الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > هل يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةهل يُشتَرطُ في الرَّقبةِ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً أم لا؟
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أعتَقَ في كفَّارةِ الظِّهارِ رَقبةً مُؤمِنةً أنَّ ذلكَ يُجزِئُ عنهُ، حكاهُ ابنُ المُنذِرِ (١).
إلا أنَّهم اختَلفُوا هل تُجزِئُ رَقبةٌ غيرُ مُؤمِنةٍ؟ أم يُشتَرطُ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في كفَّارةِ الظِّهارِ وسائرِ الكفَّاراتِ أنْ تكونَ الرَّقبةُ مُؤمِنةً، ولا تُجزِئُ غيرُ المُؤمِنةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ القَتْلِ وقيَّدَها بالإيمانِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ الظِّهارِ وكفَّارةِ اليَمينِ وأطلَقَ ذِكرَها، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ إذا كانَ مِنْ جنسِه، فحُمِلَ عُرفُ الشرعِ على مُقتضَى لِسانِهم، وقَد قيَّدَ اللهُ
=مسائل الخلاف» (٣/ ٤٩٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٥١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١١٥، ١١٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٨١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٨٩)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٢)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «البيان» (١٠/ ٣٥٩، ٣٦١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦١/)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٧٤، ٧٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٨٩، ٦٩٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١١٤، ١١٥)، و «الديباج» (٣/ ٥١٨، ٥١٩)، و «المغني» (٨/ ١٧، ٢٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٤٨، ٥٤٩)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤١).
(١) «الإجماع» (٨٢).
تَعالى كفَّارةَ القتلِ بالإيمانِ، والمُطلَقُ كفَّارةُ الظِّهارِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ مُطلَقُها على ما قيَّدَ مِنْ كفَّارةِ القتلِ، كما قيَّدَ الشهادةِ بالعَدالةِ بقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وأطلَقَها في قَولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يُقيِّدْهما بالعَدالةِ، فلمَّا حُمِلَ مُطلَقُ الشُّهودِ على المُقيَّدِ في العَدالةِ .. فكذلكَ هذا مِثلُه.
وعنِ الشَّريدِ بنِ سُوَيدٍ الثَّقفيِّ قالَ: قلتُ يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي أوصَتْ أنْ نُعتِقُ عنها رَقبةً وعندِي جارِيةٌ سَوداءُ، قالَ: ادْعُ بها، فجاءَتْ فقالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قالَتِ: اللَّه، قالَ: مَنْ أنا؟ قالَتْ: رَسولُ اللَّهِ، قالَ: «أَعتِقْها فإنها مُؤمِنةٌ» (١)، وهذا يَقتضِي أنَّ كلَّ رقَبةٍ واجِبةٍ لا يُجزِئُ فيها إلا مُؤمِنةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُفرِّقْ، وقدْ علَّلَ جَوازَ إعتاقِها عن الرَّقبةِ التي عليهِ بأنها مُؤمِنةٌ، فدَلَّ على أنه لا يُجزِئُ عنِ الرقبةِ التي عليهِ إلا مُؤمِنةٌ.
ولأنه تَكفيرٌ بعِتقٍ، فلَم يَجُزْ فيه إلا مُؤمِنةٌ ككفَّارةِ القَتلِ، ولأنَّ كلَّ نَقصٍ في رَقبةٍ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ القَتلِ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ الظِّهارِ، أصلُه قَطعُ الأعضاءِ، ولأنها رَقبةٌ ناقِصةٌ بالكُفرِ كالمُرتدَّةِ والحَربيَّةِ، ولأنَّ كلَّ نَقصِ دِينٍ منَعَ الإعتاقَ في كفَّارةِ القَتلِ منَعَه في الظِّهارِ كالارتِدادِ.
ولأنَّا أجمَعْنا على أنه لا يُجزِئُ إلا رَقبةٌ سَليمةٌ مِنْ العُيوبِ المُضرَّةِ بالعَملِ ضَررًا بيِّنًا، فالتَّقيدُ بالسَّلامةِ مِنْ الكُفرِ أَولى.
(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (١٨٩).
ولأنَّ المَقصودَ القُربةُ بها، والكُفرُ يُنافِيها؛ لأنَّ الكفَّارةَ حقُّ اللهِ تَعالى، فلا يُجوزُ صَرفُها إلى عدَّوِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه تُجزِئُ في كفَّارةِ الظِّهارِ أيُّ رَقبةٍ، سَواءٌ كانَتْ مُؤمِنةً أم كافِرةً؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أطلَقَ الرَّقبةَ في هذهِ الكفَّارةِ عَنْ قَيدِ الإيمانِ في الرَّقبةِ بقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فوجَبَ أنْ يُجزِئَ ما تَناولَه الإطلاقُ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا في كفَّارةُ القَتلِ فلا يَجوزُ فيها إلا المُؤمِنةُ بالإجماعِ، وقالَ الشافعيُّ رضي الله عنه: لا يَجوزُ في الكفَّاراتِ كلِّها إلَّا المُؤمِنةُ.
والأصلُ فيهِ أنَّ النَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ اليَمينِ وكفَّارةِ الظِّهارِ مُطلَقٌ عن قَيدِ إيمانِ الرَّقبةِ، والنَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ القَتلِ مُقيَّدٌ بقَيدِ الإيمانِ، فحمَلَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه المُطلَقَ على المُقيَّدِ، ونَحنُ أَجرَينا المُطلَقَ على إطلاقِه والمُقيَّدَ على تَقييدِه.
(١) «الموطأ» (٢/ ٧٧٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٧٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٨٠)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و «البيان» (١٠/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٠١)، و «النجم الوهاج» (٨/)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٧٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٠٦)، و «الديباج» (٣/ ٥١٣)، و «المغني» (٨/ ١٧، ١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٥٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٤١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤١).
وجه قَولِه: أنَّ المُطلَقَ في مَعنَى المُجمَلِ والمُقيَّدَ في مَعنَى المُفسَّرِ، والمُجمَلُ يُحمَلُ على المُفسَّرِ، ويَصيرُ النصَّانِ في مَعنًى كنَصِّ المُجمَلِ والمُفسَّرِ، ولهذا حُمِلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ في بابِ الشهادةِ والزَّكاةِ وكفَّارةِ اليَمينِ، حتى شُرِطَتِ العَدالةُ لوُجوبِ قَبولِ الشهادةِ، والإسامةُ لوُجوبِ الزكاةِ، وشُرِطَ التَّتابعُ في صَومِ كفَّارةِ اليَمينِ، كذا هَهُنا.
ولنا: وَجهانِ: أحَدُهما: طَريقُ مَشايخِنا بسَمَرْقندَ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ ضَربُ النُّصوصِ بَعضِها في بَعضٍ وجَعلُ النصَّينِ كنَصٍّ واحِدٍ مع إمكانِ العَملِ بكُلِّ واحِدٍ منهُما، وهذا لا يَجوزُ، بخِلافِ المُجمَلِ؛ لأنه غيرُ مُمكِنٍ العَملُ بظاهِرهِ.
والثاني: طَريقُ مَشايخِ العِراقِ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ نَسخٌ للإطلاقِ؛ لأنَّ بعدَ وُرودِ النصِّ المُقيَّدِ لا يَجوزُ العَملُ بالمُطلَقِ، بل يُنسَخُ حُكمَه، وليسَ النَّسخُ إلا بَيانَ مُنتهَى مدَّةِ الحُكمِ الأولِ، ولا يَجوزُ نَسخُ الكِتابِ بالقِياسِ ولا بخَبَرِ الواحِدِ، وقَولُه: «المُطلَقُ في معنَى المُجمَلِ» مَمنوعٌ؛ لأنَّ المُجمَلَ لا يُمكنُ العَملُ بظاهرِه، والمَطلَقُ يُمكِنُ العَملُ بظاهرِه؛ إذْ هوَ اسمٌ لِمَا يَتعرَّضُ للذاتِ دونَ الصِّفاتِ، فيُمكِنُ العَملُ بإطلاقِه مِنْ غيرِ الحاجةِ إلى البَيانِ، فلا ضَرورةَ إلى حَملِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، وفي المَوضعِ الذي حُمِلَ إنَّما حُمِلَ لضَرورةِ عَدمِ الإمكانِ، وذلكَ عندَ اتِّحادِ السَّببِ والحُكمِ؛ لاستِحالةِ ثُبوتِ حُكمٍ واحِدٍ في زَمانٍ واحِدٍ
مُطلَقًا ومُقيَّدًا، فيَخرجُ على البَيانِ وعلى النَّاسخِ، وعلى الاختلافِ المَعروفِ بينَ مَشايخِنا أنَّ تَقييدَ المُطلَقِ بَيانٌ أو نَسخٌ، وعندَ اختلافِ السَّببِ لا ضَرورةَ فلا يُحمَلُ، واللهُ ﷿ أعلَمُ.
وبه تَبيَّنَ أنَّ شرْطَ الإيمانِ في كفَّارةِ القَتلِ ثبَتَ نصًّا غيرَ مَعقولِ المَعنى، فيَقتصرُ على مَوردِ النَّصِّ.
ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَحريرَ رَقبةٍ مَوصوفةٍ بصِفةِ الإيمانِ في بابِ القَتلِ ما وجَبَ بطَريقِ التَّكفيرِ؛ لأنَّ الكفَّارةَ كاسمِها سِتارةٌ للذُّنوبِ والمُؤاخَذاتِ في الآخِرةِ، واللهُ ﷾ وضَعَ المُؤاخَذةَ في الخَطأِ بدُعاءِ النبيِّ عليهِ أشرَفُ التحيةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ عن أمَّتِي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهُوا عليهِ» (١)، وإنَّما وجبَتْ بطَريقِ الشُّكرِ لسَلامةِ نفسِه في الدُّنيا عنِ القِصاصِ وفي الآخِرةِ عنِ العِقابِ؛ لأنَّ حِفظَ النَّفسِ عنِ الوُقوعِ في الخَطأِ مَقدورٌ في الجُملةِ بالجهْدِ والجدِّ والتكلُّفِ، فجعَلَ اللهُ ﷾ تَحريرَ رَقبةٍ مَوصوفةٍ بكَونِها مُؤمِنةً شُكرًا لتلكَ النِّعمةِ، والتَّحريرُ في اليَمينِ والظِّهارِ يَجبُ بطَريقِ التَّكفيرِ إذا لم يُعرَفِ ارتِفاعُ المُؤاخَذةِ الثابتةِ هَهُنا، فوجَبَ التَّحريرُ فيهِما تَكفيرًا، فلا يَستقِيمُ القِياسُ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: تقدَّمَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الظهار
١٣١٥ - مسألة؛ قال: (والكفارة عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة بالعمل)
إحْداها بالحِنْثِ فى الأُخْرَى، فلا تُكَفِّرُها كفَّارةٌ واحدةٌ، كالأصْل، ولأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكفَّارَةَ، فَتَتَعَدَّدُ الكفَّارةُ بِتَعَدُّدِه فى الْمَحالِّ الختلفةِ، كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحدَّ، فإنَّه عُقُوبةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. فأمَّا إنْ ظاهَرَ من زَوْجَتِه مِرَارًا ولم يُكَفَّرْ، فكفَّارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ الحِنْثَ واحدٌ، فَوَجَبَتْ كفَّارَةٌ واحدةٌ، كما لو كانتِ اليَمِينُ واحدةً.
ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.