ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ

فِيهَا تَوَلَّى الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّمَنَانِيُّ الْحِسْبَةَ وَالْمَوَارِيثَ بِبَغْدَادَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِالسَّوَادِ.

وَفِيهَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَلِكِ الْكَبِيرِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ: أَنْتَ أَكْبَرُ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَفِي كُلِّ سَنَةٍ تَفْتَحُ طَائِفَةً مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ، وَهَذِهِ طَرِيقُ الْحَجِّ قَدْ تَعَطَّلَتْ مِنْ مُدَّةِ سِنِينَ، وَفَتْحُكَ لَهَا أَوْجَبُ مِنْ غَيْرِهَا. فَتَقَدَّمَ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ بِعَمَلِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيِّ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِلْأَعْرَابِ، غَيْرَ مَا جَهَّزَ مِنَ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْحَرَمَيْنِ، فَسَارَ النَّاسُ صُحْبَتَهُ، فَلَمَّا كَانُوا بِفَيْدَ اعْتَرَضَهُمُ الْأَعْرَابُ، فَصَالَحَهُمُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيُّ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَامْتَنَعُوا، وَصَمَّمَ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ جَمَّازُ بْنُ عَدِيٍّ، عَلَى أَخْذِ الْحَجِيجِ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَجَالَ جَوْلَةً وَاسْتَنْهَضَ مَنْ مَعَهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْعَرَبِ، فَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ غُلَامٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَصَلَ إِلَى قَلْبِهِ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَانْهَزَمَتِ الْأَعْرَابُ، وَسَلَكَ الْحَجِيجُ الطَّرِيقَ، فَحَجُّوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ آمِنِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَفْصٍ، أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ الصُّوفِيُّ

وَمَالِينُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى هَرَاةَ كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ الرَّحَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْآفَاقِ، وَكَتَبَ كَثِيرًا، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا صَالِحًا، مَاتَ بِمِصْرَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَامِينَ الْقَاضِي، أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ

نَزَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ، فَاضِلًا صَالِحًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَبُو غَالِبٍ

الْوَزِيرُ الْمُلَقَّبُ ذَا السَّعَادَتَيْنِ، وُلِدَ بِسِيرَافَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى وَزَرَ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ قُتِلَ وَصُودِرَ ابْنُهُ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.

الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالُ، سَمِعَ النَّجَّادَ وَالْخُلْدِيَّ وَابْنَ السَّمَّاكِ وَغَيْرَهُمْ. قَالَ الْخَطِيبُ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ شَيْخًا ثِقَةً صَالِحًا كَثِيرَ

الْبُكَاءِ عِنْدَ الذِّكْرِ.

مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، أَبُو بَكْرٍ الْعَنْبَرِيُّ الشَّاعِرُ

كَانَ أَدِيبًا ظَرِيفًا، حَسَنَ الشِّعْرِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى الْزَمَا … نِ وَأَهْلِهِ نَظَرًا كَفَانِي

فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُهُمْ … وَعَرَفْتُ عِزِّيَ مِنْ هَوَانِي

فَلِذَاكَ أَطْرَحُ الصَّدِي … قَ فَلَا أَرَاهُ وَلَا يَرَانِي

وَزَهِدْتُ فِيمَا فِي يَدَيْ … هِ وَدُونَهُ نَيْلُ الْأَمَانِي

فَتَعَجَّبُوا لِمُغَالِبٍ … وَهَبَ الْأَقَاصِيَ لِلْأَدَانِي

وَانْسَلَّ مِنْ بَيْنِ الزِّحَا … مِ فَمَا لَهُ فِي الْكَوْنِ ثَانِي

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ مُتَصَوِّفًا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُمْ، وَذَمَّهُمْ بِقَصَائِدَ ذَكَرْتُهَا فِي «تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ». تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَزَّازُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَزْقَوَيْهِ

قَالَ الْخَطِيبُ: هُوَ أَوَّلُ شَيْخٍ كَتَبْتُ عَنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ دَرَسَ الْقُرْآنَ، وَدَرَسَ الْفِقْهَ

عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، كَثِيرَ السَّمَاعِ وَالْكِتَابَةِ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، جَمِيلَ الْمَذْهَبِ، مُدِيمًا لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمَكَثَ دَهْرًا عَلَى الْحَدِيثِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَحَبُّ الدُّنْيَا إِلَّا لِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِي عَلَيْكُمُ الْحَدِيثَ. وَقَدْ بَعَثَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِذَهَبٍ، فَقَبِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَقْبَرَةِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى النَّيْسَابُورِيُّ

رَوَى عَنِ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ مَشَايِخُ الْبَغَادِدَةِ، كَالْأَزْهَرِيِّ وَالْعُشَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَخْبَارِ الصُّوفِيَّةِ، فَصَنَّفَ لَهُمْ تَفْسِيرًا وَسُنَنًا وَتَارِيخًا، وَجَمَعَ شُيُوخًا وَتَرَاجِمَ وَأَبْوَابًا، لَهُ بِنَيْسَابُورَ دَارٌ مَعْرُوفَةٌ، وَفِيهَا صُوفِيَّةٌ، وَبِهَا قَبْرُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّاسِ فِي تَضْعِيفِهِ فِي الرِّوَايَةِ، فَحَكَى عَنِ الْخَطِيبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِثِقَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ مِنَ الْأَصَمِّ كَثِيرًا، فَلَمَّا مَاتَ الْحَاكِمُ رَوَى عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَكَانَ يَضَعُ لِلصُّوفِيَّةِ الْأَحَادِيثَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَالِثِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

أَبُو عَلِيٍّ، الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ النَّيْسَابُورِيُّ

كَانَ يَعِظُ النَّاسَ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَحْوَالِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَمِنْ كَلَامِهِ: مَنْ تَوَاضَعَ لِأَحَدٍ لِأَجْلِ دُنْيَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ; لِأَنَّهُ خَضَعَ لَهُ بِلِسَانِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَلَوْ خَضَعَ لَهُ بِقَلْبِهِ ذَهَبَ دِينُهُ كُلُّهُ.

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ اذْكُرُونِي وَأَنْتُمْ أَحْيَاءٌ أَذْكُرْكُمْ وَأَنْتُمْ تَحْتَ التُّرَابِ.

وَقَالَ: الْبَلَاءُ الْأَكْبَرُ أَنْ تُرِيدَ وَلَا تُرَادُ، وَتَدْنُوَ فَتُرَدَّ إِلَى الْإِبْعَادِ.

وَأَنْشَدَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يُوسُفَ: ٨٤].

جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرِنَا … وَأُخْرَى بِنَا مَجْنُونَةٌ لَا نُرِيدُهَا

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ. إِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ لَا وُصُولَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ لَمْ يَزُلْ؟!

صَرِيعُ الدِّلَاءِ الشَّاعِرُ، أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ

الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ، الْمَعْرُوفُ بِصَرِيعِ الدِّلَاءِ، قَتِيلُ الْغَوَاشِي ذِي الرَّقَاعَتَيْنِ، لَهُ قَصِيدَةٌ مَقْصُورَةٌ فِي الْهَزْلِ، عَارَضَ بِهَا قَصِيدَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ، يَقُولُ فِيهَا:

وَأَلْفُ حِمْلٍ مِنْ مَتَاعِ تُسْتَرٍ … أَنْفَعُ لِلْمِسْكِينِ مَنْ لَقَطِ النَّوَى

مَنْ طَبَخَ الدِّيكَ وَلَا يَذْبَحُهُ … طَارَ مِنَ الْقِدْرِ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى

مَنْ دَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ مِسَلَّةٌ … فَسَلْهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَيْفَ الْعَمَى

وَالذَّقَنُ شَعْرٌ فِي الْوُجُوهِ طَالِعٌ … كَذَلِكَ الْعِقْصَةُ مِنْ خَلْفِ الْقَفَا

مَنْ أَكَلَ الْكِرْشَ وَلَا يَغْسِلُهُ … سَالَ عَلَى لِحْيَتِهِ شِبْهُ الْخَرَا

إِلَى أَنْ خَتْمَهَا بِالْبَيْتِ الَّذِي حُسِدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:

مَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ وَأَخْطَاهُ الْغِنَى … فَذَاكَ وَالْكَلْبُ عَلَى حَدٍّ سَوَا

قَدِمَ مِصْرَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَامْتَدَحَ فِيهَا خَلِيفَتَهَا الظَّاهِرَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ بْنَ الْحَاكِمِ، وَاتَّفَقَتْ وَفَاتُهُ بِهَا فِي رَجَبِ هَذِهِ السَّنَةِ، سَامَحَهُ اللَّهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله