هل الأولى الضرب أم عدمه؟

الإسلام > النكاح والأسرة > النشوز > هل الأولى الضرب أم عدمه؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

هل الأولى الضرب أم عدمه؟ - الأقوال والأدلة

قالَ الحَنفيةُ: إنْ نفَعَ الضَّربُ ضرَبَ، وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وسَبيلُ هذا سَبيلُ الأمرِ بالمَعروفِ والنِّهيِ عنِ المُنكَرِ في حَقِّ سائرِ النَّاسِ أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعِظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دُونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يَدَه فيهِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الضَّربُ إلَّا إذا ظَنَّ إفادَتَه، فإنْ ظَنَّ عدَمَ إفادَتَه فلا يَجوزُ له ضَربُها؛ لأنَّ الضَّربَ وسيلةٌ إلى صَلاحِ الحالِ، والوَسيلةُ عندَ عدمِ مَقصودِها غيرُ مَشروعةٍ (٢).

وقالَ الشَّافعيةُ: إذا عَلِمَ أنَّ الضَّربَ لا يُفيدُ حَرُمَ الضَّربُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها (٣).

٣ - هلِ الأَولَى الضَّربُ أم عدَمُه؟

نَصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ؛ إبقاءً للمَودَّةِ،

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٣٣٤).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢١٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٦)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٥/ ٢٣١، ٢٣٣).
(٣) «النجم الوهاج» (٧/ ٤١٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥٢).

ولِمَا رُويَ عَنْ إيَاس بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي ذبابٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «لا تَضرِبوا إمَاءَ اللهِ»، فَجاءَ عمَرُ إلى رَسولِ اللهِ فقالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فرخَّصَ في ضَربِهنَّ، فأَطافَ بآلِ رَسولِ اللهِ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ، فقالَ النَّبيُّ : «لقدْ طافَ بآلِ مُحمدٍ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ ليسَ أُولئكَ بخِيارِكُمْ» (١)، وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على أنَّ الأَولى العَفوُ عنِ الضَّربِ، أو أنَّ الضَّربَ بغيرِ سَببٍ يَقتضيهِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يُصارُ إلى النَّسخِ إلَّا إنْ تعذَّرَ الجَمعُ وعَلِمْنا التَّاريخَ.

قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: فإذا قُلنا: يَجوزُ نَسخُ السُّنةِ بالكِتابِ .. فيَحتملُ أنْ يكونَ النَّبيَّ نهَى عَنْ ضَربِهنَّ، ثمَّ نسَخَ الكِتابُ السُّنةَ بقَولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ثمَّ أَذِنَ رَسولُ اللهِ في ضَربِهنِّ مُوافِقًا للكِتابِ، غيرَ أنَّه بيَّنَ أنْ ترْكَه أَولى بقَولِه: «ومَا تَجدُونَ أولئكَ بخِيارِكُم».

وإنْ قُلنا: إنَّ نسْخَ السُّنةِ لا يَجوزُ بالكِتابِ .. احتَملَ أنْ يكونَ النَّهيُّ عَنْ ضَربِهنَّ مُتقدِّمًا، ثمَّ نسَخَه النَّبيُّ وأَذِنَ في ضَربِهنَّ، ثمَّ ورَدَ الكِتابُ مُوافِقًا للسُّنةِ في ضَربِهنَّ.

ومعنَى قولَهِ: «ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهِنَّ» أي: اجْتَرأْنَ على أزواجِهِنِ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٤٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٨٩).
(٢) «البيان» (٩/ ٥٣٠).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه بعد أنْ ذكَرَ الحديثَ: فإنْ قيلَ: «فكيفَ يَترتَّبُ هذانِ الخبَرانِ معَ الآيةِ، وليسَ بصَحيحٍ على مَذهبِ الشَّافعيِّ أنْ يَنسخَ القُرآنَ السُّنةُ» فلِأصحابِنا عن ذلكَ ثلاثةُ أجوِبةٍ:

أحَدُها: أنَّ ما جاءَتْ بهِ الآيةُ والخبَرُ مِنْ إباحةِ الضَّربِ فوارِدٌ في النُّشوزِ، وما ورَدَ به الخبَرُ الآخَرُ مِنْ النَّهيِ عنِ الضَّربِ ففِي غيرِ النُّشوزِ، فأباحَ الضَّربَ مع وُجودِ سبَبِه ونهَى عنهُ مع ارتِفاعِ سبَبِه، وهذا مُتفِقٌ لا يُعارِضُ بَعضُه بعضًا.

والثَّاني: أنَّه أباحَ الضَّربَ جَوازًا ونهَى عنهُ اختِيارًا، فيَكونُ الضَّربُ وإنْ كانَ مُباحًا بالإذنِ فيهِ فتَركُه أَولى؛ للنَّهيِ عنهُ، ولا يكونُ ذلكَ مُتنافِيًا ولا ناسِخًا ومَنسوخًا.

والثَّالثُ: أنَّ خبَرَ النَّهيِ عنِ الضَّربِ مَنسوخٌ بخبَرِ عُمرَ الواردِ بإباحتِهِ، ثمَّ جاءَتِ الآيةُ مبيِّنةً لسبَبِ الإباحةِ، فكانَتِ السُّنةُ ناسِخةً للسُّنةِ، والكِتابُ مُبيِّنًا لم يَنسخِ الكِتابُ السُّنةَ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسي رحمة الله عليه: نهَى النبيُّ عن ضَربِ النِّساءِ وأمَرَ بضَربِهنَّ، ومُحالٌ أنْ يكونَ الضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ هو الَّذي أمَرَ

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٦٠٠)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤١٩، ٤٢٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٥٢)، و «المبدع» (٧/ ٢١٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٧٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]

عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.

(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ

ــ

منح الجليل

لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ

(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 412 - 414

ارجع إلى النشوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله