِ الابنةُ كما يَحرمُ عليهِ مِنْ بناتِهِ مَنْ ثبَتَ نسَبُها منهُ؟ أمْ لا تَحرمُ عليهِ ويَجوزُ لهُ أنْ يتزوَّجَها؟

بعدَ إجماعِهِم على أنَّهُ لا يَثبتُ نَسبُها مِنَ الزاني ولا يَتوارثانِ.

وبعدَ إجماعِهم على أنَّهُ يَحرمُ على المرأةِ أنْ تتزوَّجَ ابنَها مِنَ الزنا، وأنهُ يَرِثُها وتَرِثُه بالإجماعِ.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا زَنَى بامرأةٍ -والعِياذُ باللهِ- فحمَلَتْ منهُ ببنتٍ فإنَّ هذهِ البنتَ محرَّمةٌ عليهِ كما يَحرمُ عليهِ مِنْ بناته مَنْ ثبَتَ نَسبُها منهُ، ولأنَّ الجَميعَ خُلِقْنَ مِنْ مائِهِ، فهيَ بنتٌ أو كالبنتِ، فتَحرمُ عليهِ وعلى أصولِه وفروعهِ لا رَبيبةً، ومثلُ البنتِ الابنُ المَخلوقُ مِنْ مائِه، فيَحرمُ على صاحبِ الماءِ تزوُّجُ بنتِهِ، ولأنها لو كانَتْ بنتًا لَوَرثتْهُ ووَرثَها وجازَ لهُ الخَلوةُ بها وإجبارُها على النكاحِ، وذلكَ كلُّه مُنتفٍ.

وكذا تَحرمُ مَنْ شَربَتْ مِنْ لَبَنِ امرأةٍ زنَى بها إنسانٌ، فتَحرمُ تلكَ البنتُ على ذلكَ الزاني الذي شَربَتْ مِنْ مائِه، فكَما لا تَحِلُّ له ابنتُه مِنَ الزنا كذلكَ لا يَحِلُّ لهُ نكاحُ مَنْ أرضَعَتْها المَزنِيُّ بها مِنْ ذلكَ الوطءِ؛ لأنَّ اللبنَ لَبنُه والولدَ ولدُهُ وإنْ لم يَلحقْ به.

ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وهذهِ ابنتُهُ دخَلَتْ في عمومِ الآيةِ، فإنها أنثَى مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، هذه حَقيقةٌ لا تَختلفُ بالحِلِّ والحرمَةِ، فحَرُمَتْ عليه كتَحريمِ الزانيةِ على ولَدِها مِنَ الزنا.

ولأنَّا نَقولُ: بنتُ الإنسانِ اسمٌ لأنثَى مَخلوقةٌ مِنْ مائِه حَقيقةً، والكَلامُ فيه، فكانَتْ بنتَهُ حَقيقةً، إلا أنَّه لا تَجوزُ الإضافةُ شَرعًا إليهِ؛ لِمَا فيه مِنْ إشاعةِ الفاحِشةِ، وهذا لا يَنفِي النِّسبةَ الحقيقيةَ؛ لأنَّ الحَقائقَ لا مَرَدَّ لها، وهكذا نَقولُ في الإرثِ والنفقةِ أنَّ النسبةَ الحقيقيةَ ثابتةٌ، إلَّا أنَّ الشرعَ اعتبَرَ هناكَ ثُبوتَ النسبِ شرعًا لجَريانِ الإرثِ والنفقةِ لمعنًى، ومَنِ ادَّعى ذلكَ ههُنا فعَليهِ البيانُ.

ويَدلُّ على ذلكَ ما رواهُ الشَّيخانِ عنِ ابن عبَّاسٍ «أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَه عندَ النبيِّ بشَريكِ بن سَحماءَ، فقالَ النبيُّ : أَبصِرُوهَا فإنْ جاءَتْ بهِ -أي وَلَدها- أبيَضَ سبطًا قَضِيءَ العَينَينِ فهو لهِلالِ بنِ أُميَّةَ، وإنْ جاءَتْ بهِ أكحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدَلَّجَ السَّاقَينِ فهو لشَريكِ بنِ سَحْماءَ -يعنِي الزَّاني-، فجاءَتْ بهِ كذلكَ،

فقالَ النبيُّ : لولا ما مضَى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولَهَا شأْنٌ» (١).

ولأنها مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، وهذه حَقيقةٌ لا تَختلفُ بالحِلِّ والحُرمةِ، فأشبَهَتِ المَخلوقةَ مِنْ وطءٍ بشُبهةٍ، ولأنها بِضعةٌ منه، فلمْ تَحِلَّ له كابنتِه مِنَ النكاحِ، وتخلُّفُ بعضِ الأحكامِ لا يَنفِي كونَها بِنتًا، كما لو تَخلَّفَ لرِقٍّ أو اختِلاف دِينٍ.

وروَى عبدُ الرزاقِ عن ابن جُرَيجٍ قالَ: أُخبِرتُ عن أبي بَكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ ابنِ أُمِّ الحَكمِ قالَ: قالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ زَنَيْتُ بامرَأةٍ في الجاهِليَّةِ أفأَنكِحُ ابنَتَها؟ قالَ: «لا أَرَى ذلكَ، ولا يَصلُحُ لكَ أنْ تَنْكِحَ امرَأةً تَطَّلِعُ مِنْ ابنَتِها على ما تَطَّلِعُ عليهِ منها» (٢) (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وقد دَلَّ التحريمُ بلَبنِ الفَحلِ على تَحريمِ المَخلوقةِ مِنْ ماءِ الزاني دَلالةَ الأَولى والأَحرى؛ لأنه إذا حَرُمَ عليه أنْ يَنكحَ مَنْ قد تَغذَّتْ بلَبنٍ ثارَ بوطئِه فكَيفَ يَحِلُّ له أنْ يَنكحَ مَنْ قد خُلِقَ

(١) رواه البخاري (٤٤٧٠)، ومسلم (١٤٩٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعيفٌ مُنقطعٌ ومُرسَلٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٧٨٤).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢١٩، ٢٢١)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٠٧)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني» (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٦٠، ٦١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٢)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٦/ ١٢٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٤١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٥).

مِنْ نَفسِ مائِه بوَطئِه؟ وكيفَ يُحرِّمُ الشارعُ بنتَه مِنَ الرَّضاعِ لِمَا فيها مِنْ لَبنٍ كانَ وَطءُ الرَّجلِ سَببًا فيه ثمَّ يُبيحُ له نكاحَ مَنْ خُلِقَتْ بنفسِ وطئِه ومائِه؟ هذا مِنَ المستحيلِ، فإنَّ البَعضيَّةَ التي بينَه وبينَ المَخلوقةِ مِنْ مائِه أكمَلُ وأتَمُّ مِنْ البَعضيةِ التي بينَه وبينَ مَنْ تَغذَّتْ بلبنهِ، فإنَّ بنتَ الرَّضاعِ فيها جزءٌ ما مِنَ البعضيةِ، والمَخلوقةُ مِنْ مائِه كاسمِها مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، فنِصفُها أو أكثرُها بَعضُه قطعًا والشَّطرُ الآخَرُ للأمِّ، وهذا قولُ جُمهورِ المسلمِينَ ولا يُعرَفُ في الصحابة مَنْ أباحَها، ونَصَّ الإمامُ أحمدَ رحمة الله عليه على أنَّ مَنْ تزوَّجَها قُتِلَ بالسيفِ مُحصَنًا كانَ أو غيرَه، وإذا كانَتْ بنتُه مِنْ الرَّضاعةِ بنتًا في حُكمَينِ فقط: الحُرمةِ والمَحرَميَّةِ، وتخلَّفَ سائرُ أحكامِ البنتِ عنها لم تُخرِجْها عن التحريمِ وتُوجِبَ حِلَّها، فكذا بنتُه مِنْ الزنى تكونُ بنتًا في التَّحريمِ، وتخلُّفُ أحكامِ البنتِ عنها لا يُوجِبُ حِلَّها.

واللهُ سُبحانهُ خاطَبَ العرَبَ بما تَعْقِلُهُ في لُغاتِها، ولَفظُ البنتِ لفظٌ لُغَويٌّ لم يَنقلْهُ الشارعُ عن مَوضعِه الأصليِّ كلفظِ الصَّلاةِ والإيمانِ ونحوِهما، فيُحمَلُ على مَوضوعِهِ اللُّغويِّ حتى يَثبتَ نقْلُ الشارعِ له عنهُ إلى غيرِه، فلفظُ البنتِ كلفظِ الأخِ والعَمِّ والخالِ ألفاظٌ باقيةٌ على مَوضوعاتِها اللُّغويةِ، وقد ثبَتَ في الصحيحِ أنَّ اللهَ تعالى أنطَقَ ابنَ الرَّاعي الزاني بقولِهِ: «أبِي فُلانٌ الرَّاعي»، وهذا الإنطاقُ لا يَحتملُ الكَذبَ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على تحريمِ أمِّه عليهِ، وخَلْقُهُ مِنْ مائِها وماءِ الزاني خلقٌ واحدٌ، وإثمُهما فيه سواءٌ، وكونُه بَعضًا له مثلَ كونِه بعضًا لها، وانقِطاعُ الإرثِ بينَ الزاني والبنتِ لا يُوجِبُ جوازَ نكاحِها.

ثمَّ مِنَ العجَبِ كيفَ يُحرِّمُ صاحبُ هذا القَولِ أنْ يَستمنيَ الإنسانُ بيدهِ ويقولُ: «هوَ نكاحٌ ليَدِه» ويُجوِّزُ للإنسانِ أنْ يَنكحَ بعضَهُ، ثمَّ يُجوِّزُ له أنْ يَستفرشَ بعضَه الذي خَلَقَهُ اللهُ مِنْ مائِه وأخرَجَهُ مِنْ صُلبِه كما يَستفرشُ الأجنَبيةَ؟ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا ثبَتَ هذا فلا فرْقَ بينَ عِلمِه بكونِها منه مِثلَ أنْ يطَأَ امرأةً في طُهرٍ لم يُصِبْها فيه غيرُهُ ثمَّ يَحفظَها حتى تَضعَ، أو مثلَ أنْ يَشتركَ جماعةٌ في وَطءِ امرأةٍ فتأتي بولدٍ لا يُعلَمُ هل هو منه أو مِنْ غيرِهِ، فإنها تَحرمُ على جَميعِهم؛ لوَجهَينِ:

أحَدُهما: أنها بنتُ مَوطوءَتِهم.

والثاني: أننا نَعلمُ أنها بنتُ بعضِهم، فتَحرمُ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوليَّانِ ولم يُعلَمِ السابقُ منهُما، وتَحرمُ على أولادِهم؛ لأنها أختُ بَعضِهم غيرُ مَعلومٍ، فإنْ ألحَقَتْها القافَةُ بأحَدِهم حَلَّتْ لأولادِ الباقِينَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ ممَّن وَطئَ أمَّها؛ لأنها في معنَى ربيبتِهِ (٢).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن رَجلٍ تزوَّجَ ابنتَهُ مِنْ الزنى.

فأجابَ: لا يَجوزُ أنْ يتزوَّجَ بها عندَ جُمهورِ أئمةِ المسلمِينَ، حتَّى أنَّ الإمامَ أحمدَ أنكَرَ أنْ يكونَ في ذلكَ نِزاعٌ بينَ السلفِ وقالَ: مَنْ فعَلَ ذلكَ

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٠).
(٢) «المغني» (٧/ ٩١، ٩٢).

فإنه يُقتَلُ، وقيلَ له عن مالكٍ أنهُ أباحَه فكذَّبَ النَّقلَ عن مالكٍ، وتَحريمُ هذا هو قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه وأحمدَ وأصحابِه ومالكٍ وجُمهورِ أصحابِه، وهو قولُ كثيرٍ مِنْ أصحابِ الشافِعيِّ، وأَنكرَ أنْ يكونَ الشافعيُّ نَصَّ على خِلافِ ذلكَ، وقالُوا: إنما نَصَّ على بنتِهِ مِنَ الرَّضاعِ دونَ الزانيةِ التي زنَى بها، واللهُ أعلَمُ (١).

وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن بنتِ الزنى هل تُزوَّجُ بأبيها؟

فأجابَ: الحمدُ للهِ، مَذهبُ الجُمهورِ مِنَ العُلماءِ أنهُ لا يجوزُ التزويجُ بها، وهوَ الصوابُ المَقطوعُ بهِ، حتى تنازَعَ الجُمهورُ هلْ يُقتَلُ مَنْ فعَلَ ذلك؟ على قولَينِ، والمَنقولُ عن أحمدَ أنه يُقتَلُ مَنْ فعَلَ ذلكَ، فقد يُقالُ: هذا إذا لم يَكنْ مُتأوِّلًا، وأما المتأوِّلُ فلا يُقتَلُ وإنْ كانَ مُخطِئًا، وقد يُقالُ هذا مطلَقًا كما قالَهُ الجمهورُ: إنه يُجلَدُ مَنْ شرِبَ النبيذَ المُختلَفَ فيه متأوِّلًا وإنْ كانَ معَ ذلك لا يَفسقُ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ في إحدى الروايتَينِ، وفسَّقَهُ مالكٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الأخرَى، والصحيحُ أنَّ المتأوِّلَ المَعذورَ لا يَفسقُ، بل ولا يَأثمُ، وأحمدُ لم يَبلغْهُ أنَّ في هذهِ المسألةِ خِلافًا، فإنَّ الخلافَ فيها إنما ظهَرَ في زَمنِه، لم يَظهَرْ في زمنِ السَّلفِ، فلِهذا لم يَعرفْهُ.

والذِينَ سَوَّغوا نكاحَ البنتِ مِنَ الزَّنى حُجَّتُهم في ذلكَ أنْ قالوا: ليسَتْ

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٤٢).

هذه بنتًا في الشرعِ؛ بدَليلِ أنهما لا يَتوارثانِ ولا يَجبُ نفقتُها ولا يَلِي نكاحَها ولا تُعتَقُ عليهِ بالمِلكِ ونحوِ ذلكَ مِنْ أحكامِ النسبِ، وإذا لم تَكنْ بنتًا في الشرعِ لم تَدخلْ في آيةِ التَّحريمِ، فتَبقَى دِاخلةً في قولِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].

وأمَّا حُجَّةُ الجُمهورِ فهو أنْ يُقالَ: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ … ﴾ [النساء: ٢٣] الآية هوَ متناوِلٌ لكِلِّ مَنْ شَملَهُ هذا اللفظُ، سواءٌ كانَ حقيقةً أو مَجازًا، وسواءٌ ثبَتَ في حقِّه التوارثُ وغيرُه مِنَ الأحكام أم لم يَثبتْ إلا التَّحريمُ خاصةً، ليسَ العُمومُ في آيةِ التَّحريمِ كالعُمومِ في آيةِ الفَرائضِ ونحوِها، كقولِه تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وبيانُ ذلك مِنْ ثَلاثةِ أوجهٍ:

أحَدُها: أنَّ آيةَ التَّحريمِ تَتناولُ البنتَ وبِنتَ الابنِ وبنتَ البنتِ، كما يَتناولُ لَفظُ العمَّةِ عمَّةَ الأبِ والأمِّ والجَدِّ، وكذلكَ بنتُ الأختِ وبنتُ ابنِ الأختِ وبنتُ بنتِ الأختِ، ومثلُ هذا العُمومِ لا يَثبتُ لا في آيةِ الفَرائضِ ولا نحوِها مِنْ الآياتِ والنُّصوصِ الَّتي علَّقَ فيها الأحكامَ بالأنسابِ.

الثاني: إنَّ تَحريمَ النكاحِ يَثبتُ بمُجرَّدِ الرَّضاعةِ، كما قالَ النبيُّ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ» وفي لفظٍ: «ما يَحرمُ مِنَ النَّسَبِ»، وهذا حديثٌ مُتفَقٌ على صحتِه وعَمِلَ الأئمةُ به، فقدْ حرَّمَ اللهُ على المرأةِ أنْ تتزوَّجَ بطِفلٍ غذَّتْهُ مِنْ لَبنِها أو أنْ تَنْكِحَ أولادَه، وحرَّمَ على أمَّهاتِها وعمَّاتِها وخالتِها، بل حرَّمَ على الطفلةِ المُرتضِعَةِ مِنْ امرأةٍ أنْ

تتزوَّجَ بالفَحلِ صاحبِ اللبنِ وهو الذي وَطئَ المرأةَ حتَّى دَرَّ اللبنُ بوَطئِه، فإذا كانَ يَحرِّمُ على الرجلِ أنْ يَنْكِحَ بنتَهُ مِنْ الرَّضاعِ ولا يَثبتُ في حقِّها شيءٌ مِنْ أحكامِ النَّسبِ سِوى التحريمِ وما يَتبعُها مِنَ الحُرمةِ؛ فكَيفَ يُباحُ له نكاحُ بنتٍ خُلقَتْ مِنْ مائِه؟ وأينَ المَخلوقةُ مِنْ مائهِ مِنَ المُتغذِّيةِ بلَبنٍ دُرَّ بوَطئِه؟ فهذا يُبيِّنُ التَّحريمَ من جِهةِ عُمومِ الخِطابِ ومِن جهةِ التنبيهِ والفحوَى وقِياسِ الأَولى.

الثالثُ: أنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، قالَ العلماءُ: احتِرازٌ عنِ ابنِه الذي تبنَّاهُ كما قالَ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ومَعلومٌ أنهم في الجاهِليةِ كانوا يَستلحِقُونَ ولَدَ الزنى أعظَمَ ممَّا يَستلحِقونَ ولَدَ المُتبنِّي، فإذا كانَ اللهُ تَعالى قيَّدَ ذلكَ بقولِه: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ عُلِمَ أنَّ لفْظَ البناتِ ونحوِها يَشملُ كلَّ مَنْ كانَ في لُغتِهم داخِلًا في الاسمِ.

وأمَّا قولُ القائلِ: «إنه لا يَثبتُ في حَقِّها المِيراثُ ونحوُه» فجَوابُهُ: أنَّ النسبَ تَتبعَّضُ أحكامُه، فقدْ ثبَتَ بعضُ أحكامِ النَّسبِ دُونَ بعضٍ، كما وافقَ أكثرُ المُنازِعينَ في ولَدِ المُلاعنةِ على أنه يَحرمُ على المُلاعِنِ ولا يَرثُه، واختَلفَ العلماءُ في استِلحاقِ وَلدِ الزنى إذا لم يكنْ فِراشًا على قولَينِ، كما ثبَتَ عنِ النبيِّ أنه ألحَقَ ابنَ وليدةِ زَمعةَ بنِ الأسوَدِ بزَمعةَ بنِ الأسوَدِ وكانَ قد أحبَلَها عُتبةُ بنُ أبي وقَّاصٍ، فاختَصمَ فيه سَعدٌ وعبدُ بنُ زَمعةَ، فقالَ سعدٌ: ابنُ أخي عَهِدَ إليَّ أنَّ ابنَ وَليدةِ زَمعةَ هذا ابنِي، فقالَ عَبدٌ: أخِي وابنُ

وَليدةِ أَبي وُلِدَ على فِراشِ أبي، فقالَ النبيُّ: «هوَ لكَ يا عبدُ بنُ زَمعةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ، احتَجِبي منهُ يا سَودةُ» لِمَا رَأى مِنْ شَبَهِهِ البيِّنِ بعُتبةَ، فجعَلَهُ أخاها في المِيراثِ دونَ الحُرمةِ.

وقد تَنازعَ العُلماءُ في ولَدِ الزنى هل يُعتَقُ بالمِلكِ؟ على قولَينِ في مَذهبِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ، وهذهِ المسألةُ لها بَسْطٌ لا تسَعَهُ هذه الورَقةُ، ومثلُ هذه المسألةِ الضَّعيفةِ ليسَ لأحَدٍ أنْ يَحكيَها عن إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المُسلمِينَ، لا على وَجهِ القدح فيه ولا على وَجهِ المُتابَعةِ له فيها؛ فإنَّ في ذلكَ ضَربًا مِنَ الطعنِ في الأئمَّةِ واتِّباعِ الأقوالِ الضعيفةِ، وبمِثلِ ذلكَ صارَ وزيرُ التَّتَرِ يُلقِي الفِتنةَ بينَ مَذاهبِ أهلِ السنَّةِ حتى يَدعُوهم إلى الخرُوجِ عن السُّنةِ والجَماعةِ ويُوقِعَهم في مذاهبِ الرَّافضةِ وأهل الإلحادِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وسُئلَ رحمة الله عليه عن رَجلٍ زَنَى بامرأةٍ في حالِ شُبوبيَّتهِ وقد رَأى معَها في هذه الأيامِ بنتًا وهو يَطلبُ التَّزويجَ بها ولم يَعلمْ هل هي منهُ أو مِنْ غيرِهِ وهو مُتوقِّفٌ في تَزويجِها؟

فأجابَ: الحمدُ للهِ، لا يَحِلُّ له التزويج بها عند أكثَرِ العُلماءِ، فإنَّ بنتَ التي زَنَى بها مِنْ غيرِه لا يَحِلُّ التزوُّجُ بها عندَ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في إحدَى الروايتَين، وأمَّا بنتُه مِنْ الزِّنى فأغلَظُ مِنْ ذلكَ، وإذا اشتبَهَتْ عليهِ بغيرِها حَرُمَتَا عليهِ (٢).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٣٤، ١٣٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٣٨).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كابنِ الماجشُونِ والقاضي عبدِ الوَهابِ والقُرطبيِّ إلى أنه يُكرهُ له أنْ يَتزوَّجَ ابنتَه مِنْ الزِّنا ولا تَحرمُ عليهِ.

قالَ الشافِعيةُ: إذا زَنَى بامرأةٍ فولَدَتْ بِنتًا مِنْ ماءِ زِناهُ فإنها تَحِلُّ لهُ ولا تَحرمُ عليهِ، فيَجوزُ له نكاحُها؛ لأنها أجنَبيةٌ عنه، إذ لا حُرمةَ لماءِ الزِّنا؛ بدَليلِ أنهُ لا يثبتُ بينَهُما التَّوارثُ بالإجماعِ ولا النَّسبُ ولا حُكمٌ مِنْ أحكامِ الولادةِ، فلمْ يَحرمْ عليه نكاحُها كالأجنَبيةِ، وسَواءٌ أكانَتْ المَزنِيُّ بها مُطاوِعةً أم لا، سواءٌ تَحقَّقَ أنها مِنْ مائِه أمْ لا، إلا أنَّه يُكرهُ له نكاحُها؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، أو لاحتِمالِ كونِها منه، قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: أكرهُ له أنْ يتزوَّجَها، فإنْ تَزوَّجَها لم أفسَخْ.

وقيلَ: تَحرمُ عليهِ مُطلَقًا.

وقيلَ: تَحرمُ عليهِ إنْ تحقَّقَ أنها مِنْ مائِه بأنْ أخبَرَهُ بذلكَ نَبيٌّ كأنْ يَكونَ في زَمنِ عِيسى عليه السلام أو بأنْ يَحبِسَها عندَهُ مِنَ الزنا إلى الوَلادةِ.

ولو أرضَعَتِ المَرأةُ بلَبنِ الزاني صَغيرةً فكَبِنتِه.

ويَحرمُ على المَرأةِ وعلى سائرِ مَحارمِها ولَدُها مِنْ زنًا بالإجماعِ، كما أجمَعُوا على أنه يَرثُها، والفرقُ أنَّ الابنَ كالعُضوِ منها وانفَصلَ منها إنسانًا، ولا كذلكَ النُّطفةُ التي خُلِقَتْ منها البِنتُ بالنِّسبةِ للأبِ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فرعٌ: زنَا بامرأةٍ فولَدَتْ بنتًا يَجوزُ للزاني نِكاحُ البنتِ، لكنْ يُكرَهُ، وقيلَ: إنْ تيقَّنَ أنها مِنْ مائِه إنْ تُصوِّرَ تَيقُّنُه حَرُمَتْ عليهِ، وقيلَ: تَحرمُ مطلَقًا.

والصَّحيحُ: الحِلُّ مُطلَقًا … قلتُ: وسَواءٌ طاوَعَتْه على الزِّنا أو أكرَهَها (١).

وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: إذا زنَا بامرأةٍ فأتَتْ بابنةٍ كُرِهَ للزاني بأمِّها أنْ يَتزوَّجَها، ولا تَحرمُ عليهِ، خِلافًا لأبي حنيفةَ؛ لقولِهِ : «الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فقيَّدَ أنه لا حُكمَ لفِعلِه؛ لأنها أجنَبيةٌ منهُ، بدليلِ أنَّ سائرَ أحكامِ الوِلادةِ المُختصةِ بها مِنْ لُحوقِ النَّسبِ ووُجوبِ النفقةِ والولايةِ في البَدنِ والمالِ والشَّهادةِ لا تَثبتُ في هذا الموضِعِ، كذلكَ تَحريمُ النكاحِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ الفُقهاءُ في معنَى هذا الحديثِ في نِكاحِ الرَّجلِ ابنتَه مِنْ زِنًى أو أختَه بِنتَ أبيه مِنْ زِنًى، فحرَّمَ ذلكَ قومٌ منهمُ ابنُ القاسِمِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، وأجازَ ذلك قومٌ آخَرونَ منهُم عبدُ الملكِ بنُ الماجشُونِ، وهو قولُ الشافعيِّ على كَراهةٍ قال: وأَحَبُّ إليَّ التنزُّهُ عنه؛ لقَولِه: «احتَجِبي منه يا سَودةُ»، وهوَ لا يَفسخُهُ إذا نزَلَ، وقد رُويَ عن مالكٍ مِثلُ ذلكَ، وحُجتُّه «الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٧٤٤)، و «البيان» (٩/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٥٣، ١٥٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٠، ٢٩١)، و «الديباج» (٣/ ٢٣٩)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٩١).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦) رقم (١١٦٢).

الحَجَرُ»، فنَفَى أنْ يكونَ الولدُ لغيرِ فِراشٍ، وأبعَدُ أنْ يكونَ للزاني شَيءٌ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ في نكاحِ الرَّجلِ ابنتَهُ مِنْ زنًى أو أختَه أو بنتَ ابنه مِنْ زنًى، فحرَّمَ ذلكَ قومٌ منهم ابنُ القاسمِ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وأجازَ ذلك آخرونَ منهمْ عبدُ الملكِ بنُ الماجشُونِ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وقد مَضى هذا في النِّساءِ مُجوَّدًا (٢).

وقالَ في تَفسيرِ سُورةِ النِّساءِ: ومِنَ الحُجةِ للقَولِ الآخَرِ إخبارُ النبيِّ عنْ جُريجٍ وقولُه: «يا غُلامُ مَنْ أبُوكَ؟ قالَ: فُلانٌ الرَّاعِي» (٣)، فهذا يَدلُّ على أنَّ الزِّنى يُحرِّمُ كما يُحرِّمُ الوطءُ الحَلالُ، فلا تَحلُّ أمُّ المَزنِيِّ بها ولا بناتُها لآباءِ الزاني ولا لأولادِهِ، وهيَ روايةُ ابنِ القاسمِ في «المُدوَّنة»، ويُستدلُّ به أيضًا على أنَّ المَخلوقةَ مِنْ ماءِ الزاني لا تَحلُّ للزاني بأمِّها، وهوَ المشهورُ … وقالَ عبدُ المَلكِ الماجشُونِ: إنها تَحِلُّ، وهوَ الصَّحيحُ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] يعني: بالنكاحِ الصَّحيحِ على ما يأتي في الفُرقانِ بَيانُه.

ووَجهُ التمسُّكِ مِنَ الحديثِ على تلكِ المسألتَينِ أنَّ النبيَّ قد حكَى عن جُريجٍ أنه نسَبَ ابنَ الزِّنى للزَّاني، وصدَّقَ اللهُ نِسبتَهُ بما خَرَقَ له مِنَ العادةِ في نُطقِ الصبيِّ بالشهادةِ له بذلكَ، وأخبَرَ بها

(١) «التمهيد» (١/ ١٩١)، و «تفسير القرطبي» (١٣/ ٦٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٣/ ٦٠).
(٣) رواه مسلم (٢٥٥٠).

النبيُّ عن جُريجٍ في مَعرضِ المَدحِ وإظهارِ كَرامتِهِ، فكانَتْ تلكَ النِّسبةُ صَحيحةً بتَصديقِ اللهِ تعالى وبإخبارِ النبيِّ عن ذلكَ، فثَبتَتِ البُنوَّةُ وأحكامُها.

فإنْ قيلَ: فيَلزمُ على هذا أنْ تَجريَ أحكامُ البُنوَّة والأبوَّةِ مِنَ التوارثِ والوِلاياتِ وغيرِ ذلكَ، وقد اتَّفقَ المُسلمونَ على أنه لا تَوارثَ بينَهما، فلمْ تَصحَّ تلكَ النسبةُ؟

فالجَوابُ: إنَّ ذلكَ مُوجَبُ ما ذكَرْناهُ، وما انعَقدَ عليه الإجماعُ مِنْ الأحكامِ استَثنيناهُ، وبَقيَ الباقي على أصلِ ذلكَ الدَّليلِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: نَصَّ الشافِعيُّ على كَراهةِ تزوُّجِ الرَّجلِ بنتَه مِنْ ماءِ الزِّنى، ولم يَقُلْ قطُّ إنه مُباحٌ ولا جائزٌ، والذي يَليقُ بجَلالتِهِ وإمامتِهِ ومَنصبِهِ الذي أجلَّهُ اللهُ بهِ مِنَ الدِّين أنَّ هذه الكَراهةَ منهُ على وَجهِ التحريمِ، وأطلَقَ لفْظَ الكراهةِ؛ لأنَّ الحَرامَ يَكرهُهُ اللهُ ورسولُهُ (٢).

٣ - وَالأَخَوَاتُ من أي جِهةٍ كُنَّ، شَقيقةً أو لأبٍ أو لأُمٍّ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأختُ هي اسمٌ لكُلِّ أنثى شارَكتْكَ في أحَدِ أصلَيْكَ أو مَجمعِهما، أي الأبِ أو الأمِّ أو كِليهِما (٣).

(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ١١٥، ١١٦).
(٢) «إعلام الموقعين» (١/ ٤٢، ٤٣).
(٣) المَصادِرُ السابِقةُ.

٤ - والعَمَّاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهيَ اسمٌ لكُلِّ أنثَى هيَ أختٌ لأبيكَ أو لكُلِّ ذكَرٍ له عليكَ وِلادةٌ، فيَحرمُ عليهِ مَنْ يقعُ عليها اسمُ العمَّةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أبيه، سواءٌ كانَتْ أختَهُ لأبيهِ وأمِّهِ أو لأبيهِ أولأمِّه، ويَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يَقعُ عليها اسمُ العمَّةِ مجازًا، وهيَ كلُّ أختٍ لجَدٍّ مِنْ أجدادِه مِنْ قِبَلِ أبيه أو مِنْ قِبَلِ أمِّه، فالعمَّاتُ أخواتُ الأب مِنَ الجِهاتِ الثلاثِ وأخواتُ الأجدادِ مِنْ قِبَلِ الأبِ ومِن قِبَلِ الأمِّ، قريبًا كانَ الجَدُّ أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ، فتَحرمُ عليهِ عمَّتُه وعمَّةُ أبيهِ وعمَّةُ أمهِ وعمَّةُ جدِّهِ وعمَّةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ (١).

٥ - والخالاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تَعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، سواءٌ كُنَّ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ؛ لإطلاقِ اسمِ الخالةِ، فيَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يقعُ عليها اسمُ الخالةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أمِّه لأبيها وأمِّها أو لأبيها أو لأمِّها، ويَحرمُ عليه مَنْ يَقعُ عليها اسمُ الخالةِ مَجازًا، وهيَ أختُ كلِّ جَدَّةٍ لهُ مِنْ قِبَلِ أمِّه أو أبيه، فيَحرمُ عليهِ خالتُه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ وخالةُ أمِّه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ بالإجماعِ، وكذا خالةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ، فالخالاتُ أخَواتُ الأمِّ مِنْ الجِهاتِ الثَّلاثِ وأخواتُ الجَدَّاتِ وإنْ عَلَوْنَ؛ لأنَّ كلَّ جدةٍ أمٌّ، فكذلكَ كلُّ أختٍ لجَدَّةٍ خالةٌ مُحرَّمةٌ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤)، و «البيان» (٩/ ٢٣٩)، و «المغني» (٧/ ٨٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤)، و «البيان» (٩/ ٢٣٩)، و «المغني» (٧/ ٨٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧١).

٦ - وبَناتُ الأخِ وإنْ سَفَلْنَ بالإجماعِ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ [النساء: ٢٣]، فيَحرمُ عليهِ بِنتُ أخيهِ حَقيقةً، وهيَ بنتُ أخيه لصُلبِه، ويَحرمُ عليه بِنتُ أخيه مجازًا، وهيَ كلُّ مَنْ تَنتسِبُ إلى أخيه بالبُنوَّةِ مِنْ قِبَلِ أبنائِه وبَناتِه وإنْ سفَلَتْ (١).

٧ - وبَناتُ الأُختِ وإنْ سَفَلْنَ بالإجماعِ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، فيَحرمُ عليه بِنتُ أختِه حقيقةً، وهيَ بنتُ أختِه لصُلبِه، ويَحرمُ عليهِ بنتُ أختهِ مَجازًا، وهيَ كلُّ مَنْ تَنتسِبُ إلى أختِه بالبنوَّةِ مِنْ بناتِ أبنائِها وبناتِها وإنْ سفَلَتْ.

فكُلهُنُّ مُحرَّماتٌ بنصِّ كتابِ اللهِ تعالَى وبالإجماعِ -غيرَ بنتِ الزِّنا- نِكاحًا ووَطئًا ودَواعيهِ على التأبيدِ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، نَصَّ على التحريمِ مُطلَقًا، فيَقتضي حُرمةَ جَميعِ الأفعالِ في المَحلِّ المُضافِ إليهِ التحريمُ، إلا فِعلًا فيهِ تَعظيمٌ وتكريمٌ فإنهُ خارجٌ عنِ الإرادةِ؛ إمَّا لأنَّه مأمورٌ بهِ بالنُّصوصِ المُوجِبةِ لصِلةِ الرَّحِمِ وبرِّ الوالدَينِ والإحسانِ بهما، أو لوُجوبِ ذلك عَقلًا، أو بالإجماعِ، وما عَداهنَّ مِنَ القَراباتِ مُحلَّلاتٌ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤)، و «البيان» (٩/ ٢٣٩)، و «المغني» (٧/ ٨٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧١).
(٢) «الاختيار» (٣/ ١٠٥)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤)، و «البيان» (٩/ ٢٣٩)، و «المغني» (٧/ ٨٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان وقت هذه الشهادة في النكاح

الِاشْتِهَارَ فِي النِّكَاحِ لِدَفْعِ تُهْمَةِ الزِّنَا لَا لِصِيَانَةِ الْعَقْدِ عَنْ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ، وَالتُّهْمَةُ تَنْدَفِعُ بِالْحُضُورِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ يَحْصُلُ بِسَبَبِ حُضُورِهِمَا وَإِنْ كَانَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَظْهَرُ وَيَشْتَهِرُ بِحُضُورِهِمَا، فَإِذَا ظَهَرَ وَاشْتَهَرَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُعِ فَتَحْصُلُ الصِّيَانَةُ.

وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ ابْنَيْهِ لَا مِنْهَا أَوْ ابْنَيْهَا لَا مِنْهُ يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا ثُمَّ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَجْرِ وَالْإِنْكَارِ يُنْظَرُ إنْ وَقَعَتْ شَهَادَتُهُمَا لِوَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الِابْنِ لِأَبَوَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَشَهَادَتَهُمَا عَلَيْهِ مَقْبُولَةٌ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٨ - مسألة؛ قال: (وإذا زوج الرجل ابنته البكر، فوضعها فى كفاءة، فالنكاح ثابت وإن كرهت، كب

١١١٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَه الْبِكْرَ، فَوَضَعَهَا فى كفَاءَةٍ، فالنِّكاحُ ثَابِتٌ وَإِنْ كَرِهَتْ، كَبِيرةً كَانتْ أو صَغِيرَةً)

أمَّا البِكْرُ الصغيرةُ، فلا خلافَ فيها. قال ابنُ المنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، أَنَّ نِكاحَ الأبِ ابْنَتَه البِكْرَ الصغيرةَ جائزٌ، إذا زَوَّجها من كُفْءٍ، ويجوزُ له تَزْوِيجُها مع كَرَاهِيَتِها وامْتِناعِها. وقد دَلَّ على جوازِ تَزْويج الصغيرةِ قولُ اللَّه تعالى: {وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ} فجَعلَ الِلَّائى لم يَحِضْنَ عِدَّةَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، ولا تكونُ العِدَّةُ ثلاثةَ أشْهُرٍ إلَّا من طَلاقٍ فى نِكاحٍ أو فَسْخٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّها تُزَوَّجُ وتُطَلَّقُ، ولا إذْنَ لها فيُعْتَبرُ. وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: تَزَوّجَنِى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ابنةُ سِتٍّ، وَبنَى بى وأنا ابنةُ تِسْعٍ. متفقٌ عليه . ومَعْلومٌ أنَّها لم تكنْ فى تلك الحالِ ممَّن يُعْتَبَرُ إذْنُها. ورَوَى الأثرمُ، أن قُدامةَ بن مَظْعونٍ تزوَّجَ ابنةَ الزُّبَيْرِ حين نَفِسَتْ، فقِيل له، فقال: ابْنةُ الزُّبيرِ إن مُتُّ وَرِثَتْنِى، وإن عِشْتُ كانت امْرَأتِى. وزَوّجَ علىٌّ ابنتَه أم كُلْثومٍ وهى صَغِيرةٌ عمرَ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 318 - 332

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله