ثم دخلت سنة أربع وتسعين

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة أربع وتسعين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة أربع وتسعين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ

فِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ أَرْضَ الرُّومِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ فَتَحَ أَنْطَالِيَةَ.

وَغَزَا أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ غَزَالَةَ، وَبَلَغَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ أَرْضَ بُرْجِ الْحَمَامِ، وَبَلَغَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَرْضَ سُورِيَّةَ.

وَفِيهَا كَانَتِ الرَّجْفَةُ بِالشَّامِ.

وَفِيهَا افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنْدَرَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.

وَفِيهَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فُتُوحَاتٍ عَظِيمَةً فِي دَوْلَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَلَى يَدَيْ أَوْلَادِهِ وَأَقْرِبَائِهِ وَأُمَرَائِهِ، حَتَّى عَادَ الْجِهَادُ شَبِيهًا بِأَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صلى الله عليه وسلم.

وَفِيهَا افْتَتَحَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ أَرْضَ الْهِنْدِ، وَغَنِمَ أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غَزْوِ الْهِنْدِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ.

وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الشَّاشَ وَفَرْغَانَةَ حَتَّى بَلَغَ خُجَنْدَةَ،

وَكَاشَانَ مَدِينَتَيْ فَرْغَانَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصُّغْدِ، وَفَتْحِ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ خَاضَ تِلْكَ الْبِلَادَ يَفْتَحُ فِيهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَابُلَ، فَحَاصَرَهَا وَافْتَتَحَهَا، وَقَدْ لَقِيَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي جُمُوعٍ هَائِلَةٍ مِنَ التُّرْكِ فَقَاتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ عِنْدَ خُجَنْدَةَ مِرَارًا.

كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ الظَّفَرُ لَهُ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قَالَ سَحْبَانُ وَائِلٍ يَذْكُرُ قِتَالَهُمْ بِخُجَنْدَةَ:

فَسَلِ الْفَوَارِسَ فِي خُجَنْـ … ـــدَةَ تَحْتَ مُرْهَفَةِ الْعَوَالِي

هَلْ كُنْتُ أَجْمَعُهُمْ إِذَا … هُزِمُوا وَأُقْدِمُ فِي قِتَالِي

أَمْ كُنْتُ أَضْرِبُ هَامَّةَ الْ … عَاتِي وَأَصْبِرُ لِلنِّزَالِ

هَذَا وَأَنْتِ قَرِيعُ قَيْ … سٍ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ

وَفَضَلْتَ قَيْسًا فِي النَّدَى … وَأَبُوكَ فِي الْحِجَجِ الْخَوَالِي

تَمَّتْ مُرُوءَتُكُمْ وَنَا … غَى عِزُّكُمْ غُلْبَ الْجِبَالِ

وَلَقَدْ تَبَيَّنَ عَدْلُ حُكْ … مِكَ فِيهِمُ فِي كُلِّ مَالِ

هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا مِنْ شِعْرِ سَحْبَانَ وَائِلٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ. وَقَدْ

ذَكَرْنَا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَظَمِهِ; أَنَّ سَحْبَانَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، صلى الله عليه وسلم

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى نَفَقَاتِ الْجُنْدِ حِينَ بَعَثَهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ إِلَى قِتَالِ رُتْبِيلَ، فَلَمَّا خَلَعَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَلَعَهُ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ هَرَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا أَنْ يَبْعَثَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَعِيدٌ هَرَبَ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَحُجُّ، ثُمَّ إِنَّهُ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ وَلِيَهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى سَعِيدٍ بِالْهَرَبِ مِنْهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ، مِمَّ أَفِرُّ وَلَا مَفَرَّ مِنْ قَدَرِهِ؟!

وَتَوَلَّى عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ بَدَلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَعَلَ يَبْعَثُ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي الْقُيُودِ، فَتَعَلَّمَ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَعَيَّنَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ مَكَّةَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءَ

بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدَ بْنَ جَبْرٍ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَطَلْقَ بْنَ حَبِيبٍ.

وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بِمَكَّةَ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ، فَبَعَثَ خَالِدٌ بِهَؤُلَاءِ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَفَا عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثَ بِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا طَلْقٌ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَحُبِسَ حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ.

وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ، أَلَمْ أُشْرِكْكَ فِي أَمَانَتِي؟ أَلَمْ أَسْتَعْمِلْكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ، أَلَمْ أَفْعَلْ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: نَعَمْ. حَتَّى ظَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَيُخْلِي سَبِيلَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ خَرَجْتَ عَلَيَّ، وَخَلَعْتَ بَيْعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ أَخَذَ مِنِّي الْبَيْعَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَيَّ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا شَدِيدًا، وَانْتَفَخَ حَتَّى سَقَطَ أَحَدُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، أَلَمْ أَقْدَمْ مَكَّةَ فَقَتَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَخَذْتُ بَيْعَةَ أَهْلِهَا، وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ فَجَدَّدْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيْعَةَ، فَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لَهُ ثَانِيَةً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَتَنْكُثُ بَيْعَتَيْنِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَفِي بِوَاحِدَةٍ لِلْحَائِكِ ابْنِ الْحَائِكِ؟ يَا حَرَسِيُّ اضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَنَدَرَ رَأْسُهُ، عَلَيْهِ لَاطِئَةٌ صَغِيرَةٌ بَيْضَاءُ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا أُوقِفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُدَّامَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: يَا شَقِيُّ بْنَ كُسَيْرٍ، أَمَا قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَجَعَلْتُكَ إِمَامًا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَمَا وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، فَضَجَّ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ إِلَّا عَرَبِيٌّ. فَجَعَلْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَأَمَّرْتُهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَمَا أَعْطَيْتُكَ مِائَةَ أَلْفٍ تُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: بَيْعَةٌ كَانَتْ فِي عُنُقِي لِابْنِ الْأَشْعَثِ. فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: أَمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُنُقِكَ مِنْ قَبْلُ؟ ثُمَّ قَالَ: أَكَفَرْتَ إِذْ خَرَجْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: مَا كَفَرْتُ مُنْذُ آمَنْتُ. فَقَالَ: اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ أَقْتُلُكَ. فَقَالَ: اخْتَرْ أَنْتَ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ أَمَامَكَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبْ عُنُقَهُ. وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ بِوَاسِطٍ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ.

وَلَمَّا قَتَلَهُ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى رَاعَ الْحَجَّاجَ، فَدَعَا طَبِيبًا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَتَلْتَهُ وَنَفْسُهُ مَعَهُ، وَقَلْبُهُ حَاضِرٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي بِكُلِّ رَجُلٍ قَتَلْتُهُ قَتْلَةً، وَقَتَلَنِي بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ قَتْلَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ خَلَفَ بْنَ خَلِيفَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَنَدَرَ رَأْسُهُ هَلَّلَ ثَلَاثًا; مَرَّةً يُفْصِحُ بِهَا، وَفِي الثِّنْتَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُفْصِحُ بِهَا.

وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ أَبِي شَيْخٍ يَقُولُ: لَمَّا أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لُعِنَ ابْنُ النَّصْرَانِيَّةِ يَعْنِي خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَمَا كُنْتُ أَعْرِفُ مَكَانَهُ؟! بَلَى وَاللَّهِ، وَالْبَيْتَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِمَكَّةَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعِيدُ، مَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخْطِئُ مَرَّةً، وَيُصِيبُ أُخْرَى. فَطَابَتْ نَفْسُ الْحَجَّاجِ، وَانْطَلَقَ وَجْهُهُ، وَرَجَا الْحَجَّاجُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ أَمْرِهِ، ثُمَّ عَاوَدَهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةٌ فِي عُنُقِي. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِهِ.

وَذَكَرَ عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ، وَقَدْ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْغَرْزِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرْكَبُ حَتَّى تَتَبَوَّأَ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، قَالَ: وَالْتَبَسَ الْحَجَّاجُ فِي عَقْلِهِ مَكَانَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قُيُودَنَا قُيُودَنَا. فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقُيُودَ

الَّتِي عَلَى سَعِيدٍ، فَقَطَعُوا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقُيُودَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ: ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ: جِيءَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: كَتَبْتَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ: بَلْ كَتَبَ إِلَيَّ مُصْعَبٌ. قَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: إِنِّي إِذًا لَسَعِيدٌ كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي. قَالَ: فَقَتَلَهُ. فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ بَعْدَهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَكَانَ إِذَا نَامَ يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ فِيمَ قَتَلْتَنِي؟ فَيَقُولُ الْحَجَّاجُ: مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟!

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ هِشَامِ الْأَسَدِيُّ، مَوْلَى بَنِي وَالِبَةَ كُوفِيًّا، أَحَدَ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَكَانَ لَا يَكْتُبُ عَلَى الْفُتْيَا، فَلَمَّا عَمِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَتَبَ، فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ ذَلِكَ. وَذَكَرَ مَقْتَلَهُ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ الْحَجَّاجَ مَاتَ بَعْدَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ قَالَ: مُفْتَقِرٌ إِلَى عِلْمِهِ.

وَيُقَالُ إِنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يُسَلَّطْ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدٍ. وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ أَيْضًا شَيْءٌ مِنْ هَذَا.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ السَّنَةِ: سَنَةُ الْفُقَهَاءِ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِيهَا عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ; مَاتَ فِي أَوَّلِهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، ثُمَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَ هَؤُلَاءِ فِي كِتَابِنَا «التَّكْمِيلِ»، وَسَنَذْكُرُ طَرَفًا صَالِحًا هَاهُنَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَاسْتَقْضَى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الشَّامِ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ:

مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.

وَكَانَ عَلَى نِيَابَةِ مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ جَرِيرٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَاللَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ.

ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْأَسَدِيُّ الْوَالِبِيُّ

مَوْلَاهُمْ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْكُوفِيُّ الْمَكِّيُّ، مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ رَأَى خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ خَتْمَةً تَامَّةً، وَكَانَ يَقْعُدُ فِي الْكَعْبَةِ الْقَعْدَةَ فَيَقْرَأُ فِيهَا الْخَتْمَةَ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ

فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ: أَلَيْسَ فِيكُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؟

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ مَاتَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ.

وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ هَرَبَ سَعِيدٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ; مَرَّةً لِلْعُمْرَةِ وَمَرَّةً لِلْحَجِّ، وَرُبَّمَا دَخَلَ الْكُوفَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَحَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ بِخُرَاسَانَ يَتَحَزَّنُ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ هُنَاكَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي مَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ، وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوهُ. وَاسْتَمَرَّ فِي هَذَا الْحَالِ مُخْتَفِيًا مِنَ الْحَجَّاجِ قَرِيبًا مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أَرْسَلَهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَكَانَ مِنْ مُخَاطَبَتِهِ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا.

وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ «حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ»: ثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: أَنْتَ شَقِيُّ

بْنُ كُسَيْرٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: أَنَا إِذًا كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي. ثُمَّ قَالَ: دَعُونِي أُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى. قَالَ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. قَالَ: إِنِّي أَسْتَعِيذُ مِنْكَ بِمَا اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ. قَالَ: وَمَا عَاذَتْ بِهِ؟ قَالَ: قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَقْتُلْ بَعْدَهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا.

وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ مَقْتَلِهِ إِيَّاهُ، وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ غَرِيبَةٌ فِي صِفَةِ مَقْتَلِهِ، أَكْثَرُهَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ عُوقِبَ الْحَجَّاجُ بَعْدَهُ وَعُوجِلَ بِالْعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهُ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخَذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ كَمَا سَنَذْكُرُ وَفَاتَهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، صلى الله عليه وسلم، حِينَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: سَبْعًا وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ: كَانَ مَقْتَلُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَقْتَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ; سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ

أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، سَيِّدُ التَّابِعِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا - وَقِيلَ: بَقِيَتَا - مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقِيلَ: لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْهَا. وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعَشَرَةَ. وَهْمٌ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنْ أَرْسَلَ عَنْهُمْ كَمَا أَرْسَلَ كَثِيرًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ كَثِيرًا، فَقِيلَ: سَمِعَ مِنْهُ. وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ. وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ زَوْجَ ابْنَتِهِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ.

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ سَعِيدٌ أَحَدَ الْمُفْتِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: جَالَسْتُهُ سَبْعَ حِجَجٍ، وَأَنَا لَا أَظُنُّ عِنْدَ أَحَدٍ عِلْمًا غَيْرَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: طُفْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَمَا لَقِيتُ أَعْلَمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ: مَنْ أَفْقَهُ مَنْ لَقِيتُمَا؟ قَالَا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْهُ. وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا أَشْهَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ: فَقِيهُ الْفُقَهَاءِ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كُنْتُ أَرْحَلُ الْأَيَّامَ

وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْسِلُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَضَايَا عُمَرَ وَأَحْكَامِهِ.

وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِرْسَالُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هِيَ صِحَاحٌ. قَالَ: وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ. وَإِذَا قَالَ سَعِيدٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ. فَحَسْبُكَ بِهِ، وَهُوَ عِنْدِي أَجْلُّ التَّابِعِينَ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: كَانَ سَعِيدُ رَجُلًا صَالِحًا فَقِيهًا، كَانَ لَا يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَكَانَتْ لَهُ بِضَاعَةٌ، أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ، وَكَانَ أَعْوَرَ.

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: مَدَّنِيٌّ ثِقَةٌ إِمَامٌ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ أَنْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ أَثْبَتُهُمْ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. صلى الله عليه وسلم.

طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنَزِيُّ

تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَالْأَعْمَشُ وَطَاوُسٌ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي قِرَاءَتِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَكِنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ.

وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَانَ يَقُولُ: اتَّقُوهَا بِالتَّقْوَى. فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا التَّقْوَى. فَقَالَ: التَّقْوَى الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالتَّقْوَى تَرْكُ مَعَاصِي اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ; مَخَافَةَ عَذَابِ اللَّهِ.

وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَائِبِينَ، وَأَمْسُوا تَائِبِينَ. قَالَ مَالِكٌ: قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُرَّاءِ; مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ بَعَثَ مِنْ مَكَّةَ ثَلَاثَةً إِلَى الْحَجَّاجِ، وَهُمْ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، فَمَاتَ طَلْقٌ فِي الطَّرِيقِ، وَحُبِسَ مُجَاهِدٌ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ سَعِيدٍ مَا كَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ

تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْعَبَادِلَةِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ عُرْوَةُ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِمًا مَأْمُونًا ثَبَتًا.

وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مَدَّنِيٌّ، تَابِعِيٌّ، رَجُلٌ صَالِحٌ، لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ فَقِيهًا، عَالِمًا، حَافِظًا، ثَبَتًا، حُجَّةً، عَالِمًا بِالسِّيَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمَغَازِيَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ، وَكَانَ أَرْوَى النَّاسِ لِلشِّعْرِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: الْعِلْمُ لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ: لِذِي حَسَبٍ يُزَيِّنُهُ بِهِ، أَوْ ذِي دِينٍ

يَسُوسُ بِهِ دِينَهُ، أَوْ مُخْتَلِطٍ بِسُلْطَانٍ يُتْحِفُهُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَشْرَطَ لِهَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِلَّا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

وَكَانَ عُرْوَةُ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَيَقُومُ بِهِ فِي اللَّيْلِ. وَكَانَ أَيَّامَ الرُّطَبِ يَثْلِمُ حَائِطَهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَحْمِلُونَ، فَإِذَا ذَهَبَ الرُّطَبُ أَعَادَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُرْوَةُ بَحْرًا لَا يُنْزَفُ، وَقَالَ مَرَّةً: كَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ.

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عُرْوَةَ، وَمَا أَعْلَمُهُ يَعْلَمُ شَيْئًا أَجْهَلُهُ.

وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ، فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ فِي رِجْلِهِ الْأَكِلَةُ، فَأَرَادُوا قَطْعَهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، حَتَّى لَا يَحِسَّ بِالْأَلَمِ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قَطْعِهَا،

فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَشْرَبُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ رَبَّهُ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ هَلُمُّوا فَاقْطَعُوهَا. فَقَطَعُوهَا مِنْ رُكْبَتِهِ وَهُوَ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَطَعُوهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْعُرْ لِشُغْلِهِ بِالصَّلَاةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَوَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُطِعَتْ فِيهَا رِجْلُهُ وَلَدٌ لَهُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا كَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِهِ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَزَّوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَانُوا سَبْعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا، وَأَبْقَيْتَ سِتَّةً، وَكُنَّ أَطْرَافًا أَرْبَعًا، فَأَخَذْتَ وَاحِدَةً، وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثًا، فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَعْطَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فَلَقَدْ عَافَيْتَ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَقْطُوعَةَ فِي الطَّسْتِ، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي مَا مَشَيْتُ بِهَا إِلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ.

قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ مِائَةٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، الْمَشْهُورُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ

وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا سَلَّامَةُ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَكْبَرُ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ: عَلِيٌّ أَيْضًا، قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ، رَوَى عَلِيٌّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَفِيَّةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ بَنُوهُ: زَيْدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُمَرُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَطَاوُسٌ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَخَلْقٌ.

قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَتْ أُمُّهُ سَلَّامَةَ بِنْتَ يَزْدَجِرْدَ آخِرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ.

وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «رَبِيعِ الْأَبْرَارِ»: أَنَّ يَزْدَجِرْدَ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ سُبِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَحَصَلَتْ وَاحِدَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَوْلَدَهَا سَالِمًا، وَالْأُخْرَى لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَوْلَدَهَا الْقَاسِمَ، وَالْأُخْرَى لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَوْلَدَهَا عَلِيًّا زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا، فَكُلُّهُمْ بَنُو خَالَةٍ.

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَمَّا قَتَلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فَيْرُوزَ بْنَ يَزْدَجِرْدَ بَعَثَ بِابْنَتَيْهِ إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا، وَبَعَثَ بِالْأُخْرَى إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَوْلَدَهَا الْوَلِيدُ يَزِيدَ النَّاقِصَ.

وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ «الْمَعَارِفِ» ; أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا كَانَتْ أُمُّهُ سِنْدِيَّةً، يُقَالُ لَهَا: سَلَّامَةُ. وَيُقَالُ: غَزَالَةُ.

وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ بِكَرْبَلَاءَ، فَاسْتُبْقِيَ لِصِغَرِهِ، وَقِيلَ: لِمَرَضِهِ. فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ هَمَّ بِقَتْلِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَشَارَ بَعْضُ الْفَجَرَةِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِقَتْلِهِ أَيْضًا، فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ثُمَّ كَانَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَيُجْلِسُهُ مَعَهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُكَرَّمِينَ، وَكَانَ عَلِيٌّ بِالْمَدِينَةِ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَمَسْجِدُهُ بِدِمَشْقَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مَشْهَدُ عَلِيٍّ شَرْقِيَّ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَقَدِ اسْتَقْدَمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى دِمَشْقَ فَاسْتَشَارَهُ فِي جَوَابِ مَلِكِ الرُّومِ عَنْ بَعْضِ مَا كَتَبَ إِلَيْهِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السَّكَّةِ وَطِرَازِ الْقَرَاطِيسِ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ قُتِلَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: لَا تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَرِيضِ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَعْبَدِهِمْ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ إِذَا مَشَى لَا يَخْطُرُ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ يُرْخِيهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ كُنْيَتَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقِيلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِيًا، رَفِيعًا وَرِعًا. وَأُمُّهُ غَزَالَةُ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحُسَيْنِ مَوْلَاهُ زُبَيْدٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُبَيْدٍ.

وَهُوَ عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ، فَأَمَّا عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ فَقُتِلَ مَعَ أَبِيهِ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَازِمٍ: لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلُهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ هَاشِمِيٍّ أَدْرَكْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، فَمَا بَرِحَ بِنَا حُبُّكُمْ حَتَّى صَارَ عَلَيْنَا عَارًا. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَغَّضْتُمُونَا إِلَى النَّاسِ.

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَكُنْ لِلْحُسَيْنِ عَقِبٌ إِلَّا مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ

يَكُنْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَسْلٌ إِلَّا مِنَ ابْنَةِ عَمِّهِ الْحَسَنِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: لَوِ اتَّخَذْتَ السِّرَارِيَّ حَتَّى يَكْثُرَ أَوْلَادُكُ. فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَا أَتَسَرَّى بِهِ. فَأَقْرَضَهُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَاشْتَرَى لَهُ السِّرَارِيَّ، فَوَلَدْنَ لَهُ، وَكَثُرَ نَسْلُهُ، ثُمَّ لَمَّا مَرِضَ مَرْوَانُ أَوْصَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مَا كَانَ أَقْرَضَهُ، فَجَمِيعُ الْحُسَيْنِيِّينَ مِنْ نَسْلِهِ. صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ احْتَرَقَ الْبَيْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالُوا لَهُ: مَا لَكَ لَمْ تَنْصَرِفْ؟ فَقَالَ: إِنِّي اشْتَغَلْتُ عَنْ هَذِهِ النَّارِ بِالنَّارِ الْأُخْرَى. وَكَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ارْتَعَدَ مِنَ الْفَرَقِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَا تَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ وَلِمَنْ أُنَاجِي؟ وَلَمَّا حَجَّ أَرَادَ أَنْ يُلَبِّيَ، فَارْتَعَدَ وَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فَيَقُولُ لِي: لَا لَبَّيْكَ. فَشَجَّعُوهُ، وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ التَّلْبِيَةِ؟ فَلَمَّا لَبَّى غُشِيَ عَلَيْهِ حَتَّى سَقَطَ عَنِ الرَّاحِلَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ.

وَقَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْحِجْرِ يَقُولُ: عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ،

مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ. قَالَ طَاوُسٌ: فَوَاللَّهِ مَا دَعَوْتُ بِهَا فِي كَرْبٍ قَطُّ إِلَّا كُشِفَ عَنِّي، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَقُولُ: صَدَقَةُ اللَّيْلِ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ. وَأَنَّهُ قَاسَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَالَهُ مَرَّتَيْنِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ نَاسٌ بِالْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ، لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَعِيشُونَ وَمَنْ يُعْطِيهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا ذَلِكَ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي اللَّيْلِ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ. وَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا فِي ظَهْرِهِ وَأَكْتَافِهِ أَثَرَ حَمْلِ الْجُرْبِ إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ فِي اللَّيْلِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَعُولُ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَ. وَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَعُودُهُ، فَبَكَى ابْنُ أُسَامَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قَالَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: هِيَ عَلَيَّ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ بِمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَنَالَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمًا فَجَعَلَ يَتَغَافَلُ عَنْهُ يُرِيهِ أَنَّهُ لم

يَسْمَعْهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِيَّاكَ أَعْنِي. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَعَنْكَ أُغْضِي.

وَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَسَبَّهُ رَجُلٌ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَالَ: دَعُوهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا سُتِرَ عَنْكَ مِنْ أَمْرِنَا أَكْثَرُ، أَلَكَ حَاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْهَا؟ فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ، فَأَلْقَى إِلَيْهِ خَمِيصَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَالُوا: وَاخْتَصَمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَحَسَنُ بْنُ حَسَنٍ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُنَافَسَةٌ فَنَالَ مِنْهُ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. ثُمَّ رَجَعَ، فَلَحِقَهُ فَصَالَحَهُ. وَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَرًا؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْضَ الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَرَا. وَقَالَ أَيْضًا: الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ تُرِي الْمُؤْمِنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ.

وَقَالَ: فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ مَحَبَّةً وَشُكْرًا، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ الْأَخْيَارِ.

وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، لَا تَصْحَبْ فَاسِقًا; فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِأَكْلَةٍ وَأَقَلَّ مِنْهَا، يَطْمَعُ فِيهَا ثُمَّ لَا يَنَالُهَا، وَلَا بَخِيلًا; فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا كَذَّابًا; فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ مِنْكَ الْبَعِيدَ وَيُبَاعِدُ عَنْكَ الْقَرِيبَ، وَلَا أَحْمَقَ; فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ، وَلَا قَاطِعَ رَحِمٍ; فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (مُحَمَّدٍ: ٢٢).

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ فِي حَلْقَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ تَأْتِي تَخَطَّى حَتَّى تَجْلِسَ مَعَ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ حَيْثُ يَنْتَفِعُ، وَإِنَّ الْعِلْمَ يُبْتَغَى وَيُؤْتَى، وَيُطْلَبُ مِنْ حَيْثُ كَانَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ:

أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ فَقُلْتُ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَنْفَعُنَا اللَّهُ بِهَا، إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا يَرْمِينَا بِهِ هَؤُلَاءِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْعِرَاقِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ رَزِينِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَرْحَبًا بِالْحَبِيبِ ابْنِ الْحَبِيبِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيُّ، ثَنَا الْعَلَائِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: يُولَدُ لِابْنِي هَذَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ هُوَ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ أَكْثَرُ مُجَالَسَتِي مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَحْسَنِهِمْ طَاعَةً، وَأَحَبِّهِمْ

إِلَى مَرْوَانَ، وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ يُسَمِّيهِ: زَيْنَ الْعَابِدِينَ.

وَقَالَ جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ: مَا أَكَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِرْهَمًا قَطُّ، صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَخَافَ أَنْ يَرُدَّهَا، فَاحْتَبَسَهَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعَثَ إِلَيَّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْبَلَهَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّهَا، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا ابْنَ عَمٍّ، خُذْهَا فَقَدْ طَيَّبْتُهَا لَكَ. فَقَبِلَهَا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، وَفِي الْآخِرَةِ أَهْلُ الدِّينِ وَأَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ.

وَقَالَ أَيْضًا: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَرَى الْأَخَ مِنْ إِخْوَانِي، فَأَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْجَنَّةَ، وَأَبْخَلَ عَلَيْهِ بِالدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِي: لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةُ بِيَدِكَ لَكُنْتَ بِهَا أَبْخَلَ وَأَبْخَلَ وَأَبْخَلَ.

وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ

السَّلَامُ، بَكَى حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ عَلَى يُوسُفَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَاتَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُذْبَحُونَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، أَفَتَرَوْنَ حُزْنَهُمْ يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِي أَبَدًا؟!

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَكَبَتْ جَارِيَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ مَاءً لِيَتَوَضَّأَ، فَسَقَطَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: إِنَّ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فَقَالَ: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي. قَالَتْ: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ. فَقَالَ: قَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْكِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آلِ عِمْرَانَ: ١٣٤). قَالَ: فَاذْهَبِي، أَنْتِ حُرَّةٌ.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَذَكَرُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَنَالُوا مِنْهُمَا، ثُمَّ ابْتَدَءُوا فِي عُثْمَانَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي، أَنْتُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَإِلَى قَوْلِهِ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (الْحَشْرِ: ٨)؟ قَالُوا: لَا، لَسْنَا مِنْهُمْ. قُلْتُ: فَأَنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ

مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الْحَشْرِ: ٩). قَالُوا: لَا، لَسْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدَ تَبَرَّأْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ وَشَهِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (الْحَشْرِ: ١٠) قُومُوا عَنِّي، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، وَلَا قَرَّبَ دُورَكُمْ، أَنْتُمْ مُسْتَهْزِئُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَلَسْتُمْ مِنْ أَهْلِهِ.

وَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ: مَتَى يُبْعَثُ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ: يُبْعَثُ وَاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَهُمُّهُ نَفْسُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حُدِّثْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَصَدَّقُ الْيَوْمَ أَوْ أَهَبُ عِرْضِي الْيَوْمَ مَنِ اسْتَحَلَّهُ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ غُلَامًا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ سَفُّودٌ، وَهُوَ يَشْوِي شَيْئًا فِي التَّنُّورِ عَلَى رَأْسِ صَبِيٍّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَتَلَهُ، فَنَهَضَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مُسْرِعًا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِلْغُلَامِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَمْ تَتَعَمَّدْ أَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ شَرَعَ فِي

جَهَازِ ابْنِهِ.

وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِنَصِيبِي مِنَ الذُّلِّ حُمْرَ النَّعَمِ. وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ.

وَمَاتَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ إِسْرَافِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ ابْنِكَ خِلَالًا ثَلَاثًا: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَشَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَرَحْمَةَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَارَفَ الزُّهْرِيُّ ذَنْبًا، فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ، وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ لَهُ: يَا زُهْرِيُّ، قُنُوطُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِكِ. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ أَصَابَ دَمًا خَطَأً، فَأَمَرَهُ عَلِيٌّ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَنْ يَبْعَثَ الدِّيَةَ إِلَى أَهْلِهِ. وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ مِنَّةً.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: لَا يَقُولُ رَجُلٌ فِي

رَجُلٍ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يَعْلَمُ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يَعْلَمُ، وَمَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَفْتَرِقَا عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ.

وَذَكَرُوا أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَةً مِنْ مَوْلًى لَهُ، وَأَعْتَقَ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلُومُهُ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ وَقَدْ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ فَتَزَوَّجَهَا، وَزَوَّجَ مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مِنِ ابْنَةِ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.

قَالُوا: وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ خَمِيصَةً مِنْ خَزٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ تَصَدَّقَ بِهَا، وَيَلْبَسُ فِي الصَّيْفِ الثِّيَابَ الْمُرَقَّعَةَ وَدُونَهَا، وَيَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (الْأَعْرَافِ: ٣٢).

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ ذَكَرَهَا الصُّولِيُّ وَالْجُرَيْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَجَّ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ الْوَلِيدِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ حَتَّى نُصِبَ لَهُ مِنْبَرٌ، فَاسْتَلَمَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَقَامَ أَهْلُ الشَّامِ حَوْلَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحَجَرِ; لِيَسْتَلِمَهُ تَنَحَّى عَنْهُ النَّاسُ إِجْلَالًا لَهُ وَهِيبَةً وَاحْتِرَامًا، وَهُوَ فِي بِزَّةٍ حَسَنَةٍ، وَشَكْلٍ مَلِيحٍ، فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ لِهِشَامٍ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. لِئَلَّا يَرْغَبَ فِيهِ أَهْلُ الشَّامِ. فَقَالَ

الْفَرَزْدَقُ وَكَانَ حَاضِرًا: أَنَا أَعْرِفُهُ. فَقَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ فَأَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ:

هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ … وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ

هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ … هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ

إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا … إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ

يُنْمَى إِلَى ذُرْوَةِ الْعِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ … عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الْإِسْلَامِ وَالْعَجَمُ

يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ … رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ … فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ

بِكَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ … مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ

مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ … طَابَتْ عَنَاصِرُهَا وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ

يَنْجَابُ نُورُ الْهُدَى مِنْ نُورِ غُرَّتِهِ … كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِهَا الْقَتَمُ

حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إِذَا فُدِحُوَا … حُلْوُ الشَّمَائِلِ تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ

هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ … بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا

اللَّهُ فَضَّلَهُ قِدْمًا وَشَرَّفَهُ … جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَمُ

مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ … وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهَا الْأُمَمُ

عَمَّ الْبَرِّيَّةَ بِالْإِحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ … عَنْهَا الْغَيَابَةُ وَالْإِمْلَاقُ وَالظُّلَمُ

كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا … يَسْتَوْكِفَانِ وَلَا يَعْرُوهُمَا الْعَدَمُ

سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَا تُخْشَى بَوَادِرُهُ … يَزِينُهُ اثْنَانِ حُسْنُ الْخُلْقِ وَالْكَرَمُ

لَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ … رَحْبُ الْفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يَعْتَزِمُ

مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ … كَفْرٌ وَقُرْبُهُمْ مَنْجَى وَمُعْتَصَمُ

يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالْبَلْوَى بِحُبِّهِمُ … وَيُسْتَرَبُّ بِهِ الْإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ

مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُهُمُ … فِي كُلِّ حُكْمٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ

إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ … أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ قِيلَ هُمُ

لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِمْ … وَلَا يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُمُوا

هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ … وَالْأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى وَالْبَأْسُ مُحْتَدِمُ

يَأْبَى لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ … خِيمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بِالنَّدَى هُضُمُ

لَا يَنْقُصُ الْعُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكُفِّهِمُ … سِيَّانَ ذَلِكَ إِنْ أَثْرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا

أَيُّ الْخَلَائِقِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهِمُ … لِأَوَّلِيَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نِعَمُ

فَلَيْسَ قَوْلُكَ «مَنْ هَذَا؟» بِضَائِرِهِ … الْعُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ

مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا … فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الْأُمَمُ

قَالَ: فَغَضِبَ هِشَامٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِحَبْسِ الْفَرَزْدَقِ بِعُسْفَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بَعَثَ إِلَى الْفَرَزْدَقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ الْيَوْمَ غَيْرُهَا، فَرَدَّهَا الْفَرَزْدَقُ، وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ مَا قُلْتُ لِلَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنُصْرَةً لِلْحَقِّ، وَقِيَامًا بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَلَسْتُ أَعْتَاضُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِكَ فِي ذَلِكَ، وَأَقْسَمْتُ لَتَقْبَلَنَّهَا. فَقَبِلَهَا مِنْهُ ثُمَّ جَعَلَ يَهْجُو هِشَامًا، فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِيهِ:

يُحَبِّسُنِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالَّتِي … إِلَيْهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِي مُنِيبُهَا

يُقَلِّبُ رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ … وَعَيْنَيْنِ حَوْلَاوَيْنِ بَادٍ عُيُوبُهَا

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّتْ بِهِ الْجِنَازَةُ يَقُولُ:

نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا … وَنَلْهُو حِينَ تَمْضِي ذَاهِبَاتِ

كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لِمُغَارِ سَبْعٍ … فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ

وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئِ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ سَيِّدَ الْعَابِدِينَ

يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، وَيُنَاجِي رَبَّهُ يَقُولُ:

يَا نَفْسُ حَتَّامَ إِلَى الدُّنْيَا غُرُورُكِ، وَإِلَى عِمَارَتِهَا رُكُونُكِ، أَمَا اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِكِ، وَمَنْ وَارَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ أُلَّافِكِ؟ وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى الْبِلَى مِنْ أَقْرَانِكِ؟

فَهُمْ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا … مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بِوَالٍ دَوَاثِرُ

خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْ … وَسَاقَتْهُمْ نَحْوَ الْمَنَايَا الْمَقَادِرُ

وَخُلُّوا عَنِ الدُّنْيَا وَمَا جَمَعُوا لَهَا … وَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّرَابِ الْحَفَائِرُ

كَمْ تَخَرَّمَتْ أَيْدِي الْمَنُونِ مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ، وَكَمْ غَيَّرَتِ الْأَرْضُ بِبَلَائِهَا، وَغَيَّبَتْ فِي ثَرَاهَا مِمَّنْ عَاشَرْتَ مِنْ صُنُوفِ النَّاسِ، وَشَيَّعْتَهُمْ إِلَى الْأَرْمَاسِ،

وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِسٌ … لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ

عَلَى خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لَاهِيًا … أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ

وَإِنَّ امْرَأً يَسْعَى لِدُنْيَاهُ دَائِبًا … وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لَا شَكَّ خَاسِرُ

فَحَتَّامَ عَلَى الدُّنْيَا إِقْبَالُكَ؟ وَبِشَهَوَاتِكَ اشْتِغَالُكَ؟ وَقَدْ وَخَطَكَ الْقَتِيرُ،

وَأَتَاكَ النَّذِيرُ، وَأَنْتَ عَمَّا يُرَادُ بِكَ سَاهٍ، وَبِلَذَّةِ يَوْمِكَ لَاهٍ.

وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْبِلَى … عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ

أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الْأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ … وَشَيْبِ قَذَالٍ مُنْذِرٌ لَكَ كَاسِرُ

كَأَنَّكَ مَعْنِيٌّ بِمَا هُوَ صَائِرٌ … لِنَفْسِكَ عَمْدًا أَوْ عَنِ الرُّشْدِ جَائِرُ

انْظُرْ إِلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْمُلُوكِ الْفَانِيَةِ كَيْفَ أَفْنَتْهُمُ الْأَيَّامُ وَوَافَاهُمُ الْحِمَامُ; فَانْمَحَتْ مِنَ الدُّنْيَا آثَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ فِيهَا أَخْبَارُهُمْ.

وَأَضْحَوْا رَمِيمًا فِي التُّرَابِ وَعُطِّلَتْ … مَجَالِسُ مِنْهُمْ أَقْفَرَتْ وَمَقَاصِرُ

وَحَلُّوا بِدَارٍ لَا تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ … وَأَنَّى لِسُكَّانِ الْقُبُورِ تَزَاوُرُ

فَمَا إِنْ تَرَى إِلَّا جُثًى قَدْ ثَوَوْا بِهَا … مُسَطَّحَةً تُسْفِي عَلَيْهَا الْأَعَاصِرُ

كَمْ مِنْ ذِي مَنَعَةٍ وَسُلْطَانٍ، وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، تَمَكَّنَ مِنْ دُنْيَاهُ، وَنَالَ فِيهَا مَا

تَمَنَّاهُ، وَبَنَى فِيهَا الْقُصُورَ وَالدَّسَاكِرَ، وَجَمَعَ الْأَعْلَاقَ، وَالذَّخَائِرَ.

فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ الْمَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ … مُبَادِرَةً تَهْوِي إِلَيْهِ الذَّخَائِرُ

وَلَا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونُ الَّتِي بَنَى … وَحَفَّ بِهَا أَنْهَارُهُ وَالدَّسَاكِرُ

وَلَا قَارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ حِيلَةٌ … وَلَا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهُ الْعَسَاكِرُ

أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يُرَدُّ، وَنَزَلَ بِهِ مِنْ قَضَائِهِ مَا لَا يُصَدُّ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْقَهَّارُ قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ، وَمُبِيدُ الْمُتَكَبِّرِينَ.

مَلِيكٌ عَزِيزٌ لَا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ … حَكِيمٌ عَلِيمٌ نَافِذُ الْأَمْرِ قَاهِرُ

عَنَا كُلُّ ذِي عِزٍّ لِعِزَّةِ وَجْهِهِ … فَكُلُّ عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ

لَقَدْ خَضَعَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضَاءَلَتْ … لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلُوكُ الْجَبَابِرُ

فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ، وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَكَايِدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لَكَ مِنْ مَصَايِدِهَا، وَتَحَلَّتْ لَكَ مِنْ زِينَتِهَا، وَأَظْهَرَتْ لَكَ مِنْ بَهْجَتِهَا.

وَفِي دُونِ مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتِهَا … إِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَبِالزُّهْدِ آمِرُ

فَجِدَّ وَلَا تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ … وَأَنْتَ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ صَائِرُ

وَلَا تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ طِلَابَهَا … وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا غُبَّةً لَكَ ضَائِرُ

فَهَلْ يَحْرِصُ عَلَيْهَا لَبِيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَرِيبٌ؟ وَهُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا، وَغَيْرُ طَامِعٍ فِي بَقَائِهَا، أَمْ كَيْفَ تَنَامُ عَيْنَا مَنْ يَخْشَى الْبَيَاتَ، وَتَسْكُنُ نَفْسُ مَنْ يَتَوَقَّعُ الْمَمَاتَ.

أَلَا لَا وَلَكِنَّا نَغُرُّ نُفُوسَنَا … وَتَشْغَلُنَا اللَّذَّاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ

وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ … بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ

كَأَنَّا نَرَى أَنْ لَا نُشُورَ وَأَنَّنَا … سُدًى مَا لَنَا بَعْدَ الْمَمَاتِ مَصَائِرُ

وَمَا عَسَى أَنْ يَنَالَ صَاحِبُ الدُّنْيَا مِنْ لَذَّتِهَا، وَيَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ بَهْجَتِهَا، مَعَ صُنُوفِ عَجَائِبِهَا وَكَثْرَةِ تَعَبِهِ فِي طَلَبِهَا، وَمَا يُكَابِدُ مِنْ أَسْقَامِهَا وَأَوْصَابِهَا وَآلَامِهَا؟

أَمَا قَدْ تَرَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … يَرُوحُ عَلَيْنَا صَرْفُهَا وَيُبَاكِرُ

تُعَاوِرُنَا آفَاتُهَا وَهُمُومُهَا … وَكَمْ قَدْ تُرَى يَبْقَى لَهَا الْمُتَعَاوِرُ

فَلَا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمِنٌ … وَلَا هُوَ عَنْ تَطْلَابِهَا النَّفْسَ قَاصِرُ

كَمْ قَدْ غَرَّتِ الدُّنْيَا مِنْ مُخْلِدٍ إِلَيْهَا، وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٍّ عَلَيْهَا، فَلَمْ تُنْعِشْهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، وَلَمْ تُقِمْهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ، وَلَمْ تُبْرِهِ مِنْ سَقَمِهِ.

بَلَى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ … مَوَارِدَ سُوءٍ مَا لَهُنَّ مَصَادِرُ

فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَا نَجَاةَ وَأَنَّهُ … هُوَ الْمَوْتُ لَا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحَاذُرُ

تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدَامَةٌ … عَلَيْهِ وَأَبْكَتْهُ الذُّنُوبُ الْكَبَائِرُ

بَكَى عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَطَايَاهُ، وَتَحَسَّرَ عَلَى مَا خَلَفَ مِنْ دُنْيَاهُ، حِينَ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِغْفَارُ، وَلَا يُنْجِيهِ الِاعْتِذَارُ، عِنْدَ هَوْلِ الْمَنِيَّةِ وَنُزُولِ الْبَلِيَّةِ.

أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمُومُهُ … وَأَبْلَسَ لَمَّا أَعْجَزَتْهُ الْمَعَاذِرُ

فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ … وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا يُحَاذِرُ نَاصِرُ

وَقَدْ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ … تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللَّهَا وَالْحَنَاجِرُ

هُنَالِكَ خَفَّ عُوَّادُهُ، وَأَسْلَمَهُ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ، وَارْتَفَعَتِ الرَّنَّةُ بِالْعَوِيلِ، وَقَدْ أَيِسُوا مِنَ الْعَلِيلِ، فَغَمَّضُوا بِأَيْدِيهِمْ عَيْنَيْهِ، وَمَدَّ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ رِجْلَيْهِ.

فَكَمْ مُوجَعٍ يَبْكِي عَلَيْهِ وَمُفْجَعٍ … وَمُسْتَنْجِدٍ صَبْرًا وَمَا هُوَ صَابِرُ

وَمُسْتَرْجِعٍ دَاعٍ لَهُ اللَّهَ مُخْلِصًا … يُعَدِّدُ مِنْهُ خَيْرَ مَا هُوَ ذَاكِرُ

وَكَمْ شَامِتٍ مُسْتَبْشِرٍ بِوَفَاتِهِ … وَعَمَّا قَلِيلٍ كَالَّذِي صَارَ صَائِرُ

فَشَقَّ جُيُوبَهَا نِسَاؤُهُ، وَلَطَمَ خُدُودَهَا إِمَاؤُهُ، وَأَعْوَلَ لِفَقْدِهِ جِيرَانُهُ، وَتَوَجَّعَ لِرُزْئِهِ إِخْوَانُهُ، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى جَهَازِهِ، وَشَمَّرُوا لِإِبْرَازِهِ.

وَظَلَّ أَحَبُّ الْقَوْمِ كَانَ لِقُرْبِهِ … يَحُثُّ عَلَى تَجْهِيزِهِ وَيُبَادِرُ

وَشَمَّرَ مَنْ قَدْ أَحْضَرُوهُ لِغَسْلِهِ … وَوَجَّهَ لَمَّا قَامَ لِلْقَبْرِ حَافِرُ

وَكُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعَتْ لَهُ … مُشَيِّعَةً إِخْوَانُهُ وَالْعَشَائِرُ

فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَصْغَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ غَلَبَ الْحُزْنُ عَلَى فُؤَادِهِ، وَغُشِيَ مِنَ الْجَزَعِ عَلَيْهِ، وَخَضَّبَتِ الدُّمُوعُ خَدَّيْهِ، وَهُوَ يَنْدُبُ أَبَاهُ وَيَقُولُ: يَا وَيْلَاهُ.

لَعَايَنْتَ مِنْ قُبْحِ الْمَنِيَّةِ مَنْظَرًا … يُهَالُ لِمَرْآهُ وَيَرْتَاعُ نَاظِرُ

أَكَابِرُ أَوْلَادٍ يَهِيجُ اكْتِئَابُهُمْ … إِذَا مَا تَنَاسَاهُ الْبَنُونَ الْأَصَاغِرُ

وَرَنَّةُ نِسْوَانٍ عَلَيْهِ جَوَازِعٍ … مَدَامِعُهُمْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوَازِرُ

ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِهِ إِلَى ضِيقِ قَبْرِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي اللَّحْدِ وَهَى عَلَيْهِ

اللَّبِنُ، وَحَثَوْا بِأَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَأَكْثَرُوا التَّلَدُّدَ عَلَيْهِ وَالِانْتِحَابَ، ثُمَّ وَقَفُوا سَاعَةً عَلَيْهِ، وَأَيِسُوا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ.

فَوَلَّوْا عَلَيْهِ مُعْوِلِينَ وَكُلُّهُمْ … لِمِثْلِ الَّذِي لَاقَى أَخُوهُ مُحَاذِرُ

كَشَاءٍ رِتَاعٍ آمِنِينَ بَدَا لَهَا … بِمُدْيَتِهِ بَادِي الذِّرَاعَيْنِ حَاسِرُ

فَرِيعَتْ وَلَمْ تَرْتَعْ قَلِيلًا وَأَجْفَلَتْ … فَلَمَّا نَأَى عَنْهَا الَّذِي هُوَ جَازِرُ

عَادَتْ إِلَى مَرْعَاهَا، وَنَسِيَتْ مَا فِي أُخْتِهَا دَهَاهَا، أَفَبِأَفْعَالِ الْبَهَائِمِ اقْتَدَيْنَا؟ أَمْ عَلَى عَادَتِهَا جَرَيْنَا؟ عُدْ إِلَى ذِكْرِ الْمَنْقُولِ إِلَى دَارِ الْبِلَى وَالثَّرَى، وَاعْتَبِرْ بِمَوْضِعِهِ تَحْتَ الثَّرَى، الْمَدْفُوعِ إِلَى هَوْلِ مَا تَرَى.

ثَوَى مُفْرَدًا فِي لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ … مَوَارِيثَهُ أَرْحَامُهُ وَالْأَوَاصِرُ

وَأَحْنَوْا عَلَى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَهَا … فَلَا حَامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهَا وَشَاكِرُ

فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا … وَيَا آمِنًا مِنْ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ

كَيْفَ أَمِنْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ وَأَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ؟! أَمْ كَيْفَ تَتَهَنَّأُ لِحَيَاتِكَ، وَهِيَ مَطِيَّتُكَ إِلَى مَمَاتِكَ؟! أَمْ كَيْفَ تَسِيغُ طَعَامَكَ وَأَنْتَ مُنْتَظِرٌ حِمَامَكَ؟!.

وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلرَّحِيلِ وَقَدْ دَنَا … وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ وَشِيكًا مُسَافِرُ

فَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتِي … وَعُمْرِيَ فَانٍ وَالرَّدَى لِي نَاظِرُ

وَكُلُّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحْفِ مُثْبَتٌ … يُجَازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الْحُكْمِ قَادِرُ

فَكَمْ تُرَقِّعُ بِآخِرَتِكَ دُنْيَاكَ؟ وَتَرْكَبُ فِي ذَلِكَ هَوَاكَ؟ أَرَاكَ ضَعِيفَ الْيَقِينِ، يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ، أَبِهَذَا أَمَرَكَ الرَّحْمَنُ؟ أَمْ عَلَى هَذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ؟

تُخَرِّبُ مَا يَبْقَى وَتَعْمُرُ فَانِيًا … فَلَا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلَا ذَاكَ عَامِرُ

وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً … وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَدَى اللَّهِ عَاذِرُ

أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضِيَ … وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالُكَ وَافِرُ

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّارِيخِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ; فَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ فِي أَوَّلِهَا عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ، وَدُفِنَ بِهِ.

قَالَ الْفَلَّاسُ: مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعُرْوَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوُفِّيَ ثِنْتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثٍ - وَتِسْعِينَ.

وَأَغْرَبَ الْمَدَائِنِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ

بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، قِيلَ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ. وَقِيلَ: اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ وَكُنْيَتَهُ وَاحِدٌ، وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ كَثِيرٌ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ بَنُوهُ سَلَمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَعُمَرُ، وَمَوْلَاهُ سُمَيٌّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ.

وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: رَاهِبُ قُرَيْشٍ. لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ، وَكَانَ مَكْفُوفًا، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْفِقْهِ وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ.

وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُكْرِمُهُ وَيَعْرِفُ فَضْلَهُ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَهُمُّ

بِالشَّيْءِ أَفْعَلُهُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ; لِسُوءِ أَثَرِهِمْ عِنْدَنَا، فَأَذْكُرُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَسْتَحِي مِنْهُ، وَأَتْرُكُ ذَلِكَ الْأَمْرَ مِنْ أَجْلِهِ. وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ قَدْ كُفَّ، وَكَانَ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ يَدَهُ فِي طَسْتٍ; لِعِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله