ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي «الْمُنْتَظَمِ» فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَكَمَ جَهَلَةُ الْمُنَجِّمِينَ بِأَنْ سَيَكُونَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ طُوفَانٌ قَرِيبٌ مِنْ طُوفَانِ نُوحٍ، وَشَاعَ الْكَلَامُ بِذَلِكَ بَيْنَ الْعَوَامِّ وَخَافُوا، فَاسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَظْهِرُ ابْنَ عَيْشُونَ الْمُنَجِّمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ: إِنَّ طُوفَانَ نُوحٍ كَانَ فِي زَمَنٍ اجْتَمَعَ فِي بُرْجِ الْحُوتِ الطَّوَالِعُ السَّبْعَةُ، وَالْآنَ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ سِتَّةٌ وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا زُحَلُ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ طُوفَانٍ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا بَغْدَادُ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَزِيرِهِ بِإِصْلَاحِ الْمُسَنِّيَاتِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخْشَى انْفِجَارُ الْمَاءِ مِنْهَا، وَجَعَلَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْحَاجَّ حَصَلُوا بِوَادِي الْمَيَاقِتِ بَعْدَ نَخْلَةَ، فَأَتَاهُمْ سَيْلٌ عَظِيمٌ، فَمَا نَجَا

مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَأَخَذَ الْمَاءُ الْجِمَالَ وَالرِّجَالَ وَالرِّحَالَ، فَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَجِّمِ وَأَجْرَى لَهُ جِرَايَةً.

وَفِيهَا مَلَكَ الْأَمِيرُ قِوَامُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعِيدٍ كَرْبُوقَا مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَقَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمِ بْنِ قُرَيْشٍ وَغَرَّقَهُ بَعْدَ حِصَارِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ.

وَفِيهَا مَلَكَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ الْمَغْرِبِيُّ مَدِينَةَ قَابِسَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا أَخَاهُ عُمَرَ فَقَالَ خَطِيبُ سُوسَةَ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا:

ضَحِكَ الزَّمَانُ وَكَانَ يُلْفَى عَابِسًا … لَمَّا فَتَحْتَ بِحَدِّ سَيْفِكَ قَابِسَا

وَأَتَيْتَهَا بِكْرًا وَمَا أَمْهَرْتَهَا … إِلَّا قَنًا وَصَوَارِمًا وَفَوَرِاسَا

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا جَنَيْتَ ثِمَارَهَا … إِلَّا وَكَانَ أَبُوكَ قَبْلُ الْغَارِسَا

مَنْ كَانَ فِي زُرْقِ الْأَسِنَّةِ خَاطِبًا … كَانَتْ لَهُ قُلَلُ الْبِلَادِ عَرَائِسَا

وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا دَرَّسَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَزِيرُ بَرْكْيَارُوقَ.

وَفِيهَا أَغَارَتْ خَفَاجَةُ عَلَى بِلَادِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ دُبَيْسٍ وَقَصَدُوا مَشْهَدَ الْحُسَيْنِ بِالْحَائِرِ، فَتَظَاهَرُوا فِيهِ بِالْمُنْكَرَاتِ وَالْفَسَادِ، فَكَبَسَهُمْ فِيهِ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ الْمَذْكُورُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا حَتَّى عِنْدَ الضَّرِيحِ، وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَلْقَى نَفْسَهُ وَفَرَسَهُ مِنْ فَوْقِ السُّورِ فَسَلِمَ وَسَلِمَتْ فَرَسُهُ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْأَمِيرُ خُمَارْتِكِينُ الْحَسَنَانِيُّ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو حَكِيمٍ الْخَبْرِيُّ: وَخَبْرُ إِحْدَى بِلَادِ فَارِسَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفَرَائِضِ وَالْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ، وَكَانَ مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ بِالْأُجْرَةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ يَكْتُبُ وَضَعَ

الْقَلَمَ مِنْ يَدِهِ وَاسْتَنَدَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا مَوْتًا إِنَّهُ لَطَيِّبٌ، ثُمَّ مَاتَ.

عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنَ أَحْمَدَ الشِّيحِيُّ،

التَّاجِرُ وَيُعْرَفُ بِابْنِ شُهْدَانْكَهْ، بَغْدَادِيٌّ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ وَأَكْثَرَ عَنِ الْخَطِيبِ وَهُوَ بِصُورَ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ فَلِهَذَا أَهْدَى إِلَيْهِ الْخَطِيبُ «تَارِيخَ بَغْدَادَ» بِخَطِّهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ، وَكَانَ يُسَمِّيهِ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ ثِقَةً.

عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ،

أَبُو الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِالْهَمَذَانِيِّ تَفَقَّهَ عَلَى الْمَاوَرْدِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِسَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَحْفَظُ «غَرِيبَ الْحَدِيثِ» لِأَبِي عُبَيْدٍ وَ «الْمُجْمَلَ» لِابْنِ فَارِسَ، وَكَانَ عَفِيفًا زَاهِدًا، طَلَبَهُ الْمُقْتَدِي لِيُوَلِّيَهُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ، فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ وَاعْتَذَرَ لَهُ بِالْعَجْزِ وَعُلُوِّ السِّنِّ، وَكَانَ ظَرِيفًا لَطِيفًا، كَانَ يَقُولُ: كَانَ أَبِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَنِي أَخَذَ الْعَصَا بِيَدِهِ ثُمَّ يَقُولُ: نَوَيْتُ أَنْ أَضْرِبَ وَلَدِي تَأْدِيبًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ثُمَّ يَضْرِبُنِي، قَالَ: وَإِلَى أَنْ يَنْوِيَ وَيُتَمِّمَ النِّيَّةَ كُنْتُ أَهْرُبُ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ ابْنِ سُرَيْجٍ.

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مَنْصُورٍ

أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ وَيُعْرَفُ

بِابْنِ الْخَاضِبَةِ، كَانَ مَعْرُوفًا بِالْإِفَادَةِ، وَجَوْدَةِ الْقِرَاءَةِ، وَحُسْنِ الْخَطِّ، وَصِحَّةِ النَّقْلِ، جَمَعَ بَيْنَ عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ وَالْحَدِيثِ، وَأَكْثَرَ عَنِ الْخَطِيبِ وَأَصْحَابِ الْمُخَلِّصِ، قَالَ: لَمَّا غَرِقَتْ بَغْدَادُ غَرِقَتْ دَارِي وَكُتُبِي فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ فَاحْتَجْتُ إِلَى النَّسْخِ فَكَتَبْتُ «صَحِيحَ مُسْلِمٍ» فِي تِلْكَ السَّنَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَقَائِلٌ يَقُولُ: أَيْنَ ابْنُ الْخَاضِبَةِ فَجِئْتُ فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَلَمَّا دَخَلْتُهَا اسْتَلْقَيْتُ عَلَى قَفَايَ وَوَضَعْتُ إِحْدَى رِجْلَيَّ عَلَى الْأُخْرَى، وَقُلْتُ اسْتَرَحْتُ مِنَ النَّسْخِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ وَالْقَلَمُ فِي يَدِي وَالنَّسْخُ بَيْنَ يَدَيَّ.

أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ

مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ الْحَافِظُ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ تَفَقَّهَ أَوَّلًا عَلَى أَبِيهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حِينَ أَخَذَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَصَنَّفَ «التَّفْسِيرَ» وَكِتَابَ «الِانْتِصَارِ» فِي الْحَدِيثِ، وَ «الْبُرْهَانَ» وَ «الْقَوَاطِعَ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالِاصْطِلَامَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَوَعَظَ فِي مَدِينَةِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ يَقُولُ مَا حَفِظْتُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وَسُئِلَ عَنْ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ، وَسُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ، فَقَالَ:

جِئْتُمَانِي لِتَعْلَمَا سِرَّ سُعْدَى … تَجِدَانِي بِسِرِّ سُعْدَى شَحِيحَا

إِنَّ سُعْدَى لَمُنْيَةُ الْمُتَمَنِّي … جَمَعَتْ عِفَّةً وَوَجْهًا صَبِيحَا

تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ مَرْوَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا، آمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 19%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله