ثانيا: نشوز الزوج

الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > ثانيا: نشوز الزوج

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثانيا: نشوز الزوج - الأقوال والأدلة

وإنْ أسرَفَ في التَّأديبِ بأنْ زادَ فوقَ المُعتادِ أو زادَ على ما يَحصلُ بهِ المَقصودُ ضَمنَ؛ لأنهُ غَيرُ مأذونٍ في ذلكَ شَرعًا (١).

ثانيًا: نُشوزُ الزَّوجِ:

النُّشوزُ كما يكونُ مِنْ الزَّوجةِ فهو أيضًا يكونُ مِنْ الزَّوجِ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، ونُشوزُه هو تَرفُّعُه عليها لبُغضِه إيَّاها، مأخوذٌ مِنْ نَشزِ الأرضِ وهي المُرتفِعةُ.

ونُشوزُ الرَّجلِ لهُ حالاتانِ:

الحالةُ الأُولى: أنْ يتعدَّى عليها ويَمنعَها حُقوقَها:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنهُ يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَتعدَّى على زوْجتِه بضَربٍ أو أذيَّةٍ بغيرِ حقٍّ، ويَحقُّ للزَّوجةِ رَفعُ أمرِها للحاكمِ أو القاضي ليَكفَّهُ عن ظُلمِه لها، وللقاضي أو الحاكِمِ تَعزيرُه إنْ لم يَرتدعْ عن ذلكَ.

قالَ الحنفيَّةُ: النُّشوزُ أنْ يَتجافى عنها بأنْ يَمنعَها الرَّحمةَ الَّتي بينَ الرَّجلِ والمرأةِ، وأنْ يُؤذِيَها بسَبٍّ أو ضَربٍ، وإذا جارَ الزَّوجُ على زوْجتِه فرافعَتْه إلى القاضي أوجَعَه القاضي عُقوبةً؛ لارتِكابِه المَحظورَ.

ولو كانَتِ الزَّوجةُ في مَنزلِ الزَّوجِ وليسَ مَعها أحَدٌ يُساكِنُها فشَكَتْ إلى القاضي أنَّ الزَّوجَ يَضرِبُها ويُؤذيها سألَ القاضي جيرانَها، فإنْ أخبَرُوا بما

(١) «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٩)، و (٦/ ١٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٨٧).

قالَتْ وهُم قومٌ صالِحونَ فالقاضي يُؤدِّبُه ويَأمرُه بأنْ يُحسِنَ إليها، ويأمُرُ جيرانَه أنْ يَتفحَّصُوا عنها.

وإنْ لم يَكنِ الجِيرانُ قومًا صالحِينَ أمَرَه القاضي أنْ يُحوِّلَها إلى جيرانٍ صالِحينَ، فإنْ أخبَرُوا القاضي بخِلافِ ما قالَتْ أقَرَّها هناكَ ولَم يُحوِّلْها (١).

وقالَ المالكيَّةُ: إذا تَعدَّى الزَّوجُ على زوْجتِه بأنْ كانَ يُضارِرُها بالهَجرِ أو الضَّربِ أو الشَّتمِ وثبَتَ ذلكَ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ فلها أنْ تَرفعَ أمْرَهُ إلى الحاكِمِ فيَزجُرَه عن ذلكَ ويَكُفَّه عنها، ويَتولَّى الحاكِمُ زجْرَه باجتِهادِه كما كانَ يَتولَّى الزَّوجُ زجْرَها حينَ كانَ الضَّررُ مِنها، فيَعظُه فإنْ لم يَنْتهِ ضرَبَه كما مرَّ في الزَّوجةِ إنْ جَزَمَ بالإفادةِ أو ظَنَّها.

وقيلَ: يَعظُه أوَّلًا، فإنْ لم يُفِدْ أمَرَها الحاكمُ بهَجرهِ، فإنْ لم يُفِدْ ضرَبَه، وهذا أَولَى؛ لأنَّ هجْرَها لهُ فيهِ مَشقَّةٌ عليهِ، بل رُبَّما كانَ أضرَّ عليهِ مِنْ الضَّربِ.

ومَحلُّ هذا حيثُ لم تُرِدِ التَّطليقَ، وإنَّما أرادَتْ زجْرَهُ وإبقاءَها معَه، وإلَّا فلها التَّطليقُ بالضَّررِ إنْ شَهدَتِ البَيِّنةُ بهِ، ولو لم تَشهدْ بتَكرُّرِه ولو كانَ الضَّررُ مرَّةً واحِدةً فالمَشهورُ أنهُ يَثبتُ للزَّوجةِ الخِيارُ، فإنْ شاءَتْ أقامَتْ على هذهِ الحالةِ، وإنْ شاءَتْ طلَّقَتْ نفْسَها بطَلقةٍ واحدةٍ بائِنةٍ؛ لخبَرِ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، فلو أوقَعَتْ أكثرَ مِنْ واحِدةٍ فإنَّ الزَّائدَ على الواحِدةِ لا

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٣)، و «فتاوى قاضيخان» (١/ ٢١٥)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٣٤١)، و «عمدة القاري» (١٣/ ٢٧١).

يَلزمُ الزَّوجَ ولو كانَ مِنْ غيرِ شَرطٍ في عَقدِ النِّكاحِ، ومِن الضَّررِ قَطعُ كَلامِه عنها وتَحويلُ وَجهِه عنها وضَربُها ضَربًا مُؤلمًا وسَبُّها وسَبُّ أبيها نحوُ: «يا بنتَ الكَلبِ، يا بنتَ الكافرِ، يا بنتَ المَلعونِ» كما يقعُ كَثيرًا مِنْ رعاعِ النَّاسِ، ويُؤدَّبُ على ذلكَ زيادةً على التَّطليقِ، وكوَطئِها في دبُرِها، لا بمَنعِها الحمَّامَ أو تأديبِها على الصَّلاةِ والتَّسرِّي والتَّزوجِ عليها.

وهل يُطلِّقُ الحاكِمُ أو يأمُرُها بالطَّلاقِ ثمَّ يَحكمُ به؟ قولانِ، وقيلَ: يأمُرُه الحاكِمُ أوَّلًا بالطَّلاقِ، فإنِ امتَنعَ فإنَّه يَجرِي القَولانِ (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: إذا ظهَرَ مِنْ الزَّوجِ النُّشوزُ بأنْ منَعَها ما يجبُ لها مِنْ نَفقةٍ وكِسوةٍ وقَسْمٍ ألزَمَه القاضي تَوفيتَه إذا طلَبَتْه؛ لعَجزِها عنهُ، بخِلافِ نُشوزِها؛ فإنَّ له إجبارَها على إيفاءِ حَقِّه لقُدرتِه، فإنْ لم يكنِ الزَّوجُ مُكلَّفًا أو كانَ مَحجورًا عليهِ أُلزِمَ وليُّه تَوفيتَه بشَرطه، ويُسكِنُها القاضي إلى جَنبِ ثقةٍ عَدلٍ؛ ليَستوفي لها حَقَّها.

فإنْ أساءَ خلُقَه وآذاها بضَربٍ أو غيرِه بلا سَببٍ نهاه القاضي عن ذلكَ، ولا يُعزِّرُه، فإنْ عادَ إليه وطلَبَتْ تَعزيرَه مِنْ القاضي عزَّرَه بما يَليقُ بهِ؛ لتَعدِّيه عليها ولأنَّه حَقُّها.

وإنَّما لم يُعزِّرْه في المرَّةِ الأُولى -وإنْ كانَ القِياسُ جَوازَه إذا طلَبَتْه-؛

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٠، ١٢)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧، ٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢١٠، ٢١٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٦، ٩٩).

لأنَّ إساءةَ الخلُقِ تَكثرُ بينَ الزَّوجينِ، والتَّعزيزُ عليها يُورثُ وَحشةً بينَهُما، فيَقتصرُ أوَّلًا على النَّهيِ؛ لَعلَّ الحالَ يَلتئمُ بينَهُما، فإنْ عادَ عزَّرَه وأسكَنَه بجَنبِ ثقةٍ يَمنعُ الزَّوجَ مِنْ التَّعدِّي عليها.

وهل يُحالُ بينَ الزَّوجينِ؟ قالَ الغَزاليُّ: يُحالُ بينَهُما حتَّى يعودَ إلى العَدلِ، ولا يُعتمَدُ قولُه في العَدلِ، وإنَّما يُعتمدُ قولُها وشَهادةُ القَرائنِ. اه.

وفصَّلَ الإمامُ فقالَ: إنْ ظَنَّ الحاكمُ تَعدِّيه ولم يَثبتْ عندَه لم يَحُلْ بينَهُما، وإنْ تَحقَّقَه أو ثبَتَ عندَه وخافَ أنْ يَضربَها ضَربًا مُبرحًا لكَونِه جَسورًا حالَ بينَهُما حتَّى يَظنَّ أنهُ عدَلَ؛ إذْ لو لم يَحُلْ بينَهُما واقتصَرَ على التَّعزيرِ لربَّما بلَغَ منها مَبلغًا لا يُستدرَكُ. اه.

قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ رحمة الله عليه: وهذا ظاهِرٌ، فمَن لم يَذكرِ الحَيلولةَ أرادَ الحالَ الأوَّلَ، ومَن ذكَرَها كالغَزاليِّ و «الحاوي الصِّغير» والمُصنِّفِ في تَنقيحِه أرادَ الثَّاني، والظَّاهرُ كما قالَ شَيخُنا أنَّ الحَيلولةَ بعدَ التَّعزيزِ والإسكانِ (١).

وقالَ الحنابلةُ: إذا وقَعَ بينَ الزَّوجينِ شِقاقٌ وبانَ أنَّه مِنْ الرَّجلِ أسكَنَهما الحاكمُ إلى جانبِ ثقةٍ يَمنعُه مِنْ الإضرارِ بها والتَّعدِّي عليها (٢).

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٦، ٤٢٧)، ويُنظر: «البيان» (٩/ ٥٣٢)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «الديباج» (٣/ ٣٦٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥٢).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الأولى في أنواع الطلاق

كِتَابُ الطَّلَاقِ

الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ

كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ:

; الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ.

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ.

الْجُمْلَةُ الْأُولَى

وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ الْبِدْعِيِّ.

وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْخُلْعِ.

الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الْفَسْخِ.

الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 424 - 427

ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.9 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله