ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ الْعَبَّاسِيُّ، وَسُلْطَانُ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا، وَبِالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا، وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - الْمَلِكُ النَّاصِرُ حَسَنٌ ابْنُ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ بِمِصْرَ نَائِبٌ وَلَا وَزِيرٌ، وَإِنَّمَا تُرْجَعُ الْأُمُورُ إِصْدَارًا، وَإِيرَادًا إِلَى الْأَمِيرَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ; سَيْفِ الدِّينِ شَيْخُونَ، وَصَرْغَتْمُشَ النَّاصِرِيَّيْنِ، وَقُضَاةُ مِصْرَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ الشَّامِ بِدِمَشْقَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أَمِيرُ عَلِيَّ الْمَارِدَانِيُّ، وَقُضَاةُ دِمَشْقَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا

لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَهَدَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ مِنْ مَشْهَدِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَاتَّبَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَغَارِبَةِ، وَجَاءُوا إِلَى أَمَاكِنَ مُتَّهَمَةٍ بِالْخَمْرِ وَبَيْعِ الْحَشِيشِ، فَكَسَرُوا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ أَوَانِي الْخَمْرِ، وَأَرَاقُوا مَا فِيهَا، وَأَتْلَفُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْحَشِيشِ، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا

إِلَى حِكْرِ السُّمَاقِ وَغَيْرِهِمْ، فَثَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَارْذَارِيَّةِ، وَالْكَلَابَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّعَاعِ، فَتَنَاوَشُوا، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ ضَرَبَاتٌ بِالْأَيْدِي، وَغَيْرِهَا، وَرُبَّمَا سَلَّ بَعْضُ الْفُسَّاقِ السُّيُوفَ عَلَيْهِمْ كَمَا ذُكِرَ. وَقَدْ رَسَمَ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ لِوَالِي الْمَدِينَةِ، وَوَالِي الْبَرِّ أَنْ يَكُونُوا عَضُدًا لَهُمْ، وَعَوْنًا عَلَى الْخَمَّارِينَ وَالْحَشَّاشَةِ، فَنَصَرُوهُمْ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ كَثُرَ مَعَهُمُ الضَّجِيجُ، وَنَصَبُوا رَايَةً، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَلَمَّا كَانَ فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ تَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ النُّقَبَاءِ وَالْخَزَانْدَارِيَّةِ، وَمَعَهُمْ جَنَازِيرُ، فَأَخَذُوا جَمَاعَةً مِنْ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِمْ، وَضُرِبُوا بِالْمَقَارِعِ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي الْبَلَدِ، وَنَادَوْا عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِمَا لَا يَعْنِيهِ تَحْتَ عِلْمِ السُّلْطَانِ. فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوهُ، حَتَّى إِنَّهُ أَنْكَرَ اثْنَانِ مِنَ الْعَامَّةِ عَلَى الْمُنَادِيَةِ، فَضَرَبَ بَعْضُ الْجُنْدِ أَحَدَهُمَا بِدَبُّوسٍ فَقَتَلَهُ، وَضَرَبَ الْآخَرَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ أَيْضًا. فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَفِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حُكِيَ عَنْ جَارِيَةٍ مِنْ عَتِيقَاتِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَمُرٍ الْمَهْمَنْدَارِ أَنَّهَا حَمَلَتْ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ شَرَعَتْ تَطْرَحُ مَا فِي بَطْنِهَا، فَوَضَعَتْ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ وَمُتَفَرِّقَةٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ بِنْتًا، وَصَبِيًّا بَعْدَهُنَّ، كُلُّهُنَّ يَعْرِفُ بِشَكْلِ الذَّكَرِ مِنَ الْأُنْثَى.

وَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ شَيْخُونَ مُدَبِّرَ الْمَمَالِكِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ، ظَفِرَ عَلَيْهِ مَمْلُوكٌ مِنْ مَمَالِيكِ السُّلْطَانِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرَبَاتٍ فَجَرَحَهُ فِي أَمَاكِنَ فِي جَسَدِهِ; مِنْهَا مَا هُوَ فِي وَجْهِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي يَدِهِ، فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَرِيعًا طَرِيحًا جَرِيحًا، وَغَضِبَتْ لِذَلِكَ طَوَائِفُ مِنَ الْأُمَرَاءِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُمْ رَكِبُوا،

وَدَعَوْا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَلَمْ يَجِئْ إِلَيْهِمْ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ بِذَلِكَ جِدًّا، وَاتَّهَمُوا بِهِ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ صَرْغَتْمُشَ، وَغَيْرَهُ، وَأَنَّ هَذَا إِنَّمَا فُعِلَ عَنْ مُمَالَأَةٍ مِنْهُمْ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفَاةُ أَرْغُونَ الْكَامِلِيُّ بَانِي الْبِيمَارَسْتَانَ بِحَلَبَ

كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ أَنْشَأَهَا غَرْبِيَّ الْمَسْجِدِ بِشَمَالِهِ، وَقَدْ نَابَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً بَعْدَ حَلَبَ، ثُمَّ جَرَتِ الْكَائِنَةُ الَّتِي أَصْلُهَا بَيْبُغَا - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فِي أَيَّامِهِ. ثُمَّ صَارَ إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ، ثُمَّ سُجِنَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُدَّةً، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ فَأَقَامَ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ إِلَى أَنْ كَانَتْ وَفَاتُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ، حَرَّرَهُ الشَّرِيفُ ابْنُ زِيرِكٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفَاةُ الْأَمِيرِ شَيْخُونَ

وَرَدَ الْخَبَرُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِوَفَاةِ الْأَمِيرِ شَيْخُونَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ

السَّادِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِتُرْبَتِهِ، وَقَدِ ابْتَنَى مَدْرَسَةً هَائِلَةً، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ، وَدَارًا لِلْحَدِيثِ، وَخَانَقَاهُ لِلصُّوفِيَّةِ، وَأَوْقَفَ عَلَيْهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَرَّرَ فِيهَا مَعَالِيمَ وَافِرَةً دَارَّةً، وَتَرَكَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَحَوَاصِلَ كَثِيرَةً، وَدَوَاوِينَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ، وَخَلَّفَ بَنَاتٍ، وَزَوْجَةً، وَوِرْثَ الْبَقِيَّةَ أَوْلَادُ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ - بِالْوَلَاءِ. وَمُسِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أُمَرَاءُ كَثِيرُونَ بِمِصْرَ كَانُوا مِنْ حِزْبِهِ، مِنْ أَشْهَرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ طُقْطَايْ الدَّوَادَارُ، وَابْنُ قَوْصُونَ، وَأُمُّهُ أُخْتُ السُّلْطَانِ، خَلَفَ عَلَيْهَا شَيْخُونَ بَعْدَ قَوْصُونَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل