الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > حكم نشوز المرأة على زوجها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقالَ الجَمَلُ في حاشِيتِه: النُّشوزُ شرعًا الخُروجُ عن طاعَةِ الزَّوجِ أو عكسُهُ (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: النُّشوزُ هو كراهَةُ كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ صاحبَه وسوءُ عِشرتِه، يُقالُ: نشَزَتِ المَرأةُ على زَوجِها فهي ناشِزةٌ وناشِزٌ، ونشَزَ عليها زَوجُها إذا جَفاها وأضَرَّ بها (٢).
حُكمُ نُشوزِ المَرأةِ على زَوجِها:
لا يَختلفُ العُلماءُ على أنهُ يَحرمُ على المَرأةِ أنْ تَعصيَ زوْجَها في حقٍّ مِنْ حقوقِه، وأنَّ هذا يُعتبَرُ نُشوزًا عليهِ وهو حَرامٌ، وأنهُ يَجبُ على الزَّوجةِ أنْ تُطيعَ زوْجَها في كلِّ ما لا مَعصيةَ فيهِ، ولا يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ مِنْ بَيتِها إلَّا بإذنِه، ويجبُ عليها إذا دَعاها للوَطءِ أنْ تُجيبَهُ، قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فالمَرأةُ عندَ زَوجِها تُشبِهُ الرَّقيقَ والأسيرَ، فليسَ لها أنْ تَخرجَ مِنْ منزِلِه إلَّا بإذنِه، سواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غيرُ أبوَيها باتَّفاقِ الأئمَّةِ، وإذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يَنتقلَ إلى مكانٍ آخَرَ معَ قيامِه بما يَجبُ عليهِ وحَفظَ حدودَ اللهِ فيها ونهاها أبوها عَنْ طاعتِه في ذلكَ فعلَيها أنْ تُطيعَ زوْجَها دونَ أبوَيها، فإنَّ الأبوَينِ هما ظالِمانِ، ليسَ لهُما أنْ يَنهيَاها عن طاعةِ مثلِ هذا الزَّوجِ (٣).
وقد دلَّتِ الأحادِيثُ الكثيرةُ عنِ النَّبيِ ﷺ على وجوبِ طاعةِ
(١) «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٤/ ٢٨٠).
(٢) «المبدع» (٧/ ٢١٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٣).
الزَّوجةِ لزَوجِها في جَميعِ أُمورِ الحَياةِ ما لم يَكنْ مَعصيةً، ومِن هذهِ الأحاديثِ ما يَلي:
١ - عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجدَ لأحَدٍ لَأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها» (١).
٢ - وعن عبدِ اللَّهِ بنِ أَبي أَوفَى رضي الله عنه قالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعاذٌ من الشَّامِ سجَدَ للنَّبيِّ ﷺ قالَ: ما هذا يا مُعاذُ؟ قالَ: أتَيْتُ الشَّامَ فوافَقتُهمْ يَسجدُونَ لأساقِفتِهمْ وبَطارِقتِهمْ، فوَدِدْتُ في نَفسِي أنْ نَفعلَ ذلك بكَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «فلا تَفعلُوا، فإنِّي لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجدَ لغَيرِ اللَّهِ لَأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، والَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِه لا تُؤدِّي المرأةُ حَقَّ رَبِّها حتَّى تُؤدِّيَ حَقَّ زَوجِها، ولو سَألَها نَفسَها وهي على قَتَبٍ لَم تَمنَعْه» (٢).
٣ - وعنْ جَابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاثةٌ لا يَقبلُ اللَّهُ لهُم صَلاةً ولا يَرفعُ لهُم إلى السَّماءِ حَسنةً: العَبدُ الآبِقُ حتَّى يَرجعَ إلى مَوالِيهِ فيضَعَ يدَه في أيديهِم، والمرأةُ السَّاخِطُ عليها زَوجُها حتَّى يَرضَى، والسَّكرانُ حتَّى يَصحوَ» (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١١٥٩).
(٢) حسن حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٨٥٣)، وأحمد (١٩٤٢٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٧١)، والحاكم في «المستدرك» (٧٣٢٥).
(٣) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٩٤٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٣٥٥).
٤ - وعن أمِّ سلَمةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزَوجُها عنها راضٍ دخَلَتْ الجنَّةَ» (١).
٥ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بابنةٍ لهُ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هذهِ ابنَتي قد أبَتْ أنْ تَتزوَّجَ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ: أطيعِي أباكِ، فقالَتْ: والَّذي بعَثَكَ بالحقِّ لا أتزَوَّجُ حتَّى تُخبرني ما حَقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه؟ فقالَ النبيُّ ﷺ: «حقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه أنْ لو كانَتْ قَرحةٌ فلَحَسَتْها ما أدَّتْ حقَّه» قالَتْ: والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ لا أتزَوَّجُ أبدًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: لا تَنكحُوهنَّ إلا بإذنِهنَّ» (٢).
٦ - وعنِ الحُصينِ بن مِحصنٍ أن عمَّةً له أتتِ النَّبيَّ ﷺ في حاجَةٍ ففرَغَتْ من حاجتِها فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ: «أذاتُ زَوجٍ أنتِ؟ قالَتْ: نعمْ، قالَ: كيفَ أنتِ له؟ قالَتْ: ما آلُوهُ إلَّا ما عجَزْتُ عنهُ، قالَ: فانظُرِي أينَ أنتِ منهُ؛ فإنَّما هو جنَّتُكِ ونارُكِ» (٣).
٧ - وعن أبي هُريرة رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ فلم تأتِهِ فباتَ غَضبانَ عليها لعَنَتْها الملائكةُ حتَّى تُصبِحَ» (٤).
(١) رواه الترمذي (١١٦١)، وابن ماجه (١٨٥٤).
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤١٦٤)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٠٥).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٩٥٠)، وأحمد (١٩٠٢٥)، والحاكم في «المستدرك» (٢٧٦٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٤١).
٨ - وعن طَلْقِ بنِ عليٍّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إذا الرَّجلُ دعَا زوْجتَه لحاجتِهِ فلْتأتِه وإنْ كانت على التّنُّورِ» (١).
٩ - وعن أَبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرَأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ أنْ تَجيءَ لعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصبِحَ» (٢).
وفي رِوايةٍ: «إذا باتَتْ المرأةُ مُهاجِرةً فِراشَ زوْجِها لعَنَتْها الملائكةُ حتى تَرجعَ» (٣).
وفي رِوايةٍ: «والَّذي نَفسِي بيدِه ما مِنْ رَجلٍ يَدعو امرَأتَهُ إلى فِراشِها فتأَبَى عليهِ إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخطًا عليها حتى يَرضَى عنها» (٤).
وغيرُ ذلكَ مِنْ الأحادِيثِ الكثيرةِ الَّتي تُبيِّنُ وجوبَ طاعَةِ الزَّوجِ على زَوجتِهِ، وقد تقدَّمَ أنَّه يَجبُ عَليها أنْ تُطيعَهُ للفِراشِ إذا دَعاها، وإلَّا لعَنَتْها الملائكةُ، وأنَّه يَحرمُ عَليها صَومُ النَّافلةِ وهوَ شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ، وكذا يَحرمُ
(١) رواه الترمذي (١١٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٦٥) قال القاري في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (٦/ ٣٦٩): أي: وإنْ كانَتْ تَخبِزُ على التنورِ، معَ أنهُ شُغلٌ شاغِلٌ لا يتفرَّغُ منه إلى غيرِه إلَّا بعدَ انقِضائِه، قالَ ابنُ المَلِكِ: وهذا بشَرطِ أنْ يكونَ الخبزُ للزَّوجِ؛ لأنهُ دعاها في هذهِ الحالةِ، فقدْ رَضيَ بإتلافِ مالِ نفْسِه، وتلَفُ المالِ أسهَلُ مِنْ وُقوعِ الزَّوجِ في الزِّنا. ويُنظَر: «تحفة الأحوذي» (٤/ ٢٧٢).
(٢) رواه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (١٤٣٦).
(٣) رواه البخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (١٤٣٦).
(٤) رواه مسلم (١٤٣٦).
عَليها الخُروجُ مِنْ بَيتهِ لغَيرِ ضَرورةٍ إلَّا بإذنِهِ بإجماعِ العُلماءِ، فإنْ فعَلَتْ شَيئًا مِنْ ذلكَ فهي ناشِزةٌ (١).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عَنْ رَجلٍ له زَوجةٌ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وكُلَّما دَعاها الرَّجلُ إلى فِراشِه تأبَى عليه، وتُقدِّمُ صلاةَ اللَّيلِ وصيامَ النِّهارِ على طاعةِ الزَّوجِ، فهل يَجوزُ ذلك؟
فأجابَ: لا يَحلُّ لها ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل يَجبُ عليها أنْ تُطيعَه إذا طَلبَها إلى الفِراشِ، وذلكَ فَرضٌ واجِبٌ عليها، وأمَّا قِيامُ اللَّيلِ وصيامُ النَّهارِ فتَطوُّعٌ، فكيفَ تُقدِّمُ مُؤمِنةٌ للنَّافلةِ على الفَريضةِ؟ حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذِي رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه ولا تأذَنُ في بَيتِه إلَّا بإذنِه»، ورَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ وغَيرُهما ولَفظُهم: «لا تَصومُ امرأةٌ وزَوجُها شاهِدٌ يَومًا مِنْ غيرِ رَمضانَ إلَّا بإذنِه»، فإذا كانَ النَّبيُّ قد حَرَّمَ على المرأةِ أنْ تَصومَ تَطوُّعًا إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا إلَّا بإذنِه فتَمنعَ بالصَّومِ بعضَ ما يَجبُ لهُ عليها، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طَلبَها فامتَنعَتْ؟ وفي الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ ﷺ: «إذا دَعَا الرَّجلُ المرأةَ إلى فِراشِهِ فأبَتْ لَعنَتْها المَلائكةُ حتَّى تُصبحَ»، وفي لَفظٍ: «إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى تُصبحَ»، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، فالمرأةُ الصَّالحةُ هي الَّتي تكونُ قانِتةً، أيْ
(١) «المهذب» (٢/ ٦٦، ٦٧)، و «المغني» (٧/ ٢٢٣)، و «الكافي» (٣/ ١٢٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الخلع)
(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)
(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَرِيضَ فَخَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا ثُمَّ مَاتَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ، كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ يصح طلاقه بغير بدل، فصح بالبدل كَالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي الْمَرَضِ، كَجَوَازِهِ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا صَحَّ خُلْعُهُ سَوَاءٌ خَالَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ صَحَّ، فَإِذَا خَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ إِذَا خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ يَكُونَ مُحَابَاةً فِي الثُّلُثِ كَالْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ.
قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنِ الْبُضْعِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ صَحَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، فَإِذَا أَزَالَهُ بِقَلِيلِ الْبَدَلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كان معتبراً من فيه الثلث، فكذلك إذا حابا فِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَلِيلِ الْبَدَلِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَ إِزَالَةُ الملك عن المال في المرض معتباراً مِنَ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَكُنْ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنِ الْبُضْعِ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.
ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.