ثانيا: الصيام لمن لم يجد رقبة أو لا يستطيع شراءها

الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > ثانيا: الصيام لمن لم يجد رقبة أو لا يستطيع شراءها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

ثانيا: الصيام لمن لم يجد رقبة أو لا يستطيع شراءها - الأقوال والأدلة

فإنْ قيلَ: إذا حنَثَ في يَمينِه خَطأً كانَ التَّحريرُ شُكرًا على ما قُلتُم، فيَنبغِي أنْ يُقاسَ على القَتلِ في إيجابِ تَحريرِ رَقبةٍ مُؤمِنةٍ.

فالجَوابُ أنه لا يُمكِنُ القِياسُ في هذهِ الصُّورةِ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ تَحريرَ المُؤمنِ جُعِلَ شُكرًا لنِعمةٍ خاصَّةٍ، وهي سَلامةُ الحَياةِ في الدُّنيا معَ ارتِفاعِ المُؤاخَذةِ في الآخِرةِ، وفي بابِ اليَمينِ النِّعمةُ هي ارتِفاعُ المُؤاخَذةِ في الآخِرةِ فحَسبُ؛ إذْ ليسَ ثَمَّةَ مُوجبٌ دُنيويٌّ يَسقطُ عنه، فكانَتِ النِّعمةُ في بابِ القَتلِ فَوقَ النِّعمةِ في بابِ اليَمينِ، وشُكرُ النِّعمةِ يَجبُ على قَدرِ النِّعمةِ، كالجَزاءِ على قَدرِ الجِنايةِ، ولا يَعلمُ مِقدار الشُّكرِ إلا مَنْ عَلِمَ مِقدارَ النِّعمةِ، وهو اللهُ ، فلا تُمكِنُ المُقايَسةُ في هذهِ الصُّورةِ أيضًا، واللهُ أعلَمُ (١).

ثانيًا: الصِّيامُ لِمَنْ لم يَجِدْ رَقبةً أو لا يَستطيعُ شِراءَها:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجدْ رَقبةً أنَّ فرْضَه صِيامُ شهرَينِ مُتتابِعَينِ.

والأصلُ في ذلكَ الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.

أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٤٥)، و «اللباب» (١٢٦)، و «المغني» (٨/ ١٧).

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)[المجادلة: ٣]، أي: فمَن لَم يَجدْ رَقبةً فصَومُ شَهرينِ مُتتابعَينِ، فشرَطَ عدَمَ وُجودِ الرَّقبةِ لوُجوبِ الصَّومِ، فلا يَجبُ الصَّومُ مع القُدرةِ على التَّحريرِ.

وأما السُّنةُ: فحَديثُ خُوَيلةَ بنتِ مالِكِ بنِ ثَعلبةَ، قالَتْ: ظاهَرَ منِّي زَوجِي أَوسُ بنُ الصَّامتِ، فجِئتُ رَسولَ اللهِ أشكُو إليهِ، ورَسولُ اللهِ يُجادِلُني فيهِ ويقولُ: «اتَّقِي اللهَ، فإنهُ ابنُ عَمِّكِ»، فما بَرِحْتُ حتى نَزلَ القُرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى الفَرْضِ، فقالَ: «يُعتِقُ رَقبةً»، قالَتْ: لا يَجدُ، قالَ: «فيَصومُ شَهرينِ مُتَتابعَينِ، … » (١).

وعن سَلمةَ بنِ صَخرٍ أنَّ النبيَّ قالَ له لمَّا ظاهَرَ مِنْ زَوجتِه: ««حَرِّرْ رَقبةً»، قُلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أَملِكُ رَقبةً غيرَها، وضَرَبتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتَتابعَينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! … » (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢١٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، وأحمد في «المسند» (١٦٤٦٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨١٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب عتق المؤمنة في الظهار من كتابين قديم وجديد)

(باب عتق المؤمنة في الظهار من كتابين قديم وجديد)

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الظِّهَارِ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) {قَالَ) فَإِذَا كَانَ وَاجِدًا لَهَا أَوْ لِثَمَنِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْكَفَّارَةُ فِي الظِّهَارِ ذَاتُ أَبْدَالٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ عِتْقٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يتماسا} إِلَى قَوْلِهِ {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يستطيع فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} المجادلة: ٣، ٤ .

فَإِذَا ثَبَتَ تَرْتِيبُ الْبَدَلِ لَمْ يَكُنِ الْعُدُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ (عَدَمِ) الْمُبْدَلِ. فَمَتَى كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ أَعْتَقَ وَلَمْ يَصُمْ، وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لَهَا وَاجِدًا لِثَمَنِهَا كَانَ كَالْوَاجِدِ لَهَا فِي الْمَنْعِ مِنَ الصَّوْمِ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يجد فصيام شهرين} وَالْقَادِرُ عَلَى الثَّمَنِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْوُجُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيباً} ، فَكَانَ الْوَاجِدُ لِثَمَنِ الْمَاءِ فِي حُكْمِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 417 - 418

ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله