الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > أولا: الإعتاق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةوأمَّا الإجماعُ: فقدْ أجمَعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ الإعتاقِ إنْ قدَرَ عليهِ، فإنْ لم يَقدِرْ وعجَزَ عَنْ إيجادِ رَقبةٍ ففَرضٌ عليهِ الصِّيامُ، فإنْ لم يَستطعْ أطعَمَ ستِّينَ مِسكينًا.
وبَيانُ ما يُشترطُ في ذلكَ فيما يلي:
أولاً: الإعتاقُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ كفَّارةَ المُظاهِرِ القادرِ على الإعتاقِ عِتقُ رَقبةٍ، لا يَجزئُه غيرُ ذلكَ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: كفَّارةُ المُظاهِرِ القادرِ على الإعتاقِ عِتقُ رَقبةٍ، لا يَجزئُه غيرُ ذلكَ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بينَ أهلِ العِلم (١).
والأصلُ في ذلكَ قَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣].
وأمَّا السُّنةُ: فقَولُ النبيِّ ﷺ في حَديثِ خُوَيلةَ بنتِ مالِكِ بنِ ثَعلبةَ السَّابقِ لمَّا ظاهَرَ مِنها زَوجُها أَوسُ بنُ الصَّامتِ: «يُعتِقُ رَقبةً» (٢).
(١) «المغني» (٨/ ١٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢١٤).
وعَن سَلمةَ بنِ صَخرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ له: «حَرِّرْ رَقبةً» (١).
وهُنا بَعضُ المَسائلِ المُتعلِّقةِ بالعِتقِ:
١ - نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ -وحكاهُ ابنُ قُدامةَ إجماعًا- على أنه إنْ وجَدَ رَقبةً في مِلكِه صالِحةً للتَّكفيرِ فاضِلةً عن كِفايتِه على الدَّوامِ وهو لا يَحتاجُ إلى خِدمتِها يَجبُ عليه تَحريرُها ولا يَنتقلُ إلى الصِّيامِ، قالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ: وسواءٌ كانَ عليهِ دَينٌ أو لم يَكنْ؛ لأنه واجِدٌ حَقيقةً.
٢ - أمَّا إنْ كانَ عندَه رَقبةٌ وهو مُحتاجٌ إلى خِدمتِها وهو ممَّن لا يَخدمُ نفسَه -بأنْ كانَ يَضعُفُ عن خِدمةِ نفسِه أو كانَ ممَّن يَقدرُ على خَدمةِ نفسِه إلا أنه ممَّن لا يَخدمُ نفسَه في العادةِ كذَوِي الهَيئاتِ مِنْ الناسِ- ولا يَجدُ ما يَشتري بهِ خادمًا يَخدمُه فاضِلًا عن كِفايتِه لم يَلزمْه العِتقُ، بل فَرضُه الصَّومُ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لِمَا رُويَ «أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني تَظاهَرْتُ مِنْ امرَأتي ثمَّ واقَعْتُها، فقالَ له النبيُّ ﷺ: «أَعتِقْ رَقبةً»، فضَربَ على صَفحةِ عُنقِه وقالَ: ما أجِدُ غيرَ هذهِ الرَّقبةَ، قالَ: «صُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: لا أستطيعُ، فقالَ: «أطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَ: لا أجِدُ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ بتَمرٍ، فأُتِيَ به
(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، وأحمد في «المسند» (١٦٤٦٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨١٥).
فقالَ: «خُذْ هذا فتَصدَّقْ به»، فقالَ: فهلْ أفقَرُ مِنِّي ومِن أهلِ بَيتي؟ فقالَ النبيُّ ﷺ: «كُلْهُ أنتَ وأهلَ بَيتِكَ» (١).
فمَوضعُ الدَّليلِ أنَّ النبيَّ ﷺ ملَّكَه التَّمرَ وأمَرَه أنْ يَتصدَّقَ به عَنْ كفَّارتِه، ثمَّ أخبَرَه الرَّجلُ أنه مُحتاجٌ إليهِ، فأباحَ له أكْلَهُ ولم يُلزمْه إخراجَه مع وُجودِه، فدَلَّ على أنَّ ما تَستغرِقُه حاجتُه .. لا يَلزمُه إخراجُه؛ لأنه وجَدَ ما تَستغرِقُه حاجتُه، فكانَ كالعادِمِ له في جَوازِ الانتقالِ إلى بَدلِه، كما لو وجَدَ ماءً وهو مُحتاجٌ إليهِ لعَطشِه.
وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ في مِلكِه رَقبةٌ إلا أنه كانَ مُحتاجًا إليها لخِدمةٍ أو لأنه لا يَملِكُ غيرَها لَزمَه إعتاقُها ولم يُجْزِه الصِّيامُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وهذا واجِدٌ، ولأنه واجِدٌ لرَقبةٍ يَجوزُ إعتاقُها في الظِّهارِ، فلَم يَجُزْ له العُدولُ إلى الصَّومِ، أصلُه إذا كانَ مُستَغنِيًا عنها.
٣ - إذا لم يَكنْ في مِلكِه عَينُ رَقبةٍ وله فَضلُ مالٍ على كِفايتِه غيرُ مُحتاجٍ إليهِ يَجبُ عليهِ رَقبةٌ صالِحةٌ للتَّكفيرِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لأنه يَكونُ واجِدًا مِنْ حَيثُ المَعنى؛ لأنَّ كلَّ حقٍّ تَعلَّقَ بالذِّمةِ فإنَّ قُدرتَه على ثَمنِه وشِرائِه كالقُدرةِ عليهِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: تقدم.
٤ - واختَلفُوا فيما لو كانَ معه مالٌ وهو مُحتاجٌ إليهِ، هل يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ؟ أم لا يَجبُ عليهِ ويَنتقلُ إلى الصِّيامِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ إذا كانَ مُحتاجًا للمالِ الذي معَه وجازَ له الصَّومُ، فيُشترطُ في المالِ الذي معه أنْ يكونَ فاضِلًا عَنْ حاجَتِه الأصليَّةِ.
وقالَ المالِكيةُ: إذا لم يَكنْ في مِلكِه رَقبةٌ وكانَ معَه ثَمنُها لَزمَه شِراؤُها ولم يَجُزْ له الصَّومُ، سَواءٌ كانَ مُحتاجًا إلى ذلكَ المالِ لأجْلِ مَرضٍ أو لأجْلِ مَنصبٍ أو سُكنَى مَسكَنٍ لا فضْلَ فيهِ أو غيرَ مُحتاجٍ، فإنه يَلزمُه العِتقُ ولا يَجزئُه الصَّومُ حِينئذٍ؛ لأنه واجِدٌ لثَمنِ رَقبةٍ، فأشبَهَ المُستغنيَ عنه، ولأنَّ القُدرةَ على الثَّمنِ تَقومُ مَقامَ القُدرةِ على المُثمَّنِ، كالقادرِ على شِراءِ الماءِ بثَمَنِ مِثلِه.
٥ - فأمَّا إذا لم يَكنْ له فَضلُ مالٍ على قَدرِ كِفايةِ ما يَتوصَّلُ بهِ إلى الرَّقبةِ ولا في مِلكِه عَينُ الرَّقبةِ لا يَجبُ عليهِ التَّحريرُ اتِّفاقًا؛ لأنَّ قدْرَ الكفَّارةِ مُستحَقُّ الصَّرفِ إلى حاجتِه الضَّروريةِ، والمُستحَقُّ كالمَصروفِ، فكانَ مُلحَقًا بالعَدمِ، كالماءِ المُحتاجِ إليهِ للشُّربِ في السَّفرِ حتى يُباحُ لهُ التَّيممُ ويَدخلُ تحتَ قولِه عزَّ شأنُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وإنْ كانَ مَوجودًا حَقيقةً لكنَّه لمَّا كانَ مُستحَقَّ الصَّرفِ إلى الحاجةِ الضَّروريةِ أُلحِقَ بالعَدمِ شَرعًا، كذا هذا (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٨/ ٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٤٤)، و «الإشراف على نكت =
ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.