ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ

فِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ ثُمَامَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَنَزَلَ دَابِقَ، وَجَاشَتِ الرُّومُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ.

وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِحَفْرِ الرَّكَايَا وَعَمَلِ الْمَصَانِعِ وَبِنَاءِ الْقُصُورِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَلَّى عَلَى ذَلِكَ يَقْطِينَ بْنَ مُوسَى، فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ فِي ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، حَتَّى صَارَتْ طَرِيقُ الْحِجَازِ مِنْ أَرْفَقِ الطُّرُقَاتِ وَآمَنِهَا وَأَطْيَبِهَا.

وَفِيهَا وَسَّعَ الْمَهْدِيُّ جَامِعَ الْبَصْرَةِ مِنْ قِبْلَتِهِ وَغَرْبِهِ.

وَفِيهَا كَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ أَنْ لَا تَبْقَى مَقْصُورَةٌ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَأَنْ تُقَصَّرَ الْمَنَابِرُ إِلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ مِنْبَرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَفُعِلَ ذَلِكَ فِي الْمَدَائِنِ كُلِّهَا.

وَفِيهَا اتَّضَعَتْ مَنْزِلَةُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِ الْمَهْدِيِّ عِنْدَهُ، وَظَهَرَتْ عِنْدَهُ خِيَانَتُهُ، فَضَمَّ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِمَّنْ ضُمَّ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، ثُمَّ أَبْعَدَهُ وَأَقْصَاهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ مُعَسْكَرِهِ.

وَفِيهَا وَلِيَ الْقَضَاءَ عَافِيَةُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، فَكَانَ يَحْكُمُ هُوَ وَابْنُ عُلَاثَةَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ بِالرُّصَافَةِ.

وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُقَنَّعُ. بِخُرَاسَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مَرْوَ، وَكَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ضَلَالَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَجَهَّزَ لَهُ الْمَهْدِيُّ عِدَّةً مِنْ أُمَرَائِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ جُيُوشًا كَثِيرَةً، مِنْهُمْ مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُوسَى الْهَادِي ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِ أَبِيهِ، كَمَا قَدَّمْنَا.

وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَزَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُبَّادِهِ وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ، رَوَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

قَالَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو عَاصِمٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَتَبْتُ عَنْ أَلْفٍ وَمِائَةِ شَيْخٍ، هُوَ أَفْضَلُهُمْ.

وَقَالَ أَيُّوبُ: مَا رَأَيْتُ كُوفِيًّا أُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنَ الثَّوْرِيِّ.

وَقَالَ شُعْبَةُ: سَادَ فِي النَّاسِ بِالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ; ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَالثَّوْرِيُّ فِي زَمَانِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَتَقَدَّمُهُ فِي قَلْبِي أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الْإِمَامُ؟ الْإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَخَانَنِي.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَأَنْ أَتْرُكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إِلَى النَّاسِ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ، سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.

وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ نَخْلَةٍ إِلَى نَخْلَةٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزُّمَرِ: ٧٤].

أَبُو دُلَامَةَ

زَنْدُ بْنُ الْجَوْنِ، الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ، أَحَدُ الظُّرَفَاءِ، أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ، وَحَظِيَ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ; لِأَنَّهُ كَانَ يُضْحِكُهُ، وَيُنْشِدُهُ وَيَمْدَحُهُ; حَضَرَ يَوْمًا جِنَازَةَ امْرَأَةِ الْمَنْصُورِ وَابْنَةِ عَمِّهِ حَمَّادَةَ بِنْتِ عِيسَى، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ وَجِدَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا شَهِدَ الْقَبْرَ نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي دُلَامَةَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا دُلَامَةَ! مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا؟ فَقَالَ: ابْنَةَ عَمِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ حَتَّى اسْتَلْقَى، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! فَضَحْتَنَا بَيْنَ النَّاسِ.

وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْمَهْدِيِّ يُهَنِّئُهُ بِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ وَأَنْشَدَهُ:

إِنِّي حَلَفْتُ لَئِنْ رَأَيْتُكُ سَالِمًا … بِقُرَى الْعِرَاقِ وَأَنْتَ ذُو وَفْرِ

لَتُصَلِّيَنَّ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … وَلَتَمْلَأَنَّ دَرَاهِمًا حِجْرِي

فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا. فَقَالَ: هُمَا كَلِمَتَانِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. فَمَلَأَ حِجْرَهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ. فَقَالَ: إِذًا يَنْخَرِقُ قَمِيصِي. فَأُفْرِغَتْ فِي أَكْيَاسِهَا، ثُمَّ قَامَ وَأَخَذَهَا.

وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ مَرِضَ ابْنُهُ فَدَاوَاهُ طَبِيبٌ، فَلَمَّا عُوفِيَ قَالَ لَهُ: لَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنِ ادَّعِ عَلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ بِمَبْلَغِ مَا تَسْتَحِقُّهُ; حَتَّى أَشْهَدَ أَنَا وَوَلَدِي عَلَيْهِ. فَادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي الْكُوفَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَقِيلَ: ابْنُ شُبْرُمَةَ - فَأَنْكَرَ الْيَهُودِيُّ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَبُو دُلَامَةَ وَابْنُهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْقَاضِي أَنْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُمَا، وَخَافَ مِنْ طَلَبِ التَّزْكِيَةِ، فَأَعْطَى الْمُدَّعِي الْمَالَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَطْلَقَ الْيَهُودِيَّ، وَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الْمَصَالِحِ.

تُوُفِّيَ أَبُو دُلَامَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ خِلَافَةَ الرَّشِيدِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 29 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 0.5 / 29.5
الإضاءة 0%
البدر بعد 14 يوم
لا إله إلا الله