الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالسُّلْطَانُ مُخَيِّمٌ بِظَاهِرِ حَمَاةَ، فَسَارَ إِلَى حَلَبَ وَتَلَقَّاهُ أَخُوهُ الْعَادِلُ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، فَخَرَجَ مِنْهَا فِي صَفَرٍ; لِقَصْدِ الْمَوْصِلِ فَقَطَعَ الْفُرَاتَ، وَجَاءَ إِلَى حَرَّانَ فَقَبَضَ عَلَى صَاحِبِهَا مُظَفَّرِ الدِّينِ بْنِ زَيْنِ الدِّينِ، وَهُوَ أَخُو زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حُسْنَ طَوِيَّتِهِ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ فَتَلَقَّاهُ الْمُلُوكُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَجَاءَ إِلَى خِدْمَتِهِ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ قَرَا أَرْسَلَانَ صَاحِبُ بِلَادِ بِكْرٍ وَآمِدَ، ثُمَّ بَلَغَهُ مَوْتُ أَخِيهِ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانَ، فَطَلَبَ دُسْتُورًا; لِأَخْذِ مَمْلَكَتِهِ فَأَعْطَاهُ، وَسَارَ السُّلْطَانُ فَنَزَلَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيَّاتِ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْصِلِ وَجَاءَهُ صَاحِبُ إِرْبِلَ زَيْنُ الدِّينِ وَهُوَ مِمَّنْ خَضَعَ لَهُ مُلُوكُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ ضِيَاءَ الدِّينِ بْنَ كَمَالِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيَّ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ حِصَارِ الْمَوْصِلِ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ رَدُّهُمْ إِلَى طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، فَحَاصَرَهَا مُدَّةً، ثُمَّ تَرَحَّلَ عَنْهَا فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَفْتَحْهَا، وَسَارَ إِلَى خِلَاطَ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ، وَأَقَالِيمَ جَمَّةٍ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَجَرَتْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ قَدِ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْكَامِلِ» وَصَاحِبُ «الرَّوْضَتَيْنِ»، ثُمَّ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوَاصِلَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَنْ جُنْدِهِ إِذَا نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَعَلَى أَنْ
يَخْطُبَ لَهُ، وَتُضْرَبَ السِّكَّةُ بِاسْمِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ كُلِّهَا، وَانْقَطَعَتْ خُطْبَةُ السَّلَاجِقَةِ وَالْأَزِيقِيَّةِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ كُلِّهَا، وَاتَّفَقَ الْحَالُ وَزَالَ الْإِشْكَالُ.
وَاتَّفَقَ أَنَّهُ مَرِضَ بَعْدَ هَذَا مَرَضًا شَدِيدًا، وَهُوَ يَتَجَلَّدُ وَلَا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ التَّأَلُّمِ حَتَّى قَوِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَتَزَايَدَ الْحَالُ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى حَرَّانَ فَخَيَّمَ هُنَالِكَ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِهِ، وَشَاعَ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ، فَخَافَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَرْجَفَ الْكَفَرَةُ وَالْمُلْحِدُونَ، وَخَافَ أَهْلُ الْبِرِّ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَقَصَدَهُ أَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ الْعَادِلُ مِنْ حَلَبَ بِالْأَطِبَّاءِ وَالْأَدْوِيَةِ، فَوَجَدَهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُوصِيَ وَيَعْهَدَ، فَقَالَ: مَا أُبَالِي وَأَنَا أَتْرُكُ مِنْ بَعْدِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - يَعْنِي أَخَاهُ الْعَادِلَ صَاحِبَ حَلَبَ وَتَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ صَاحِبَ حَمَاةَ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ نَائِبُ مِصْرَ وَهُوَ بِهَا مُقِيمٌ، وَابْنَيْهِ الْعَزِيزَ عُثْمَانَ وَالْأَفْضَلَ عَلَّيَا - ثُمَّ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا لَيَصْرِفَنَّ هِمَّتَهُ كُلَّهَا إِلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَلَا يُقَاتِلُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا، وَلَيَجْعَلَنَّ أَكْبَرَ هَمِّهِ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَوْ صَرَفَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ وَلَيَقْتُلَنَّ الْبِرِنْسَ صَاحِبَ الْكَرَكِ بِيَدِهِ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْدَ الذى عَاهَدَ السُّلْطَانَ عَلَيْهِ فَغَدَرَ بِقَافِلَةٍ مِنْ تُجَّارِ مِصْرَ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَضَرَبَ رِقَابَهُمْ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدُكُمْ يَنْصُرُكُمْ؟ وَكَانَ هَذَا النَّذْرُ كُلُّهُ بِإِشَارَةِ الْقَاضِي الْفَاضِلِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الَّذِي أَرْشَدَهُ إِلَى ذَلِكَ وَحَثَّهُ عَلَيْهِ، حَتَّى عَقَدَهُ مَعَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَشَفَاهُ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم، وَعَافَاهُ مِمَّا كَانَ ابْتَلَاهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ الَّذِي كَانَ فِيهِ; كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَرَفْعٌ لِدَرَجَتِهِ وَنُصْرَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَجَاءَتِ الْبَشَائِرُ بِذَلِكَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَزُيِّنَتِ الْبِلَادُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَكَتَبَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ دِمَشْقَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا إِلَى الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ
نَائِبِ مِصْرَ لِعَمِّهِ النَّاصِرِ; أَنَّ الْعَافِيَةَ النَّاصِرِيَّةَ قَدِ اسْتَفَاضَتْ أَخْبَارُهَا، وَأَنْوَارُهَا وَآثَارُهَا، وَوَلَّتِ الْعِلَّةُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأُطْفِئَتْ نَارُهَا، وَانْجَلَى غُبَارُهَا، وَخَمَدَ شَرَارُهَا، وَمَا كَانَتْ إِلَّا فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا، وَعَظِيمَةً كَفَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ أَمْرَهَا، وَنَوْبَةً امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا نُفُوسَنَا، فَرَأَى أَقَلَّ مَا عِنْدَهَا صَبْرَهَا، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ الدُّعَاءَ وَقَدْ أَخْلَصَتْهُ الْقُلُوبُ، وَلَا لِيُوقِفَ الْإِجَابَةَ وَإِنْ سَدَّتْ طَرِيقَهَا الذُّنُوبُ، وَلَا لِيُخْلِفَ وَعْدَ فَرَجٍ وَقَدْ أَيِسَ الصَّاحِبُ وَالْمَصْحُوبُ.
نَعِيٌّ زَادَ فِيهِ الدَّهْرُ مِيمَا … فَأَصْبَحَ بَعْدَ بُؤْسَاهُ نَعِيمَا
وَمَا صَدَقَ النَّذِيرُ بِهِ لِأَنِّي … رَأَيْتُ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَالنُّجُومَا
وَقَدِ اسْتَقْبَلَ مَوْلَانَا السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ الْعَافِيَةَ غَضَّةً جَدِيدَةً، وَالْعُزْمَةَ مَاضِيَةً حَدِيدَةً، وَالنَّشَاطَ إِلَى الْجِهَادِ، وَالْجَنَّةَ مَبْسُوطَةَ الْبِسَاطِ، وَقَدِ انْقَضَى الْحِسَابُ وَجُزْنَا الصِّرَاطَ، وَعُرِضْنَا نَحْنُ عَلَى الْأَهْوَالِ الَّتِي مِنْ خَوْفِهَا كَادَ الْجَمَلُ يَلِجُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ.
ثُمَّ رَكِبَ السُّلْطَانُ مِنْ حَرَّانَ بَعْدَ الْعَافِيَةِ فَدَخَلَ حَلَبَ ثُمَّ اجْتَازَ بِحَمَاةَ وَحِمْصَ، وَدَخَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ تَكَامَلَتْ عَافِيَتُهُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمُ دَخْلِهِ إِلَيْهَا يَوْمًا مَشْهُودًا وَصَبَاحًا مَحْمُودًا، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْعَدَ الْمَوْصِلِيُّ
الْفَقِيهُ مُهَذِّبُ الدِّينِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْعَدَ الْمَوْصِلِيُّ مُدَرِّسُ حِمْصَ وَكَانَ
بَارِعًا فِي فُنُونٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الشِّعْرِ وَالْأَدَبِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ.
الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ
صَاحِبُ حِمْصَ وَالرَّحْبَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَزَوْجِ أُخْتِهِ سِتِّ الشَّامِ بِنْتِ أَيُّوبَ، كَانَتْ وَفَاتُهُ بِحِمْصَ فَنَقَلَتْهُ زَوْجَتُهُ سِتُّ الشَّامِ إِلَى تُرْبَتِهَا بِالْمَدْرَسَةِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، فَقَبَرُهُ هُوَ الْأَوْسَطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخِيهَا الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ صَاحِبِ الْيَمَنِ، وَقَدْ خَلَّفَ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ شَيْئًا كَثِيرًا، يُنَيِّفُ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَجْأَةً، فَوَلِيَ مِنْ بَعْدِهِ مَمْلَكَةَ حِمْصَ وَلَدُهُ أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مَحْمُودُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الثَّنَاءِ الْمَحْمُودِيُّ بْنُ الصَّابُونِيِّ; لِأَنَّ جَدَّ أُمِّهِ الشَّيْخُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ، كَانَ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاهِيرِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: الْمَحْمُودِيُّ. لِصُحْبَةِ جَدِّهِ السُّلْطَانَ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، فَقَدِمَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ هَذَا الشَّامَ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى
مِصْرَ فَنَزَلَهَا، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُكْرِمُهُ أَيْضًا، وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَرْضًا، فَهِيَ لَهُمْ إِلَى الْآنَ.
الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ سَعْدُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ مُعِينِ الدِّينِ
كَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ أَيَّامَ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ أَخُو السِّتِّ خَاتُونَ، وَحِينَ تَزَوَّجَهَا صَلَاحُ الدِّينِ زَوَّجَهُ أُخْتَهُ السِّتَّ رَبِيعَةَ خَاتُونَ بِنْتَ أَيُّوبَ، الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْمَدْرَسَةُ الصَّلَاحِيَّةُ بِالسَّفْحِ عَلَى الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَأَخَّرَتْ مُدَّتُهَا فَتُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَتْ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلَادِ أَيُّوبَ لِصُلْبِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ وَهُوَ فِي حِصَارِ مَيَّافَارِقِينَ.
السِّتُّ خَاتُونُ عِصْمَةُ الدِّينِ
بِنْتُ مُعِينِ الدِّينِ، نَائِبِ دِمَشْقَ وَأَتَابِكِ عَسْكَرِهَا قَبْلَ نُورِ الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ كَانَتْ زَوْجَةَ نُورِ الدِّينِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِهِ صَلَاحُ الدِّينِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَأَعَفِّهِنَّ وَأَكْثَرِهِنَّ صَدَقَةً، وَهِيَ وَاقِفَةُ الْخَاتُونِيَّةِ الْجُوَانِيَّةِ بِمَحَلَّةِ حَجَرِ الذَّهَبِ، وَخَانِقَاهُ خَاتُونَ ظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ فِي أَوَّلِ الشَّرَفِ الْقِبْلِيِّ عَلَى بَانِيَاسَ وَدُفِنَتْ بِتُرْبَتِهَا فِي سَفْحِ قَاسِيُونَ قَرِيبًا مِنْ قِبَابِ الشَّرْكَسِيَّةِ، وَإِلَى جَنْبِهَا دَارُ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةُ وَالْأَتَابِكِيَّةُ، وَلَهَا أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأمَّا
الْخَاتُونِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ الَّتِي عَلَى الْقَنَوَاتِ بِمَحَلَّةِ صَنْعَاءِ الشَّامِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّتِي هِيَ فِيهِ بِتَلِّ الثَّعَالِبِ، فَهِيَ مِنْ إِنْشَاءِ السِّتِّ زُمُرُّدَ خَاتُونَ بِنْتِ جَاوْلِي، وَهِيَ أُخْتُ الْمَلِكِ دُقَاقَ لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ زَنْكِيٍّ وَالِدِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، صَاحِبِ حَلَبَ وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ هَذَا الْحِينِ كَمَا تَقَدَّمَ، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ
مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ، أَحَدُ حُفَّاظِ الدُّنْيَا الرِّحَالِينَ الْجَوَّالِينَ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَشَرَحَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، صلى الله عليه وسلم.
السُّهَيْلِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ
أَبُو الْقَاسِمِ وَأَبُو زَيْدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْخَطِيبِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَصْبَغَ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ سَعْدُونَ بْنِ رِضْوَانَ بْنِ فَتُّوحٍ - هُوَ الدَّاخِلُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ - الْخَثْعَمِيُّ السُّهَيْلِيُّ حَكَى الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ، عَنِ ابْنِ دَحْيَةَ أَنَّهُ أَمْلَى عَلَيْهِ نَسَبَهُ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَالسُّهَيْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ مَالِقَةَ، اسْمُهَا سُهَيْلٌ; لِأَنَّهُ لَا يُرَى سُهَيْلٌ النَّجْمُ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَّا مِنْ رَأَسِ جَبَلٍ شَاهِقٍ عِنْدَهَا. وُلِدَ السُّهَيْلِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَقَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَاشْتَغَلَ، وَحَصَّلَ حَتَّى بَرَعَ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ
بِقُوَّةِ الْقَرِيحَةِ وَجَوْدَةِ الذِّهْنِ، وَحُسْنِ التَّصَانِيفِ، وَكَانَ ضَرِيرًا مَعَ ذَلِكَ. لَهُ كِتَابُ «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» يَذْكُرُ فِيهِ نُكَتًا حَسَنَةً عَلَى السِّيرَةِ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا، وَلَهُ كِتَابُ «الْإِعْلَامِ فِيمَا أُبْهِمَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ»، وَكِتَابُ «نَتَائِجِ الْفِكْرِ»، وَمَسْأَلَةٌ فِي الْفَرَائِضِ بَدِيعَةٌ، وَمَسْأَلَةٌ فِي السِّرِّ فِي كَوْنِ الدَّجَّالِ أَعْوَرَ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فَرِيدَةٌ بَدِيعَةٌ مُفِيدَةٌ، وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ عَفِيفًا فَقِيرًا، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فِي آخِرِ عُمْرِهِ مِنْ صَاحِبِ مُرَّاكِشَ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّادِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَهُ قَصِيدَةٌ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ بِهَا وَيَرْتَجِي الْإِجَابَةَ فِيهَا وَهِيَ قَوْلُهُ:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ … أَنْتَ الْمُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا … يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ … امْنُنْ فَإِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ … فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ … فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ … إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا … الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَعُ