الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > صفة الحكمين وصلاحيتهما، وهل هما حكمان أم وكيلان؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةالحكَمينِ مِنْ أهلِهما، قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُّ رحمة الله عليه: وإنَّما أمَرَ اللهُ تعالَى بأنْ يكونَ أحَدُ الحكَمينِ مِنْ أهلِها والآخَرُ مِنْ أهلِه؛ لئلَّا تَسبقَ الظِّنةُ إذا كانَا أجنَبيينِ بالمَيلِ إلى أحدِهما، فإنْ كانَ أحدُهما مِنْ قِبَلِه والآخَرُ مِنْ قِبلِها زالَتِ الظِّنةُ وتكلَّمَ كلُّ واحدٍ منهُما عمَّن هو مِنْ قِبَلِه (١).
وكذا ذكَرَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه فقالَ: رُفِعَ الأمرُ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] (٢).
٤ - صفةُ الحكَمينِ وصَلاحيتُهما، وهل هُما حكَمانِ أم وكيلانِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُبعوثَينِ، هل هُما حكَمانِ يَفعلانِ ما يرَيانِ أنَّه المصلحةُ للزَّوجينِ مِنْ جَمعٍ أو تَفريقٍ بطَلاقٍ أو خُلعٍ؟ أم هُما وَكيلانِ عنِ الزَّوجينِ لا يُبعثانِ إلا برِضاهُما وتَوكيلِهما ولا يَملكانِ التَّفريقَ إلا بإذنِهما؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المبعوثَينِ وكيلانِ عنِ الزَّوجينِ لا يَملكانِ التَّفريقَ إلَّا بإذنِهما جَميعًا؛ لأنَّ البُضعَ حقُّه والمالَ حقُّها وهُما رشيدانِ، فلا يَجوزُ لغيرِهما التَّصرفُ فيه إلَّا بوَكالةٍ منهُما أو ولايةٍ علَيهما، ولأنَّ الطَّلاقَ لا يَدخلُ تحتَ الولايةِ إلَّا في المولَى، وهو خارِجٌ عنِ القِياسِ.
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ١٥١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٤).
وعلى هذا يُوكِّلُ الزَّوجُ حكَمَه في التَّطليقِ عليهِ وبقَبولِ العِوضِ في الخُلعِ، وتُوكِّلُ المرأةُ حكَمَها ببَذلِ العِوضِ وقَبولِ الطَّلاقِ.
قالَ أبو بكرٍ الجَصاصُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: ليسَ للحكَمَينِ أنْ يُفرِّقَا إلَّا أنْ يرضَى الزَّوجُ؛ وذلكَ لأنَّه لا خِلافَ أنَّ الزَّوجَ لو أقَرَّ بالإساءةِ إليها لم يُفرِّقْ بينَهما ولم يُجبِرْه الحاكمُ على طلاقِها قبلَ تَحكيمِ الحكَمينِ، وكذلكَ لو أقَرَّتِ المرأةُ بالنُّشوزِ لم يُجبِرْها الحاكِمُ على خُلعٍ ولا على رَدِّ مهرِها، فإذا كانَ كذلكَ حكْمُها قبلَ بَعثِ الحكَمَينِ فكذلكَ بعدَ بَعثِهما، لا يجوزُ إيقاعُ الطَّلاقِ مِنْ جهتِهما مِنْ غيرِ رضَى الزَّوجِ وتوكيلِه، ولا إخراجُ المهرِ عَنْ مِلكِها مِنْ غيرِ رضاها، فلذلكَ قالَ أصحابُنا: إنهُما لا يجوزُ خلعُهما إلَّا برِضَى الزَّوجينِ، فقالَ أصحابُنا: ليسَ للحكَمَينِ أنْ يُفرِّقَا إلا برضَى الزَّوجينِ؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَملكُ ذلكَ، فكيفَ يَملكُه الحكَمانِ؟! وإنَّما الحكَمانِ وكيلانِ لهُما، أحَدُهما وَكيلُ المَرأةِ والآخرُ وكيلُ الزَّوجِ في الخُلعِ أو في التَّفريقِ بغيرِ جُعلٍ إنْ كانَ الزَّوجُ قد جُعِلَ إليهِ ذلكَ … والحكَمانِ في الشِّقاقِ إنَّما يتصرَّفانِ بوكالةٍ مَحضةٍ كسائرِ الوَكالاتِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ١٥١، ١٥٢)، ويُنظر: «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٤٤)، و «البيان» (٩/ ٥٣٢، ٥٣٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٢٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٨)، و «المغني» (٤/ ٧٢٢٤)، و «المبدع» (٧/ ٢١٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٤٠).
المبعوثَينِ حاكِمانِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سمَّاهُما حكَمينِ، ولهُما أنْ يَفعَلا ما يرَيانِ مِنْ جَمعٍ أو تَفريقٍ بعِوضٍ وبغيرِ عِوضٍ، ولا يَحتاجانِ إلى تَوكيلِ الزَّوجينِ ولا رِضاهُما؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، فسمَّاهُما حكَمينِ، ولم يَعتبِرْ رضَا الزَّوجَينِ؛ لأنَّه قالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]، فخاطَبَ الحكَمينِ بذلكَ وليسَ الزَّوجينِ، ولأنَّ الخِطابَ الوارِدَ بالأحكامِ وتَنفيذِها يَنصرفُ إلى الأئمَّةِ والحُكَّامِ دونَ أهلِ الخُصوماتِ، ولأنَّ تَسميتَهُما بأنهُما حَكَمانِ يَنفي كونَهُما وَكيلَينِ، وقولُ عليٍّ رضي الله عنه للحكَمينِ: «أتَدْرِيانِ ما عَليكُما، إنْ رأَيْتُما أنْ يُصلِحَا أصلَحْتُما، وإنْ رَأيتُما أنْ يُفرَّقَا فرَّقْتُما»، ولَم يَشتَرطْ رضَا الزَّوجينِ، ولأنَّ للحاكمَ مَدخلًا في إيقاعِ الفُرقةِ بينَ الزَّوجَينِ لإزالةِ الضَّررِ كالطَّلاقِ على المُولِي، والمُعسِرِ بالنَّفقةِ والمَهرِ، وغَيرِه، فإذا كانَ له ذلكَ في إزالةِ الضَّررِ عن أحَدِهما كانَ بأنْ يكونَ في حَقِّهما أَولى (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: قولُه تعالَى: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] هذا نَصٌّ مِنْ اللهِ سُبحانَه في أنهُما قاضِيانِ لا وَكيلانِ، وللوكيلِ اسمٌ في الشَّريعةِ ومعنًى، وللحكَمِ اسمٌ في الشَّريعةِ ومَعنًى، فإذا بيَّنَ
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٧٠، ٣٧١)، رقم (١٢٠٥)، و «البيان» (٩/ ٥٣٢، ٥٣٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٢٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٨)، و «المغني» (٤/ ٧٢٢٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٥٠).
اللهُ سُبحانَه كلَّ واحِدٍ منهُما فلا ينبَغِي لشاذٍّ فكيفَ لِعالِمٍ أنْ يُركِّبَ مَعنَى أحَدِهما على الآخَرِ، فذلكَ تَلبيسٌ وإفسادٌ للأحكامِ، وإنَّما يَسيرانِ بإذنِ اللهِ ويُخلِصانِ النِّيةَ لوَجهِ اللهِ ويَنظُرانِ فيما عندَ الزَّوجَينِ بالتَّثبُّتِ، فإنْ رأَيَا للجَمعٍ وجْهًا جمَعَا، وإنْ وَجداهُما قد أنابَا ترَكاهُما، كما رُويَ «أنَّ عَقيلَ بنَ أبي طالِبٍ تزوَّجَ فاطمةَ بنتَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ فقالَتْ: اصبِرْ لي وأُنفِقُ عليكَ، وكانَ إذا دخَلَ عليها قالَتْ: يا بَنِي هاشِمٍ لا يُحبُّكم قلبِي أبَدًا، أينَ الَّذين أعناقُهُم كأبارِيقِ الفضَّةِ؟ تَرِدُ أنوفُهُم قبْلَ شِفاهِهم، أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ أينَ شيبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فيَسكتُ، حتَّى دخَلَ عليها يَومًا وهو بَرِمٌ فقالَتْ له: أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فقالَ: على يَسارِكِ في النَّارِ إذا دخَلْتِ، فنشَرَتْ عليها ثيابَها فجاءَتْ عُثمانَ فذكَرَتْ له ذلكَ، فأرسَلَ ابنَ عبَّاسٍ ومُعاوِيةَ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: لَأفرِقَنَّ بينَهُما، وقالَ مُعاويةُ: ما كُنْتُ لِأُفرِّقَ بينَ شَيخَينِ مِنْ بَنِي عبدِ مَنافٍ، فأتَياهُما فوَجداهُما قد سَدَّا عَليهما أبوابَهُما وأصلَحَا أمْرَهُما».
وفي رِوايةٍ: «أنهُما لمَّا أتَيَا اشتَمَّا رائِحةً طيِّبةً وهُدُوًّا مِنْ الصَّوتِ، فقالَ لهُ مُعاوِيةُ: ارجِعْ، فإنِّي أرجُو أنْ يكونَا قدِ اصطَلحَا وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أفلَا نَمضيِ فنَنظُرَ أمْرَهُما؟ فقالَ مُعاويةُ: فنَفعلُ ماذَا؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أُقسِمُ باللهِ لَئِنْ دَخلْتُ عليهِما فرَأيتُ الَّذي أخافُ عَليهما منهُ لَأحكُمَنَّ عليهِما ثمَّ لَأفرِقَنَّ بينَهُما».
فإنْ وَجداهُما قدِ اختَلفَا سعَيَا في الأُلفةِ وذكَّرَاهما باللهِ تَعالى وبالصُّحبةِ، فإنْ أنابَا وخافَا أنْ يَتمادَى ذلكَ في المُستقبَلِ بما ظهَرَ في
الماضي فإنْ يكُنْ ما طلَعَا عليهِ في الماضي يُخافُ منهُ التَّمادِي في المُستقبَلِ فرَّقَا بينَهُما (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في الفُرقةِ بينَهُما هل تَحتاجُ إلى تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجِ أم لا؟
فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: يجوزُ قولُهُما في الفُرقةِ والاجتِماعِ بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ ولا إذنٍ منهُما في ذلكَ، وهو قولُ الشَّعبيِّ وأبي سلَمةَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ وإبراهيمَ النَّخعيِّ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ، وبهِ قالَ إسحاقُ.
ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ في الحكَمينِ: «إنِ اجتَمعَ أمرُهُما على أنْ يُفرِّقَا أو يَجمَعَا جازَ».
وقالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهُما: ليسَ لهُما أنْ يُفرِّقَا، إلَّا أنْ يَجعلَ الزَّوجُ إلَيهما التَّفريقَ، وهو قولُ عَطاءٍ والحسَنِ.
قالَ ابنُ جُريجٍ: سَمعتُ عطاءً يُسألُ: أيُفرِّقُ الحكَمانِ؟ قالَ: لا، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ في أيديهِما الزَّوجانِ.
وقالَ الحسَنُ: يَحكمانِ في الاجتِماعِ، ولا يَحكمانِ في الفُرقةِ، وبهِ قالَ أبو ثَورٍ وأحمَدُ وداودُ.
وكِلا الطَّائفتَينِ تَحتجُّ بقولِ عليٍّ رضي الله عنه، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَني مَعمرٌ عن أيُّوبَ عن ابنِ سِيرينَ عن عَبيدةَ السَّلمانِيِّ قالَ: «شَهدْتُ
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٥٣٩، ٥٤٠)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٧٦، ١٧٧).
عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وجاءَتْه امرأةٌ معَ زَوجِها معَ كلِّ واحِدٍ منهُما فِئامٌ مِنْ الناسِ، فأخرَجَ هؤلاءِ حكَمًا وهؤلاءِ حكَمًا، فقالَ عليٌّ للحكَمَينِ: «أتَدْريانِ ما عَليكُما؟ إنَّ عَليكُما إنْ رأَيْتُما أنْ تُفرِّقَا فرَّقْتُما، وإنْ رأَيْتُما أنْ تَجمَعَا جَمعْتُما»، فقالَ الزَّوجُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، فقالَ عليٌّ: كذَبْتَ واللهِ، لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بكِتابِ اللهِ لكَ وعليكَ، فقالَتِ المرأةُ: رَضيْتُ بكتابِ اللهِ لي وعلَيَّ».
وروَى وَكيعٌ عن مُوسى عَنْ عُبيدةَ عن مُحمدِ بنِ كَعبٍ قالَ: قالَ عليٌّ: «الحَكَمانِ بهِما يَجمعُ اللهُ وبهِما يُفرِّقُ».
ومِن حُجةِ مَنْ قالَ بقولِ الشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ قولُ عليٍّ رضي الله عنه للزَّوجِ: «لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بما رَضِيَتْ بهِ»، فدَلَّ على أنَّ مَذهبَه أنَّهُما لا يُفرِّقانِ إلَّا برِضَا الزَّوجِ.
والأصلُ المُجتمَعُ عليهِ أنَّ الطَّلاقَ بيَدِ الزَّوجِ أو بيَدِ مَنْ جعَلَ ذلكَ إلَيهِ.
وجعَلَه مالِكٌ ومَن تابَعَه في بابِ طَلاقِ السُّلطانِ على المُولي والعِنِّينِ.
واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في الحَكَمينِ يُطلِّقانِ ثَلاثًا:
فقالَ ابنُ القاسِمِ: تَكونُ واحِدةً بائِنةً، ورُويَ نحوُ ذلكَ عن مالِكٍ.
وقالَ المُغيرةُ وأشهَبُ: إنْ طلَّقَها ثَلاثًا فهيَ ثلاثٌ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
(١) «الاستذكار» (٦/ ١٨٤)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٢٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٧٤).
قالَ المالِكيةُ: المَشهورُ أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الوَكالةُ ولا الشهادَةُ ولو كانَا مِنْ جِهةِ الزَّوجينِ، فإذا حكَمَا بطَلاقٍ ولو خُلعًا نفَذَ، ولا يَحتاجُ إلى مُراجَعةِ حاكمِ البلدِ ولا إلى رضَا الزَّوجينِ.
ومَحلُّ نُفوذِ طَلاقِهما إنْ لم يَزيدَا في حُكمِهما على طَلقةٍ واحِدةٍ، وإلَّا فلا يَنفذُ الزَّائدُ على الوَاحدةِ؛ لأنَّ الزَّائدَ خارِجٌ عن مَعنَى الإصلاحِ الَّذي بُعثَا إليهِ، وللزَّوجِ رَدُّ الزَّائدِ.
وإذا اختَلفَا في العَددِ بأنْ حكَمَ أحَدُهما بواحدةٍ وحكَمَ الآخَرُ باثنتَينِ أو ثَلاثٍ أو بالبتَّةِ فلا يَلزمُ الزَّوجَ إلَّا واحِدةٌ؛ لاتِّفاقِهما عليها على المَشهُورِ.
وقيلَ: لا يَلزمُ شَيءٌ؛ لاختِلافِهما.
وكذا الحُكمُ لو قالَ أحَدُهما: «أوْقَعْنا معًا اثنتَينِ، أو ثَلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «بل أوْقَعْنا معًا واحِدةً» فواحِدةٌ.
وعلى الحَكَمينِ أنْ يُصلحَا بينَ الزَّوجينِ بكُلِّ وجهٍ أمكَنُهما للأُلفةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ، بأنْ يَخلوَ كلُّ واحدٍ منهُما بقَريبِه ويَسألَه عمَّا كَرهَ مِنْ صاحبِه ويَقولَ لهُ: «إنْ كانَ لكَ حاجةٌ في صاحبِكِ ردَدْناهُ إلى ما تَختارُ معهُ»، فإنْ تعذَّرَ عليهِما ذلكَ نظَرَا؛ فإنْ كانَتِ الإساءةُ مِنْ الزَّوجِ طلَّقَا عليهِ بلا شَيءٍ يأخُذانِه منها لهُ مِنْ صَداقٍ ولا غيرِه، وإنْ كانَتِ الإساءةُ منها ائْتَمناهُ عليها، بمَعنَى أنهُما يَجعلانِه أمينًا عليها بالعَدلِ وحُسنِ العِشرةِ، وإنْ رأَيَا أنْ يأخُذَا له منها شَيئًا ويُوقِعَا الفِراقَ بينَهُما فَعَلا إنْ كانَ ذلكَ نظَرًا وسَدادًا، ولو كانَ ما أخَذاهُ منها لهُ أكثَرَ مِنْ صَداقِها إنْ أحَبَّ الزَّوجُ الفِراقَ أو عَلِمَا أنها لا تَستقيمُ معهُ.
وإنْ كانَتِ الإساءةُ منهُما معًا ولو غلَبَتْ مِنْ أحَدِهما على الآخَرِ فهل يَتعيَّنُ عندَ العَجزِ عنِ الإصلاحِ الطَّلاقُ بلا عِوضٍ منها إنْ لم تَرْضَ بالمَقامِ معهُ؟ أو لهما أنْ يُخالِعَا بالنَّظرِ على شَيءٍ يَسيرٍ منها لهُ؟ وعلى الأوَّلِ أكثَرُ الأشياخِ.
وإذا عَلِمْنا أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الشَّهادةُ ولا الوَكالةُ كما قِيلَ، فإذا حكَمَا بينَ الزَّوجينِ فإنهُما يأتِيانِ إنْ شاآ إلى الحاكِمِ الَّذي أرسَلَهما يُخبِرانِه بما حكَمَا بهِ، وعليهِ أنْ يُنفذَ حُكمَهما، ونفَذَ طَلاقُهما وإنْ لم يرْضَ الزَّوجانُ والحاكِمُ.
وقيلَ: يَجبُ أنْ يَذهبَا إلى الحاكمِ الَّذي أرسَلَهما، فيُخبِراهُ بما فَعَلا لِيَحتاطَ عِلمُه بالقَضيةِ، فإذا أخبَراهُ وجَبَ عليهِ إمضاؤُه مِنْ غيرِ تَعقُّبٍ وإنْ خالَفَ مَذهبَه، بل يَحكمُ بما حكَمَا بهِ؛ ليَرفعَ حُكمُه الخِلافَ بينَ العُلماءِ؛ ليَصيرَ رَفعُ الخِلافِ متَّفَقًا عليهِ حِينئذٍ.
ويَجوزُ للزَّوجينِ أنْ يُقيمَا واحِدًا يَحكمُ بينَهُما على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ مِنْ كَونِه عَدلًا عارِفًا بما يَحكمُ به في هذا البابِ، ولا يَجوزُ ذلكَ للحاكمِ ولا لوَليِّ الزَّوجينِ المَحجورَينِ؛ لأنَّ في ذلكَ إسقاطًا لحَقٍّ الزَّوجينِ، لكنْ إنْ نزَلَ لا يُنقضُ حُكمُه كما عليهِ الباجِي، وقالَ اللَّخميُّ: يَجوزُ للسُّلطانِ وللوَليينِ أنْ يُقيمَا رَجلًا أجنَبيًّا يَحكمُ بينَ الزَّوجينِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ حيثُ كانَ أجنَبيًّا مِنها، قال: لأنَّه إنَّما جُعلَ رَجلانِ إذا كانَا مِنْ الأهلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يَستَنبطُ
عِلمَ مَنْ هو مِنْ قِبَلِه، فإذا خرَجَا عن أنْ يكونَا مِنْ الأهلِ أجزَأَ واحِدٌ.
ويَجوزُ للزَّوجينِ إذا أقامَا حكَمَينِ أنْ يَرجعَا عن ذلكَ ويَعزِلا الحَكَمينِ ما لم يَستوعِبَا الكَشفَ عن أمرِ الزَّوجينِ ويَعزِمَا على الحُكمِ بينَهُما، أمَّا إنِ استَوعَبَا الكَشفَ بينَ الزَّوجينِ وعَرفَا أمْرَهما وعزَمَا على الحُكمِ بينَهُما فإنهُ حينئذٍ لا عِبرةَ برُجوعِ مَنْ رجَعَ مِنْ الزَّوجينِ، ويَلزمُهُما ما يَحكمانِ به مِنْ أمرِهما، وسواءٌ رجَعَ أحَدُهما أو رجَعَا معًا، وظاهِرُه: ولو رَضيَا بالبقاءِ، وهو ظاهِرُ «الموازيَّة»، وقالَ ابنُ يُونسُ: لعلَّه يُريدُ: إذا رجَعَ أحَدُهما، أمَّا إذا رجَعَا ورَضيَا بالإصلاحِ والبقاءِ فيَنبغِي أنْ لا يُفرَّقَ بينَهُما.
وإذا اتَّفقَ الحَكمانِ على وُقوعِ الطَّلاقِ واختَلفَا في العِوضِ فقالَ أحَدُهما: «وقَعَ الطَّلاقُ بعِوضٍ» وقالَ الآخَرُ: «بلا عِوضٍ» فإنِ التزَمَتِ المرأةُ المالَ وقَعَ الطَّلاقُ وبانَتْ منهُ، وإلَّا فلا يقَعُ طَلاقٌ أصلًا وعادَ الحالُ كما كانَ؛ لأنَّ مَجموعَهُما قائمٌ مقامَ الحاكمِ الواحدِ، ولا وُجودَ للمَجموعِ عندَ انتفاءِ بعضِ أجزائِهِ، وهذا إنِ اختَلفَا في أصلهِ.
أمَّا لو اختَلفَا في قَدرِه لَوجَبَ له خُلعُ المِثلِ، وكذا في صِفتِه وجِنسِه كذا يَنبغي، ويَنبغي ما لم يَزِدْ خُلعُ المِثلِ على دَعواهُما جَميعًا أو يَنقصْ عَنْ دعوَى أقلِّهِما (١).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١١، ١٣)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٨، ٢٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩، ١١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٨، ١٠١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢١٢، ٢١٥).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب النشوز
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب النشوز
إذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز وعظها لقوله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) ولا يضربها لانه يجوز أن يكون ما ظهر منها لضيق صدر من غير جهة الزوج، وإن تكرر منها النشوز فله أن يضربها، لقوله عز وجل (واضربوهن) وان نشزت مرة ففيه قولان.
(أحدهما)
أنه يهجرها ولا يضربها، لان العقوبات تختلف باختلاف الجرائم ولهذا ما يستحق بالنشوز لا يستحق بخوف النشوز، فكذلك ما يستحق بتكرر النشوز لا يستحق بنشوز مرة.
(والثانى)
وهو الصحيح: أنه يهجرها ويضربها لانه يجوز أن يهجرها للنشوز فجاز أن يضربها كما لو تكرر منها.
فأما الوعظ فهو أن يخوفها بالله عز وجل وبما يلحقها من الضرر بسقوط نفقتها، وأما الهجران فهو أن يهجرها في الفراش لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه قال في قوله عز وجل (واهجروهن في المضاجع قال: لا تضاجعها في فراشك) وأما الهجران بالكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) وأما الضرب فهو أن يضربها ضربا غير مبرح ويتجنب المواضع المخوفه والمواضع المستحسنة، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اتَّقُوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بكتاب الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وان لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح) ولان القصد التأديب دون الاتلاف والتشويه.
النشوز مصدر نشز وبابه فعد وضرب، ونشزت المرأة من زوجها عصته وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته تركها وجفاها، قال تعالى (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) الآية، وأصله الارتفاع، يقال: نشز من
ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.