الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > كون الحكمين من أهل الزوجين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: فإذا ارتَفعَ الزَّوجانِ المَخُوفُ شِقاقُهما إلى الحاكِمِ فحقٌّ عليهِ أنْ يَبعثَ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها مِنْ أهلِ القناعَةِ والعَقلِ، ليَكشِفَا أمرَهُما ويُصلِحا بَينَهما إنْ قدرَا (١).
وقالَ المالكيَّةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ وخرَجَا إلى ما لا يحلُّ مِنْ المُشاتَمةِ والوثوبِ كانَ على السُّلطانِ أنْ يَبعثَ حكمَينِ يَنظرانِ في أمرِهِما وإنْ لم يَترافعَا ويَطلُبَا ذلكَ منهُ، ولا يَحلُّ له أنْ يَتركَهُما على ما هُما عليهِ مِنْ الإثمِ وفسادِ الدِّينِ (٢).
وذهَبَ الرّويانِيُّ مِنْ الشَّافعيةِ إلى أنَّ بعْثَ الحكَمينِ مُستحَبٌّ (٣).
٣ - كونُ الحكَمينِ مِنْ أهلِ الزَّوجينِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأصلَ في الحكَمينِ أنْ يكونَا مِنْ أهلِ الزَّوجينِ، أحدُهُما مِنْ أهلِ المرأةِ والآخَرُ مِنْ أهلِ الرَّجلِ؛ لظَاهرِ قولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، ولأنهُما أدرَى بحالِهما وأعلَمُ ببَواطنِ الأمورِ؛ لأنَّ الزَّوجينِ يُفشِيانِ لأقارِبِهما ما لا يُفشيانِ لغيرِهم.
(١) «الأم» (٥/ ١٩٤)، «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٢٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢٢١).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ١١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٧).
(٣) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٢٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢٢١).
وكذلكَ اتَّفقُوا على أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ الحكَمانِ مِنْ غيرِهما إذا لم يكنْ مِنْ أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا، هل يُشترطُ أنْ يكونَ الحكَمانِ مِنْ أهليهما عندَ وُجودِهما؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ مِنْ غيرِ أهليهما معَ وجودِ أهليهما؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ أنْ يكونَ الحَكمانِ مِنْ أهلِهما؛ لأنهُما إمَّا وَكيلانِ أو حكَمانِ، والقَرابةُ لا تُشترطُ في الحاكمِ ولا في الوكيلِ، وأنَّ الأمرَ الوارِدَ في ذلكَ في قولِه تعالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] هو أمرُ إرشادٍ واستِحبابٍ لا وُجوبٍ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ وُجوبًا كَونُ الحكَمينِ مِنْ أهلِ الزَّوجينِ، حكَمٌ مِنْ أهلِ الزَّوجِ وحكَمٌ مِنْ أهلِ الزَّوجةِ معَ الإمكانِ، ولا يجوزُ للحاكمِ أنْ يَبعثَ أجنَبيينِ معَ وجودِ الأهلِ ولو واحِدًا.
وهل يُنتقضُ الحُكمُ إذا بعَثَ القاضي أجنَبيينِ مع وُجودِهما مِنْ أهلِهما أم لا؟
تَردَّدَ في ذلكَ اللَّخميُّ، قالَ في «التَّوضِيح»: ظاهِرُ الآيةِ أنَّ كَونَهما مِنْ الأهلينَ معَ الوِجدانِ واجِبٌ شَرطًا، وهوَ ما رجَّحَه الدُّسوقيُّ.
واختارَ ابنُ شاسٍ أنَّ ذلكَ مِنْ شُروطِ الكمَالِ.
(١) «البيان» (٩/ ٥٣٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٨)، و «المغني» (٤/ ٧٢٢٤)، و «المبدع» (٧/ ٢١٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٤٠).
واختُلفَ فيما لو لم يُمكِنْ كَونُهما مَعًا مِنْ الأهل، بل واحِدٌ فقطْ مِنْ أهلِ أحدِهما والثَّاني أجنبيٌّ؟
فقالَ اللَّخميُّ: يُضمُّ لأهلِ أحدِهما أجنبيٌّ.
وقالَ ابنُ الحاجِبِ: يَتعيَّنُ كونُهما أجنَبيينِ، ويُتركُ القَريبُ؛ لئلَّا يَميلَ القَريبُ لقَريبهِ.
ويُندبُ كَونُ الحكَمينِ جارَينِ في صُورةِ بَعثِ الأهلينَ إنْ أمكَنَ.
ويُندبُ كَونُهما جارَينِ في صُورةِ بَعثِ الأجنَبيينِ إنْ لم يُمكِنْ بَعثُ الأهلينَ.
وإذا لم يُوجَدْ في أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ فيُرسلُ مِنْ غيرِهما مِنْ جيرانِهما، فإنْ لم يُمكِنْ فمِن غيرِ جيرانِهما.
قالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: والحكَمانِ لا يكونانِ إلَّا مِنْ أهلِ الرَّجلِ والمرأةِ؛ إذْ هُما أقعَدُ بأحوالِ الزَّوجينِ، ويكونانِ مِنْ أهلِ العَدالةِ وحُسنِ النَّظرِ والبَصرِ بالفقهِ، فإنْ لم يُوجدْ مِنْ أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ فيُرسِلُ مِنْ غيرِهما عَدلينِ عالِمَينِ (١).
وأمَّا الحنفيَّةُ فلمْ أجِدْ لهُم نصًّا في اشتِراطِ أو عَدمِ اشتِراطِ أنْ يكونَ
(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ١٧٥)، ويُنظر: «الاستذكار» (٦/ ١٨٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢١١).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الرابعة في أحكام المطلقات
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْعِدَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عِدَّةِ الزَّوْجَاتِ
النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْعِدَّةِ
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا بَابَانِ: الْأَوَّلُ: فِي الْعِدَّةِ.
وَالثَّانِي: فِي الْمُتْعَةِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الْعِدَّةِ. - وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي فَصْلَيْنِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي عِدَّةِ الزَّوْجَاتِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي عِدَّةِ مِلْكِ الْيَمِينِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي عِدَّةِ الزَّوْجَاتِ وَالنَّظَرُ فِي عِدَّةِ الزَّوْجَاتِ يَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي مَعْرِفَةِ الْعِدَّةِ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: وَكُلُّ زَوْجَةٍ فَهِيَ: إِمَّا حُرَّةٌ، وَإِمَّا أَمَةٌ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ إِذَا طُلِّقَتْ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ: مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا.
ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.