الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > مقدار الإطعام لكل يوم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 37 دقيقة قراءةمِقدارُ الإطعامِ لكُلِّ يَومٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدرِ المُجزِئِ مِنْ الإطعامِ لكُلِّ مِسكينٍ كلَّ يَومٍ، هل هو نِصفُ صَاعٍ أو صاعٌ -كما يَقولُ الحَنفيةُ-؟ أو مُدٌّ هاشِميٌّ -كما يَقولُ المالِكيةٌ-؟ أو مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ ﷺ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابلةُ-؟ أو أنه غَيرُ مُقدَّرٍ والرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ-؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ إخراجُه لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعٌ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لِما رُوِي عن عُمرَ رضي الله عنه أنه قالَ ليَسارِ بنِ نُمَيرٍ: «إني أَحلِفُ أنْ لا أُعطيَ أقوامًا شَيئًا، ثمَّ يَبدُو لي فأفعَلُ، فإذا رَأيتَنِي فعَلْتُ ذلكَ فأَطعِمْ عنِّي عَشرةَ مَساكِينَ كلَّ مِسكينٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ برٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ» (١).
ورُويَ عن عَليٍّ مِثلُ ذلكَ.
أو قِيمةُ ذلكَ مِنْ غيرِ الأعدادِ المَنصوصةِ مُطلَقًا، وأمَّا في الأعدادُ المَنصوصةُ فلا يَجوزُ أداؤُها قِيمةً إذا كانَتْ أقَلَّ قَدرًا ممَّا قدَّرَه الشَّرعُ.
وإنْ كانَتِ أكثَرَ مِنْ الآخَرَ أو مِثلَه قِيمةً، حتى لو أدَّى نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ جيِّدٍ تَبلغُ قِيمتُه نِصفَ صاعٍ مِنْ حِنطةٍ لا يَجوزُ، وكذا لو أدَّى أقَلَّ مِنْ
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢١٩٤)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٦٠٧٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٩٧٦٣).
نِصفِ صاعٍ حِنطةً تَبلغُ قِيمتُه صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ لا يَجوزُ؛ إذِ الأصلُ فيهِ أنَّ كلَّ جِنسٍ هو مَنصوصٌ عليه مِنْ الطَّعامِ لا يَكونُ بَدلًا عن جِنسٍ آخَرَ هو مَنصوصٌ عليه وإنْ كانَ في القِيمةِ أكثَرَ؛ لأنه لا اعتِبارَ لمَعنَى النَّصِّ في المَنصوصِ عليه، وإنَّما الاعتِبارُ له في غَيرِه.
فإنْ أعطَى مَنًّا مِنْ بُرٍّ ومَنوَينِ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ جازَ؛ لحُصولِ المَقصودِ، إذِ الجِنسُ مُتحِدٌ.
وإنْ أمَرَ غيرَه أنْ يُطعِمَ عنه مِنْ ظِهارِه ففعَلَ أجزَأهُ؛ لأنه استِقراضٌ مَعنًى، والفَقيرُ قابضٌ له أوَّلًا ثمَّ لنَفسِه، فتَحقَّقَ تَملُّكُه ثمَّ تَمليكُه.
وإنْ غدَّاهُم وعشَّاهُم جازَ، قَليلًا كانَ ما أكَلوا أو كَثيرًا؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه هو الإطعامُ، وهو حَقيقةٌ في التَّمكينِ مِنْ الطُّعمِ، وفي الإباحةِ ذلكَ كما في التَّمليكِ، ولو كانَ فيمَن عشَّاهُم صَبيٌّ فَطيمٌ لا يُجزئُه؛ لأنه لا يَستَوفي كامِلًا، ولا بُدَّ مِنْ الإدامِ في خُبزِ الشَّعيرِ؛ ليُمكِنَه الاستِيفاءُ إلى الشَّبعِ، وفي خُبزِ الحِنطةِ لا يُشترطُ الإدامُ.
والمُعتبَرُ في التَّمكينِ أكلَتانِ مُشبِعتانِ، إمَّا الغَداءُ والعَشاءُ وإمَّا غَداءانِ أو عَشاءانِ لكُلِّ مِسكينٍ، فإنَّ المُعتبَرَ حاجةُ اليَومِ، وذلكَ بالغَداءِ والعَشاءِ.
وإذا غَدَّى ستِّينَ وعشَّى ستَّينَ آخَرينَ لا يَجوزُ، وعليه أنْ يُطعِمَ إحدى الفِرقتَينِ أكلةٌ مُشبِعةٌ (١).
(١) «المبسوط» (٧/ ١٦)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢١٥)، و «الهداية» (٢/ ٢١، ٢٢)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠٣)، و «العناية» (٦/ ٣٧، ٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٥١، ٥٥٣)، و «اللباب» (٢/ ١٣٠، ١٣١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يُشتَرطُ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا لكلٍّ مِنهُم مُدٌّ هاشِميٌّ، وهو مُدٌّ وثُلثانِ بمُدِّه ﷺ بُرًّا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، والإطلاقُ يَقتضِي الشَّبعَ، ولأنها فِديةٌ ينتقلُ فيها مِنْ صِيامٍ إلى طَعامٍ أبهَمتْهُ في الظِّهارِ، فوجَبَ أنْ يلزمَ فيها زِيادةٌ على مُدٍّ، أصلُه فِديةُ الأذَى.
وقيلَ: مُدَّانِ، وقيلَ: مُدٌّ، وقيلَ: مُدٌّ وثُلثٌ، وقيلَ: مُدٌّ ونِصفٌ.
وإنِ اقتَاتُوا تَمرًا أو شَيئًا مِنْ الأجناسِ المُخرَجةِ في زَكاةِ الفِطرِ مِنْ شَعيرٍ أو سُلْتٍ أو أُرْزٍ أو دُخْنٍ أو ذُرَةٍ فإنه يُخرِجُ منه عِدْلَ الحِنطةً شَبَعًا لا كَيلًا، ومَعنَى عِدلِه شَبعًا أنُ يُقالَ: إذا شَبعَ الرَّجلُ مِنْ مُدِّ حِنطةٍ كم يُشبِعُه مِنْ غَيرِها؟ فيُقالَ: كذا، فيُخرِجَ ذلكَ، سَواءٌ زادَ عَنْ مُدٍّ أو نَقصَ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: ولا أُحبُّ أنْ يُغدِّي ويُعشِّي في الظِّهارِ؛ لأنَّ الغداءَ والعَشاءَ لا أظنُّه يَبلغُ مُدًّا بالهاشِميِّ، ولا يَنبغِي ذلكَ في ديَّةِ الأذَى أيَضًا، ويُجزِئُ ذلكَ فيما سِواهُما مِنْ الكفَّاراتِ، ويَكونُ معَ الخُبزِ إدامٌ، وإنْ كانَ الخُبزُ وحْدَه وفيهِ عِدلُ ما يُخرَجُ مِنْ الحَبِّ أجزَأهُ.
وإنْ أعطَى ستِّينَ مُدًّا هاشِميًّا لمِائةٍ وعِشرينَ مِسكينًا لكلٍّ نِصف مُدٍّ لم يُجزِئْه (١).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٩٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٥٥، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ١٥٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٢٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٩٦، ٢٩٧)، وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه في «الجامِع لأحكامِ القُرآنِ» (١٧/ ٢٨٥، ٢٨٧): فمَن لم يُطِقِ الصِّيامَ وجَبَ عليهِ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا لكلِّ مِسكينٍ مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ، وإنْ أطعَمَ مُدًّا بمُدِّ هِشامٍ -وهو مُدَّانِ إلا ثُلثًا- أو أطعَمَ مدًّا ونصفًا بمُدِّ النبيِّ ﷺ أجزَأهُ، قالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ: وأفضلُ ذلكَ مدَّانِ بمدِّ النبيِّ ﷺ؛ لأنَّ اللهَ ﷿ لم يَقُلْ في كفَّارةِ الظِّهارِ: «مِنْ أوسَطِ ما تُطعِمونَ»، فواجِبٌ قَصدُ الشَّبعِ، قالَ ابنُ العربيِّ: وقالَ مالكٌ في روايةِ ابنِ القاسمِ وابنِ عبدِ الحكَمِ: مدٌّ بمدِّ هشامٍ، وهوَ الشَّبعُ هاهُنا؛ لأنَّ اللهَ تعالى أطلَقَ الطَّعامَ ولم يَذكرْ الوسَطَ، وقالَ في روايةِ أشهَبَ: مدَّانِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ، قيلَ لهُ: ألمْ تكنْ قلتَ: مدُّ هِشامٍ؟ قالَ: بلى، مدَّانِ بمدِّ النبيِّ ﷺ أحبُّ إليَّ، وكذلكَ قالَ عنه ابنُ القاسمِ أيضًا.
قلتُ: وهيَ روايةُ ابنِ وهبٍ ومطرَّفٍ عن مالكٍ: أنه يُعطِي مدَّينِ لكلِّ مسكينٍ بمدِّ النبيِّ ﷺ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومذهبُ الشَّافعيِّ وغيرِه مدٌّ واحدٌ لكلِّ مسكينٍ لا يلزَمُه أكثرُ مِنْ ذلكَ؛ لأنه يُكفِّرُ بالإطعامِ، ولم يَلزمْه صرفُ زيادةٍ على المدِّ، أصلُه كفَّارةُ الإفطارِ واليمينِ.
ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وإطلاقُ الإطعامِ يَتناولُ الشَّبعَ، وذلكَ لا يحصلُ بالعادةِ بمدٍّ واحِدٍ إلا بزيادةٍ عليهِ، وكذلكَ قالَ أشهَبُ: قلتُ لمالكٍ: أيَختلِفُ الشَّبعُ عندَنا وعندَكُم؟ قالَ: نعمْ، الشَّبعُ عندَنا مدٌّ بمدِّ النبيِّ ﷺ، والشَّبعُ عندَكُم أكثرُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ دعَا لنا بالبَركةِ دُونَكم، فأنتُم تأكلونَ أكثرَ ممَّا نأكلُ نحنُ، وقالَ أبو الحَسنِ القابِسيُّ: إنَّما أخَذَ أهلُ المَدينةِ بمدِّ هِشامٍ في كفَّارةِ الظِّهارِ تَغليظًا على المُتظاهِرِينَ الذين شَهِدَ اللهُ عليهم أنهُم يَقولونَ مُنكَرًا =
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الدَّفعَ المُبرئَ لهُ هوَ أنْ يدفَعَ إلى كلِّ مِسكينٍ مُدًّا مِنْ جِنسِ الحَبِّ الذي يَكونُ فِطرةً، فتخرجُ مِنْ غالِبِ قُوتِ بلدِ المُكفِّرِ، ويَقولُ: «خُذْهُ، أو كُلْهُ، أو أبَحْتُه لكَ».
= مِنْ القَولِ وزورًا، قالَ ابنُ العربيِّ: وقَعَ الكلامُ هاهُنا في مدِّ هشامٍ كما تَرَونَ، و «وَددْتُ أنْ يُهشِّمَ الزمانُ ذِكرَه ويَمحُو مِنْ الكُتبِ رسْمَه، فإنَّ المدينةَ التي نزَلَ الوحيُ بها واستَقرَّ الرسولُ بها ووقَعَ عندَهم الظِّهارُ وقيلَ لهُم فيهِ: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] فَهِمُوه وعَرفُوا المُرادَ بهِ وأنه الشَّبعُ، وقَدرُه معروفٌ عندَهم مُتقرِّرٌ لديهم، وقد وردَ ذلكَ الشَّبعُ في الأخبارِ كثيرًا، واستَمرَّتِ الحالُ على ذلكَ أيامَ الخُلفاءِ الرَّاشدينَ المَهديِّينَ، حتى نفَخَ الشَّيطانُ في أُذُنِ هشامٍ، فرأى أنَّ مدَّ النبيِّ ﷺ لا يُشبِعُه ولا مِثلَه مِنْ حواشِيه ونُظرائِه، فسوَّلَ له أنْ يَتخذَ مدًّا يكونُ فيهِ شَبعُه، فجعَلَه رَطلينِ وحمَلَ الناسَ عليهِ، فإذا ابتَلَّ عادَ نحوَ الثلاثةِ الأرطالِ، فغيَّرَ السُّنةَ وأذهَبَ محَلَّ البَركةِ، قالَ النبيُّ ﷺ حينَ دعا ربَّه لأهل المدينةِ بأنْ تَبقى لهمُ البركةُ في مُدِّهم وصاعِهم مثلَ ما باركَ لإبراهيمَ بمكَّةَ، فكانتِ البركةُ تَجري بدَعوةِ النبيِّ ﷺ في مدِّه، فسعَى الشَّيطانُ في تَغييرِ هذهِ السُّنةِ وإذهابِ هذهِ البركةِ، فلم يَستجِبْ له في ذلكَ إلا هشامٌ، فكانَ مِنْ حقِّ العلماءِ أنْ يُلغُوا ذِكرَه ويَمحُوا رَسْمَه إذا لَم يُغيِّروا أمْرَه، وأما أنْ يُحيلُوا على ذِكرِه في الأحكامِ ويَجعلُوه تفسيرًا لِما ذكَرَ اللهُ ورسولُه بعدَ أنْ كانَ مُفسَّرًا عندَ الصَّحابةِ الذينَ نزَلَ عليهِم فخَطبٌ جَسيمٌ، ولذلكَ كانتْ رِوايةُ أشهَبَ في ذِكرِ مُدَّينِ بمدِّ النبيِّ ﷺ في كفَّارةِ الظِّهارِ أحبَّ إلينا مِنْ الروايةِ بأنها بمُدِّ هِشامٍ، ألَا تَرى كيفَ نبَّه مالكٌ على هذا العلمِ بقَولِه لأشهَبَ: الشَّبعُ عندَنا بمدِّ النبيِّ ﷺ، والشَّبعُ عندَكُم أكثَرُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ دعَا لنا بالبركةِ، وبهذا أقولُ؛ فإنَّ العبادةَ إذا أُدِّيَتْ بالسُّنةِ فإنْ كانتْ بالبدَنِ كانتْ أسرَعَ إلى القَبولِ، وإنْ كانتْ بالمالِ كانَ قليلُها أثقَلَ في المِيزانِ، وأبرَكَ في يدِ الآخِذِ، وأطيبَ في شِدْقِه، وأقلَّ آفةً في بطْنِه، وأكثَرَ إقامةً لصُلبِه، واللهُ أعلَمُ.
فإنْ قدَّمَ ستِّينَ مُدًّا إلى ستِّينَ مِسكينًا وقالَ: «خُذُوه، أو كُلُوه، أو أَبحْتُه لكُم» .. لم يُجْزِهِ ذلكَ؛ لأنَّ عليهِ أنْ يُوصِلَ إلى كُلِّ واحِدٍ منهُم مُدًّا، وهذا لم يَفعلْ ذلكَ.
وإنْ قالَ: «ملَّكْتُكم هَذا بيْنَكم بالسَّويَّةِ» وأقبَضَهم إيَّاه فقَبضُوه .. ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّ عليهِم مشقَّةً في القِسمةِ، فلَم يُجْزِه كما لو دفَعَ إليهِم الطَّعامَ في السَّنابلِ.
والثاني: يُجزِئُه، وهوَ الأصحُّ؛ لأنه قد ملَّكَهم إيَّاه ولا يَلحقُهم في قِسمتِه كَثيرُ مَشقَّةٍ، ويُمكِنُ كلَّ واحِدٍ مِنهم بيعُ نَصيبِه مَشاعًا.
وإنْ جمَعَ ستِّينَ مِسكينًا وغدَّاهُم وعشَّاهُم .. لم يُجْزِه؛ لأنَّ الواجِبَ عليهِ دَفعُ الحَبِّ، وهذا لم يَدفعِ الحَبَّ، ولأنه لا يَتحقَّقُ أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم أكَلَ قدْرَ حقِّهِ، وهو يَشكُّ في إسقاطِ الغَرضِ عن ذمَّتِه، والأصلُ بقاؤُه.
وإنْ صرَفَ ستِّينَ مُدًّا إلى مِائةٍ وعِشرينَ بالسَّويَّةِ احتُسبَ له بثَلاثينَ مُدًّا، فيَصرِفُ ثَلاثينَ أُخرى إلى سِتَّينَ منهُم ويَستردُّ مِنْ الباقينَ إنْ كانَ ذكَرَ لهُم أنها كفَّارةٌ.
وإنْ صرَفَ ستِّينَ إلى ثَلاثينَ بحَيثُ لا يَنقصُ كلٌّ مِنهم عَنْ مُدٍّ لَزمَه صَرفُ ثَلاثينَ مُدًّا إلى ثَلاثينَ غيرِهم ويَستردُّ كما سبَقَ، ولو صرَفَ لمِسكينٍ واحِدٍ مُدَّينِ مِنْ كفَّارتَينِ جازَ.
وإنْ أعطَى رَجلًا مُدًّا واشتَراهُ منه مَثلًا ودفَعَه لآخَرَ وهكَذا إلى ستِّينَ أجزَأهُ وكُرِهَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الواجِبَ في قَدرِ الطَّعامِ في الكفَّاراتِ كلِّها مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لكلِّ مِسكينٍ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لِما رَواهُ الأثرمُ بإسنادِهِ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه في حَديثِ المُجامِعِ في رَمضانَ أنَّ النبيَّ ﷺ «أُتِيَ بعَرَقٍ فيه خَمسةَ عَشرَ صاعًا فقالَ: خُذْهُ وتَصدَّقْ بهِ»، وإذا ثبَتَ في المُجامِعِ بالخبَرِ ثبَتَ في المُظاهِرِ بالقياسِ عليهِ، ولأنه إطعامٌ واجِبٌ فلم يَختلفْ باختِلافِ أنواعِ المُخرَجِ كالفِطرةِ وفِديةِ الأذَى.
ولِما رَوى الإمامُ أحمَدُ: ثَنَا إسماعيلُ ثنَا أيُّوبُ عن أبي يَزيدَ المَدنِيِّ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ مِنْ بَني بَياضةَ بنِصفِ وَسقِ شَعيرٍ فقالَ النبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أَطعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّي شَعيرٍ مكانَ مُدِّ بُرٍّ» (٢)، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا نَصٌّ، ويَدلُّ على أنه مُدُّ بُرٍّ أنه قولُ زَيدٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ، ولم نَعرِفْ لهُم في الصَّحابةِ مُخالِفًا فكانَ إجماعًا، وعلى أنه نصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ ما رَوى عطاءُ بنُ يَسارٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لخُوَيلةَ امرأةِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ: «اذهَبي إلى
(١) «البيان» (١٠/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٧٨، ٧٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٩٨، ٦٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٥٢١، ٥٢٢).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٩٢).
فُلانٍ الأنصاريِّ، فإنَّ عِندَه شطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمرٍ أخبَرَني أنه يُريدُ أنْ يَتصدَّقَ بهِ، فلْتَأخُذيهِ فلْيَتصدَّقْ به على ستِّينَ مِسكينًا»، وفي حَديثِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي سَأُعينُه بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإني سَأُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: قدْ أحسَنْتِ، اذهَبي فأطعِمي بها عنه ستِّينَ مِسكينًا وارجِعِي إلى ابنِ عمِّكِ»، ورَوى أبو داودَ بإسنادِه عن أبي سَلمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ أنه قالَ: «العَرَقُ زِنْبِيلٌ يأخُذُ خَمسةَ عشَرَ صاعًا»، فعَرَقانِ يَكونانِ ثلاثِينَ صاعًا لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ، ولأنها كفَّارةٌ تَشتمِلُ على صِيامٍ وإطعامٍ، فكانَ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ كفِديةِ الأذَى (١).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: والمُخرَجُ في الكفَّارةِ ما يُجزِئُ في الفِطرةِ، وهو البُرُّ والشَّعيرُ ودَقيقُهما وسَويقُهما والتَّمرُ والزَّبيبُ والأَقطُ، فإنْ كانَ قُوتُ بلَدِه غيرَ ذلكِ كالذُّرةِ والدُّخْنِ والأُرْزِ لم يَجُزْ إخراجُه؛ لأنَّ الخبَرَ ورَدَ بإخراجِ هذهِ الأصنافِ في الفِطرةِ، فلم يَجُزْ غيرُها كما لو لم يَكنْ قُوتَ بلَدِه، واختارَ أبو الخطَّابِ والمُوفَّقُ وغَيرُهما: يُجزِئُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإخراجُ الحَبِّ أفضَلُ؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، وهي حالةُ كمالِه؛ لأنه مُدَّخَرٌ ويَتهيَّأُ لمَنافعِه كلِّها بخِلافِ غيرِه.
(١) «المغني» (٨/ ٢٤، ٢٥)، و «الكافي» (٣/ ٢٧٢)، و «المبدع» (٨/ ٦٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٠، ٤٥١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٢، ١٤٢).
ونقَلَ ابنُ هانِئٍ: التَّمرُ والدَّقيقُ أحَبُّ إليَّ ممَّا سِواهُما.
وفي «التَّرغيبِ»: التَّمرُ أعجَبُ إلى أحمَدَ، قلتُ: هو قياسُ ما تَقدَّمَ في الفِطرةِ.
فإنْ أخرَجَ دَقيقًا جازَ، لكنْ يَزيدُ على المُدِّ قَدرًا يَبلغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخرجُه -أي الدَّقيقَ- بالوَزنِ رَطلًا عِراقيًّا وثُلثًا؛ لأنَّ الحَبَّ تَتفرَّقُ أجزاؤُه بالطَّحنِ، فيَكونُ في مِكيالِ الحَبِّ أكثَرُ ممَّا يَكونُ في مِكيالِ الدَّقيقِ.
ولا يُجزئُ إخراجُ خُبزٍ؛ لأنه خرَجَ عنِ الكَيلِ والادِّخارِ، فأشبَهَ الهَريسةَ.
وعَنهُ -واختَارُه جَمعٌ منهُم الخِرقيُّ- قالَ القاضِي وأصحابُه: الأَولى الجَوازُ.
وفي «المُغنِي»: هذا أحسَنُ -أي إجزاءُ الخُبزِ-؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَهُ، وليسَ الادِّخارُ مَقصودًا في الكفَّارةِ؛ فإنها مُقدَّرةٌ بما يَقوتُ المِسكينَ في يَومِه، وهذا مُهيَّأٌ للأكلِ المُعتادِ للاقتِياتِ.
وأمَّا الهَريسةُ فإنها خرَجَتْ عنِ الاقتياتِ المُعتادِ إلى حَيِّزِ الأُدْمِ.
ولا يُجزئُ مِنْ البُرِّ أقلُّ مِنْ مُدٍّ … ولا يُجزئُ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبُ والأَقطِ أقلُّ مِنْ مُدَّينِ … ولا مِنْ خُبزِ البُرِّ أقلُّ مِنْ رَطلَينِ بالعِراقيِّ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ ذلكَ لا يُبلغُ مُدًّا.
ولا مِنْ خُبزِ الشَّعيرِ أقلُّ مِنْ أربعةِ أرطالٍ بالعِراقيِّ إنْ قُلنا بإجزاءِ الخُبزِ.
إلا أنْ يَعلَمَ أنه -أي المُخرَجَ مِنْ الخُبزِ- مُدٌّ مِنْ البُرِّ أو مُدَّانِ مِنْ الشَّعيرِ فيُجزئُ؛ لأنه الواجِبُ … ويُستحبُّ إخراجُ أُدمٌ معَ المُجزئِ، نصَّ عليهِ (١).
وذهَبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ الواجِبَ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وأنه غيرُ مُقدَّرٍ في الشَّرعِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: كفَّارةُ اليمينِ هيَ المَذكورةُ في سُورةِ المائِدةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فمتَى كانَ واجِدًا فعَليهِ أنْ يُكفِّرَ بإحدَى الثَّلاثِ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، وإذا اختارَ أنْ يُطعِمَ عَشرةَ مَساكينَ فله ذلكَ، «ومِقدارُ ما يُطعِمُ» مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ إطعامَهُم هلْ هو مُقدَّرٌ بالشَّرعِ؟ أو بالعُرفِ؟ فيه قَولانِ للعُلماءِ.
مِنهُم مَنْ قالَ: هو «مُقدَّرٌ بالشَّرعِ» وهؤلاءِ على أقوالٍ، مِنهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ مِسكِينٍ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، كقَولِ أبي حَنيفةَ وطائِفةٍ.
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٠، ٤٥١).
ومِنهُم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ واحدٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ وشَعيرٍ أو رُبعَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، وهو مُدٌّ، كقَولِ أحمدَ وطائفةٍ.
ومِنهُم مَنْ قالَ: بل يُجزئُ في الجَميعِ مُدٌّ مِنْ الجَميعِ، كقَولِ الشافعيِّ وطائفةٍ.
«والقَولُ الثاني» أنَّ ذلكَ مُقدَّرٌ بالعُرفِ لا بالشَّرعِ؛ فيُطعِمُ أهلَ كلِّ بلدٍ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمونَ أَهليهِم قَدرًا ونَوعًا، وهذا مَعنَى قَولِ مالِكٍ، قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كانَ مالكٌ يَرَى في كفَّارةِ اليَمينِ أنَّ المُدَّ يُجزئُ بالمدينةِ، قالَ مالكٌ: وأمَّا البُلدانُ فإنَّ لهُم عَيْشًا غيرَ عَيشِنا، فأرَى أنْ يُكفِّرُوا بالوَسَطِ مِنْ عَيشِهم؛ لقَولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو مَذهبُ داوُدَ وأصحابِه مُطلَقًا، والمَنقولُ عَنْ أكثَرِ الصَّحابةِ والتابعِينَ هذا القَولُ؛ ولهذا كانوا يَقولونَ: الأوسَطُ خُبزٌ ولَبَنٌ، خُبزٌ وسَمنٌ، خُبزٌ وتَمرٌ، والأعلَى خُبزٌ ولَحمٌ، وقدْ بَسَطْنا الآثارَ عنهم في غيرِ هذا المَوضعِ وبيَّنَّا أنَّ هذا القَولَ هو الصَّوابُ الذي يَدلُّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ، وهو قياسُ مَذهبِ أحمدَ وأصولِه، فإنَّ أصلَه أنَّ ما لَم يُقدِّرْه الشارعُ فإنه يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وهذا لم يُقدِّرْه الشَّارعُ، فيُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، لا سِيَّما مع قولِه تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمدَ لا يُقدِّرُ طَعامَ المَرأةِ والولَدِ ولا المَملوكِ، ولا يُقدِّرُ أُجرةَ الأجيرِ المُستأجَرِ بطَعامِه وكِسوتِه في ظاهرِ مَذهبِه، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ
الواجِبةَ عِندَه قولًا واحِدًا، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ المَشروطةَ على أهلِ الذِّمةِ للمُسلمِينَ في ظاهرِ مَذهبِه، هذا مع أنَّ هذه واجبةٌ بالشَّرطِ، فكيفَ يُقدِّرُ طَعامًا واجبًا بالشرعِ؟! بل ولا يُقدِّرُ الجِزيةَ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنه ولا الخَراجَ، ولا يُقدِّرُ أيضًا الأطعِمةَ الواجِبةَ مُطلَقًا، سواءٌ وجَبَتْ بشَرعٍ أو شَرطٍ، ولا غيرَ الأطعِمةِ ممَّا وجَبَتْ مُطلَقًا، فطَعامُ الكفَّارةِ أَولى أنْ لا يُقدَّرَ.
و «الأقسامُ ثلاثةٌ»، فما لهُ حَدٌّ في الشَّرعِ أو اللُّغةِ رجعَ في ذلكَ إليهِما، وما ليس لهُ حَدٌّ فيهما رجعَ فيه إلى العُرفِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: الذي دلَّ عليهِ القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكفَّارةِ الإطعامُ فقطْ لا التَّمليكُ، قالَ تَعالى في كفَّارةِ اليَمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقالَ في كفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقالَ في فديَةِ الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليسَ في القُرآنِ في إطعامِ الكفَّاراتِ غيرُ هذا، وليسَ في مَوضعٍ واحِدٍ مِنها تَقديرُ ذلكَ بمُدٍّ ولا رَطلٍ.
وصحَّ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ لمَن وَطئَ في نهارِ رَمضانَ: «أَطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، وكذلكَ قالَ للمُظاهِرِ، ولم يَحُدَّ ذلكَ بمُدٍّ ولا رَطلٍ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٤٩، ٣٥١).
فالذي دلَّ عليهِ القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكفَّاراتِ والنَّفقاتِ هو الإطعامُ لا التَّمليكُ، وهذا هو الثابتُ عنِ الصحابةِ رضي الله عنهم …
ولا حُجَّةَ في أحَدٍ دُونَ اللهِ ورَسولِه وإجماعِ الأمَّةِ، وقد أمَرَنا تَعالى أنْ نَردَّ ما تَنازَعْنا فيه إليهِ وإلى رَسولِه، وذلكَ خَيرٌ لنا حَالًا وعاقِبةً، ورأيْنَا اللهَ سُبحانَه إنَّما قالَ في الكفَّارةِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] و: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فعلَّقَ الأمرَ بالمَصدرِ الذي هو الإطعامُ، ولم يَحُدَّ لنا جِنسَ الطَّعامِ ولا قدْرَه، وحَدَّ لنا جِنسَ المُطعَمِينَ وقدْرَهُم، فأطلَقَ الطَّعامَ وقيَّدَ المَطعُومينَ، ورَأيناهُ سُبحانَه حَيثُ ذكَرَ إطعامَ المِسكينِ في كِتابِه فإنما أرادَ بهِ الإطعامَ المَعهودُ المُتعارَفَ، كقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٢ - ١٥]، وقالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وكانَ مِنْ المَعلومِ يَقينًا أنهم لو غَدَّوْهم أو عَشَّوْهم أو أطعَموهُم خُبزًا ولَحمًا أو خُبزًا ومَرَقًا ونحوَه لَكانوا مَمدوحِينَ داخلِينَ فيمَن أثنَى عليهِم، وهو سُبحانَه عدَلَ عنِ الطعامِ الذي هو اسمٌ للمَأكولِ إلى الإطعامِ الذي هو مَصدرٌ صَريحٌ، وهذا نَصٌّ في أنه إذا أطعَمَ المَساكِينَ ولم يُملِّكْهم فقَدِ امتَثلَ ما أُمِرَ به وصَحَّ في كُلِّ لُغةٍ وعُرفٍ أنه أطعَمَهم.
قالوا: وفي أيِّ لُغةٍ لا يَصدُقُ لَفظُ الإطعامِ إلا بالتمليكِ؟ ولمَّا قالَ أنسُ رضي الله عنه: «إنَّ النبيَّ ﷺ أطعَمَ الصحابةَ في وَليمةِ زَينبَ خُبزًا
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
١٣٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (وعلى الزوج نفقة زوجته، مالا غنى بها عنه، و
تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كُسْوَتِهِنَّ وطَعَامِهِنَّ ". وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وجاءت هِنْدُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّه، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى من النَّفَقةِ ما يَكْفِينِى ووَلَدِى. فقال: " خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ". مُتَّفَقٌ عليه . وفيه دلالةٌ على وُجُوبِ النَّفقةِ لها على زَوْجِهِا، وأنَّ ذلك مُقَدّرٌ بكِفَايَتِها، وأنَّ نَفَقةَ ولَدِه عليه دُونَها مُقَدّرٌ بكِفايَتِهم، وأنَّ ذلك بالمَعْرُوفِ، وأنَّ لها أن تَأخُذَ ذلك بنَفْسِها من غير عِلْمِه إذا لم يُعْطِها إيَّاه. وأمَّا الإِجماعُ، فاتَّفَقَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ نَفَقاتِ الزَّوجاتِ على أزْواجِهِنَّ، إذا كانوا بالِغينَ، إلَّا النَّاشِزَ منهُنَّ. ذكَره ابنُ المُنْذِرِ، وغيرُه. وفيه ضَرْبٌ من العِبْرةِ، وهو أنَّ المرأةَ مَحْبُوسةٌ على الزَّوْجِ، يَمْنَعُها من التَّصَرُّفِ والاكْتِسابِ، فلا بُدَّ من أن يُنْفِقَ عليها، كالعَبْدِ مع سَيِّدِه.
١٣٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رَحِمَه اللهُ تعالى: (وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، مَالَا غِنًى بِهَا عَنْهُ ، وكُسْوَتُها)
وجملةُ الأمْرِ أنَّ المرأةَ إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها إلى الزَّوجِ، على الوَجْهِ الواجبِ عليها، فلها عليه جميعُ حاجَتِها؛ من مَأْكولٍ، ومَشْروبٍ ، ومَلْبُوسٍ، ومَسْكنٍ. قال أصحابُنا: ونَفَقَتُها مُعْتَبَرةٌ بحالِ الزَّوْجينِ جميعًا؛ فإن كانا مُوسِرَيْنِ، فعليه لها نفقةُ المُوسِرِينَ،
ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.