الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > كيفية الهجر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةقالَ الشَّافعيةُ في الأظهَرِ: وإنَّما لم يَضربْها في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الجنايةَ لم تتأكَّدْ، فقدْ يكونُ ما اتَّفقَ لها لعارِضٍ قَريبِ الزَّوالِ.
قالَ النَّوويِّ رحمة الله عليه: الأظهرُ: يَضربُ إنْ شاءَ، بشَرطِ أنْ يَعلمَ إفادةَ الضَّربِ كما هو ظاهِرُ القرآنِ (١).
كَيفيةُ الهَجرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ اختِلافًا كَبيرًا في كيفيَّةِ الهَجرِ المذكورِ في قَولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]:
فالحنفيَّةُ اختَلفُوا في كيفيَّةِ الهَجرِ على أقوالٍ:
قيلَ: يَهجرُها بأنْ لا يُجامِعَها ولا يُضاجِعَها على فِراشِه.
وقيلَ: يَهجرُها بأنْ لا يُكلِّمَها في حالِ مُضاجَعتِه إيَّاها، لا أنْ يَتركَ جِماعَها ومُضاجَعتَها؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ مشتَرَكٌ بينَهُما، فيكونُ في ذلكَ عليهِ مِنْ الضَّررِ ما علَيها، فلا يؤدِّبُها بما يَضرُّ بنَفسِه ويُبطِلُ حقَّهُ.
وقِيلَ: يَهجرُها بأنْ يُفارِقَها في المَضجعِ ويُضاجِعَ أخرَى في حقِّها
(١) «البيان» (٩/ ٥٢٨، ٥٢٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٢٩، ٢٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤١٦، ٤١٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٧٥٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٤)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٦، ٢١٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥١)، و «الديباج» (٣/ ٣٦٦)، و «المغني» (٧/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «الكافي» (٣/ ١٣٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٤٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٣٠، ٣٣١).
وقَسْمِها؛ لأنَّ حقَّها عليهِ في القَسْمِ في حالِ المُوافَقةِ وحِفظِ حُدودِ اللهِ تعالَى، لا في حالِ التَّضييعِ وخَوفِ النُّشوزِ والتَّنازعِ.
وقيلَ: يَهجرُها بتَركِ مُضاجَعتِها وجِماعِها لوَقتِ غَلبةِ شَهوتِها وحاجتِها، لا في وَقتِ حاجتِهِ إليها؛ لأنَّ هذا للتَّأديبِ والزَّجرِ، فيَنبغي أنْ يُؤدِّبَها لا أنْ يُؤدِّبَ نفْسَه بامتِناعِه عنِ المُضاجَعةِ في حالِ حاجتِه إليها (١).
وكَيفيةُ الهَجرِ عندَ المالِكيةِ: أنْ يَتجنَّبَها في المَضجعِ، فلا يَنامُ معها في فِراشٍ؛ لَعلَّها أنْ تَرجعَ عمَّا هيَ عليهِ مِنْ المُخالَفةِ.
وغايتُه شَهرٌ، ولا يَبلغُ بهِ الأربعةَ أشهرٍ الَّتي للمُولِي (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: المُرادُ أنْ يَهجرَ فِراشَها، فلا يُضاجِعَها في فِراشٍ واحِدٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
وقيلَ: هوَ تَركُ الوَطءِ.
وقيلَ: هو أنْ يقولَ لها هَجرًا، أي: إغلاظًا في القَولِ.
وقيلَ: هو أنْ يَربطَها بالهِجَارِ، وهوَ حبلٌ يُربَطُ فيه البَعيرُ الشَّاردُ.
وأمَّا الهِجرانُ في الكَلامِ فلا يَجوزُ الهَجرُ بهِ، لا للزَّوجةِ ولا لغيرِها فَوقَ ثَلاثةِ أيامٍ، ويَجوزُ فيها؛ للحَديثِ الصَّحيحِ: «لا يَحلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٤).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٥، ٩٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٣١، ٢٣٢).
فَوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ» (١)، وفي لَفظٍ: «لا يَحلُّ لمُسلِمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثٍ، فمَن هجَرَ فوقَ ثلاثٍ فماتَ دخَلَ النَّارَ» (٢).
وهل هُجرانُها في الكَلامِ حَرامٌ أم مَكروهٌ؟ في وَجهانِ عنِ الإمامِ، قالَ الإمامُ: وعندي أنهُ لا يَحرمُ الامتناعُ مِنْ الكَلامِ أبدًا، نعمْ إذا كلَّمَ فعليهِ أنْ يُجيبَ كجَوابِ السَّلامِ وابتِدائِه، قالَ الرَّافعيُّ: ولمَن قالَ بالتَّحريمِ أنْ يَقولَ: لا منْعَ مِنْ تَركِ الكَلامِ بلا قَصدٍ، أمَّا إذا قصَدَ الهِجرانَ فحَرامٌ، كما أنَّ الطِّيبَ ونَحوَه إذا ترَكَه الإنسانُ بلا قَصدٍ لا يأثَمُ، ولو قصَدَ بتَركِه الإحدادَ أَثِمَ، وحُكِيَ عنِ الشَّافعيِّ أنهُ لو هجَرَها بالكَلامِ لم يَزِدْ على ثلاثةِ، فإنْ زادَ أَثِمَ، قالَ ابنُ الرِّفعةِ: ومَحلُّ الخِلافِ فَوقُ الثَّلاثِ، أمَّا الثَّلاثُ فلا يَحرمُ قَطعًا.
قالَ النَّوويُّ: الصَّوابُ الجَزمُ بتَحريمِ الهِجرانِ فيما زادَ على ثلاثةِ أيامٍ، وعَدمُ التَّحريمِ في الثَّلاثِ؛ للحَديثِ الصَّحيحِ: «لا يَحِلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثَلاثٍ».
وهذا في الهِجرانِ لغيرِ عُذرٍ شَرعيٍّ، فإنْ كانَ عُذرٌ بأنْ كانَ المَهجورُ مَذمومَ الحالِ لبِدعةٍ أو فِسقٍ أو نَحوِهما، أو كانَ فيهِ صَلاحٌ لدِينِ الهاجِرِ أو المَهجورِ فلا يَحرمُ، وعلى هذا يُحمَلُ ما ثبَتَ مِنْ هَجرِ النبيِّ ﷺ
(١) رواه البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٩١٤)، وأحمد (٩٨٨٢).
كَعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيهِ ونَهيه عليه الصلاة والسلام الصَّحابةَ عن كَلامِهم، وكذا ما جاءَ مِنْ هُجرانِ السَّلفِ بعضَهم بعضًا.
وهُجرانُ المُسلمِ حرامٌ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وهذا إذا كانَ الهَجرُ لحُظوظِ النَّفسِ وتَعقُّباتِ أهلِ الدُّنيا، فأما إذا كانَ المَهجورُ مُبتدِعًا أو مُتَجاهِرًا بالظُّلمِ أو الفِسقِ فلا تَحرمُ مُهاجَرتُه أبدًا، وكذا إذا كانَ في المُهاجَرةِ مَصلحةٌ دِينيةٌ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: الهَجرُ هو أنْ يَهجُرَها في فِراشِها، فلا يُضاجِعَها فيهِ ما شاءَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ» (٢)؛ لأنَّ القُرآنَ مُطلَقٌ، فلا يُقيَّدُ بغَيرِ دَليلٍ، وقد «هجَرَ النبيُّ ﷺ نِساءَه، فلَم يَدخلْ عَليهنَّ شَهرًا» (٣).
فأمَّا الهِجرانُ في الكَلامِ فلا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لمَا روى أبو هُريرةَ قالَ: قالَ رُسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَحلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ» (٤).
(١) «البيان» (٩/ ٥٢٨، ٥٢٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٢٩، ٢٣١)، و «كفاية الأخيار» (٤٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤١٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٧٥٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٦، ٢١٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥١)، و «الديباج» (٣/ ٣٦٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/ ٩٢٣)، وفي إسناده سِماكُ بنُ حَربٍ (مُتكلَّمٌ في رِوايتِه عَنْ عِكرمةَ).
(٣) رواه البخاري (٥٢٠٢)، ومسلم (١٠٨٥).
(٤) رواه البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩).
وقيلَ: يَهجُرُها في الفِراشِ، فإنْ أضافَ إليهِ الهَجرَ في الكَلامِ ودُخولَه وخُروجَه عليها جازَ معَ الكَراهةِ (١).
الحالةُ الثَّالثةُ: الضَّربُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا نشَزَتْ وأصَرَّتْ على النُّشوزِ وكانَ زَوجُها قد وعَظَها وهجَرَها جازَ له أنْ يَضربَها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في الضَّربِ أنْ لا يَكونَ مُبرحًا ولا شائِنًا ولا كاسِرًا ولا خادِشًا؛ لقَولِه ﷺ: «فإنْ فعَلْنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ» (٢).
وفي رِوايةٍ: «فإنْ فعَلْنَ فاهجُرُوهنَّ في المَضاجِعِ واضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، فإنْ أطَعْنَكمْ فلا تَبغُوا عليهنَّ سَبيلًا» (٣).
(١) «المغني» (٧/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «الكافي» (٣/ ١٣٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٤٨، ٤٤٩)، و «المبدع» (٧/ ٢١٤، ٢١٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٧٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٣٠، ٣٣١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٨٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٦٦).
(٢) رواه مسلم (١٢١٨).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١١٦٣، ٣٠٨٧)، وابن ماجه (١٨٥١).
قالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِي رحمة الله عليه: وقدْ أجمَعَ الجَميعُ على إباحةِ الضَّربِ الَّذي نصَّه اللهُ تعالَى في كتابِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَضربَ زوْجتَه إنْ نشَزَتْ بعدَ أنْ يَعظَها ويَهجرَها في المَضجَعِ (٢).
وأمَّا الضَّربُ المُبرحُ فهو الضَّربُ الشَّديدُ الشَّاقُ، ومعنَى الحديثِ: (اضرِبُوهنَّ ضَربًا ليسَ بشَديدٍ ولا شاقٍ)، والبَرْحُ المَشقَّةُ، والمُبَرِّحُ بضَمِّ الميمِ وفتحِ المُوحَّدةِ وكَسرِ الراءِ.
وصرَّحَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إنْ غلَبَ على ظَنِّه أنها لا تَتركُ النُّشوزُ إلَّا بضَربٍ مَخُوفٍ مُبرحٍ لم يَجُزْ تَعزيرُها بهِ، زادَ المالِكيةُ أنَّه إنْ ضرَبَها ضَربًا مُبرحًا فلها التَّطليقُ عليهِ بالتَّعدِّي إذا ثبَتَ وإنْ لم يَتكرَّرِ التَّعدِّي منهُ عليها وإنْ كانَتْ صغيرَةً وسَفيهةً، ولا كَلامَ لوَليِّها في ذلكَ (٣).
وقَد صرَّحَ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ.
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٤٩)، رقم (٢٢٧٢).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ١٦١).
(٣) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٩٢)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢١٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٣١، ٢٣٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٧، ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥١، ٤٥٢)، و «الديباج» (٣/ ٣٦٧).
ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.