ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ

فِيهَا غَزَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ أَرْضَ الرُّومِ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ فِي الْبَحْرِ. وَقِيلَ: بَلْ غَزَا الْبَحْرَ وَبِلَادَ الرُّومِ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا شَتَّى بِأَرْضِ الرُّومِ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجُهَنِيُّ.

قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَفِيهَا وَلَّى مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ، وَأُمُّ الْحَكَمِ هِيَ أُخْتُ مُعَاوِيَةَ، وَعَزَلَ عَنْهَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، فَوَلَّى ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ عَلَى شُرْطَتِهِ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ، وَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ فِي أَيَّامِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَكَانَ رَئِيسَهُمْ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ حَيَّانُ بْنُ ظِبْيَانَ السُّلَمِيُّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَقَتَلُوا الْخَوَارِجَ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ طَرِيدًا، فَرَجَعَ إِلَى خَالِهِ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَأُوَلِّيَنَّكَ مِصْرًا هُوَ خَيْرٌ لَكَ. فَوَلَّاهُ مِصْرَ، فَلَمَّا

سَارَ إِلَيْهَا تَلَقَّاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى خَالِكَ مُعَاوِيَةَ، فَلَعَمْرِي لَا تَسِيرُ فِينَا سِيرَتَكَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَرَجَعَ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَلَحِقَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ وَافِدًا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَ عِنْدَهُ أُخْتَهُ أُمَّ الْحَكَمِ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي طَرَدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ مِصْرَ، فَلَمَّا رَآهُ مُعَاوِيَةُ قَالَ: بَخٍ بَخٍ، هَذَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ. فَقَالَتْ أُمُّ الْحَكَمِ: لَا مَرْحَبًا بِهِ، تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ. فَقَالَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى رِسْلِكِ يَا أُمَّ الْحَكَمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَزَوَّجْتِ فَمَا أَكْرَمْتِ، وَوَلَدْتِ فَمَا أَنْجَبْتِ، أَرَدْتِ أَنْ يَلِيَ ابْنُكِ الْفَاسِقُ عَلَيْنَا، فَيَسِيرَ فِينَا كَمَا سَارَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُرِيَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَضَرَبْنَاهُ ضَرْبًا يُطَأْطِئُ مِنْهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْجَالِسُ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: كُفِّي.

قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ

ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْمُنْتَظَمِ» بِسَنَدِهِ، وَمُلَخَّصُهَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عَلَى السِّمَاطِ إِذَا شَابٌّ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ قَدْ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَنْشَدَهُ شِعْرًا مَضْمُونُهُ التَّشَوُّقُ إِلَى زَوْجَتِهِ سُعَادَ، فَاسْتَدْنَاهُ مُعَاوِيَةُ، وَاسْتَحْكَاهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ مُزَوَّجًا بِابْنَةِ عَمٍّ لِي، وَكَانَ لِي إِبِلٌ وَغَنَمٌ، فَأَنْفَقَتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا قَلَّ مَا بِيَدِي رَغِبَ عَنِّي أَبُوهَا وَشَكَانِي إِلَى عَامِلِكَ

بِالْكُوفَةِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَبَلَغَهُ جَمَالُهَا فَحَبَسَنِي فِي الْحَدِيدِ، وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَعْطَاهُ عَامِلُكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْتَ غِيَاثُ الْمَحْرُوبِ، وَسَنَدُ الْمَسْلُوبِ، فَهَلْ مَنْ فَرَجٍ؟ ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

فِي الْقَلْبِ مِنِّي نَارُ … وَالنَّارُ فِيهَا شَرَارُ

وَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلُ … وَاللَّوْنُ فِيهِ اصْفِرَارُ

وَالْعَيْنُ تَبْكِي بِشَجْوٍ … فَدَمْعُهَا مِدْرَارُ

وَالْحُبُّ دَاءٌ عَسِيرٌ … فِيهِ الطَّبِيبُ يَحَارُ

حَمَلْتُ فِيهِ عَظِيمًا … فَمَا عَلَيْهِ اصْطِبَارُ

فَلَيْسَ لَيْلِي بِلَيْلٍ … وَلَا نَهَارِي نَهَارُ

قَالَ: فَرَقَّ لَهُ مُعَاوِيَةُ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ يُؤَنِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَعِيبُهُ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُ بِطَلَاقِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، فَلَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهَا سَنَةً، ثُمَّ عَرَضَنِي عَلَى السَّيْفِ. وَجَعَلَ يُؤَامِرُ نَفْسَهُ عَلَى طَلَاقِهَا، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تُجِيبُهُ نَفْسُهُ، وَجَعَلَ الْبَرِيدُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ يَسْتَحِثُّهُ، فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا عَنْهُ وَسَيَّرَهَا مَعَ الْوَفْدِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَأَى مَنْظَرًا جَمِيلًا، فَلَمَّا اسْتَنْطَقَهَا، فَإِذَا هِيَ أَفْصَحُ النَّاسِ وَأَحْلَاهُمْ كَلَامًا، وَأَكْمَلُهُمْ جَمَالًا وَدَلَالًا، فَقَالَ لِابْنِ عَمِّهَا: يَا أَعْرَابِيُّ، هَلْ مِنْ سُلُوٍّ عَنْهَا بِأَفْضَلِ الرَّغْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمَ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ رَأْسِي وَجَسَدِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

لَا تَجْعَلَنِّي وَالْأَمْثَالُ تُضْرَبُ بِي … كَالْمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ

ارْدُدْ سُعَادَ عَلَى حَيْرَانَ مُكْتَئِبٍ … يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَتِذْكَارِ

قَدْ شَفَّهُ قَلَقٌ مَا مِثْلُهُ قَلَقٌ … وَأَسْعَرَ الْقَلْبُ مِنْهُ أَيُ إِسْعَارِ

وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَى مَحَبَّتَهَا … حَتَّى أُغَيَّبَ فِي رَمْسٍ وَأَحْجَارِ

كَيْفَ السُّلُوُّ وَقَدْ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا … وَأَصْبَحَ الْقَلْبُ عَنْهَا غَيْرَ صَبَّارِ

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: فَإِنَّا نُخَيِّرُهَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ. فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:

هَذَا وَإِنْ أَصْبَحَ فِي أَطْمَارِ … وَكَانَ فِي نَقْصٍ مِنَ الْيَسَارِ

أَكْثَرُ عِنْدِي مِنْ أَبِي وَجَارِي … وَصَاحِبِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ

أَخْشَى إِذَا غَدَرْتُ حَرَّ النَّارِ

قَالَ: فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَمَرْكَبٍ وَوَطَاءٍ. وَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا زَوَّجَهُ بِهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ. حَذَفْنَا مِنْهَا أَشْعَارًا كَثِيرَةً مُطَوَّلَةً.

وَجَرَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُصُولٌ طَوِيلَةٌ بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَالْخَوَارِجِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَجَمْعًا غَفِيرًا، وَحَبْسَ مِنْهُمْ آخَرِينَ، وَكَانَ صَارِمًا كَأَبِيهِ، مِقْدَامًا فِي أَمْرِهِمْ.

ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ

تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، قُتِلَ أَبُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَنَشَأَ سَعِيدٌ فِي حِجْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ عُمْرُ سَعِيدٍ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِسْعَ سِنِينَ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَجْوَادِ الْمَشْهُورِينَ، وَكَانَ جَدُّهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ - وَيُكَنَّى بِأَبِي أُحَيْحَةَ - رَئِيسًا فِي قُرَيْشٍ، يُقَالُ لَهُ: ذُو التَّاجِ. لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَمَّ لَا يَعْتَمُّ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ; إِعْظَامًا لَهُ، وَكَانَ سَعِيدٌ هَذَا مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ عَلَى السَّوَادِ وَجَعَلَهُ عُثْمَانُ فِيمَنْ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ; لِفَصَاحَتِهِ، قَالُوا: وَكَانَ أَشْبَهُ النَّاسِ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ، مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. وَاسْتَنَابَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ بَعْدَ عَزْلِهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَافْتَتَحَ طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ، وَنَقَضَ الْعَهْدَ أَهْلُ أَذْرَبِيجَانَ فَغَزَاهُمْ فَفَتَحَهَا، فَلَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ، فَلَمْ يَشْهَدِ الْجَمَلَ وَلَا صِفِّينَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ وَفَدَ إِلَيْهِ، فَعَتَبَ عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَعَذَرَهُ، فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ

جِدًّا، وَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ مَرَّتَيْنِ، وَعَزَلَهُ عَنْهَا مَرَّتَيْنِ بِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَكَانَ سَعِيدٌ هَذَا لَا يَسُبُّ عَلِيًّا، وَمَرْوَانُ يَسُبُّهُ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَعَنْهُ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ فِي «الْمُسْنَدِ» وَلَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ شَيْءٌ. وَقَدْ كَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَيِّدَ السَّرِيرَةِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَجْمَعُ أَصْحَابَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَيُطْعِمُهُمْ وَيَكْسُوهُمُ الْحُلَلَ، وَيُرْسِلُ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَالْبِرِّ الْكَثِيرِ، وَكَانَ يُصِرُّ الصُّرَرَ فَيَضَعُهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّينَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ فِي الْمَسْجِدِ.

قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ تُعْرَفُ بَعْدَهُ بِدَارِ نَعِيمٍ، وَحَمَّامِ نَعِيمٍ، بِنَوَاحِي الدِّيمَاسِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا.

ثُمَّ أَوْرَدَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجُعْفِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ».

وَمِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبَانٍ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبُرْدٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَوَيْتُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا الثَّوْبَ أَكْرَمَ الْعَرَبِ. فَقَالَ: «أَعْطِيهِ هَذَا الْغُلَامَ»، يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الثِّيَابَ السَّعِيدِيَّةَ.

وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ قَوْلَهُ فِيهِ:

تَرَى الْغُرَّ الْجَحَاجِحَ مِنْ قُرَيْشٍ … إِذَا مَا الْخَطْبُ فِي الْحَدَثَانِ عَالَا

قِيَامًا يَنْظُرُونَ إِلَى سَعِيدٍ … كَأَنَّهُمُ يَرَوْنَ بِهِ هِلَالَا

وَذَكَرَ أَنَّ عُثْمَانَ عَزَلَ عَنِ الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةَ، وَوَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، فَأَقَامَ بِهَا حِينًا، وَلَمْ تُحْمَدْ سِيرَتُهُ فِيهِمْ وَلَمْ يُحِبُّوهُ، ثُمَّ رَكِبَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ - وَهُوَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ - فِي جَمَاعَةٍ إِلَى عُثْمَانَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهُمْ سَعِيدًا، فَلَمْ يَعْزِلْهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ فَبَعْثَهُ إِلَيْهِمْ، وَسَبَقَ الْأَشْتَرُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِمْ، وَرَكِبَ الْأَشْتَرُ فِي جَيْشٍ يَمْنَعُونَهُ مِنَ

الدُّخُولِ، قِيلَ: تَلَقَّوْهُ إِلَى الْعُذَيْبِ - وَقَدْ نَزَلَ سَعِيدٌ بِالْعُذَيْبِ - فَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى رَدُّوهُ إِلَى عُثْمَانَ، وَوَلَّى الْأَشْتَرُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالثَّغْرِ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ عَلَى الْفَيْءِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَبَعَثُوا إِلَى عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ فَأَمْضَاهُ، وَسَرَّهُ ذَلِكَ فِيمَا أَظْهَرَهُ، وَلَكِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ وَهَنٍ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ.

وَأَقَامَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَانَ زَمَنُ حَصْرِ عُثْمَانَ، فَكَانَ عِنْدَهُ بِالدَّارِ، ثُمَّ لَمَّا رَكِبَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مَعَ عَائِشَةَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُونَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ رَكِبَ مَعَهُمْ، ثُمَّ انْفَرَدَ عَنْهُمْ هُوَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُمَا، فَأَقَامَ بِالطَّائِفِ حَتَّى انْقَضَتْ تِلْكَ الْحُرُوبُ كُلُّهَا، ثُمَّ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَعَزَلَ مَرْوَانَ، فَأَقَامَ سَبْعًا، ثُمَّ رَدَّ مَرْوَانَ.

وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي زِيَادٌ فِي شُغُلٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ أُمُورِي قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، أَمَّا كَرِيمَةُ قُرَيْشٍ فَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَأَمَّا فَتَى قُرَيْشٍ حَيَاءً وَدَهَاءً وَسَخَاءً فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَرَجُلٌ سَيِّدٌ كَرِيمٌ، وَأَمَّا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الشَّدِيدُ فِي حُدُودِ اللَّهِ فَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَأَمَّا رَجُلُ نَفْسِهِ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَمَّا رَجُلٌ

يَرُدُّ الشَّرِيعَةَ مَعَ دَوَاهِي السِّبَاعِ وَيَرُوغُ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

وَرُوِّينَا أَنَّهُ اسْتَسْقَى يَوْمًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَأَخْرَجَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ دَارِهِ مَاءً فَشَرِبَ، ثُمَّ بَعْدَ حِينٍ رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ يَعْرِضُ دَارَهُ لِلْبَيْعِ، فَسَأَلَ عَنْهُ: لِمَ يَبِيعُ دَارَهُ؟ فَقَالُوا: عَلَيْهِ دَيْنٌ; أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَبَعَثَ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَالَ: هِيَ لَكَ عَلَيَّ. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ فَقَالَ: اسْتَمْتِعْ بِدَارِكَ.

وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ يُجَالِسُونَهُ قَدِ افْتَقَرَ وَأَصَابَتْهُ فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا هَذَا يُوصَفُ بِكَرَمٍ، فَلَوْ ذَكَرْتَ لَهُ حَالَكَ فَلَعَلَّهُ يَسْمَحُ لَكَ بِشَيْءٍ. فَقَالَ: وَيْحَكِ، لَا تُخْلِقِي وَجْهِي، فَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ مَكَثَ الرَّجُلُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: أَظُنُّ جُلُوسَكَ لِحَاجَةٍ. فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَقَالَ سَعِيدٌ لِغِلْمَانِهِ: انْصَرِفُوا. ثُمَّ قَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَمْ يَبْقَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ. فَسَكَتَ، فَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، لَسْتَ تَرَى وَجْهِي، فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَصَابَتْنَا فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ فَأَحْبَبْتُ ذِكْرَهَا لَكَ فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَالْقَ فُلَانًا وَكِيلِي. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّجُلُ لَقِيَ الْوَكِيلَ، فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِشَيْءٍ فَأْتِ بِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَكَ. فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَنْ يَحْمِلُهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلَامَهَا، وَقَالَ: حَمَلْتِينِي عَلَى بَذْلِ وَجْهِيَ لِلْأَمِيرِ، فَقَدْ أَمَرَ لِي بِشَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَمَا أَرَاهُ أَمَرَ لِي إِلَّا بِدَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ، وَلَوْ كَانَ مَالًا لَمَا احْتَاجَ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَلَأَعْطَانِيهِ. فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: فَمَهْمَا أَعْطَاكَ فَإِنَّهُ يَقُوتُنَا

فَخُذْهُ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْوَكِيلِ، فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ: إِنِّي أَخْبَرْتُ الْأَمِيرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ أَحَدٌ يَحْمِلُهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ السُّودَانِ يَحْمِلُونَهُ مَعَكَ. فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لِلْغِلْمَانِ: ضَعُوا مَا مَعَكُمْ وَانْصَرِفُوا. فَقَالُوا: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَطْلَقْنَا لَكَ، فَإِنَّهُ مَا بَعَثَ مَعَ خَادِمٍ هَدِيَّةً إِلَى أَحَدٍ إِلَّا كَانَ الْخَادِمُ الَّذِي يَحْمِلُهَا مِنْ جُمْلَتِهَا. قَالَ: فَحَسُنَ حَالُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.

وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَعَثَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِهَدَايَا وَأَمْوَالٍ وَكِتَابٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ يَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ أُمَّ عُثْمَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْهَدَايَا وَالْأَمْوَالُ وَالْكِتَابُ قَرَأَهُ، ثُمَّ فَرَّقَ الْهَدَايَا فِي جُلَسَائِهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا لَطِيفًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [الْعَلَقِ: ٦، ٧]. وَالسَّلَامُ.

وَرُوِّينَا أَنَّ سَعِيدًا خَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ مِنْ فَاطِمَةَ، الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَابَتْ إِلَى ذَلِكَ وَشَاوَرَتْ أَخَوَيْهَا فَكَرِهَا ذَلِكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ وَأَجَابَ الْحَسَنُ - فَهَيَّأَتْ دَارَهَا وَنَصَبَتْ سَرِيرًا وَتَوَاعَدُوا لِلْكِتَابِ، وَأَمَرَتِ ابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِائَتَيْ أَلْفٍ - مَهْرًا. وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ لِيَذْهَبُوا مَعَهُ،

فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُحْرِجَ ابْنَيْ فَاطِمَةَ. فَتَرَكَ التَّزْوِيجَ، وَأَطْلَقَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْمَالِ لَهَا.

وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَعَبْدُ الْأَعَلَى بْنُ حَمَّادٍ: سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ الْخَادِمُ: خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرْتُكَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِذْ قَدْ جَاشَ فِي نَفْسِكَ أَنَّهَا دَنَانِيرُ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَلَمَّا قَبَضَهَا الْأَعْرَابِيُّ جَلَسَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَالِكٌ؟ أَلَمْ تَقْبِضْ نَوَالَكَ؟ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى الْأَرْضِ كَيْفَ تَأْكُلُ مِثْلَكَ.

وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ: جَاءَ رَجُلٌ فِي حَمَالَةِ أَرْبَعِ دِيَاتٍ سَأَلَ فِيهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَانْطَلَقَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا سَعِيدٌ دَاخِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ. فَقَصَدَهُ فَذَكَرَ لَهُ مَا أَقْدَمَهُ، فَتَرَكَهُ حَتَّى انْصَرَفَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: ائْتِ بِمَنْ يَحْمِلُ مَعَكَ؟ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مَالًا لَا تَمْرًا. فَقَالَ: أَعْرِفُ، ائْتِ بِمَنْ يَحْمِلُ مَعَكَ؟ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَسْأَلْ غَيْرَهُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، أَخْزَى اللَّهُ الْمَعْرُوفُ إِذَا لَمْ يَكُنِ

ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَأَمَّا إِذَا أَتَاكَ الرَّجُلُ تَكَادُ تَرَى دَمَهُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ جَاءَكَ مُخَاطِرًا لَا يَدْرِي أَتُعْطِيهِ أَمْ تَمْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ خَرَجْتَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِكِ مَا كَافَأْتَهُ.

وَقَالَ سَعِيدٌ: لِجَلِيسِي عَلَيَّ ثَلَاثٌ; إِذَا دَنَا رَحَّبْتُ بِهِ، وَإِذَا جَلَسَ أَوْسَعْتُ لَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ، لَا تُمَازِحِ الشَّرِيفَ فَيَحْقِدَ عَلَيْكَ، وَلَا الدَّنِيءَ فَتَهُونَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَجْتَرِئَ عَلَيْكَ.

وَخَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَلْيَكُنْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، إِنَّمَا يَتْرُكُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ; إِمَّا مُصْلِحٌ فَيَسْعَدُ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَتَخِيبُ أَنْتَ، وَالْمُصْلِحُ لَا يَقِلُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِمَّا مُفْسِدٌ فَلَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: جَمَعَ أَبُو عُثْمَانَ طُرَفَ الْكَلَامِ.

وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ: مَوْطِنَانِ لَا أَسْتَحْيِي مِنْ رِفْقِي فِيهِمَا وَالتَّأَنِّي عِنْدَهُمَا، مُخَاطَبَتِي جَاهِلًا أَوْ سَفِيهًا، وَعِنْدَ مَسْأَلَتِي حَاجَةً لِنَفْسِي.

وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَابِدَاتِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، فَأَكْرَمهَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا جَعَلَ اللَّهُ لَكَ إِلَى لَئِيمٍ حَاجَةً، وَلَا زَالَتِ الْمِنَّةُ لَكَ فِي أَعْنَاقِ الْكِرَامِ، وَإِذَا أَزَالَ عَنْ كَرِيمٍ نِعْمَةً جَعَلَكَ سَبَبًا لِرَدِّهَا عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ

الْوَلَدِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَكَانَتْ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أُخْتَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. وَلَمَّا حَضَرَتْ سَعِيدًا الْوَفَاةُ جَمَعَ بَنِيهِ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَفْقِدْنَ أَصْحَابِي غَيْرَ وَجْهِي، وَصِلُوهُمْ بِمَا كُنْتُ أَصِلُهُمْ بِهِ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ مَا كُنْتُ أُجْرِي عَلَيْهِمْ، وَاكْفُوهُمْ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ; فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَبَ الْحَاجَةَ اضْطَرَبَتْ أَرْكَانُهُ، وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ; مَخَافَةَ أَنْ يُرَدَّ، فَوَاللَّهِ لَرَجُلٌ يَتَمَلْمَلُ عَلَى فِرَاشِهِ يَرَاكُمْ مَوْضِعًا لِحَاجَتِهِ، أَعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكُمْ مِمَّا تُعْطُونَهُ. ثُمَّ أَوْصَاهُمْ بِوَصَايَا كَثِيرَةٍ، مِنْهَا أَنْ يُوَفُّوا مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْوُعُودِ، وَأَنْ لَا يُزَوِّجُوا أَخَوَاتِهِمْ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ، وَأَنْ يُسَوِّدُوا أَكْبَرَهُمْ. فَتَكَفَّلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ، فَلَمَّا مَاتَ دَفَنَهُ بِالْبَقِيعِ، ثُمَّ رَكِبَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَعَزَّاهُ فِيهِ، وَاسْتَرْجَعَ مُعَاوِيَةُ وَحَزِنَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَلْ تَرَكَ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَكَمْ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثَلَاثُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيَ عَلَيَّ. فَقَالَ ابْنُهُ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَقْضِيَ دَيْنَهُ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ أَرَاضِيهِ. فَاشْتَرَى مِنْهُ مُعَاوِيَةُ أَرَاضِيَ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ، وَسَأَلَ مِنْهُ عَمْرٌو أَنْ يَحْمِلَهَا لَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَحَمَلَهَا لَهُ، ثُمَّ شَرَعَ عَمْرٌو يَقْضِي مَا عَلَى أَبِيهِ مِنَ الدَّيْنِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ طَالَبَهُ شَابٌّ مَعَهُ رُقْعَةٌ مِنْ أَدِيمٍ فِيهَا عِشْرُونَ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: كَيْفَ اسْتَحْقَقْتَ هَذِهِ عَلَى أَبِي؟ فَقَالَ الشَّابُّ: إِنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَمْشِي وَحْدَهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا وَصَلَ قَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقُلْتُ: لَا إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ الْأَمِيرَ يَمْشِي وَحْدَهُ فَاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: أَبْغِنِي رُقْعَةً مِنْ أَدِيمٍ. فَذَهَبْتُ إِلَى الْخَرَّازِينَ

فَأَتَيْتُهُ بِهَذِهِ، فَكَتَبَ لِي فِيهَا هَذَا الْمَبْلَغَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الْيَوْمَ شَيْءٌ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَمْرٌو ذَلِكَ الْمَالَ، وَزَادَهُ شَيْئًا كَثِيرًا. وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: مَنْ تَرَكَ مِثْلَكَ لَمْ يَمُتْ. ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُثْمَانَ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ مَاتَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنِّي، ثُمَّ أَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

إِذَا سَارَ مَنْ دُونَ امْرِئٍ وَأَمَامَهُ … وَأَوْحَشَ مِنْ إِخْوَانِهِ فَهُوَ سَائِرُ

وَكَانَتْ وَفَاةُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بِجُمُعَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ، أَبُو يَعْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ

صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.

وَحَكَى ابْنُ مَنْدَهْ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَهُوَ وَهْمٌ. وَكَانَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ يُعَلِّقُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَيَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ وَيَتَلَوَّى كَمَا تَتَلَوَّى الْحَيَّةُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ خَوْفَ النَّارِ قَدْ أَقْلَقَنِي. ثُمَّ يَقُومُ إِلَى صَلَاتِهِ.

قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: كَانَ شَدَّادٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ.

نَزَلَ شَدَّادٌ فِلَسْطِينَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ، ابْنُ خَالِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ

وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَلَ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَبْتَلِعُ رِيقَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمِسْقَاءٌ». فَكَانَ لَا يُعَالِجُ أَرْضًا إِلَّا ظَهَرَ لَهُ الْمَاءُ، وَكَانَ كَرِيمًا مُمَدَّحًا مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ، اسْتَنَابَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ أَبِي مُوسَى، وَوَلَّاهُ بِلَادَ فَارِسَ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَفَتَحَ خُرَاسَانَ كُلَّهَا وَأَطْرَافَ فَارِسَ وَسِجِسْتَانَ وَكَرْمَانَ وَبِلَادَ غَزْنَةَ، وَقُتِلَ كِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ فِي أَيَّامِهِ - وَهُوَ يَزْدَجِرْدُ - ثُمَّ أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بِحَجَّةٍ - وَقِيلَ: بِعُمْرَةٍ - مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، شُكْرًا لِلَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَفَرَّقَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الْخَزَّ بِالْبَصْرَةِ. وَاللَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ.

وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْحِيَاضَ بِعَرَفَةَ وَأَجْرَى إِلَيْهَا الْمَاءَ الْمَعِينَ وَالْعَيْنَ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ، فَأَخَذَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَتَلَقَّى بِهَا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَحَضَرَ مَعَهُمُ الْجَمَلَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ فِي صِفِّينَ، وَلَكِنْ

وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ بَعْدَ صُلْحِهِ مَعَ الْحَسَنِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِهِ بِعَرَفَاتٍ، وَأَوْصَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ شَيْءٌ.

رَوَى مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».

وَقَدْ زَوَّجَهُ مُعَاوِيَةُ بِابْنَتِهِ هِنْدَ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فَكَانَتْ تَلِي خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهَا مِنْ مَحَبَّتِهَا لَهُ، فَنَظَرَ يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ، فَرَأَى صَبَاحَةَ وَجْهِهَا وَشَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ فَطَلَّقَهَا، وَبَعَثَ إِلَى أَبِيهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِشَابٍّ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ.

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ. وَأُمُّهُ أُمُّ رُومَانَ أُمُّ عَائِشَةَ فَهُوَ شَقِيقُهَا، بَارَزَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَرَادَ قَتْلَ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَبُوهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمْتِعْنَا بْنفْسِكَ». ثُمَّ أَسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْهُدْنَةِ، وَهَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَرَزَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَيْبَرَ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ مَاتَ، وَعَائِشَةُ مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ، فَأَمَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ، فَأَخَذَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ السِّوَاكَ، فَقَضَمَتْهُ وَطَيَّبَتْهُ، ثُمَّ دَفَعَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَنَّ بِهِ أَحْسَنَ اسْتِنَانٍ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعَلَى». ثُمَّ قَضَى.

قَالَتْ: فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ، وَمَاتَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فِي بَيْتِي وَيَوْمِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا.

وَقَدْ شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَتْحَ الْيَمَامَةِ وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ سَبْعَةً، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَكَّمَ بْنَ الطُّفَيْلِ صَدِيقَ مُسَيْلِمَةَ عَلَى بَاطِلِهِ، كَانَ مُحَكَّمٌ وَاقِفًا فِي ثُلْمَةِ حَائِطٍ، فَرَمَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَقَطَ مُحَكَّمٌ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ تِلْكَ الثُّلْمَةِ فَخَلَصُوا إِلَى مُسَيْلِمَةَ فَقَتَلُوهُ. وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ الشَّامَ، وَكَانَ مُعَظَّمًا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَنُفِلَ لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِيِّ مَلِكِ عَرَبِ الشَّامِ، نَفَلَهُ إِيَّاهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مُفَصَّلًا.

وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - وَلَمْ يُجَرَّبْ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ قَطُّ - ذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَةً; أَنَّهُ لَمَّا جَاءَتْ بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِمَرْوَانَ: جَعَلْتُمُوهَا وَاللَّهِ هِرَقْلِيَّةً وَكِسْرَوِيَّةً. يَعْنِي جَعَلْتُمْ مُلْكَ الْمَلِكِ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ وَلَدِهِ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: اسْكُتْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ [الْأَحْقَافِ: ١٧]. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّهُ أَنْزَلَ عُذْرِي. وَيُرْوَى أَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَى مَرْوَانَ تَعْتِبُهُ وَتُؤَنِّبُهُ وَتُخْبِرُهُ بِخَبَرٍ فِيهِ ذَمٌّ لَهُ وَلِأَبِيهِ لَا يَصِحُّ عَنْهَا.

قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَ أَنْ أَبَى الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَرَدَّهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا، وَقَالَ: أَبِيعُ دِينِي بِدُنْيَايَ؟! وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا.

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، ثَنَا مَالِكٌ قَالَ: تُوُفِّيَ

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمَةٍ نَامَهَا. وَرَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَذَكَرَهُ وَزَادَ: فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رِقَابًا. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، فَذَكَرَهُ.

وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُبْشِيُّ - عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا - فَحَمَلَهُ الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى دُفِنَ بِأَعَلَى مَكَّةَ فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ مَكَّةَ زَارَتْهُ، وَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتُكَ لَمْ أَبْكِ عَلَيْكَ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَكَ لَمْ أَنْقُلْكَ مِنْ مَوْضِعِكَ الَّذِي مِتَّ فِيهِ. ثُمَّ تَمَثَّلَتْ بِشِعْرِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي أَخِيهِ مَالِكٍ:

وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا

فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى فُسْطَاطًا مَضْرُوبًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - ضَرَبَتْهُ عَائِشَةُ بَعْدَ مَا ارْتَحَلَتْ - فَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ بِنَزْعِهِ وَقَالَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ، وَيُقَالُ: إِنَّ

عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَكَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ مَعَ لَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ مَلِكِ عَرَبِ الشَّامِ

قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ - يَعْنِي فِي زَمَانِ جَاهِلِيَّتِهِ - فَرَأَى هُنَالِكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: لَيْلَى ابْنةُ الْجُودِيِّ. عَلَى طُنْفُسَةٍ، حَوْلَهَا وَلَائِدُهَا، فَأَعْجَبَتْهُ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: رَآهَا بِأَرْضِ بُصْرَى، فَقَالَ فِيهَا:

تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَهَا … فَمَا لِابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَا لِيَا

وَأَنَّى تَعَاطَى قَلْبُهُ حَارِثِيَّةً … تُدَمِّنُ بُصْرَى أَوْ تَحُلُّ الْجَوَابِيَا

وَأَنَّى تُلَاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا

إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلًا أَنْ تُوَافِيَا

قَالَ: فَلَمَّا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشَهُ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِلْأَمِيرِ عَلَى الْجَيْشِ: إِنْ ظَفِرْتَ بِلَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ عَنْوَةً فَادْفَعْهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَظَفِرَ بِهَا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَأُعْجِبَ بِهَا وَآثَرَهَا عَلَى نِسَائِهِ، حَتَّى جَعَلْنَ يَشْكُونَهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَعَاتَبَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ كَأَنِّي أَرْشُفُ بِأَنْيَابِهَا حَبَّ الرُّمَّانِ. فَأَصَابَهَا وَجَعٌ سَقَطَ لَهُ فُوهَا، فَجَفَاهَا حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ أَحْبَبْتَ لَيْلَى فَأَفْرَطْتَ، وَأَبْغَضَتْهَا فَأَفْرَطَتْ، فَإِمَّا أَنْ تُنْصِفَهَا، وَإِمَّا أَنْ تُجَهِّزَهَا إِلَى أَهْلِهَا. فَجَهَّزَهَا إِلَى أَهْلِهَا.

قَالَ الزُّبَيْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَفَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِيِّ حِينَ فَتَحَ دِمَشْقَ، وَكَانَتِ ابْنةَ مَلِكِ دِمَشْقَ. يَعْنِي ابْنَةَ مَلِكِ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ حَوْلَ دِمَشْقَ فِي زَمَنِ الرُّومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ

ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَةٍ. وَأُمُّهُمَا أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَرِيمًا جَمِيلًا وَسِيمًا، يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي الْجَمَالِ.

رُوِّينَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصِفُ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا». فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْتَزِمُهُمْ.

وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ عَلَى الْيَمَنِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ اخْتَلَفَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيُّ الَّذِي قَدِمَ عَلَى الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيِّ، فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَامَئِذٍ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتِ الشَّوْكَةُ لِمُعَاوِيَةَ تَسَلَّطَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، فَقَتَلَ لَهُ وَلَدَيْنِ، وَجَرَتْ أُمُورٌ بِالْيَمَنِ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا. وَكَانَ يَقْدُمُ هُوَ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ فَيُوسِعُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ عِلْمًا، وَيُوسِعُهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ كَرَمًا.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، مَعَ مَوْلًى لَهُ عَلَى خَيْمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَلَمَّا رَآهُ الْأَعْرَابِيُّ أَعْظَمَهُ وَأَجَلَّهُ، وَرَأَى حُسْنَهُ وَشَكْلَهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَيْحَكِ! مَاذَا عِنْدَكِ لِضَيْفِنَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: لَيْسَ عِنْدَنَا إِلَّا هَذِهِ الشُّوَيْهَةُ الَّتِي حَيَاةُ ابْنَتِكَ مِنْ لَبَنِهَا. فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهَا. فَقَالَتْ: أَتَقْتُلُ ابْنَتَكَ؟ فَقَالَ: وَإِنْ. فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ وَالشَّاةَ، وَجَعَلَ يَذْبَحُهَا وَيَسْلُخُهَا، وَهُوَ يَقُولُ مُرْتَجِزًا:

يَا جَارَتِي لَا تُوقِظِي الْبُنَيَّهْ

إِنْ تُوقِظِيهَا تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ … وَتَنْزِعِ الشَّفْرَةَ مِنْ يَدَيَّهْ

ثُمَّ هَيَّأَهَا طَعَامًا، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَوْلَاهُ فَعَشَّاهُمَا، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ سَمِعَ مُحَاوَرَتَهُ لِامْرَأَتِهِ فِي الشَّاةِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِارْتِحَالَ قَالَ لِمَوْلَاهُ: وَيْلَكَ! مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْمَالِ؟ فَقَالَ: مَعِي خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَضَلَتْ مِنْ نَفَقَتِكَ. فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَى الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تُعْطِيهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا ذَبْحَ لَكَ شَاةً وَاحِدَةً تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ؟! فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ لَهْوَ أَسْخَى مِنَّا وَأَجْوَدُ; لِأَنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُ بَعْضَ مَا نَمْلِكُ، وَجَادَ هُوَ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا يَمْلُكُ، وَآثَرَنَا عَلَى مُهْجَةِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عُبَيْدِ اللَّهِ! مِنْ أَيِّ بَيْضَةٍ خَرَجَ؟! وَمَنْ أَيِّ شَيْءٍ دَرَجَ؟!

قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: بِالْيَمَنِ. وَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ.

قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ،

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ الْغُمَيْصَاءُ - أَوِ الرُّمَيْصَاءُ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو زَوْجَهَا; تَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا، فَزَعَمَ أَنَّهَا كَاذِبَةً، وَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لَكِ ذَلِكَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رَجُلٌ غَيْرُهُ». وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ هُشَيْمٍ بِهِ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَحَبُّ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، صلى الله عليه وسلم، وَأُمُّهَا هِيَ أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْكِنَانِيَّةُ، تُكَنَّى عَائِشَةُ بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، قِيلَ: كَنَّاهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم; بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُقْطًا، فَسَمَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ.

وَلَمْ يَتَزَوَّجْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَاجِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا، تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَقَدْ أَتَاهُ الْمَلَكُ بِهَا فِي الْمَنَامِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ. قَالَ: «فَأَكْشِفُ عَنْكِ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ». فَأَقُولُ: «إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ

اللَّهِ يُمْضِهِ». فَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَحِلُّ لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: أَوَلَسْتُ أَخَاكَ؟ قَالَ: «بَلَى، فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لِي حَلَالٌ» فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ. وَقِيلَ: بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَكَانَ عُمْرُهَا إِذْ ذَاكَ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ بَدْرٍ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ فَأَحَبَّهَا. وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ غَارَ اللَّهُ لَهَا، فَأَنْزَلَ لَهَا بَرَاءَتَهَا فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ تُتْلَى عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِيمَا سَلَفَ، وَشَرَحْنَا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَبَسَطْنَا ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ «التَّفْسِيرِ» بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ يَكْفُرُ مَنْ قَذَفَهُنَّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَكْفُرُ; لِأَنَّ الْمَقْذُوفَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا غَضِبَ لَهَا، لِأَنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهِيَ وَغَيْرُهَا مِنْهُنَّ سَوَاءٌ.

وَمِنْ خَصَائِصِهَا، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا كَانَ لَهَا فِي الْقَسْمِ يَوْمَانِ; يَوْمُهَا وَيَوْمُ سَوْدَةَ حِينَ وَهَبَتْهَا ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِهَا وَفِي بَيْتِهَا، وَبَيْنَ سَحْرِهَا وَنَحْرِهَا، وَجَمْعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِهِ وَرِيقِهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ سَاعَةٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ عَلَيَّ أَنِّي رَأَيْتُ بَيَاضَ كَفِّ عَائِشَةَ فِي الْجَنَّةِ» .. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَحَبَّةِ الْعَظِيمَةِ; أَنَّهُ يَرْتَاحُ لِأَنَّهُ رَأَى بَيَاضَ كَفِّهَا أَمَامَهُ فِي الْجَنَّةِ.

وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا أَعْلَمُ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بَلْ هِيَ أَعْلَمُ النِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ; قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيعِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعِلْمِ جَمِيعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ، وَأَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ. وَقَالَ عُرْوَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِفِقْهٍ وَلَا طِبٍّ وَلَا شِعْرٍ مِنْ عَائِشَةَ. وَلَمْ تَرْوِ امْرَأَةٌ وَلَا رَجُلٌ، غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَحَادِيثِ بِقَدْرِ رِوَايَتِهَا، صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ، إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَقَالَ أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ: رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَكَابِرَ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ.

فَأَمَّا مَا يَلْهَجُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَعُلَمَاءِ الْأُصُولِ مِنْ إِيرَادِ حَدِيثِ: «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ». فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَسَأَلَتُ عَنْهُ شَيْخَنَا أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ فَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ.

ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاءِ أَعْلَمُ مِنْ تِلْمِيذَاتِهَا; عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَقَدْ تَفَرَّدَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، صلى الله عليه وسلم، بِمَسَائِلَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا عِنْدَهَا، وَانْفَرَدَتْ بِاخْتِيَارَاتٍ أَيْضًا، وَرَدَّتْ أَخْبَارًا بِخِلَافِهَا بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ مَسْرُوقٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.

وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قُلْتُ: وَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا».

وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَيْضًا، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ سَائِرُ النِّسَاءِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرُهُنَّ.

وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا؟ هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَأَمَّا مَا يُرْوَى فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: «مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا». فَلَيْسَ يَصِحُّ سَنَدُهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُطَوَّلًا عِنْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَذَكَرْنَا حُجَّةَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِهَا عَلَى عَائِشَةَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ، صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

يَوْمًا: «يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ». فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى.

وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَاجْتَمَعَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَقُلْنَ لَهَا: قُولِي لَهُ يَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنِّي. ثُمَّ قُلْنَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، ثُمَّ لَمَّا دَارَ إِلَيْهَا قَالَتْ لَهُ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا». وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ بَعَثْنَ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدُونَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَ: «يَا بُنَيَّةُ، أَلَّا تُحِبِّينَ مَنْ أُحِبُّ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَأَحِبِّي هَذِهِ». ثُمَّ بَعَثْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَتَكَلَّمَتْ زَيْنَبُ، وَنَالَتْ مِنْ عَائِشَةَ، فَانْتَصَرَتْ عَائِشَةُ مِنْهَا، وَكَلَّمَتْهَا حَتَّى أَفْحَمَتْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ، وَيَقُولُ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ». وَذَكَرْنَا أَنَّ عَمَّارًا لَمَّا جَاءَ يَسْتَصْرِخُ النَّاسَ وَيَسْتَنْفِرُهُمْ إِلَى قِتَالِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَيَّامَ الْجَمَلِ، صَعِدَ هُوَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَسَمِعَ عَمَّارُ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ عَائِشَةَ فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لِزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الدُّنْيَا

وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَوْ إِيَّاهَا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا زَائِدَةُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُثَيْمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ، أَنَّهُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ، فَجِئْتُ وَعِنْدَ رَأْسِهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ. فَأَكَبَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ. وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: يَا أُمَّتَاهُ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ صَالِحِ بَنِيكِ يُسَلِّمُ عَلَيْكِ وَيُوَدِّعُكِ. فَقَالَتِ: ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ: أَبْشِرِي. فَقَالَتْ: بِمَاذَا؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَالْأَحِبَّةَ إِلَّا أَنَّ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الْجَسَدِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَسَقَطَتْ قِلَادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الرُّخْصَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ إِلَّا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِهَا وَمَنَاقِبِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي هَذَا الْعَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: قَبْلَهُ بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: بَعْدَهُ بِسَنَةٍ. وَالْمَشْهُورُ فِي رَمَضَانَ مِنْهُ، وَقِيلَ: فِي

شَوَّالٍ. وَالْأَشْهَرُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعُ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَيْلًا، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْوِتْرِ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا خَمْسَةٌ، وَهُمْ; عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ ابْنَا الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِنْ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا أَخِيهَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عُمْرُهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعُمْرُهَا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ عُمْرُهَا عَامَ الْهِجْرَةِ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله