هل الزنا يوجب التحريم؟

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > هل الزنا يوجب التحريم؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

هل الزنا يوجب التحريم؟ - الأقوال والأدلة

هلِ الزِّنا يُوجِبُ التَّحريمَ؟

اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو زَنَى رَجلٌ بامرأةٍ، هل تَحرمُ عليه بنتُها؟ أو زَنَى ببنتٍ، هل تَحرمُ عليه أمُّها أم لا؟ وسواءٌ زنَى بأمِّ زوجتِه أمْ ببَنتِ زوجتِه، هل تَحرمُ عليه الأخرى أم لا؟ وهل هُناكَ فرقٌ بينَ ما إذا كانَ ذلكَ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وروايةُ ابنِ القاسمِ عن مالكٍ في «المُدوَّنة» (١) إلى أنَّ مَنْ زَنَى بامرأةٍ ولو في دُبرِها حَرُمَتْ على أبيه وابنِه، وحرمَتْ عليه أمُّها وابنتُها، كما لو وَطئَها بشُبهةٍ أو حَلالًا، ولو وَطئَ أمَّ امرأتِه أو ابنتَها حرمَتْ عليه امرأتُه، ولو زنَى بامرأةِ أبيه أو ابنِه بَطلَ نِكاحُها.

وذلكَ لِمَا رواهُ عبدُ الرزاقِ عنِ ابنِ جُرَيجٍ قالَ: أُخبِرتُ عن أبي بَكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أمِّ الحَكمِ قالَ: قالَ رَجلٌ يا رَسولَ اللَّهِ زَنيْتُ بامرَأةٍ في

(١) قال سحنونٌ في «المدونة الكبرى» (٤/ ٢٧٧، ٢٧٨): قلتُ: أرَأيتَ إنْ زنَى بأمِّ امرَأتِه أو بابنتِها أتَحرمُ عليهِ امرأتُه في قولِ مالكٍ؟ قالَ: قالَ لنا مالكٌ: يُفارِقُها ولا يُقيمُ عَليها، قالَ سحنونٌ: وهذا خِلافُ ما قالَ لنا مالِكٌ في «مُوطَّئِه»، وأصحابُه على ما في «الموطأ» ليسَ بينَهُم فيه اختلافٌ، وهو الأمرُ عندَهم.
ابنُ أبي ذِئبٍ عن الحارثِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أنه سأَلَ ابنَ المُسيِّبِ عن رَجلٍ كانَ يتبعُ امرأةً حَرامًا فأرادَ أنْ يَنكحَ ابنتَها أو أمَّها، قالَ: فسألَتُ ابنَ المُسيبِ فقالَ: لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحلالَ، قالَ: ثمَّ سألتُ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ فقالَ: نِعمَ ما قالَ ابنُ المُسيِّبِ، (قال) ابنُ أبي ذِئبٍ: وقالَ ذلكَ ابنُ شهابٍ، (قال): وأخبَرنِي رِجالٌ مِنْ أهلِ العلمِ عن مُعاذِ بنِ جبَلَ ورَبيعةَ قالَا: «ليسَ لحَرامٍ حُرمةٌ في الحَلالِ».

الجاهِليةِ أفأَنكِحُ ابنَتَها؟ قالَ: «لا أرَى ذلكَ، ولا يَصلحُ لكَ أنْ تَنْكِحَ امرَأةً تَطَّلِعُ مِنْ ابنَتِها على ما تَطَّلعُ عليه مِنها» (١).

ولمَا رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ نظَرَ إلى فَرجِ امرَأةٍ لم تَحِلَّ له أُمُّها ولا ابنَتُها» (٢).

وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «لا يَنظرُ اللَّهُ إلى رَجلٍ نظَرَ إلى فَرجِ امرَأةٍ وابنَتَها» (٣).

وروَى الحسَنُ عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ في رَجلٍ زَنَى بأمِّ امرأتِهِ «حَرُمَتْ عليهِ امرَأتُه».

ولأنَّ ما تعلَّقَ مِنَ التحريمِ بالوطءِ المباحِ تعلَّقَ بالمَحظورِ كوطءِ الحائضِ، ولأنَّ النكاحَ عقدٌ يُفسدُه الوطءُ بالشبهةِ، فأَفسدَهُ الوطءُ الحَرامُ كالإحرامِ.

وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] قدْ أَوجَبَ تَحريمَ نكاحِ امرأةٍ قد وَطئَها أبوه بزنًا أو غيرِهِ، إذْ كانَ الاسمُ يَتناولُهُ حقيقةً، فوجَبَ حَملُه عليها، وإذا ثبَتَ ذلكَ في وطءِ الأبِ ثبَتَ مثلُه في وطءِ أمِّ المرأةِ أو ابنتِها في إيجابِ تحريمِ المرأةِ؛ لأنَّ أحَدًا لم يُفرِّقْ بينَها، ويَدلُّ على ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ

(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ منقطعٌ ومرسَلٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٧٨٤).
(٢) حَدِيثٌ منكر: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٦٢٣٥).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٢٣٤).

نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، والدُّخولُ بها اسمٌ للوطءِ، وهوَ عامٌّ في جَميعِ ضُروبِ الوطءِ مِنْ مُباحٍ أو مَحظورٍ ونكاحٍ أو سِفاحٍ، فوجَبَ تَحريمُ البنتِ بوطءٍ كانَ منه قَبْلَ تزويجِ الأمِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ويَدلُّ على أنَّ الدخولَ بها اسمٌ للوطءِ، وأنه مُرادٌ بالآيةِ، وأنَّ اسمَ الدخولِ لا يَختصُّ بوطءِ نكاحٍ دونَ غيرهِ، أنه لو وَطئَ الأمَّ بمِلكِ اليمينِ حرمَتْ عليه البنتُ تَحريمًا مُؤبَّدًا بحُكمِ الآيةِ، وكذلكَ لو وَطئَها بنكاحٍ فاسدٍ، فثبَتَ أنَّ الدخولَ لمَّا كانَ اسمًا للوطءِ لم يَختصَّ فيما عُلِّقَ به مِنَ الحكمِ بوطءٍ بنكاحٍ دونَ ما سواهُ مِنْ سائرِ ضُروبِ الوطءِ.

ويَدلُّ عليهِ مِنْ جهةِ النظَرِ أنَّ الوطءَ آكَدُ في إيجابِ التحريمِ مِنَ العقدِ؛ لأنَّا لم نَجدْ وطأً مباحًا إلا وهوَ مُوجِبٌ للتحريمِ، وقدْ وجَدْنا عَقدًا صَحيحًا لا يُوجِبُ التحريمَ وهوَ العقدُ على الأمِّ لا يُوجِبُ تَحريمَ البنتِ، ولو وَطئَها حرمَتْ، فعَلِمْنا أنَّ وُجودَ الوطءِ علَّةٌ لإيجابِ التحريمِ، فكَيفَما وُجِدَ ينبغي أنْ يحرِّمَ، مُباحًا كانَ الوَطءُ أو مَحظورًا؛ لوُجودِ الوطءِ؛ لأنَّ التحريمَ لم يُخرجْه مِنْ أنْ يكونَ وطأً صَحيحًا، فلمَّا اشتَركَا في هذا المعنى وجَبَ أنْ يقَعَ به تَحريمٌ.

وأيضًا لا خِلافَ أنَّ الوطءَ بشُبهةٍ وبمِلكِ اليمينِ يُحرِّمانِ مع عَدمِ النكاحِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الوطءَ يُوجِبُ التحريمَ على أيِّ وَجهٍ وقَعَ، فوجَبَ أنْ يكونَ وطءُ الزنا مُحرِّمًا؛ لوُجودِ الوطءِ الصحيحِ.

ولأنَّ اللهَ تعالى قد غلَّظَ أمْرَ الزنا بإيجابِ الرجمِ تارةً وبإيجابِ الجَلدِ أُخرى، وأَوْعَدَ عليه بالنارِ، ومنَعَ إلحاقَ النسَبِ به، وذلكَ كلُّه تَغليطًا لحُكمِه، فوجَبَ أنْ يكونَ بإيجابِ التحريمِ أَولَى إذْ كانَ إيجابُ التحريمِ ضربًا مِنَ التغليظِ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تعالَى لمَّا حكَمَ ببُطلانِ حَجِّ مَنْ جامَعَ امرأتَهُ قبلَ الوقوفِ بعرفَةَ كانَ الزاني أَوْلَى ببُطلانِ الحجِّ؛ لأنَّ بطلانَ الحجِّ تَغليظٌ لتَحريمِ الجِماعِ فيهِ، كذلكَ لمَّا حكَمَ اللهُ بإيجابِ تحريمِ الأمِّ والبنتِ بالوطءِ الحلالِ وجَبَ أنْ يكونَ الزنا أَوْلَى بإيجابِ التحريمِ تَغليظًا لحُكمِه (١).

إلَّا أنَّ هذا التحريمَ عندَ الحَنفيةِ لا يحصلُ بالزِّنا فقطْ، بل بمُقدِّماتِه، فلو مَسَّ امرأةً بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وبنتُها، وكذا إذا مَسَّتْه هيَ بشهوةٍ.

ولا فرْقَ في ثُبوتِ الحُرمةِ بالمسِّ بينَ كونِه عامِدًا أو ناسِيًا أو مُكرَهًا أو مُخطئًا، حتَّى لو أيقَظَ زوْجتَه ليُجامِعَها فوصَلَتْ يدُه إلى بنتِها فقَرَصَها

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٥١، ٥٥)، و «المبسوط» (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «الهداية» (١/ ١٩٢)، و «العناية» (٤/ ٣٥٠)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٠٦)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، و «اللباب» (٢/ ٢٢)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢١٠)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٣، ٣٢٥) رقم (١١٦١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «البيان والتحصيل» (١٨/ ٤٨٩)، و «المغني» (٧/ ٩٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧٤)، و «فتح الباري» (٩/ ١٥٦، ١٥٧)

بشَهوةٍ وهيَ ممَّن تُشتَهى يظُنُّ أنها أمَّها حرمَتْ عليهِ زوْجتُه حُرمةً مؤبَّدةً، وكذا لو أيقظَتْه هيَ كذلكَ فقَرَصَتْ ابنَه مِنْ غيرِها حرمَتْ عليهِ.

ويُشترطُ الشهوةُ حالَ المَسِّ، فلو مَسَّ بغيرِ شهوةٍ ثمَّ اشتَهى عن ذلكَ المسِّ لا تَحرمُ عليه، وحَدُّ الشهوةِ أنْ تَنتشرَ الآلةُ أو تزدادَ انتشارًا.

وإنما يُحرِّمُ المسُّ إذا لم يُنزِلْ، أما إذا أنزَلَ بالمسِّ فالصحيحُ أنه يُوجِبُ الحرمةَ؛ لأنهُ بالإنزالِ تبيَّنَ أنه غيرُ مُفضٍ إلى الوطءِ.

وإنْ مسَّ امرأةً وقالَ: «لم أشتَهِ» أو قبَّلَها وقالَ ذلكَ فإنه يُصدَّقُ إذا كانَ المسُّ على غيرِ الفَرجِ والقُبلةُ في غيرِ الفَمِ، أمَّا إذا كانَ كذلكَ لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ الظاهرَ يكِّذبُه.

وكذا إذا نَظَرَ إلى داخلِ فَرجِ امرأةٍ بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وابنتُها، ولا يُشترطُ في النظرِ تَحريكُ الآلةِ.

وإنْ نظرَ إلى دُبرِها بشَهوةٍ لم تَحرمْ عليه أمُّها ولا بنتُها.

وإنْ نظَرَتِ المرأةُ إلى ذَكَرِ الرجلِ بشَهوةٍ أو لمسَتْه أو قبَّلتْهُ بشَهوةٍ تعلَّقَتْ بهِ حرمةُ المُصاهَرةِ كما لو وُجِدَ منه.

والنظرُ إلى الفرجِ بشَهوةٍ يُوجِبُ الحرمةَ، سواءٌ كانَ بينَهما حائلٌ كالنظرِ مِنْ وراءِ الزُّجاجِ ومِن وِراءِ السُّترةِ أو لم يَكنْ حائلٌ، ولا عِبرةَ بالنظرِ في المرآةِ؛ لأنه خَيالٌ، ألَا ترَى أنه يَراها مِنْ وراءِ ظهرِهِ، وكذا إذا كانَتْ على شَفَا الحوضِ فنظَرَ فرْجَها في الماءِ لا تَثبتُ الحرمةُ، وإنْ كانَتْ هي في الماءِ

فرَأى فرْجَها وهيَ فيهِ تَثبتُ الحرمةُ، هذا كلُّه إذا كانَتْ حيَّةً، أمَّا الميتةُ فلا يتعلَّقُ بلَمسِها ولا بوَطئِها ولا بتَقبيلِها حُرمةُ المصاهَرةِ (١).

وأمَّا الحَنابلةُ فالذي يُحرِّمُ هوَ الجِماعُ في حالِ الحياةِ، أمَّا مُقدِّماتُ الجِماعِ أو الجِماعُ بعدَ المَماتِ فلا يَثبتُ به التحريمُ، فلا يَثبتُ التحريمُ بمُباشرتِها ولا بنَظَرِهِ إلى فرجِها أو بنظَرِه إلى غيرِه ولو لشَهوةٍ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يُريدُ بالدخولِ الوطءَ، وكذا لو فعَلَتْ هي كذلكَ مِنَ المُباشرةِ أو النظرِ إلى فرجِه وغيرِه، وكذا الخلوةُ لشَهوةٍ برَجلٍ لم تَحرمْ بنتُها عليه؛ لأنهُ لم يَدخلْ بأمِّها.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا المُباشرةُ فيما دونَ الفرجِ فإنْ كانتْ لغيرِ شَهوةٍ لم تَنشرِ الحُرمةَ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وإنْ كانَتْ لشَهوةٍ وكانتْ في أجنَبيةٍ لم تَنشرِ الحرمةَ أيضًا.

قالَ الجَوزجانِيُّ: سألْتُ أحمدَ عن رَجلٍ نظَرَ إلى أمِّ امرأتِه في شَهوةٍ أو قبَّلَها أو باشَرَها، فقالَ: أنا أقولُ لا يُحرمُه شيءٌ مِنْ ذلكَ إلا الجِماعُ، وكذلكَ نقَلَ أحمدُ بنُ القاسمِ وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وإنْ كانَتِ المُباشرةُ لامرأةٍ محلَّلَةٍ لهُ كامرأتِه أو مَملوكتِه لمْ تَحرمْ عليهِ ابنتُها.

(١) «المبسوط» (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «الهداية» (١/ ١٩٢)، و «العناية» (٤/ ٣٥٠)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٢٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٠٦)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٠٥، ١٠٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٧٦، ٢٧٩)، و «اللباب» (٢/ ٢٢)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٨).

قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لا يُحرِّمُ الرَّبيبةَ إلا جِماعُ أمِّها»، وبه قالَ طاوسٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا ليسَ بدُخولٍ، فلا يَجوزُ تَركُ النصِّ الصريحِ مِنْ أجْلِه، وأما تَحريمُ أمِّها وتَحريمُها على أبِي المباشِرِ لها وابنِهِ فإنها في النكاحِ تَحرمُ بمُجرَّدِ العقدِ قَبْلَ المباشَرةِ، فلا يَظهرُ للمباشَرةِ أثرٌ (١).

ويحرمُ باللِّواطِ لا بدَواعيهِ مِنْ قُبلةٍ ونحوِها، ولا يحرمُ بمُساحَقةِ النساءِ، فيحرمُ على اللائطِ أمُّ المَلوطِ به وابنتُه، ويحرمُ على المَلوطِ به أمُّ اللائطِ وابنتُه؛ لأنَّه وطءٌ في الفرجِ، فنشَرَ الحُرمةَ كوطءِ المرأةِ، هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، وفي رِوايةٍ أخرى أنه لا يَنشرُ الحرمةَ اختارَها ابنُ قدامةَ رحمة الله عليه قالَ: فإنَّ هؤلاءِ غيرُ مَنصوصٍ عليهنَّ في التحريمِ، فيَدخلْنَ في عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنهنَّ غيرُ منصوصٍ عليهنَّ ولا في معنَى المنصوصِ عليهِ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ حُكمُ التحريمِ فيهنَّ، فإنَّ المنصوصَ عليهنَّ في هذا حَلائلُ الأبناءِ ومَن نكَحَهنَّ الآباءُ وأمُّهاتُ النساءِ وبناتُهنَّ، وليسَ هؤلاءِ منهنَّ ولا في معناهنَّ؛ لأنَّ الوطءَ في المرأةِ يكونُ سببًا للبعضيَّةِ ويوجِبُ المهرَ ويُلحَقُ به النسبُ وتصيرُ به المرأةُ فراشًا ويُثبِتُ أحكامًا لا يُثبتُها اللواطُ، فلا يجوزُ إلحاقُهُ بهنَّ؛ لعَدمِ العلَّةِ وانقطاعِ الشبهةِ، ولذلكَ لو أَرْضَعَ الرجلُ طفلًا لم يَثبتْ به

(١) «المغني» (٧/ ٩٢).

حكمُ التحريمِ، فهاهُنا أَوْلى، وإنْ قُدِّرَ بينَهما شبهٌ مِنْ وجهٍ ضَعيفٍ، فلا يَجوزُ تخصيصُ عُمومِ الكتابِ بهِ واطِّراحُ النصِّ بمثلِه (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ (٢) والشافِعيةُ إلى أنَّ الزنا لا يُثبِتُ حُرمةَ المصاهرةِ، فمَن زنَى بامرأةٍ جازَ له أنْ يَتزوجَ بنتَها أو أمَّها؛ لأنَّ المصاهَرةَ نعمةٌ مِنَ اللهِ امتنَّ بها على عِبادِه، فلا تَثبتُ بالزنا كما لا يَثبتُ به النسبُ، فيَجوزُ للزاني نكاحُ أمِّ مَنْ زنَى بها وبنتِها ولابنِه وأبيهِ نكاحُهنَّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، فجمَعَ بينَ المائَينِ الصِّهرَ والنسَبَ، فلمَّا انتَفَى عنِ الزنا حُكمُ النسَبِ انتَفَى عنهُ حكمُ المُصاهرةِ.

ولأنَّ ثُبوتَ حُرمةِ المصاهَرةِ بطريق النِّعمةِ والكَرامةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى مَنَّ به على عبادِهِ بقولِه تعالَى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، وهوَ مَعقولٌ؛ فإنَّ أمهاتِها وبناتِها يَصِرْنَ كأمهاتِهِ وبناتِهِ حتى يخلو بهنَّ ويُسافِرُ بهنَّ، وهذا يكونُ بطريقِ الكَرامةِ، والزنا المَحضُ سببٌ لإيجابِ العقوبةِ، فلا يَصلحُ سببًا لإيجابِ الحُرمةِ والكرامةِ، أَلَا ترَى أنه لا يَثبتُ به النسبُ والعدَّةُ،

(١) «المغني» (٧/ ٩١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٩).
(٢) قالَ الإمامُ مالكٌ في «الموطأ» (٢/ ٥٣٣): فأمَّا الزنى فإنه لا يُحرِّمُ شيئًا مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى قالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فإنما حرمَ ما كانَ تَزويجًا ولم يَذكرْ تحريمَ الزنى، فكلُّ تزويجٍ كانَ على وجهِ الحَلالِ يُصيبُ صاحبُه امرأتَه فهوَ بمنزلَةِ التزويجِ الحَلالِ، فهذا الذي سَمعْتُ والذي عليهِ أمرُ الناسِ عندَنا.

فكذلكَ حرمةُ المصاهرةِ، ولأنه لو كانَ مؤثِّرًا لحلَّلَها للمطلِّقِ ثلاثًا.

ورُويَ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عنِ النبيِّ قالَ: «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» (١).

ولأنَّ اللهَ تبارك وتعالى قالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإنَّما حرمَ ما كانَ تَزويجًا ولم يَذكرْ تَحريمَ الزِّنى، والنكاحُ شرعًا إنما يُطلَقُ على وطءِ المَعقودِ عليها لا على مجرِّدِ الوطءِ.

فكلُّ تَزويجٍ كانَ على وجهِ الحلالِ يُصيبُ صاحبُه امرأتَه فهوَ بمَنزلةِ التزويجِ الحَلالِ، فيقعُ به التحريمُ، وكلُّ ما كانَ محْضَ زنًى لا يُحرِّمُ؛ لأنه ليسَ بمَنزلةِ التزويجِ.

وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: سُئلَ رسولُ اللَّهِ عنِ الرَّجلِ يَتْبعُ المَرأةَ حَرامًا، أَيَنكِحُ أمَّها؟ أو يَتبعُ الأمَّ حَرامًا، أيَنكِحُ ابنَتَها؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحلالَ، إنَّما يُحرِّمُ ما كانَ بنِكاحٍ حَلالٍ» (٢)، وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ خلافُه.

ومِن طريقِ القياسِ أنَّه وطءٌ تمحَّضَ تحريمُه، فلم يتعلَّقْ به تحريمُ المصاهَرةِ كوطءِ الصغيرةِ التي لا تُشتَهى، ولأنهُ وطءٌ لا يُوجِبُ العدَّةَ، فلم يُوجِبْ تحريمَ المصاهرةِ كوَطءِ الصغيرةِ والمَيتةِ، ولأنه تَحريمُ نكاحٍ يتعلَّقُ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٠١٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٨٠٣)، والدارقطني (٣٦٧٨).

بالوطءِ الصحيحِ، فوجَبَ أنْ يَنتفيَ عن الزنا الصريحِ قياسًا على تَحريمِ العدَّةِ، ولأنه وطءٌ لا يتعلَّقُ به التحريمُ المؤقَّتُ، فوجَبَ أنْ لا يتعلَّقَ به التحريمُ المُؤبَّدُ كاللواطِ، ولأنه لمَّا أَوجبَ تَحريمَ المصاهرةِ افتَرقَ حكمُ حَلالِه وحرامِه كالعقدِ، ولأنَّ المُواصلةَ التي ثبَتَ في الوطءِ بالنكاحِ تَنتفَي عن الوطءِ بالزنا قياسًا على مُواصلةِ النسَبِ، ولأنه لمَّا انتفَى عن وطءِ الزنا ما يتعلَّقُ بوطءِ النكاحِ مِنَ الإحصانِ والإحلالِ والعدَّةِ والنَّسَبِ انتفَى عنه ما يتعلَّقُ به مِنْ تحريمِ المُصاهرةِ، ولأنه لو ثبَتَ تحريمُ المُصاهرةِ بما حَرُمَ مِنَ الوطءِ والقُبلةِ والمُلامَسةِ بشهوةٍ لَمَا شاءَتِ المرأةُ أنْ تُفارِقَ زوْجَها إذا كَرهتْه إذا قدرَتْ على فراقِه بتَقبيلِ ابنِه، فيَصيرُ الفراقُ بيدِها وقد جعَلَهُ اللهُ بيدِ الزَّوجِ دونَها (١).

وسَببُ الخلافِ بينَ الفُقهاءِ أمرَانِ:

أحَدُهما: عدمُ وُجودِ حديثٍ صَحيحٍ معَ كلٍّ مِنَ الفريقَينِ.

(١) «الموطأ» (٢/ ٥٣٣)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢١٠)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٣، ٣٢٥) رقم (١١٦١)، و «البيان والتحصيل» (١٨/ ٤٨٩)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١١٤، ١١٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «الشرح الكبير» (٣/ ٦٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٤)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢١٥، ٢١٦)، و «المهذب» (٢/ ٤٣)، و «البيان» (٩/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٤٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٦١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٥)، و «الديباج» (٣/ ٢٤٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب ما يوجب على المتظاهر الكفارة)

(باب ما يوجب على المتظاهر الكفارة)

(من كتابي الظهار قديم وجديد وما دخله مِنَ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى والشافعي رحمه الله عليهم)

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} المجادلة: ٣ الْآيَةَ قَالَ وَالَّذِي عَقَلْتُ ممَا سَمِعْتُ فِي {يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} الْآيَةَ أَنَّهُ إِذَا أَتَتْ عَلَى الْمُتَظَاهِرِ مُدَّةٌ بَعْدَ الْقَوْلِ بِالظِّهَارِ لَمْ يُحَرِّمْهَا بِالطَّلَاقِ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ عَادَ لِمَا قَالَ فَخَالَفَهُ فَأَحَلَّ مَا حَرَّمَ وَلَا أَعْلَمُ مَعْنًى أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهَا تَجِبُ بِلَفْظِ الظِّهَارِ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالظِّهَارِ وَلَا بِالْعَوْدِ وَلَا يَسْتَقِرُّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِبَاحَةِ كَالطَّهَارَةِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هِيَ شرط في فعل الصلاة فإن وطء قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الظِّهَارُ وَكَانَ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ الثَّانِي فَإِنْ وَطِئَ ثَانِيَةً لَمْ تَجِبْ وَكَانَ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ أَبَدًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 363 - 372

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله