ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ

فِيهَا أَرْسَلَ الْمَلِكُ خُوَارَزْمُ شَاهْ أَمِيرًا مِنْ أَخِصَّاءِ أُمَرَائِهِ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ سِيرَوَانًا، فَصَارَ أَمِيرًا خَاصًّا، فَبَعَثَهُ فِي جَيْشٍ، فَفَتَحَ لَهُ كَرْمَانَ وَمَكْرَانَ، وَإِلَى حُدُودِ بِلَادِ السِّنْدِ، وَخَطَبَ لِخُوَارَزْمِ شَاهْ بِتِلْكَ النَّوَاحِي، وَكَانَ خُوَارَزْمُ شَاهْ لَا يُصَيِّفُ إِلَّا بِنُوَاحِي سَمَرْقَنْدَ خَوْفًا مِنَ التَّتَارِ أَصْحَابِ كَشْلِي خَانَ أَنْ يَتَوَثَّبُوا عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِ الَّتِي تُتَاخِمُهُمْ.

قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا شَرَعَ فِي تَبْلِيطِ دَاخِلِ الْجَامِعِ، وَبَدَأُوا بِنَاحِيَةِ السَّبْعِ الْكَبِيرِ، وَكَانَتْ أَرْضُ الْجَامِعِ قَبْلَ ذَلِكَ حُفَرًا وَجُوَرًا. فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ بِتَبْلِيطِهِ.

وَفِيهَا وُسِّعَ الْخَنْدَقُ مِمَّا يَلِي الْقَيْمَازِيَّةَ، فَأُخْرِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ هُنَاكَ، وَحَمَّامُ قَايْمَازَ وَفُرْنٌ كَانَ وَقْفًا عَلَى دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَفِيهَا بَنَى الْمُعَظَّمُ الْفُنْدُقَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ بِنَاحِيَةِ قَبْرِ عَاتِكَةَ ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ.

وَفِيهَا أَخَذَ الْمُعَظَّمُ قَلْعَةَ صَرْخَدَ مِنِ ابْنِ قَرَاجَا، وَعَوَّضَهُ عَنْهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى مَمْلُوكِهِ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكٍ الْمُعَظَّمِيِّ، فَثَبَتَتْ فِي يَدِهِ إِلَى أَنِ انْتَزَعَهَا مِنْهُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ.

وَفِيهَا حَجَّ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ بْنُ الْعَادِلِ، رَكِبَ مِنَ الْكَرَكِ عَلَى الْهُجُنِ فِي حَادِي عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَمَعَهُ ابْنُ مُوسَكٍ، وَمَمْلُوكُهُ أَيْبَكٌ، عِزُّ الدِّينِ أُسْتَاذُ دَارِهِ وَخَلْقٌ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وَالْعَلَاءِ، وَبَنَى الْمُعَظَّمُ الْبِرْكَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، وَمَصَانِعَ أُخَرَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ تَلَقَّاهُ صَاحِبُهَا سَالِمٌ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهَا، وَخَدَمَهُ خِدْمَةً تَامَّةً، وَأَمَّا صَاحِبُ مَكَّةَ قَتَادَةُ، فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا، وَلِهَذَا لَمَّا قَضَى نُسُكَهُ، وَكَانَ قَارِنًا، وَأَنْفَقَ فِي الْمُجَاوِرِينَ مَا حَمَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَكَرَّ رَاجِعًا اسْتَصْحَبَ مَعَهُ سَالِمًا صَاحِبَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَى أَبِيهِ عِنْدَ رَأْسِ الْمَاءِ مَا لَقِيَهُ مِنْ صَاحِبِ مَكَّةَ، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ مَعَ سَالِمٍ جَيْشًا يَطْرُدُونَ صَاحِبَ مَكَّةَ عَنْهَا، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا هَرَبَ مِنْهُمْ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ وَالْبَرَارِي، وَقَدْ أَثَّرَ الْمُعَظَّمُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِطَرِيقِ الْحِجَازِ آثَارًا حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ وَتَقَبَّلَ مِنْهُ آمِينَ.

وَفِيهَا تَعَامَلَ أَهْلُ دِمَشْقَ بِالْقَرَاطِيسِ السُّودِ الْعَادِلِيَّةِ، ثُمَّ بَطَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَفَنِيَتْ.

وَفِيهَا مَاتَ صَاحِبُ الْيَمَنِ ابْنُ سَيْفِ الْإِسْلَامِ، فَتَوَلَّاهَا سُلَيْمَانُ بْنُ شَاهِنْشَاهِ بْنِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهِ بْنِ أَيُّوبَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَرَاءِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ إِلَى

ابْنِهِ الْكَامِلِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا وَلَدَهُ أَقْسِيسَ بْنَ الْكَامِلِ، فَأَرْسَلَهُ فَتَمَلَّكَهَا فَظَلَمَ بِهَا وَفَتَكَ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَشْرَافِ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِمِائَةٍ، وَأَمَّا مِمَّنْ عَدَاهُمْ فَكَثِيرٌ، وَكَانَ مِنْ أَفْجَرِ الْمُلُوكِ وَأَكْثَرِهِمْ فِسْقًا، وَأَقَلِّهِمْ حَيَاءً وَدِينًا، وَقَدْ ذَكَرُوا عَنْهُ مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْأَبْدَانُ، وَتُنْكِرُهُ الْقُلُوبُ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهِمْ:

إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرُوسٍ

الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، أَفْتَى وَنَاظَرَ وَعَدَّلَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، ثُمَّ انْسَلَخَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَصَارَ شُرْطِيًّا بِبَابِ النُّوبِيِّ، يَضْرِبُ النَّاسَ وَيُؤْذِيهِمْ غَايَةَ الْأَذَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ضُرِبَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ رَجُلًا صَالِحًا.

الرُّكْنُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ

كَانَ أَبُوهُ صَالِحًا، وَكَانَ هُوَ مُتَّهَمًا بِالْفَلْسَفَةِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ، وَوُجِدَ عِنْدَهُ كُتُبٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وَلِيَ عِدَّةَ وِلَايَاتٍ، وَيُقَالُ لِمِثْلِهِ:

نِعْمَ الْجُدُودُ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا نَسَلُوا

رَأَى عَلَيْهِ أَبُوهُ يَوْمًا ثَوْبًا بُخَارِيًّا، فَقَالَ: سَمِعْنَا بِالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَمَّا بُخَارِيٌّ وَكَافِرٌ، فَهَذَا شَيْءٌ عَجَبٌ. وَكَانَ مُصَاحِبًا لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ

الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ الْآخَرُ مُدَبِّرًا فَاسِقًا، وَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى الشَّرَابِ وَالْمُرْدَانِ، قَبَّحَهُمَا اللَّهُ.

أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْبَزَّارُ

الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَخْضَرِ الْبَغْدَادِيُّ الْمُحَدِّثُ الْمُكْثِرُ الْحَافِظُ الْمُصَنِّفُ الْمُحَرِّرُ، لَهُ كُتُبٌ مُفِيدَةٌ مُتْقَنَةٌ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ يَوْمُ جَنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا.

الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْأَنْجَبِ أَبِي الْمَكَارِمِ الْمُفَضَّلِ اللَّخْمِيُّ الْمَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ الْمَالِكِيُّ، سَمِعَ السِّلَفِيَّ وَعَبْدَ الرَّحِيمِ الْمُنْذِرِيَّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا لِلْمَالِكِيَّةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَنَائِبَ الْحُكْمِ بِهَا، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:

أَيَا نَفْسُ بِالْمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ مُرْسَلٍ … وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ تَمَسَّكِي

عَسَاكِ إِذَا بَالَغْتِ فِي نَشْرِ دِينِهِ … بِمَا طَابَ مِنْ نَشْرٍ لَهُ أَنْ تَمَسَّكِي

وَخَافِي غَدًا يَوْمَ الْحِسَابِ جَهَنَّمَا … إِذَا لَفَحَتْ نِيرَانُهَا أَنْ تَمَسَّكِي

تُوُفِّيَ بِالْقَاهِرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 26.9 / 29.5
الإضاءة 8%
الهلال الجديد بعد 3 يوم
سبحان الله وبحمده