ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَقَدْ تَوَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْخِلَافَةَ وَوَلَّى عَلَى الْأَمْصَارِ نُوَّابًا; فَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَعُمَارَةَ بْنَ شِهَابٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَقَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَلَى مِصْرَ، وَعَلَى الشَّامِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ بَدَلَ مُعَاوِيَةَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَتَلَقَّتْهُ خَيْلُ مُعَاوِيَةَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمِيرٌ. قَالُوا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى الشَّامِ. فَقَالُوا: إِنْ كَانَ عُثْمَانُ بَعَثَكَ فَحَيَّهَلًا بِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ بَعَثَكَ فَارْجِعْ. فَقَالَ: أَوَمَا سَمِعْتُمُ الَّذِي كَانَ؟ قَالُوا: بَلَى. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ. وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ مِصْرَ فَبَايَعَ لَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا نُبَايِعُ حَتَّى نَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ. وَأَمَّا عُمَارَةُ بْنُ شِهَابٍ الْمَبْعُوثُ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فَصَدَّهُ عَنْهَا طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ غَضَبًا لِعُثْمَانَ، فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عَلِيٍّ بِطَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمُبَايَعَتِهِمْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ.

وَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى مُعَاوِيَةَ كُتُبًا كَثِيرَةً فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ لَهَا جَوَابًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا إِلَى الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ فِي صَفَرٍ، ثُمَّ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ

طُومَارًا مَعَ رَجُلٍ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ لَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْقَوَدَ، كُلُّهُمْ مَوْتُورٌ، تَرَكْتُ سِتِّينَ أَلْفَ شَيْخٍ يَبْكُونَ تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ، وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ عَلِيٍّ، فَهَمَّ بِهِ أُولَئِكَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَمَا أَفْلَتَ إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ. وَعَزَمَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَكَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بِمِصْرَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ لِقِتَالِهِمْ، وَإِلَى أَبِي مُوسَى بِالْكُوفَةِ، وَبَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ بِذَلِكَ، وَخَطَبَ النَّاسَ فَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى التَّجَهُّزِ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَهُوَ عَازِمٌ أَنْ يُقَاتِلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ وَخَرَجَ عَنْ أَمْرِهِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ مَعَ النَّاسِ. وَجَاءَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَبَهْ دَعْ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ سَفْكَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَوُقُوعَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ، بَلْ صَمَّمَ عَلَى الْقِتَالِ، وَرَتَّبَ الْجَيْشَ فَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَجَعَلَ ابْنَ الْعَبَّاسِ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَقِيلَ: جَعَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ عَمْرَو

بْنَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبَا لَيْلَى بْنَ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ، ابْنَ أَخِي أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَاصِدًا الشَّامَ، حَتَّى جَاءَهُ مَنْ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مَا سَنَذْكُرُهُ.

ابْتِدَاءُ وَقْعَةِ الْجَمَلِ

لَمَّا وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ خَرَجْنَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، أَقَمْنَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا خَرَجُوا مِنْهَا، رَجَعُوا إِلَيْهَا فَأَقَامُوا بِهَا، وَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمَّا بُويِعَ لِعَلِيٍّ وَصَارَ أَحْظَى النَّاسِ عِنْدَهُ - بِحُكْمِ الْحَالِ وَغَلَبَةِ الرَّأْيِ لَا عَنِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لِذَلِكَ - رُءُوسَ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ عَلِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَكْرَهُهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَرَبَّصَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَيَوَدُّ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ لِيَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ هَكَذَا وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ وَحَجَبُوا عَنْهُ عِلْيَةَ

الصَّحَابَةِ، فَرَّ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، وَاسْتَأْذَنَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الِاعْتِمَارِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَتَبِعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ. وَكَانَ عَلِيٌّ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ نَدَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحَرَّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ خَرَجُوا خَرَجْتُ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَكِنْ لَا أَخْرُجُ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْعَامِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ ابْنُ عُمَرَ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدِمَ إِلَى مَكَّةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْعَامِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْيَمَنِ - وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا لِعُثْمَانَ - وَمَعَهُ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَدِمَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ نَائِبَهَا لِعُثْمَانَ.

فَاجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَامَتْ عَائِشَةُ، صلى الله عليه وسلم، فِي النَّاسِ تَخْطُبُهُمْ وَتَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وَذَكَرَتْ مَا افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَلَمْ يُرَاقِبُوا جِوَارَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ. فَاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وَطَاوَعُوهَا عَلَى مَا تَرَاهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهَا: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنَا مَعَكِ. فَقَالَ قَائِلٌ: نَذْهَبُ إِلَى الشَّامِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ كَفَاكُمْ أَمْرَهَا. وَلَوْ قَدِمُوهَا لَغَلَبُوا، وَاجْتَمَعَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُمْ; لِأَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مَعَهُمْ. وَقَالَ

آخَرُونَ: نَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَطْلُبُ مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَيُقْتَلُوا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَذْهَبُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَتَقَوَّى بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، وَنَبْدَأُ بِمَنْ هُنَاكَ مِنْ قَتَلَتِهِ. فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَ بَقِيَّةُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ رَجَعْنَ عَنْ ذَلِكَ، وَقُلْنَ: لَا نَسِيرُ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ. وَجَهَّزَ النَّاسَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، فَأَنْفَقَ فِيهِمْ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّمِائَةِ بَعِيرٍ، وَجَهَّزَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ أَيْضًا بِمَالٍ كَثِيرٍ: وَكَانَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَافَقَتْ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَى هُوَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَسَارَ النَّاسُ صُحْبَةَ عَائِشَةَ فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: تِسْعِمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. وَتَلَاحَقَ بِهِمْ آخَرُونَ، فَصَارُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ تُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ عَلَى جَمَلٍ اسْمُهُ عَسْكَرٌ، اشْتَرَاهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ. وَقِيلَ: بِثَمَانِينَ دِينَارًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَسَارَ مَعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ فَفَارَقْنَهَا هُنَالِكَ وَبَكَيْنَ لِلْوَدَاعِ، وَتَبَاكَى النَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ النَّحِيبِ.

وَسَارَ النَّاسُ قَاصِدِينَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ عَنْ أَمْرِ عَائِشَةَ ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يُؤَذِّنُ لِلنَّاسِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ مَرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ لَيْلًا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْحَوْأَبُ. فَنَبَحَتْهُمْ كِلَابٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا

سَمِعَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَا اسْمُ هَذَا الْمَاءِ؟ قَالُوا: الْحَوْأَبُ. فَضَرَبَتْ بِإِحْدَى يَدَيْهَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً. قَالُوا: وَلِمَ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ لِنِسَائِهِ: لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ الَّتِي تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ. ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ، وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كَمَا سَبَقَ. فَأَنَاخَ النَّاسُ حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَكِ أَنَّ هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ قَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَالَ النَّاسُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! هَذَا جَيْشُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ.

فَلَمَّا اقْتَرَبَتْ مِنَ الْبَصْرَةِ كَتَبَتْ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ أَنَّهَا قَدْ قَدِمَتْ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ إِلَيْهَا لِيَعْلَمَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهَا، سَلَّمَا عَلَيْهَا، وَاسْتَعْلَمَا مِنْهَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَذَكَرَتْ لَهُمَا مَا الَّذِي جَاءَتْ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ; لِأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَبَلَدٍ حَرَامٍ. وَتَلَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١١٤] فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهَا فَجَاءَا إِلَى طَلْحَةَ فَقَالَا لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَمَا بَايَعْتَ عَلِيًّا؟ قَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي،

وَلَا أَسْتَقْبِلُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. فَذَهَبَا إِلَى الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَجَعَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:

يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أَتَيْتَ فَانْفِرِ … وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ

وَاخْرُجْ لَهُمْ مُسْتَلْثِمًا وَشَمِّرِ

فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَا الْإِسْلَامُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِي وَاللَّهِ لَتَعْرُكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. يُشِيرُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَشِرْ عَلَيَّ. فَقَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ فِي مَنْزِلِي. أَوْ قَالَ: قَاعِدٌ عَلَى بَعِيرِي فَذَاهِبٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَنَادَى فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَمَرَهُمْ، بِالتَّجَهُّزِ، فَقَامَ رَجُلٌ وَعُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ جَاءُوا خَائِفِينَ فَقَدْ جَاءُوا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهَا الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَتِهِ، فَأَطِيعُونِي وَرُدُّوهُمْ مِنْ

حَيْثُ جَاءُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءُوا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَلِمَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ أَنَّ لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ أَنْصَارًا فَكَسَرَهُ ذَلِكَ.

وَقَدِمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ، فَنَزَلُوا الْمِرْبَدَ مِنْ أَعْلَاهُ قَرِيبًا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهَا مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَكَانَ مَعَهَا، وَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْجَيْشِ، فَاجْتَمَعُوا بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ - وَكَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ - فَنَدَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ وَالطَّلَبِ بِدَمِهِ، وَتَابَعَهُ الزُّبَيْرُ فَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمَا نَاسٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَتَكَلَّمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَرَّضَتْ وَحَثَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَتَثَاوَرَ طَوَائِفُ مِنْ أَطْرَافِ الْجَيْشَيْنِ، فَتَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ تَحَاجَزَ النَّاسُ وَرَجَعَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى حَوْزَتِهِ، وَقَدْ صَارَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ إِلَى جَيْشِ عَائِشَةَ، فَكَثُرُوا. وَجَاءَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ، إِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ فِي الرُّجُوعِ.

وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ - وَكَانَ عَلَى خَيْلِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ وَجَعَلَ أَصْحَابُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَكُفُّونَ أَيْدِيَهُمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ الْقِتَالِ، وَجَعَلَ حُكَيْمٌ

يَقْتَحِمُ عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي قَصَدُوا الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حُنَيْفٍ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا وَيَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا; إِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَنْهَا وَأَخْلَوْهَا لَهُ. وَبَعَثُوا بِذَلِكَ كَعْبَ بْنَ سُورٍ الْقَاضِي، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَايَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ طَائِعَيْنِ أَوْ مُكْرَهَيْنِ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: بَلْ كَانَا مُكْرَهَيْنِ. فَثَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَأَرَادُوا ضَرْبَهُ، فَجَاحَفَ دُونَهُ صُهَيْبٌ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَجَمَاعَةٌ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأَمْرَ يَنْتَهِي إِلَى هَذَا. وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: إِنَّهُمَا لَمْ يُكْرَهَا عَلَى فُرْقَةٍ، وَلَقَدْ أُكْرِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَفَضْلٍ، فَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ الْخَلْعَ فَلَا عُذْرَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ غَيْرَ ذَلِكَ نَظَرَا وَنَظَرْنَا. وَقَدِمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ عَلَى عُثْمَانَ بِكِتَابِ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. وَبَعَثَ طَلْحَةُ

وَالزُّبَيْرُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمَا فَأَبَى. فَجَمَعَا الرِّجَالَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَشَهِدَ بِهِمْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يَخْرُجْعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَوَقَعَ مِنْ رِعَاعِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَلَامٌ وَضَرْبٌ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَصْرَهُ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ إِلَّا نَتَفُوهَا، فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَبَعَثَا إِلَى عَائِشَةَ فَأَعْلَمَاهَا الْخَبَرَ، فَأَمَرَتْ أَنْ تُخَلَّى سَبِيلُهُ، فَأَطْلَقُوهُ وَوَلَّوْا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَسَّمَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ فِي النَّاسِ، وَفَضَّلُوا أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ النَّاسُ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَخَذُوا الْحَرَسَ، وَاسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ فِي الْبَصْرَةِ، فَحَمِيَ لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَاشَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ، فَبَارَزُوا وَقَاتَلُوا، فَضَرَبَ رَجُلٌ رِجْلَ حُكَيْمِ بْنِ جَبَلَةَ فَقَطَعَهَا، فَزَحَفَ حَتَّى أَخَذَهَا وَضَرَبَ بِهَا ضَارِبَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَّكَأَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُولُ:

يَا سَاقُ لَنْ تُرَاعِى … إِنَّ مَعِي ذِرَاعِي

أَحْمِي بِهَا كُرَاعِي

وَقَالَ أَيْضًا

لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ … وَالْعَارُ فِي النَّاسِ هُوَ الْفِرَارُ

وَالْمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ

فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ بِرَأْسِهِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: وِسَادَتِي. ثُمَّ مَاتَ حُكَيْمٌ قَتِيلًا هُوَ وَنَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَضَعُفَ جَأْشُ مَنْ خَالَفَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .. وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَايَعُوا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَنَدَبَ الزُّبَيْرُ أَلْفَ فَارِسٍ يَأْخُذُهَا مَعَهُ وَيَلْتَقِي عَلِيًّا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.

وَقَدْ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ تَدْعُوهُ إِلَى نُصْرَتِهَا وَالْقِيَامِ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَلْيَكُفَّ يَدَهُ وَلْيَلْزَمْ مَنْزِلَهُ، أَيْ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا وَلَا لَهَا، فَقَالَ: أَنَا فِي نُصْرَتِكِ مَا دُمْتِ فِي مَنْزِلِكِ. وَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أُمِرَتْ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ، فَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا وَأَمَرَتْنَا بِلُزُومِ بُيُوتِنَا الَّتِي كَانَتْ هِيَ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنَّا. وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْكُوفَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

ذِكْرُ مَسِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَدَلًا عَنْ مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ

بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ تَجَهَّزَ قَاصِدًا الشَّامَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَصْدُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ الْبَصْرَةَ، خَطَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَمْنَعَ أُولَئِكَ مِنْ دُخُولِهَا إِنْ أَمْكَنَ أَوْ يَطْرُدَهُمْ عَنْهَا إِنْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوهَا، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ بَعْضُهُمْ.

قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا نَهَضَ مَعَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ سِتَّةِ نَفَرٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، لَيْسَ لَهُمْ سَابِعٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعَةٌ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ قَالَ: كَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ. قَالُوا: وَلَيْسَ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، ذَاكَ مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ نَحْوَ الْبَصْرَةِ عَلَى تَعْبِئَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الشَّامِ، غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَعَلَى مَكَّةَ قُثَمَ بْنَ

عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَخَرَجَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَحْوٍ مِنْ تِسْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَقَدْ لَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، صلى الله عليه وسلم، عَلِيًّا وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، فَأَخَذَ بِلِجَامِ فَرَسِهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَخْرُجْ مِنْهَا فَوَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَا يَعُودُ إِلَيْهَا سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. فَسَبَّهُ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعُوهُ فَنِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. وَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِيهِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَقَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، تُقْتَلُ غَدًا بِمَضْيَعَةٍ لَا نَاصِرَ لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَحِنُّ عَلَىَّ حَنِينَ الْجَارِيَةِ، وَمَا الَّذِي نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَعَصَيْتُكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ آمُرْكَ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا لِئَلَّا يُقْتَلَ وَأَنْتَ بِهَا، فَيَقُولُ قَائِلٌ أَوْ يَتَحَدَّثُ مُتَحَدِّثٌ؟ أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا تُبَايِعَ النَّاسَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ بَيْعَتَهُمْ؟ وَأَمَرْتُكَ حِينَ خَرَجَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ أَنْ تَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَعَصَيْتَنِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُكَ أَنِّي أَخْرُجُ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَلَقَدْ أُحِيطَ بِنَا كَمَا أُحِيطَ بِهِ، وَأَمَّا مُبَايَعَتِي قَبْلَ مَجِيءِ بَيْعَةِ الْأَمْصَارِ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَضِيعَ هَذَا الْأَمْرُ، وَأَمَّا أَنْ أَجْلِسَ وَقَدْ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَتُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ كَالضَّبُعِ الَّتِي يُحَاطُ بِهَا وَيُقَالُ: لَيْسَتْ هَاهُنَا. حَتَّى يُحَلَّ عُرْقُوبُهَا فَتَخْرُجَ،

فَإِذَا لَمْ أَنْظُرْ فِيمَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَعْنِينِي، فَمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ؟ فَكُفَّ عَنِّي يَا بُنَيَّ.

وَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ بِالْبَصْرَةِ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُكُمْ عَلَى الْأَمْصَارِ، وَفَزِعْتُ إِلَيْكُمْ لِمَا حَدَثَ، فَكُونُوا لِدِينِ اللَّهِ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا، وَانْهَضُوا إِلَيْنَا، فَالْإِصْلَاحَ نُرِيدُ لِتَعُودَ هَذِهِ الْأُمَّةُ إِخْوَانًا. فَمَضَيَا وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَخَذَ مَا أَرَادَ مِنْ سِلَاحٍ وَدَوَابٍّ، وَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَنَا بِهِ، وَجَعَلَنَا بِهِ إِخْوَانًا بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ وَتَبَاغُضٍ وَتَبَاعُدٍ، فَجَرَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ; الْإِسْلَامُ دِينُهُمْ، وَالْحَقُّ قَائِمٌ بَيْنَهُمْ، وَالْكِتَابُ إِمَامُهُمْ، حَتَّى أُصِيبَ هَذَا الرَّجُلُ بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَذَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَنْزِغَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا بُدَّ مُفْتَرِقَةٌ كَمَا افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهَا، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ كَائِنٌ. ثُمَّ عَادَ ثَانِيَةً فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ أَنْ يَكُونَ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً; شَرُّهَا فِرْقَةٌ تُحِبُّنِي وَلَا تَعْمَلُ بِعَمَلِي، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، فَالْزَمُوا دِينَكُمْ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّتَهُ،

وَأَعْرِضُوا عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَعْرِضُوهُ عَلَى الْكِتَابِ، فَمَا عَرَّفَهُ الْقُرْآنُ فَالْزَمُوهُ، وَمَا أَنْكَرَهُ فَرُدُّوهُ، وَارْضَوْا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ حَكَمًا وَإِمَامًا.

قَالَ: فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ مِنَ الرَّبَذَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ وَأَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالْإِصْلَاحُ، إِنْ قَبِلُوا مِنَّا وَأَجَابُوا إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِغَدْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَنَعَمْ إِذًا. فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: لَأُرْضِيَنَّكَ بِالْفِعْلِ كَمَا أَرْضَيْتَنِي بِالْقَوْلِ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنِّي اللَّهُ كَمَا سَمَّانَا أَنْصَارًا.

قَالَ: وَأَتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ طَيِّئٍ وَعَلِيٌّ بِالرَّبَذَةِ، فَقِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ جَاءُوا مِنْ طَيِّئٍ; مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مَعَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: جَزَى اللَّهُ كُلًّا خَيْرًا وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النِّسَاءِ: ٩٥] ثُمَّ سَارَ مِنَ الرَّبَذَةِ عَلَى تَعْبِئَتِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَةً حَمْرَاءَ يَقُودُ فَرَسًا كُمَيْتَا، فَلَمَّا كَانَ بِفَيْدٍ جَاءَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَسَدٍ وَطَيِّئٍ، فَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ: فِي مَنْ

مَعِي كِفَايَةٌ. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ مَطَرٍ الشَيْبَانِيُّ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الصُّلْحَ فَأَبُو مُوسَى صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ فَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ إِلَّا الصُّلْحَ مِمَّنْ تَمَرَّدَ عَلَيْنَا.

وَسَارَ فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنَ الْكُوفَةِ وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ عَلَى جَلِيَّتِهِ، مِنْ قَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ إِخْرَاجِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَخْذِهِمْ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، جَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ عَافِنِي مِمَّا ابْتَلَيْتَ بِهِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي قَارٍ أَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ مُهَشَّمًا، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثْتَنِي إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَنَا ذُو لِحْيَةٍ، وَقَدْ جِئْتُكَ أَمْرَدَ. فَقَالَ: أَصَبْتَ أَجْرًا وَخَيْرًا. وَقَالَ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ: اللَّهُمَّ احْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلَا تُبْرِمْ مَا أَحْكَمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا قَدْ عَمِلَا - يَعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ. وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِذِي قَارٍ يَنْتَظِرُ جَوَابَ مَا كَتَبَ بِهِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَصَاحِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ - وَكَانَا قَدْ قَدِمَا بِكِتَابِهِ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَقَامَا فِي النَّاسِ بِأَمْرِهِ - فَلَمْ يُجَابَا فِي شَيْءٍ، فَلَمَّا أَمْسَوْا دَخَلَ نَاسٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا عَلَى أَبِي مُوسَى يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ الطَّاعَةَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا بِالْأَمْسِ. فَغَضِبَ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدٌ، فَقَالَا لَهُ قَوْلًا غَلِيظًا، فَقَالَ لَهُمَا: وَاللَّهِ إِنَّ بَيْعَةَ عُثْمَانَ لَفِي عُنُقِي وَعُنُقِ صَاحِبِكُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قِتَالٍ فَلَا نُقَاتِلُ أَحَدًا حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ قَتَلَةِ

عُثْمَانَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا. فَانْطَلَقَا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، وَهُوَ بِذِي قَارٍ، فَقَالَ لِلْأَشْتَرِ: أَنْتَ صَاحِبُنَا فِي أَبِي مُوسَى وَالْمُعْتَرِضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ! فَاذْهَبْ أَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، وَكَلَّمَا أَبَا مُوسَى، وَاسْتَعَانَا عَلَيْهِ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، الَّذِينَ صَحِبُوهُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّنْ لَمْ يَصْحَبْهُ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقًّا، وَأَنَا مُؤَدٍّ إِلَيْكُمْ نَصِيحَةً، كَانَ الرَّأْيُ أَنْ لَا تَسْتَخِفُّوا بِسُلْطَانِ اللَّهِ وَأَنْ لَا تَجْتَرِئُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقِظَانُ خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَاغْمِدُوا السُّيُوفَ، وَأَنْصِلُوا الْأَسِنَّةَ، وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَآوُوا الْمُضْطَهَدَ وَالْمَظْلُومَ حَتَّى يَلْتَئِمَ هَذَا الْأَمْرُ، وَتَنْجَلِيَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ. فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: انْطَلِقْ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَانْطَلَقَا حَتَّى دَخَلَا الْمَسْجِدَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمَا مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، فَقَالَ لِعَمَّارٍ: عَلَامَ قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: عَلَى شَتْمِ أَعْرَاضِنَا وَضَرْبِ أَبْشَارِنَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَاقَبْتُمْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَوْ صَبَرْتُمْ لَكَانَ خَيْرًا لِلصَّابِرِينَ.

قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى فِلَقِيَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَعَدَوْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ قَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ وَلَمْ يَسُؤْنِي

ذَلِكَ. فَقَطَعَ عَلَيْهِمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى: لِمَ تُثَبِّطُ النَّاسَ عَنَّا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْإِصْلَاحَ، وَلَا مِثْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَافُ عَلَى شَيْءٍ. فَقَالَ: صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَلَكِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ، وَقَدْ جَعَلَنَا اللَّهُ إِخْوَانًا، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا. فَغَضِبَ عَمَّارٌ وَسَبَّهُ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَحْدَهُ: «أَنْتَ فِيهَا قَاعِدًا خَيْرٌ مِنْكَ قَائِمًا». فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِأَبِي مُوسَى وَنَالَ مِنْ عَمَّارٍ، وَثَارَ آخَرُونَ، وَجَعَلَ أَبُو مُوسَى يُكَفْكِفُ النَّاسَ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَيُّهَا النَّاسُ، أَطِيعُونِي وَكُونُوا خَيْرَ قَوْمٍ مِنْ خَيْرِ أُمَمِ الْعَرَبِ، يَأْوِي إِلَيْهِمُ الْمَظْلُومُ، وَيَأْمَنُ فِيهِمُ الْخَائِفُ، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ بَيَّنَتْ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ وَلُزُومِ بُيُوتِهِمْ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ، سِيرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ. فَقَامَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ الْأَمِيرُ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ يَرْدَعُ الظَّالِمَ، وَيُعْدِي الْمَظْلُومَ، وَيَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُ النَّاسِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مَلِيءٌ بِمَا وَلِيَ، وَقَدْ أُنْصِفَ فِي الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ فَانْفِرُوا إِلَيْهِ. وَقَامَ عَبْدُ خَيْرٍ فَقَالَ: النَّاسُ أَرْبَعُ فِرَقٍ; عَلِيٌّ بِمَنْ مَعَهُ فِي ظَاهِرِ الْكُوفَةِ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، وَفِرْقَةٌ بِالْحِجَازِ لَا تُقَاتِلُ

وَلَا عَنَاءَ بِهَا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أُولَئِكَ خَيْرُ الْفِرَقِ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ.

ثُمَّ تَرَاسَلَ النَّاسُ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ قَامَ عَمَّارٌ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَدْعُوَانِ النَّاسَ إِلَى النَفِيرِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَسَمِعَ عَمَّارٌ رَجُلًا يَسُبُّ عَائِشَةَ، فَقَالَ: اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ بِهَا لِيَعْلَمَ أَتُطِيعُونَهُ أَوْ إِيَّاهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَامَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: انْفَرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [التَّوْبَةِ: ٤١] وَجَعَلَ النَّاسُ كُلَّمَا قَامَ رَجُلٌ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى النَفِيرِ يُثَبِّطُهُمْ أَبُو مُوسَى مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ، وَعَمَّارٌ وَالْحَسَنُ مَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى قَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: وَيْحَكَ! اعْتَزِلْنَا لَا أُمَّ لَكَ، وَدَعْ مِنْبَرَنَا. وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا بَعَثَ الْأَشْتَرَ، فَعَزَلَ أَبَا مُوسَى عَنِ الْكُوفَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ قَصْرِ الْإِمَارَةِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

وَاسْتَجَابَ النَّاسُ لِلنَّفِيرِ فَخَرَجَ مَعَ الْحَسَنِ تِسْعَةُ آلَافٍ فِي الْبَرِّ وَفِي دِجْلَةَ، وَيُقَالُ: سَارَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، فَقَدِمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِذِي قَارٍ فَتَلَقَّاهُمْ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فِي جَمَاعَةٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أَنْتُمْ لَقِيتُمْ مُلُوكَ الْعَجَمِ فَفَضَضْتُمْ

جُمُوعَهُمْ، وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنَا إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَإِنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ أَبَوْا دَاوَيْنَاهُمْ بِالرِّفْقِ حَتَّى يَبْدَأُونَا بِالظُّلْمِ، وَلَمْ نَدَعْ أَمْرًا فِيهِ صَلَاحٌ إِلَّا آثَرْنَاهُ عَلَى مَا فِيهِ الْفَسَادُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ بِذِي قَارٍ.

وَكَانَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ رُؤَسَاءِ مَنِ انْضَافَ إِلَى عَلِيٍّ; الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَسِعْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِنْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْهَيْثَمُ بْنُ شِهَابٍ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَالْأَشْتَرُ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَمْثَالُهُمْ، وَكَانَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ بِكَمَالِهَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ يَنْتَظِرُونَهُ وَهُمْ أُلُوفٌ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْقَعْقَاعَ رَسُولًا إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بِالْبَصْرَةِ يَدْعُوهُمَا إِلَى الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيُعَظِّمُ عَلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ، فَذَهَبَ الْقَعْقَاعُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، مَا أَقْدَمَكِ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. فَسَأَلَهَا أَنْ تَبْعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ لِيَحْضُرَا عِنْدَهَا، فَحَضَرَا فَقَالَ الْقَعْقَاعُ: إِنِّي سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَقْدَمَهَا؟ فَقَالَتِ: الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. فَقَالَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ. قَالَ: فَأَخْبِرَانِي مَا

وَجْهُ هَذَا الْإِصْلَاحِ؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفْنَاهُ لِنَصْطَلِحَنَّ، وَلَئِنْ أَنْكَرْنَاهُ لَا نَصْطَلِحَنَّ. قَالَا: قَتَلَةُ عُثْمَانَ، فَإِنَّ هَذَا إِنْ تُرِكَ كَانَ تَرْكًا لِلْقُرْآنِ. فَقَالَ: قَتَلْتُمَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَنْتُمْ قَبْلَ قَتْلِهِمْ أَقْرَبُ مِنْكُمْ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، قَتَلْتُمْ سِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، فَغَضِبَ لَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ فَاعْتَزَلُوكُمْ، وَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَطَلَبْتُمْ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ، فَمَنَعَهُ سِتَّةُ آلَافٍ، فَإِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَعْتُمْ فِيمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ فَأُدِيلُوا عَلَيْكُمْ، فَالَّذِي حَذِرْتُمْ وَفَرِقْتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَعْظَمُ مِمَّا أَرَاكُمْ تَدْفَعُونَ وَتَجْمَعُونَ مِنْهُ. يَعْنِي أَنَّ الَّذِي تُرِيدُونَ مِنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ مَصْلَحَةٌ، وَلَكِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْهَا، وَكَمَا أَنَّكُمْ عَجَزْتُمْ عَنِ الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ مِنْ حُرْقُوصِ بْنِ زُهَيْرٍ، لِقِيَامِ سِتَّةِ آلَافٍ فِي مَنْعِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَعَلِيٌّ أَعْذَرُ فِي تَرْكِهِ الْآنَ قَتْلَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ بَعْدَ هَذَا، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ مُخْتَلِفَةٌ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ خَلْقًا مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ قَدْ أَجْمَعُوا لِحَرْبِهِمْ بِسَبَبِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي وَقَعَ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ هَذَا

الْأَمْرَ الَّذِي وَقَعَ دَوَاؤُهُ التَّسْكِينُ، فَإِذَا سَكَنَ اخْتَلَجُوا، فَإِنْ أَنْتُمْ بَايَعْتُمُونَا فَعَلَامَةُ خَيْرٍ، وَتَبَاشِيرُ رَحْمَةٍ، وَدَرَكٌ بِثَأْرٍ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ إِلَّا مُكَابَرَةَ هَذَا الْأَمْرِ وَائْتِنَافَهُ، كَانَتْ عَلَامَةَ شَرٍّ، وَذَهَابَ هَذَا الْمُلْكِ، فَآثِرُوا الْعَافِيَةَ تُرْزَقُوهَا، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ خَيْرٍ كَمَا كُنْتُمْ أَوَّلَ، وَلَا تُعَرِّضُونَا لِلْبَلَاءِ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَيَصْرَعَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ لَا يُتِمَّ حَتَّى يَأْخُذَ اللَّهُ حَاجَتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَتَاعُهَا، وَنَزَلَ بِهَا مَا نَزَلَ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَلَيْسَ كَقَتْلِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَلَا النَّفَرِ الرَّجُلَ، وَلَا الْقَبِيلَةِ الْقَبِيلَةَ. فَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ فَارْجِعْ، فَإِنْ قَدِمَ عَلِيٌّ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِكَ صَلُحَ الْأَمْرُ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَشْرَفَ الْقَوْمُ عَلَى الصُّلْحِ، كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ كَرِهَهُ، وَرَضِيَهُ مَنْ رَضِيَهُ.

وَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَلِيٍّ تُعْلِمُهُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ لِلْإِصْلَاحِ، فَفَرِحَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَقَامَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَذَكَرَ الْجَاهِلِيَّةَ وَشَقَاءَهَا، وَذَكَرَ الْإِسْلَامَ

وَسَعَادَةَ أَهْلِهِ بِالْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي جَرَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا، وَحَسَدُوا مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَعَلَى الْفَضِيلَةِ الَّتِي مَنَّ بِهَا، وَأَرَادُوا رَدَّ الْإِسْلَامِ وَالْأَشْيَاءِ عَلَى أَدْبَارِهَا، وَاللَّهُ بَالِغُ أَمْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنِّي مُرْتَحِلٌ غَدًا فَارْتَحِلُوا، وَلَا يَرْتَحِلُ مَعِي أَحَدٌ أَعَانَ عَلَى عُثْمَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. فَلَمَّا قَالَ هَذَا اجْتَمَعَ مِنْ رُءُوسِهِمْ جَمَاعَةٌ; كَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَشُرَيْحِ بْنِ أَوْفَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ السَّوْدَاءِ، وَسَالِمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعِلْبَاءَ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ صَحَابِيٌّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَقَالُوا: مَا هَذَا الرَّأْيُ؟ وَعَلِيٌّ وَاللَّهِ أَبْصَرُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَطْلُبُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، غَدًا يَجْمَعُ عَلَيْكُمُ النَّاسَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَنْتُمْ، فَكَيْفَ بِكُمْ وَعَدَدُكُمْ قَلِيلٌ فِي كَثْرَتِهِمْ؟ فَقَالَ الْأَشْتَرُ: قَدْ عَرَفْنَا رَأْيَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فِينَا، وَأَمَّا رَأْيُ عَلِيٍّ فَلَمْ نَعْرِفُهُ إِلَى الْيَوْمِ، فَإِنْ كَانَ قَدِ اصْطَلَحَ مَعَهُمْ فَإِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَى دِمَائِنَا، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا أَلْحَقْنَا عَلِيًّا بِعُثْمَانَ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ مِنَّا

بِالسُّكُوتِ. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ مَا رَأَيْتَ، لَوْ قَتَلْنَاهُ قُتِلْنَا، فَإِنَّا يَا مَعْشَرَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ فِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَأَصْحَابُهُمَا فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِمْ، وَهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَكُمْ. فَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ: دَعُوهُمْ وَارْجِعُوا بِنَا حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِبَعْضِ الْبِلَادِ فَنَمْتَنِعَ بِهَا. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، إِذًا وَاللَّهِ كَانَ يَتَخَطَّفُكُمُ النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ: يَا قَوْمِ إِنَّ عِزَّكُمْ فِي خُلْطَةِ النَّاسِ، فَإِذَا الْتَقَى النَّاسُ فَأَنْشِبُوا الْقِتَالَ، وَلَا تُفَرِّغُوهُمْ لِلنَّظَرِ، فَمَنْ أَنْتُمْ مَعَهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَيَشْغَلُ اللَّهُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا عَمَّا تَكْرَهُونَ. فَأَبْصَرُوا الرَّأْيَ وَتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ، وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ مُرْتَحِلًا، وَمَرَّ بِعَبْدِ الْقَيْسِ، فَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى نَزَلُوا بِالزَّاوِيَةِ، وَسَارَ مِنْهَا يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا لِلِقَائِهِ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَ قَصْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ كُلٌّ فِي نَاحِيَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ عَلِيٌّ جَيْشَهُ، وَهُمْ يَتَلَاحَقُونَ بِهِ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بِانْتِهَازِ

الْفُرْصَةِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَا: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ أَشَارَ بِتَسْكِينِ هَذَا الْأَمْرِ، وَقَدْ بَعَثْنَا إِلَيْهِ بِالْمُصَالَحَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَامَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَعْوَرُ بْنُ بُنَانٍ الْمِنْقَرِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: الْإِصْلَاحُ وَإِطْفَاءُ النَّائِرَةِ; لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَلْتَئِمَ شَمْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُونَا؟ قَالَ: تَرَكْنَاهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: دَفَعْنَاهُمْ عَنْ أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَهَلْ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِثْلُ الَّذِي لَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو سَلَامَةَ الدَّالَانِيُّ، فَقَالَ: هَلْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ حُجَّةٍ فِيمَا طَلَبُوا مِنْ هَذَا الدَّمِ، إِنْ كَانُوا أَرَادُوا اللَّهَ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ مِنْ حُجَّةٍ فِي تَأْخِيرِكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَالُنَا وَحَالُهُمْ إِنِ ابْتُلِينَا غَدًا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُقْتَلَ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَحَدٌ نَقَّى قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ أَمْسِكُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَسْبِقُونَا فَإِنَّ الْمَخْصُومَ غَدًا مَنْ خُصِمَ الْيَوْمَ. وَجَاءَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَانْضَافَ إِلَى عَلِيٍّ - وَكَانَ قَدْ مَنَعَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ مِنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ - وَكَانَ قَدْ بَايَعَ عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَسَأَلَ عَائِشَةَ

وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ: إِنْ قُتِلَ عُثْمَانُ مَنْ أُبَايِعُ؟ فَقَالُوا: بَايِعْ عَلِيًّا. فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بَايَعَ عَلِيًّا، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَجَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَفْظَعُ، حَتَّى قَالَ النَّاسُ: هَذِهِ عَائِشَةُ جَاءَتْ لِتَأْخُذَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَحِرْتُ فِي أَمْرِي لِمَنْ أَتَّبِعْ، فَنَفَعَنِي اللَّهُ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ الْفُرْسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ ابْنَةَ كِسْرَى فَقَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ».

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَحْنَفَ لَمَّا انْحَازَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ سِتَّةُ آلَافٍ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنْ شِئْتَ قَاتَلْتُ مَعَكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَفْتُ عَنْكَ عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. فَقَالَ: اكْفُفْ عَنَّا عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. ثُمَّ بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَا فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حَتَّى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ فِي جَوَابِ رِسَالَتِهِ: إِنَّا عَلَى مَا فَارَقْنَا عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ. فَاطْمَأَنَّتِ النُّفُوسُ وَسَكَنَتْ، وَاجْتَمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْجَيْشَيْنِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا بَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ مُحَمَّدَ

بْنَ طَلْحَةَ السَّجَّادَ، وَبَاتَ النَّاسُ بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، وَبَاتَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ بِشَرِّ لَيْلَةٍ، وَبَاتُوا يَتَشَاوَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُثِيرُوا الْحَرْبَ مِنَ الْغَلَسِ، فَنَهَضُوا مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُمْ قَرِيبٌ مَنْ أَلْفَيْ رَجُلٍ فَانْصَرَفَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى قَرَابَاتِهِمْ، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ، فَثَارَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى قَوْمِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ، وَقَامَ النَّاسُ مِنْ مَنَامِهِمْ إِلَى السِّلَاحِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ قَالُوا: طَرَقَنَا أَهْلُ الْكُوفَةِ لَيْلًا، وَبَيَّتُونَا وَغَدَرُوا بِنَا. وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا عَنْ مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَبَلَغَ الْأَمْرُ عَلِيًّا فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقَالُوا بَيَّتَنَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ. فَثَارَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى سِلَاحِهِمْ، وَلَبِسُوا اللَّأْمَةَ، وَرَكِبُوا الْخُيُولَ، وَلَا يَشْعُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا وَقَعَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ وَتَوَاقَفَ الْفَرِيقَانِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَ عَلِيٍّ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَالْتَفَّ عَلَى عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَتَبَارَزَ الْفُرْسَانُ، وَجَالَتِ الشُّجْعَانُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَالسَّبَئِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنُ السَّوْدَاءِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ لَا يَفْتَرُونَ عَنِ الْقَتْلِ، وَمُنَادِي عَلِيٍّ يُنَادِي: أَلَا كُفُّوا! أَلَا كُفُّوا! فَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ، وَجَاءَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكِي النَّاسَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ. فَجَلَسَتْ فِي هَوْدَجِهَا فَوْقَ بَعِيرِهَا، وَسَتَرُوا الْهَوْدَجَ بِالدُّرُوعِ، وَجَاءَتْ فَوَقَفَتْ بِحَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ فِي مَعْرَكَتِهِمْ، فَتَصَاوَلُوا وَتَجَاوَلُوا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَبَارَزَ الزُّبَيْرُ

وَعَمَّارٌ، فَجَعَلَ عَمَّارٌ يَحُوزُهُ بِالرُّمْحِ، وَالزُّبَيْرُ كَافٌ عَنْهُ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَقْتُلُنِي يَا أَبَا الْيَقْظَانِ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا تَرَكَهُ الزُّبَيْرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ وَإِلَّا فَالزُّبَيْرُ أَقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا كَفَّ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ سُنَّتِهِمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنَّهُ لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَقَدْ قُتِلَ مَعَ هَذَا بَشَرٌ كَثِيرٌ جِدًّا، حَتَّى جَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ لِابْنِهِ الْحَسَنِ: يَا بُنَيَّ لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ: يَا حَسَنُ، يَا حَسَنُ، لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي لَمْ أَرَ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا. وَقَالَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: لَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَرَأَى عَلِيٌّ الرُّءُوسَ تَنْدُرُ، أَخَذَ عَلِيٌّ ابْنَهُ الْحَسَنَ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ يَا حَسَنُ! أَيُّ خَيْرٍ يُرْجَى بَعْدَ هَذَا!

فَلَمَّا رَكِبَ الْجَيْشَانِ، وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ، طَلَبَ عَلِيٌّ الزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، لِيُكَلِّمَهُمَا، فَاجْتَمَعُوا حَتَّى الْتَفَّتْ أَعْنَاقُ خُيُولِهِمْ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ لَهُمَا: إِنِّي أَرَاكُمَا قَدْ جَمَعْتُمَا خَيْلًا وَرِجَالًا وَعَدَدًا، فَهَلْ أَعْدَدْتُمَا عُذْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ؟ فَاتَّقِيَا اللَّهَ، وَلَا تَكُونَا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا، أَلَمْ أَكُنْ أَخَاكُمَا فِي دِينِكُمَا، تُحَرِّمَانِ دَمِي وَأُحَرِّمُ دَمَكُمَا، فَهَلْ مِنْ حَدَثٍ أَحَلَّ لَكُمَا دَمِي؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَلَّبْتَ عَلَىَّ عُثْمَانَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النُّورِ: ٢٥] ثُمَّ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا طَلْحَةُ، أَجِئْتَ بِعِرْسِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، تَقَاتِلُ بِهَا، وَخَبَّأْتَ عِرْسَكَ فِي الْبَيْتِ! أَمَا بَايَعْتَنِي؟ قَالَ: بَايَعْتُكَ وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي. وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ، وَلَا أَرَاكَ بِهَذَا الْأَمْرِ أَوْلَى بِهِ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي بَنِي غَنْمٍ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ وَضَحِكْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتَ: لَا يَدَعُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ زَهْوَهُ. فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَيْسَ بِمَزْهُوٍّ لَتُقَاتِلَنَّهُ، وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ» فَقَالَ الزُّبَيْرُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا سِرْتُ مَسِيرِي هَذَا،

وَوَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُكَ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ كُلِّهِ نَظَرٌ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْهُ الْحَدِيثُ، كَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَرْوٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ حِينَ تَوَاقَفَا - يَعْنِي يَوْمَ الْجَمَلِ - فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا زُبَيْرُ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: إِنَّكَ تُقَاتِلُنِي وَأَنْتَ لِي ظَالِمٌ؟ «قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَذْكُرْهُ إِلَّا فِي مَوْقِفِي هَذَا. ثُمَّ انْصَرَفَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ قَطَنِ بْنِ نُسَيْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي جَرْوٍ

الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ بِهِ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا وَلَّى الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ بَلَغَ عَلِيًّا فَقَالَ: لَوْ كَانَ ابْنُ صَفِيَّةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ مَا وَلَّى. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَقِيَهُمَا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالَ:» أَتَحُبُّهُ يَا زُبَيْرُ؟ «. فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟ قَالَ:» فَكَيْفَ بِكَ إِذَا قَاتَلْتَهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ؟ «. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلَّى لِذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ الْهَاشِمِيُّ الْكُوفِيُّ، أَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، ثَنَا أَبِي، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَسَمِعْتُ فَضْلَ بْنَ فَضَالَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ - دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ صَاحِبِهِ - قَالَ: لَمَّا دَنَا عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَدَنَتِ الصُّفُوفُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، خَرَجَ

عَلِيٌّ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَنَادَى: ادْعُوَا لِيَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَإِنِّي عَلِيٌّ. فَدُعِيَ لَهُ الزُّبَيْرُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ دَوَابِّهِمَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا زُبَيْرُ، نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ مَرَّ بِكَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ:» يَا زُبَيْرُ تُحِبُّ عَلِيًّا؟ «. فَقُلْتَ: أَلَا أُحِبُّ ابْنَ خَالِي وَابْنَ عَمِّي وَعَلَى دِينِي! فَقَالَ:» يَا زُبَيْرُ، أَمَا وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ؟ «فَقَالَ الزُّبَيْرُ: بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ نَسِيتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ذَكَرْتُهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُكَ. فَرَجَعَ الزُّبَيْرُ عَلَى دَابَّتِهِ يَشُقُّ الصُّفُوفَ، فَعَرَضَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: ذَكَّرَنِي عَلِيٌّ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ فَقَالَ: وَلِلْقِتَالِ جِئْتَ؟ إِنَّمَا جِئْتَ لِتُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ وَيُصْلِحَ اللَّهُ بِكَ هَذَا الْأَمْرَ. قَالَ: قَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُقَاتِلَهُ. قَالَ: أَعْتِقْ غُلَامَكَ جِرْجِسَ، وَقِفْ حَتَّى تُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ. فَأَعْتَقَ غُلَامَهُ، وَوَقَفَ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ أَمْرُ النَّاسِ ذَهَبَ عَلَى فَرَسِهِ.

وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ رِفَاعَةَ

بْنِ إِيَاسِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِطَلْحَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ: أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»؟ قَالَ: بَلَى. وَانْصَرَفَ. وَقَدِ اسْتَغْرَبَهُ الْبَزَّارُ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ.

فَرَجَعَ الزُّبَيْرُ إِلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا أَنَّهُ قَدْ آلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّكَ جَمَعْتَ النَّاسَ فَلَمَّا تَرَآى بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَاحْضُرْ. فَأَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ اسْمُهُ مَكْحُولٌ وَقِيلَ: سَرْجِسُ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ عَنِ الْقِتَالِ لَمَّا رَأَى عَمَّارًا مَعَ عَلِيٍّ، وَقَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. فَخَشِيَ أَنْ يُقْتَلَ عَمَّارٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَعِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ فَمَا رَجَعَهُ سِوَاهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقَاتِلَ عَلِيًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الزُّبَيْرَ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْجَمَلِ سَارَ حَتَّى نَزَلَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ:

وَادِي السِّبَاعِ. فَاتَّبَعَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ، فَجَاءَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ غِيلَةً، كَمَا سَنَذْكُرُ تَفْصِيلَهُ. وَأَمَّا طَلْحَةُ فَجَاءَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ سَهْمٌ غَرْبٌ، يُقَالُ: رَمَاهُ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَانْتَظَمَ رِجْلَهُ مَعَ فَرَسِهِ فَجَمَحَتْ بِهِ الْفَرَسُ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَاتَّبَعَهُ مَوْلًى لَهُ فَأَمْسَكَهَا فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ اعْدِلْ بِي إِلَى الْبُيُوتِ. وَامْتَلَأَ خُفُّهُ دَمًا فَقَالَ لِغُلَامِهِ: انْزِعْهُ وَارْدُفْنِي. وَذَلِكَ أَنَّهُ نَزَفَهُ الدَّمُ وَضَعُفَ، فَرَكِبَ الْغُلَامُ وَرَاءَهُ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى بَيْتٍ فِي الْبَصْرَةِ فَمَاتَ فِيهِ، صلى الله عليه وسلم.

وَتَقَدَّمَتْ عَائِشَةُ، صلى الله عليه وسلم، فِي هَوْدَجِهَا، وَنَاوَلَتْ كَعْبَ بْنَ سُورٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ مُصْحَفًا وَقَالَتِ: ادْعُهُمْ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَحَمِيَ الْقِتَالُ، وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ وَقُتِلَ طَلْحَةُ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا تَقَدَّمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ بِالْمُصْحَفِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، اسْتَقْبَلَهُ مُقَدَّمَةُ جَيْشِ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ - ابْنُ السَّوْدَاءِ - وَأَتْبَاعُهُ وَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ يَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا يَتَوَقَّفُونَ فِي أَحَدٍ، فَلَمَّا رَأَوْا كَعْبَ بْنَ سُورٍ رَافِعًا

الْمُصْحَفَ رَشَقُوهُ بِنِبَالِهِمْ رَشْقَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ، وَوَصَلَتِ النِّبَالُ إِلَى هَوْدَجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَتْ تُنَادَى: اللَّهَ اللَّهَ! يَا بَنِيَّ اذْكُرُوا يَوْمَ الْحِسَابِ. وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا تَدْعُو عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَضَجَّ النَّاسُ مَعَهَا بِالدُّعَاءِ حَتَّى وَصَلَتِ الضَّجَّةُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَشْيَاعِهِمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. وَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ لَا يُقْلِعُونَ عَنْ رَشْقِ هَوْدَجِهَا بِالنِّبَالِ حَتَّى بَقِيَ مِثْلَ الْقُنْفُذِ، وَجَعَلَتْ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى مَنْعِهِمْ وَكَفِّهِمْ، فَحَمَلَتْ مُضَرُ حَمْلَةَ الْحَفِيظَةِ، فَطَرَدُوهُمْ حَتَّى وَصَلَتِ الْحَمْلَةُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: وَيْحَكَ تَقَدَّمْ بِالرَّايَةِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ مِنْ يَدِهِ فَتَقَدَّمَ بِهَا وَجَعَلَتِ الْحَرْبُ تَأْخُذُ وَتُعْطِي; فَتَارَةً لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَتَارَةً لِأَهْلِ الْكُوفَةِ، حَتَّى قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَلَمْ تُرَ وَقْعَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَجَعَلَتْ عَائِشَةُ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَنَظَرَتْ عَنْ يَمِينِهَا فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ. فَقَالَتْ: لَكُمْ يَقُولُ الْقَائِلُ:

وَجَاءُوا إِلَيْنَا بِالْحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ … مِنَ الْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ

ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا بَنُو نَاجِيَةَ ثُمَّ بَنُو ضَبَّةَ، فَقُتِلَ عِنْدَهَا مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

وَيُقَالُ: إِنَّهُ قُطِعَتْ يَدُ سَبْعِينَ رَجُلًا وَهِيَ آخِذَةٌ بِخِطَامِ الْجَمَلِ. فَلَمَّا أُثْخِنُوا تَقَدَّمَ بَنُو عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَفَعُوا رَأْسَ الْجَمَلِ، وَجَعَلَ أُولَئِكَ يَقْصِدُونَ الْجَمَلَ، وَقَالُوا: لَا يَزَالُ الْحَرْبُ قَائِمًا مَا دَامَ هَذَا الْجَمَلُ وَاقِفًا. وَرَأَسُ الْجَمَلِ فِي يَدِ عَمِيرَةَ بْنِ يَثْرِبِيِّ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيِّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، ثُمَّ صَمَدَ إِلَيْهِ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، فَقَتْلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ أَيْضًا، وَقَتَلَ سَيَحَانَ بْنَ صُوحَانَ، وَارْتُثَّ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، فَدَعَاهُ عَمَّارٌ إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ، فَتَجَاوَلَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ - وَعَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، عَلَيْهِ فَرْوَةٌ قَدْ رَبَطَ وَسَطَهُ بِحَبْلِ لِيفٍ - فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، الْآنَ يُلْحِقُ عَمَّارًا بِأَصْحَابِهِ. فَضَرَبَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ بِالسَّيْفِ فَاتَّقَاهُ عَمَّارٌ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضَّتِ السَّيْفَ وَنَشِبَ فِيهَا،

وَضَرَبَهُ عَمَّارٌ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ عَلِيٍّ فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَبَعْدَ ثَلَاثَةٍ تَقْتُلُهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَاسْتَمَرَّ زِمَامُ الْجَمَلِ بِيَدِ رَجُلٍ بَعْدَهُ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَبِيعَةُ الْعَقِيلِيُّ، فَتَجَاوَلَا حَتَّى قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَخَذَ الزِّمَامَ الْحَارِثُ الضَّبِّيُّ، فَمَا رُئِيَ أَشَدَّ مِنْهُ وَجَعَلَ يَقُولُ:

نَحْنُ بَنُو ضَبَّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ … نُبَارِزُ الْقِرْنَ إِذَا الْقِرْنُ نَزَلْ

نَنْعَى ابْنَ عَفَّانَ بَأَطْرَافِ الْأَسَلْ … الْمَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ الْعَسَلْ

رُدُّوا عَلَيْنَا شَيْخَنَا ثُمَّ بَجَلْ

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِوَسِيمِ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ.

وَكُلَّمَا قُتِلَ وَاحِدٌ مِمَّنْ يُمْسِكُ الْجَمَلَ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا زَالَ جَمَلِي مُعْتَدِلًا حَتَّى فَقَدْتُ أَصْوَاتَ بَنِي ضَبَّةَ.

ثُمَّ أَخَذَ الْخِطَامَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُقْتَلُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْمَعْرُوفُ بِالسَّجَّادِ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: مُرِينِي بِأَمْرِكِ يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: آمُرُكَ أَنْ تَكُونَ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ. فَامْتَنَعَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَثَبَتَ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يَدَّعِي قَتْلَهُ، وَقَدْ طَعَنَهُ بَعْضُهُمْ بِحَرْبَةٍ فَأَنْفَذَهُ وَقَالَ:

وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ

هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ

يُنَاشِدُنِي حم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَقَدُّمِ

عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ

وَأَخَذَ الْخِطَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ، فَجَعَلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا خَطَمَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:

يَا أُمَّنَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ … أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكْلَمُ

وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ

فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَحْدَقَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ

وَالْمُرُوءَاتِ وَالشَّجَاعَةِ بِعَائِشَةَ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ الرَّايَةَ وَالْخِطَامَ إِلَّا شُجَاعٌ مَعْرُوفٌ، فَيَقْتُلُ مَنْ قَصَدَهُ، ثُمَّ يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ فَقَأَ بَعْضُهُمْ عَيْنَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ ابْنُكِ ابْنُ أُخْتِكِ. فَقَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ! وَجَاءَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فَاقْتَتَلَا، فَضَرَبَهُ الْأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا وَضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ اعْتَنَقَا وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ:

اقْتُلُونِي وَمَالِكًا … وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي

فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. وَجَعَلَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ مَالِكًا مَنْ هُوَ، إِنَّمَا هُوَ يُعْرَفُ بِالْأَشْتَرِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ فَخَلَّصُوهُمَا، وَقَدْ جُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَلِ، بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ جِرَاحَةً، وَجُرِحَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَيْضًا. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْجَمَلَ عَلَى قَوَائِمِهِ، فَعَقَرَهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَسُمِعَ لَهُ عَجِيجٌ مَا سُمِعَ أَشَدُّ وَلَا أَنْفَذُ مِنْهُ، وَآخِرُ مَنْ كَانَ الزِّمَامُ بِيَدِهِ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ فَعُقِرَ الْجَمَلُ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ اتَّفَقَ هُوَ وَبُجَيْرُ بْنُ دُلْجَةَ عَلَى عَقْرِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي أَشَارَ بِعَقْرِهِ عَلِيٌّ. وَقِيلَ: الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو; لِئَلَّا تُصَابُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا صَارَتْ غَرَضًا لِلرُّمَاةِ،

وَمَنْ يُمْسِكُ بِالزِّمَامِ بُرْجَاسًا لِلرِّمَاحِ، وَلِيَنْفَصِلَ هَذَا الْمَوْقِفُ الَّذِي قَدْ تَفَانَى فِيهِ النَّاسُ. وَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ إِلَى الْأَرْضِ انْهَزَمَ مَنْ حَوْلَهُ، وَحُمِلَ هَوْدَجُ عَائِشَةَ وَإِنَّهُ لَكَالْقُنْفُذِ مِنْ كَثْرَةِ النُّشَّابِ، وَنَادَى مُنَادِي عَلِيٍّ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يَذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَدْخُلُوا الدُّورَ. وَأَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا أَنْ يَحْمِلُوا الْهَوْدَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّارًا أَنْ يَضْرِبَا عَلَيْهَا قُبَّةً، وَجَاءَ إِلَيْهَا أَخُوهَا مُحَمَّدٌ فَسَأَلَهَا: هَلْ وَصَلَ إِلَيْكِ شَيْءٌ مِنَ الْجِرَاحِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا ابْنَ الْخَثْعَمِيَّةِ. وَسَلَّمَ عَلَيْهَا عَمَّارٌ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّ؟ فَقَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ. قَالَ: بَلَى وَإِنْ كَرِهْتِ. وَجَاءَ إِلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسَلِّمًا فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ. وَجَاءَ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهَا، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا.

وَيُقَالُ: إِنَّ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيَّ اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلَّا حُمَيْرَاءَ. فَقَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ، وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ وَسُلِبَ وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرُمِيَ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ

خَرَابَاتِ الْأَزْدِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الْبَصْرَةَ، وَمَعَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ - وَهِيَ أَعْظَمُ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ - عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ ثَلَاثًا، وَقَدْ طَافَ عَلِيٌّ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ أَرَى قُرَيْشًا صَرْعَى. وَقَدْ مَرَّ عَلِيٌّ - فِيمَا ذُكِرَ - عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ: لَهْفِي عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ … إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ

ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ عَلَى الْقَتْلَى مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَخَصَّ قُرَيْشًا بِصَلَاةٍ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ جَمَعَ مَا وَجَدَ لِأَصْحَابِ عَائِشَةَ فِي الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا هُوَ لِأَهْلِهِمْ فَلْيَأْخُذْهُ، إِلَّا سِلَاحًا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ. وَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلِ يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشَرَةَ آلَافٍ;

خَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَخَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، رضي الله عنه وَرَضِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ. وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَلِيًّا أَنْ يُقَسِّمَ فِيهِمْ أَمْوَالُ أَصْحَابِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَطَعَنَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَحُلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحُلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ تَصِيرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَهْمِهِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ فَرَّقَ فِي أَصْحَابِهِ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، فَنَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةٍ، وَقَالَ: لَكُمْ مِثْلُهَا مِنَ الشَّامِ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ. فَتَكَلَّمَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ أَيْضًا، وَنَالُوا مِنْهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ.

فَصْلٌ (وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ)

وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ أَتَاهُ وُجُوهُ النَّاسِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَنْ جَاءَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَنِي سَعْدٍ - وَكَانُوا قَدِ اعْتَزَلُوا الْقِتَالَ - فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَرَبَّصْتَ - يَعْنِي بِنَا - فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَانِي إِلَّا قَدْ أَحْسَنْتُ، وَبِأَمْرِكَ كَانَ مَا كَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَارْفُقْ فَإِنَّ طَرِيقَكَ الَّذِي سَلَكْتَ بِعِيدٌ، وَأَنْتَ إِلَيَّ غَدًا أَحْوَجُ مِنْكَ أَمْسِ، فَاعْرِفْ إِحْسَانِي، وَاسْتَبْقِ مَوَدَّتِي لِغَدٍ، وَلَا تَقُلْ مِثْلَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ نَاصِحًا.

قَالُوا: ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى رَايَاتِهِمْ، حَتَّى

الْجَرْحَى وَالْمُسْتَأْمِنَةُ. وَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ، فَبَايَعَهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ الْمَرِيضُ - يَعْنِي أَبَاهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَرِيضٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ عَلَى مَسَرَّتِكَ لَحَرِيصٌ. فَقَالَ: امْشِ أَمَامِي، فَمَضَى إِلَيْهِ فَعَادَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرَةَ فَعَذَرَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْبَصْرَةَ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِكَ يَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّاسُ. وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِابْنِ عَبَّاسٍ فَوَلَّاهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَجَعَلَ مَعَهُ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى الْخَرَاجِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ زِيَادٍ وَكَانَ زِيَادٌ مُعْتَزِلًا.

ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي فِيهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، فَاسْتَأْذَنَ وَدَخَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَرَحَّبَتْ بِهِ، وَإِذَا النِّسَاءُ فِي دَارِ بَنِي خَلَفٍ يَبْكِينَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ; عَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ ابْنَا خَلَفٍ، فَعَبْدُ اللَّهِ قُتِلَ مَعَ عَائِشَةَ، وَعُثْمَانُ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ قَالَتْ لَهُ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ: أَيْتَمَ اللَّهُ مِنْكَ أَوْلَادَكَ كَمَا أَيْتَمْتَ أَوْلَادِي. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا عَلِيٌّ شَيْئًا، فَلَمَّا خَرَجَ أَعَادَتْ عَلَيْهِ الْمَقَالَةَ أَيْضًا، فَسَكَتَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَسْكُتُ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَقُولُ مَا تَسْمَعُ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُفَّ عَنِ النِّسَاءِ وَهُنَّ مُشْرِكَاتٌ، أَفَلَا نَكُفُّ عَنْهُنَّ وَهُنَّ مُسْلِمَاتٌ؟! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَلَى الْبَابِ رَجُلَيْنِ يَنَالَانِ مِنْ عَائِشَةَ. فَأَمَرَ عَلِيٌّ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَجْلِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً، وَأَنْ يُخْرِجَهُمَا مِنْ ثِيَابِهِمَا.

وَقَدْ سَأَلَتْ عَائِشَةُ عَمَّنْ قُتِلَ مَعَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ لَهَا وَاحِدٌ تَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ.

وَلَمَّا أَرَادَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعَثَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، بِكُلِّ مَا يَنْبَغِي مِنْ مَرْكَبٍ وَزَادٍ وَمَتَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَذِنَ لِمَنْ نَجَا مِمَّنْ جَاءَ فِي جَيْشِهَا أَنْ يَرْجِعَ مَعَهَا، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ الْمَقَامَ، وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفَاتِ. وَسَيَّرَ مَعَهَا أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَتْ فِيهِ، جَاءَ عَلِيٌّ فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ وَحَضَرَ النَّاسُ مَعَهُ وَخَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ فِي الْهَوْدَجِ، فَوَدَّعَتِ النَّاسَ وَدَعَتْ لَهُمْ وَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ لَا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلَّا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الْأَخْيَارِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلَّا ذَاكَ وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ، صلى الله عليه وسلم، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَسَارَ عَلِيٌّ مَعَهَا مُوَدِّعًا وَمُشَيِّعًا أَمْيَالًا وَسَرَّحَ بَنِيهِ مَعَهَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ - وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ - وَقَصَدَتْ فِي مَسِيرِهَا ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَتْ بِهَا إِلَى أَنْ حَجَّتْ عَامَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، صلى الله عليه وسلم

وَأَمَّا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَّ اسْتَجَارَ بِمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ فَأَجَارَهُ وَوَفَّى لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ بَنُو مَرْوَانَ يُكْرِمُونَ مَالِكًا وَيُشَرِّفُونَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَلَ دَارَ بَنِي خَلَفٍ فَلَمَّا خَرَجَتْ عَائِشَةُ، خَرَجَ مَعَهَا، فَلَمَّا سَارَتْ هِيَ إِلَى مَكَّةَ سَارَ هُوَ إِلَى الْمَدِينَةِ

قَالُوا: وَقَدْ عَلِمَ مَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ الْوَقْعَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا كَانَتِ النُّسُورُ تَخْطَفُهُ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ فَيَسْقُطُ مِنْهَا هُنَالِكَ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلِمُوا بِذَلِكَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ أَنَّ نَسْرًا مَرَّ بِهِمْ وَمَعَهُ شَيْءٌ فَسَقَطَ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ كَفٌّ فِيهِ خَاتَمٌ نَقْشُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابٍ.

هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، صلى الله عليه وسلم عَنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلَقَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَالْأَخْبَارِ الْمَوْضُوعَةِ الَّتِي يَنْقُلُونَهَا بِمَا فِيهَا، وَإِذَا دُعُوا إِلَى الْحَقِّ الْوَاضِحِ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا: لَنَا أَخْبَارُنَا وَلَكُمْ أَخْبَارُكُمْ. فَنَقُولُ لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [الْقَصَصِ: ٥٥].

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، صلى الله عليه وسلم أَجْمَعِينَ

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عِدَّةَ الْقَتْلَى نَحْوٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَأَمَّا الْجَرْحَى فَلَا

يُحْصَوْنَ كَثْرَةً.

وَلَمْ يَكُنْ فِي الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَشَرَاتُ أُلُوفٍ، فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْهُمْ مِائَةٌ، بَلْ لَمْ يَبْلُغُوا ثَلَاثِينَ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَشْهَدِ الْجَمَلَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، غَيْرَ عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، فَإِنْ جَاءُوا بِخَامِسٍ فَأَنَا كَذَّابٌ. قُلْتُ: قَدْ حَضَرَهَا عَائِشَةُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَآخَرُونَ. فَمِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ فِي الْمَعْرَكَةِ

طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ.

وَيُعْرَفُ بِطَلْحَةَ الْخَيْرِ، وَطَلْحَةَ الْفَيَّاضِ; لِكَثْرَةِ بِرِّهِ، وَكَثْرَةِ جُودِهِ. أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيَّةِ يَشُدُّهُمَا فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَسْتَطِيعُ بَنُو تَيْمٍ أَنْ تَمْنَعَهُمَا مِنْهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ لِطَلْحَةَ وَأَبِي بَكْرٍ: الْقَرِينَانِ. وَقَدْ هَاجَرَ وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا بَدْرًا، فَإِنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فِي تِجَارَةٍ وَقِيلَ: فِي رِسَالَةٍ; لِهَذَا ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ مِنْ بَدْرٍ. وَكَانَتْ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ وَشُلَّتْ يَدُهُ يَوْمَئِذٍ; لِأَنَّهُ وَقَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَمَرَّتْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَانَ الصِّدِّيقُ إِذَا حَدَّثَ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ يَقُولُ: ذَاكَ يَوْمٌ كَانَ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ. وَقَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَئِذٍ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ». وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، دِرْعَانِ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ وَهُمَا عَلَيْهِ لِيَصْعَدَ صَخْرَةً هُنَالِكَ فَمَا اسْتَطَاعَ فَطَأْطَأَ لَهُ طَلْحَةُ، فَصَعِدَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا، وَقَالَ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ».

وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، وَقَدْ

صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. فَلَمَّا كَانَتْ قَضِيَّةُ عُثْمَانَ اعْتَزَلَ عَنْهُ، فَنَسَبَهُ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى تَحَامُلٍ عَلَيْهِ; فَلِهَذَا لَمَّا حَضَرَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَاجْتَمَعَ بِهِ عَلِيٌّ فَوَعَظَهُ، تَأَخَّرَ فَوَقَفَ فِي بَعْضِ الصُّفُوفِ، فَجَاءَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَوَقَعَ فِي رُكْبَتِهِ. وَقِيلَ: فِي رَقَبَتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَانْتَظَمَ السَّهْمُ مَعَ سَاقِهِ خَاصِرَةَ الْفَرَسِ، فَجَمَحَ بِهِ حَتَّى كَادَ يُلْقِيهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَأَدْرَكَهُ مَوْلًى لَهُ فَرَكِبَ وَرَاءَهُ وَأَدْخَلَهُ الْبَصْرَةَ، فَمَاتَ بِدَارٍ فِيهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْمَعْرَكَةِ، وَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا دَارَ بَيْنَ الْقَتْلَى رَآهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ وَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا مُحَمَّدٍ، يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ أَرَاكَ مُجَدَّلًا تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ. ثُمَّ قَالَ: إِلَى اللَّهِ أَشْكُو عُجَرِي وَبُجَرِي، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي رَمَاهُ بِهَذَا السَّهْمِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَقَالَ لَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ: قَدْ كَفَيْتُكَ رَجُلًا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي رَمَاهُ غَيْرُهُ. وَهَذَا عِنْدِي أَقْرَبُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْهُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.

وَدُفِنَ طَلْحَةُ إِلَى جَانِبِ الْكَلَّاءِ وَكَانَ عُمُرُهُ سِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بِضْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً.

وَكَانَ آدَمَ وَقِيلَ: أَبْيَضَ. حَسَنَ الْوَجْهِ كَثِيرَ الشَّعْرِ، إِلَى الْقِصَرِ أَقْرَبَ، وَكَانَتْ غَلَّتُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ

وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا رَأَى طَلْحَةَ فِي مَنَامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: حَوِّلُونِي عَنْ قَبْرِي فَقَدْ آذَانِي الْمَاءُ. ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ - وَكَانَ نَائِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ - فَأَخْبَرَهُ فَاشْتَرَوْا لَهُ دَارًا بِالْبَصْرَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَحَوَّلُوهُ مِنْ قَبْرِهِ إِلَيْهَا، فَإِذَا هُوَ قَدِ اخْضَرَّ مِنْ جَسَدِهِ مَا يَلِي الْمَاءَ، وَإِذَا هُوَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُصِيبَ.

وَقَدْ وَرَدَتْ لَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ; فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ أُحُدٍ طَلْحَةَ الْخَيْرِ، وَيَوْمَ الْعُسْرَةِ طَلْحَةَ الْفَيَّاضَ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ طَلْحَةَ الْجُودِ.

وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: ثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى وَعِيسَى، ابْنَيْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ

أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالُوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَ يَسْأَلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ فَقَالُوا: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اطَّلَعْتُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟». قَالَ: هَا أَنَا ذَا. فَقَالَ: «هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ».

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْصُورٍ الْعَنَزِيُّ - اسْمُهُ النَّضْرُ - ثَنَا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْيَشْكَرِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ»

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ

وَالزُّبَيْرُ وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الْحِجْرِ: ٤٧].

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقَعُ فِي طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَجَعَلَ سَعْدٌ يَنْهَاهُ وَيَقُولُ: لَا تَقَعْ فِي إِخْوَانِي. فَأَبَى فَقَامَ سَعْدٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا مُسْخِطًا لَكَ فِيمَا يَقُولُ، فَأَرِنِي فِيهِ الْيَوْمَ آيَةً وَاجْعَلْهُ لِلنَّاسِ عِبْرَةً. فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ بِبُخْتِيٍّ يَشُقُّ النَّاسُ فَأَخَذَهُ بِالْبَلَاطِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ كِرْكِرَتِهِ وَالْبَلَاطِ فَسَحَقَهُ حَتَّى قَتَلَهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَنَا رَأَيْتُ النَّاسَ يَتَّبِعُونَ سَعْدًا وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَكَ أَبَا إِسْحَاقَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكَ.

وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ، بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ

وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ; عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ قَدِيمًا وَعُمُرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَقَلُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ. وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍّ، وَقَدْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟». فَقَالَ: أَنَا. ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَرِايًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ زِرٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، وَثَبَتَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَبَوَيْهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ; وَذَلِكَ بِمَكَّةَ حِينَ بَلَغَ الصَّحَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ فَجَاءَ الزُّبَيْرُ شَاهِرًا سَيْفَهُ حَتَّى رَأَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَشَامَ سَيْفَهُ.

وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَصَحِبَ الصِّدِّيقَ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَكَانَ خَتَنَهُ عَلَى ابْنَتِهِ

أَسْمَاءَ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْهَا; أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، فَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ فَتَشَرَّفُوا بِحُضُورِهِ، وَكَانَتْ لَهُ بِهَا الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، وَالْهِمَّةُ الْعَلْيَاءُ، اخْتَرَقَ جُيُوشُ الرُّومِ وَصُفُوفَهُمْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دَافَعَ عَنْ عُثْمَانَ وَجَاحَفَ عَنْهُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ ذَكَّرَهُ عَلِيٌّ بِمَا ذَكَّرَهُ بِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَرَجَعَ عَنِ الْقِتَالِ، وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِقَوْمِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانُوا قَدِ اعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ - فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ; يُقَالُ: هُوَ الْأَحْنَفُ: مَا بَالَ هَذَا جَمَعَ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى إِذَا الْتَقَوْا كَرَّ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِهِ؟ مَنْ رَجُلٌ يَكْشِفُ لَنَا خَبَرَهُ؟ فَاتَّبَعَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَفَضَالَةُ بْنُ حَابِسٍ، وَنُفَيْعٌ فِي طَائِفَةٍ مِنْ غُوَاةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا أَدْرَكُوهُ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَيُقَالُ: بَلْ أَدْرَكَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ: ادْنُ. فَقَالَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ; وَاسْمُهُ عَطِيَّةُ: أَرَى مَعَهُ سِلَاحًا. فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ. فَتَقَدَّمَ الزُّبَيْرُ لِيُصَلِّيَ بِهِمَا، فَطَعَنَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ فَقَتْلَهُ. وَيُقَالُ: بَلْ أَدْرَكَهُ عَمْرٌو بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي السِّبَاعِ. وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْقَائِلَةِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ شَعْرُ امْرَأَتِهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَ آخَرَ

مَنْ تَزَوَّجَهَا - وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقُتِلَ عَنْهَا أَيْضًا، وَكَانَتْ قَبْلَ عُمَرَ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقُتِلَ عَنْهَا - فَلَمَّا قُتِلَ الزُّبَيْرُ رَثَتْهُ بِقَصِيدَةٍ جَيِّدَةِ الشِّعْرِ مَحْكَمَةِ الْمَعْنَى، فَقَالَتْ:

غَدَرَ ابْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسِ بُهْمَةٍ … يَوْمَ اللَّقَاءِ وَكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ

يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ … لَا طَائِشًا رَعِشَ الْجَنَانِ وَلَا الْيَدِ

ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَنْ ظَفَرْتَ بِمِثْلِهِ … مِمَّنْ بَقِي مِمَّنْ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي

كَمْ غَمْرَةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يَثْنِهِ … عَنْهَا طِرَادُكَ يَا ابْنَ فَقْعِ الْقَرْدَدِ

وَاللَّهِ رَبِّي إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ الْمُتَعَمِّدِ

وَلَمَّا قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَلِيٍّ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ حُظْوَةٌ عِنْدَهُ، فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَأْذَنُوا لَهُ وَبَشِّرُوهُ بِالنَّارِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: بِشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ

بِالنَّارِ. وَدَخَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ وَمَعَهُ سَيْفُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ هَذَا السَّيْفَ طَالَمَا فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. فَيُقَالُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَتَلَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ إِلَى أَنْ تَأَمَّرَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْعِرَاقِ، فَاخْتَفَى مِنْهُ، فَقِيلَ لِمُصَعَبٍ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ هَاهُنَا وَهُوَ مُخْتَفٍ، فَهَلْ لَكَ فِيهِ؟ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَظْهَرْ فَهُوَ آمِنٌ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُقِيدَ لِلزُّبَيْرِ مِنْهُ فَهُوَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَهُ عِدْلًا لِلزُّبَيْرِ.

وَقَدْ كَانَ الزُّبَيْرُ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ وَصَدَقَاتٍ دَارَّةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا قُتِلَ وَجَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ فَوَفَّوْهَا عَنْهُ، وَأَخْرَجُوا بَعْدَ ذَلِكَ ثُلُثَ مَالِهِ الَّذِي كَانَ أَوْصَى بِهِ، ثُمَّ قُسِمَتِ التَّرِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ - وَكُنَّ أَرْبَعًا - مِنْ رُبُعِ الثُّمُنِ، أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَجْمُوعُ مَا قُسِمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَالثُّلُثُ الْمُوصَى بِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَالدَّيْنُ الْمُخْرَجُ قَبْلَ ذَلِكَ أَلْفَا أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَمِيعُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مَا فِيهِ نَظَرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَمَعَ مَالَهُ هَذَا بَعْدَ الصَّدَقَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمَآثِرِ الْوَثِيرَةِ، مِنَ الْحَلَالِ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ

عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَمِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهُ، وَمِنَ التِّجَارَةِ الْمَبْرُورَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ، فَرُبَّمَا تَصَدَّقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِخَرَاجِهِمْ كُلِّهِمْ، صلى الله عليه وسلم وَأَرْضَاهُ.

وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسَ لِعَشَرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السِّتِّينَ سَنَةً بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ، مُعْتَدِلَ اللَّحْمِ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، صلى الله عليه وسلم.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نِيَابَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَكَانَ عَلَى نِيَابَتِهَا فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ مِنْ خَوَارِجِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى عُثْمَانَ لِيَقْتُلُوهُ وَكَانَ الَّذِي جَهَّزَهُمْ إِلَيْهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ - مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، وَكَانَ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ بِالْيَمَامَةِ قَدْ أَوْصَى بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَفَلَهُ وَرَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَنَشَأَ فِي عِبَادَةٍ وَزَهَادَةٍ، وَسَأَلَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَمَلًا، فَقَالَ لَهُ: مَتَى مَا صِرْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَلَّيْتُكَ. فَتَعَتَّبَ فِي نَفْسِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْغَزْوِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَصَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَحَضَرَ مَعَ أَمِيرِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ غَزْوَةَ الصَّوَارِي، كَمَا قَدَّمْنَا. وَشَرَعَ يَنْتَقِصُ عُثْمَانَ،

صلى الله عليه وسلم، وَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ يَشْكُوهُمَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِمَا عُثْمَانُ شَيْئًا، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ حَتَّى اسْتَنْفَرَ أُولَئِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَدْ حَصَرُوا عُثْمَانَ، تَغَلَّبَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ بَعَثَ عَلَى إِمْرَةِ مِصْرَ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَشَمِتَ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ إِذْ لَمْ يُمَتَّعْ بِمُلْكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَنَةً. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى الشَّامِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَيْهِ لِيُخْرِجَاهُ مِنْهَا; لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْأَعْوَانِ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَبَّاهُ وَكَفَلَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَعَالَجَا دُخُولَ مِصْرَ فَلَمْ يَقْدِرَا، فَلَمْ يَزَالَا يَخْدَعَانِهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعَرِيشِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَجَاءَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَنِيقَ حَتَّى نَزَلَ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُتِلُوا. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ

ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ بِوِلَايَةٍ مِنْ عَلِيٍّ، فَدَخَلَهَا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ،

فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمْ كَثِيرًا الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ بِحُسْنِ صَنِيعِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ دِينًا لِنَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَبَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ إِلَى عِبَادِهِ، وَخَصَّ بِهِ مَنِ انْتَخَبَ مِنْ خَلْقِهِ، فَكَانَ مِمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَخَصَّهُمْ بِهِ مِنَ الْفَضِيلَةِ أَنْ بَعَثَ مُحَمَّدًا، صلى الله عليه وسلم، يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالْفَرَائِضَ وَالسَّنَةَ; لِكَيْمَا يَهْتَدُوا، وَجَمَعَهُمْ لِكَيْلَا يَتَفَرَّقُوا، وَزَكَّاهُمْ لِكَيْ يَتَطَهَّرُوا، وَوَفَّقَهُمْ لِكَيْلَا يَجُورُوا، فَلَمَّا قَضَى مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُهُ وَرَحْمَتُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اسْتَخْلَفُوا بَعْدَهُ أَمِيرَيْنِ صَالِحَيْنِ، عَمِلَا بِالْكِتَابِ، وَأَحْسَنَا السِّيرَةَ وَلَمْ يَعْدُوَا السُّنَّةَ، ثُمَّ تَوَفَّاهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَرَحِمَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ وَلَّى بَعْدَهُمَا وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثًا، فَوَجَدَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مَقَالًا فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا عَلَيْهِ فَغَيَّرُوا، ثُمَّ جَاءُونِي فَبَايَعُونِي، فَأَسْتَهْدِي اللَّهَ بِهُدَاهُ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى التَّقْوَى، أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالْقِيَامَ عَلَيْكُمْ بِحَقِّهِ، وَالنُّصْحَ لَكُمْ بِالْغَيْبِ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَوَازِرُوهُ وَكَانِفُوهُ وَأَعِينُوهُ عَلَى الْحَقِّ، وَقَدْ أَمَرْتُهُ

بِالْإِحْسَانِ إِلَى مُحْسِنِكُمْ، وَالشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ، وَالرِّفْقِ بِعَوَامِّكُمْ وَخَوَاصِّكُمْ، وَهُوَ مِمَّنْ أَرْضَى هَدْيَهُ وَأَرْجُو صَلَاحَهُ وَنَصِيحَتَهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ عَمَلَا زَاكِيًا، وَثَوَابًا جَزِيلًا، وَرَحْمَةً وَاسِعَةً، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.

قَالَ: ثُمَّ قَامَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَخَطَبَ النَّاسَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ، فَقَامَ النَّاسُ فَبَايَعُوهُ، وَاسْتَقَامَتْ لَهُ طَاعَةُ بِلَادِ مِصْرَ سِوَى قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا: خِرِبْتَا. فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ أَعْظَمُوا قَتْلَ عُثْمَانَ، وَكَانُوا سَادَةَ النَّاسِ وَوُجُوهَهُمْ، وَكَانُوا فِي نَحْوٍ مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ - مِنْهُمْ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ - وَعَلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُدْلَجِيُّ. وَبَعَثُوا إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَوَادَعَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ تَأَخَّرَ عَنِ الْبَيْعَةِ فَتَرَكَهُ قَيْسٌ وَوَادَعَهُ.

ثُمَّ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُ الشَّامِ بِحَذَافِيرِهِ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الرُّومِ وَالسَّوَاحِلِ - وَجَزِيرَةُ قُبْرُسَ أَيْضًا تَحْتَ

حُكْمِهِ يَأْتِيِهِ حِمْلُهَا - وَبَعْضِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ; كَالرُّهَا وَحَرَّانَ وَقَرْقِيسِيَاءَ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ أَتَاهُ الَّذِينَ هَرَبُوا يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَقَدْ أَرَادَ الْأَشْتَرُ انْتِزَاعَ هَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ نُوَّابِ مُعَاوِيَةَ، فَبَعْثَ إِلَيْهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَفَرَّ مِنْهُ الْأَشْتَرُ وَهَرَبَ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا اسْتَوْسَقَتْ لَهُ الْبِلَادُ كَمَا ذَكَرْنَا، كَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَازِرًا لَهُ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْقِيَامِ فِي ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَكُونَ نَائِبَهُ عَلَى الْعِرَاقَيْنِ إِذَا تَمَّ لَهُ الْأَمْرُ مَا دَامَ سُلْطَانًا.

فَلَمَّا بَلَغَهُ الْكِتَابُ - وَكَانَ قَيْسُ رَجُلًا حَازِمًا - لَمْ يُخَالِفْهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ، بَلْ بَعَثَ يُلَاطِفُ مَعَهُ الْأَمْرَ; وَذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَقُرْبِهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَمَا مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ الْجُنُودِ، فَسَالَمَهُ قَيْسٌ وَتَارَكَهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَلَا خَالَفَهُ عَلَيْهِ. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَا يَسَعُكَ مَعِيَ تَسْوِيفُكَ بِي، وَخَدِيعَتُكَ لِي، وَلَا بُدَّ أَنْ أَعْلَمَ أَنَّكَ سَلْمٌ لِي أَوْ عَدُوٌّ - وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَازِمًا أَيْضًا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ - قَيْسٌ لَمَّا صَمَّمَ عَلَيْهِ: إِنِّي مَعَ عَلِيٍّ; إِذْ هُوَ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْكَ. فَلَمَّا بَلَغَ

ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، يَئِسَ مِنْهُ وَرَجَعَ عَنْهُ.

ثُمَّ أَشَاعَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ قَيْسًا يُكَاتِبُهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَيُمَالِئُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ جَاءَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ كِتَابٌ مُزَوَّرٌ بِمُبَايَعَةِ قَيْسٍ مُعَاوِيَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إِلَى عَلِيٍّ اتَّهَمَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ أَهْلَ خِرِبْتَا الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْبَيْعَةِ، فَبَعَثَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَهُمْ وُجُوهُ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَمَرْتَنِي بِهَذَا لِتَخْتَبِرَنِي; لِأَنَّكَ اتَّهَمْتَنِي فِي طَاعَتِكَ، فَابْعَثْ عَلَى عَمَلِكَ بِمِصْرَ غَيْرِي. فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، فَسَارٍ إِلَيْهَا فَلَمَّا بَلَغَ الْقُلْزُمَ شَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ فَكَانَ فِيهَا حَتْفُهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ فَقَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ جُنْدًا مِنْ عَسَلٍ. فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا مَهْلِكُ الْأَشْتَرِ، بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى إِمْرَةِ مِصْرَ، وَقَدْ قِيلَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: إِنَّهُ إِنَّمَا وَلَّاهُ مِصْرَ بَعْدَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَارْتَحَلَ قَيْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى عَلِيٍّ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَعَذَرَهُ عَلِيٌّ، وَشَهِدَا مَعَهُ صِفِّينَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ. فَلَمْ يَزَلْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَائِمَ الْأَمْرِ مَهْنِيًّا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ، وَبَلَغَ أَهْلَ مِصْرَ صَبْرُ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَصَارُوا إِلَى

التَّحْكِيمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ أَهْلُ مِصْرَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَاجْتَرَءُوا عَلَيْهِ وَبَارَزُوهُ بِالْعَدَاوَةِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدْ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أَرَادُوا حَصْرَهُ; لِئَلَّا يَشْهَدَ مَهْلِكَهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَتِّبًا عَلَى عُثْمَانَ بِسَبَبِ عَزْلِهِ لَهُ عَنْ دِيَارِ مِصْرَ وَهُوَ الَّذِي فَتَحَهَا، وَتَوْلِيَتِهِ بَدَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى تَغَضُّبٍ وَغَيْظٍ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْأُرْدُنِّ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، صلى الله عليه وسلم، صَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَايَعَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقِيَامِ بِدَمِ عُثْمَانَ.

فَصَلٌ فِي ذِكْرِ وَقْعَةِ صِفِّينَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ

قَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَشَرَاتُ أُلُوفٍ فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْهُمْ مِائَةٌ، بَلْ لَمْ يَبْلُغُوا ثَلَاثِينَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ لِشُعْبَةَ: إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ رَوَى عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. فَقَالَ: كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَاكَرْنَا الْحَكَمَ فِي ذَلِكَ، فَمَا وَجَدْنَاهُ شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ غَيْرَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَكَذَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ». وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ قَالَ: أَمَا إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَّا إِلَى قُبُورِهِمْ.

وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَدَخَلَ الْبَصْرَةَ وَشَيَّعَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ لَمَّا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ إِلَى مَكَّةَ، سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْكَنُودِ عُبَيْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ: فَدَخَلَهَا عَلِيٌّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَقِيلَ لَهُ: انْزِلْ بِالْقَصْرِ الْأَبْيَضِ. فَقَالَ: لَا، إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ نُزُولَهُ، فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِذَلِكَ. فَنَزَلَ فِي الرَّحْبَةِ وَصَلَّى فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَثَّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَمَدَحَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَكَانَ عَلَى هَمَذَانَ مِنْ زَمَانِ عُثْمَانَ - وَإِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - وَهُوَ

عَلَى نِيَابَةِ أَذْرَبِيجَانَ مِنْ أَيَّامِ عُثْمَانَ - يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَأْخُذَا الْبَيْعَةَ لَهُ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ ثُمَّ يُقْبِلَا إِلَيْهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَبْعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، صلى الله عليه وسلم، يَدْعُوهُ إِلَى بَيْعَتِهِ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وُدًّا، فَآخُذُ لَكَ الْبَيْعَةَ مِنْهُ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: لَا تَبْعَثْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَوَاهُ مَعَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعْهُ. فَبَعَثَهُ وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ بِاجْتِمَاعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى بَيْعَتِهِ، وَيُخْبِرُهُ بِمَا كَانَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْطَاهُ الْكِتَابَ. وَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَرُءُوسَ أَهْلِ الشَّامِ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا حَتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أَوْ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَاتَلُوهُ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ حَتَّى يَقْتُلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَرَجَعَ جَرِيرٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: أَلَمْ أَنْهَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَبْعَثَ جَرِيرًا؟ فَلَوْ كُنْتَ بَعَثْتَنِي لَمَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ بَابًا إِلَّا أَغْلَقْتُهُ. فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ لَوْ كُنْتَ ثَمَّ لَقَتَلُوكَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: وَاللَّهِ لَوْ بَعَثَنِي لَمْ يُعْيِنِي جَوَابُ مُعَاوِيَةَ وَلَأُعْجِلَنَّهُ عَنِ الْفِكْرَةِ، وَلَوْ أَطَاعَنِي فِيكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، لَحَبَسَكَ وَأَمْثَالَكَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَامَ جَرِيرٌ مُغْضَبًا فَأَقَامَ بِقَرْقِيسِياءَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ.

وَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مِنَ الْكُوفَةِ عَازِمًا عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الشَّامِ، فَعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبَا مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الْبَدْرِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِأَنْ يُقِيمَ بِالْكُوفَةِ وَيَبْعَثَ الْجُنُودَ، وَأَشَارَ آخَرُونَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ. وَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَاسْتَشَارَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَيْهِ أَيْضًا أَنْتَ بِنَفْسِكَ. وَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ صَنَادِيدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ قَدْ تَفَانَوْا يَوْمَ الْجَمَلِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِمَّنْ قَتَلَ الْخَلِيفَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَفِي دَمِ عُثْمَانَ خَلِيفَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِلُّوهُ. وَكَتَبَ إِلَى أَجْنَادِ الشَّامِ فَحَضَرُوا، وَعُقِدَتِ الْأَلْوِيَةُ وَالرَّايَاتُ لِلْأُمَرَاءِ، وَتَهَيَّأَ أَهْلُ الشَّامِ وَتَأَهَّبُوا، وَخَرَجُوا أَيْضًا إِلَى نَحْوِ الْفُرَاتِ مِنْ نَاحِيَةِ صِفِّينَ - حَيْثُ يَكُونُ مَقْدَمُ عَلِيٍّ - وَسَارَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ النُّخَيْلَةِ قَاصِدًا أَرْضَ الشَّامِ.

قَالَ أَبُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: وَكَانَ فِي جَيْشِ عَلِيٍّ ثَمَانُونَ بَدْرِيًّا، وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ دِيزِيلَ. وَقَدِ اجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِرَاهِبٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَرَابِيسِيِّ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ

عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ الْأَعْوَرُ، عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلِيٌّ الرَّقَّةَ، نَزَلَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبَلِيخُ. عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَاهِبٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ عِنْدَنَا كِتَابًا تَوَارَثْنَاهُ عَنْ آبَائِنَا، كَتَبَهُ أَصْحَابُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، عليه السلام، أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَرَأَ الرَّاهِبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي قَضَى فِيمَا قَضَى، وَسَطَّرَ فِيمَا سَطَّرَ، وَكَتَبَ فِيمَا كَتَبَ أَنَّهُ بَاعِثٌ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَفِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ تَذِلُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَيَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ نَاوَأَهُ، فَإِذَا تَوَفَّاهُ اللَّهُ اخْتَلَفَتْ أُمَّتُهُ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فَلَبِثَتْ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ، ثُمَّ يَمُرُّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ بِشَاطِئِ هَذَا الْفُرَاتِ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَقْضِي بِالْحَقِّ، وَلَا يُنَكِّسُ الْحُكْمُ، الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّمَادِ - أَوْ قَالَ: التُّرَابِ - فِي يَوْمٍ عَصَفَتْ فِيهِ الرِّيحُ، وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ، يَخَافُ اللَّهَ فِي السِّرِّ، وَيَنْصَحُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ النَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ فَآمَنَ بِهِ، كَانَ ثَوَابُهُ رِضْوَانِي وَالْجَنَّةَ، وَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فَلْيَنْصُرْهُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ مَعَهُ شَهَادَةٌ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ:

فَأَنَا أُصَاحِبُكَ فَلَا أُفَارِقُكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ. فَبَكَى عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي عِنْدَهُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَكَرَنِي عِنْدَهُ فِي كُتُبِ الْأَبْرَارِ. فَمَضَى الرَّاهِبُ مَعَهُ وَأَسْلَمَ، فَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ صِفِّينَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ يَدْفِنُونَ قَتْلَاهُمْ قَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا الرَّاهِبَ. فَلَمَّا وَجَدُوهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ.

وَقَدْ بَعَثَ عَلِىٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ طَلِيعَةً فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارُوا فِي طَرِيقٍ بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَقَطَعَ دِجْلَةَ مِنْ جِسْرِ مَنْبِجٍ، وَسَارَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَكِبَ فِي أَهْلِ الشَّامِ; لِيَلْقَى عَلِيًّا، فَهَمُّوا بِلِقَائِهِ، فَخَافُوا مِنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ وَجَاءُوا لِيَعْبُرُوا مِنْ عَانَاتَ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ عَانَاتَ، فَسَارُوا فَعَبَرُوا مِنْ هِيتَ، ثُمَّ لَحِقُوا عَلِيًّا - وَقَدْ سَبَقَهُمْ - فَقَالَ عَلِيٌّ: مُقَدِّمَتِي تَأْتِي مِنْ وَرَائِي! فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِمَا جَرَى لَهُمْ، فَعَذَرَهُمْ ثُمَّ قَدَّمَهُمْ أَمَامَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَنْ عَبَرَ الْفُرَاتَ، فَتَلَقَّاهُمْ أَبُو الْأَعْوَرِ عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ السُّلَمِىُّ فِي مُقَدِّمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَتَوَاقَفُوا، وَدَعَاهُمْ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ أَمِيرُ مُقَدِّمَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُجِيبُوهُ بِشَيْءٍ، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ أَمِيرًا، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ شُرَيْحٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ

لَا يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَأُوهُ أَوَّلًا بِالْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِيَدْعُهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَإِنِ امْتَنَعُوا فَلَا يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوهُ، وَلَا يَقْرَبْ مِنْهُمْ قُرْبَ مَنْ يُرِيدُ الْحَرْبَ، وَلَا يُبْعُدْ مِنْهُمْ إِبْعَادَ مَنْ يَهَابُ الرِّجَالَ، وَلَكِنْ صَابِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَنَا حَثِيثُ السَّيْرِ وَرَاءَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَبَعَثَ مَعَهُ بِكِتَابِ الْإِمَارَةِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ جُمْهَانَ الْجُعْفِيِّ.

فَلَمَّا قَدِمَ الْأَشْتَرُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ عَلِيٌّ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَمُقَدِّمَةُ مُعَاوِيَةَ وَعَلَيْهَا أَبُو الْأَعْوَرِ، فَلَمْ يَزَالُوا مُتَوَاقِفِينَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ فَثَبَتُوا لَهُ، وَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَوَاقَفُوا أَيْضًا وَتَصَابَرُوا، فَحَمَلَ الْأَشْتَرُ فَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُنْذِرِ التَّنُوخِيَّ - وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ الشَّامِ - قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ التَّمِيمِيُّ. فَعِنْدَ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ بِمَنْ مَعَهُ، فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ الْأَشْتَرُ مِنْ أَبِي الْأَعْوَرِ أَنْ يُبَارِزَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو الْأَعْوَرِ إِلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ تَحَاجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْقِتَالِ عِنْدَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي.

فَلَمَّا كَانَ صَبَاحُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَقْبَلَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، فِي جُيُوشِهِ وَجَاءَ مُعَاوِيَةُ، صلى الله عليه وسلم، فِي جُنُودِهِ فَتَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ، وَتَقَابَلَ الْجَمْعَانِ - وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ - فَتَوَاقَفُوا طَوِيلًا، وَذَلِكَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: صِفِّينَ. وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَدَلَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، فَارْتَادَ لِجَيْشِهِ مَنْزِلًا، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ سَبَقَ بِجَيْشِهِ فَنَزَلُوا عَلَى مَشْرَعَةِ الْمَاءَ فِي أَسْهَلِ مَوْضِعٍ وَأَفْيَحِهِ، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ نَزَلَ بَعِيدًا مِنَ الْمَاءِ، وَجَاءَ سَرَعَانُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِيَرِدُوا مِنَ الْمَاءِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ مُقَاتَلَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ وَكَّلَ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَشْرَعَةٌ سِوَاهَا، فَعَطِشَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ فِي جَمَاعَةٍ لِيَصِلُوا إِلَى الْمَاءِ، فَمَنَعَهُمْ أُولَئِكَ وَقَالُوا: مُوتُوا عَطَشًا كَمَا مَنَعْتُمْ عُثْمَانَ الْمَاءَ. فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، ثُمَّ تَطَاعَنُوا بِالرِّمَاحِ أُخْرَى، ثُمَّ تَقَاتَلُوا بِالسُّيُوفِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَدَّ كُلَّ طَائِفَةٍ أَصْحَابُهَا، حَتَّى جَاءَ الْأَشْتَرُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِيِّينَ، فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْمَرِ الْأَزْدِيُّ - وَهُوَ يُقَاتِلُ:

خَلُّوا لَنَا مَاءَ الْفُرَاتِ الْجَارِي … أَوِ اثْبُتُوا لِجَحْفَلٍ جَرَّارِ

لِكُلِّ قَرْمٍ مُسْتَمِيتٍ شَارِ … مُطَاعِنٍ بِرُمْحِهِ كَرَّارِ

ضَرَّابِ هَامَاتِ الْعِدَا مِغْوَارِ

ثُمَّ مَا زَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْشِفُونَ الشَّامِيِّينَ عَنِ الْمَاءِ حَتَّى أَزَاحُوهُمْ عَنْهُ وَخَلَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى الْوُرُودِ حَتَّى صَارُوا يَزْدَحِمُونَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لَا يُكَلِّمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَلَا يُؤْذِي إِنْسَانٌ مِنْهُمْ إِنْسَانًا.

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَمَرَ أَبَا الْأَعْوَرِ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ وَقَفَ دُونَهَا بِرِمَاحٍ مُشْرَعَةٍ، وَسُيُوفٍ مُسَلَّلَةٍ، وَسِهَامٍ مُفَوَّقَةٍ، وَقِسِيٍّ مُوَتَّرَةٍ، فَجَاءَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ عَلِيًّا فَشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَبَعَثَ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا جِئْنَا كَافِّينَ عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى نُقِيمَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، فَبَعَثْتَ إِلَيْنَا مُقَدَّمَتَكَ فَقَاتَلَتْنَا قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَكُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ هَذِهِ أُخْرَى قَدْ مَنَعْتُمُونَا الْمَاءَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْقَوْمِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ خَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَيْسَ مِنَ النَّصَفِ أَنْ نَكُونَ رَيَّانِينَ وَهُمْ عِطَاشٌ. وَقَالَ الْوَلِيدُ: دَعْهُمْ يَذُوقُوا مِنَ الْعَطَشِ مَا أَذَاقُوا أَمِيرَ

الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ حِينَ حَصَرُوهُ فِي دَارِهِ وَمَنَعُوهُ طَيِّبَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ: امْنَعْهُمُ الْمَاءَ إِلَى اللَّيْلِ فَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ. فَسَكَتَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ لَهُ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: مَاذَا جَوَابُكَ؟ فَقَالَ: سَيَأْتِيكُمْ رَأْيِي بَعْدَ هَذَا. فَلَمَّا رَجَعَ صَعْصَعَةُ فَأَخْبَرَ الْخَبَرَ، رَكِبَتِ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ فَمَا زَالُوا حَتَّى أَزَاحُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ وَوَرَدُوهُ قَهْرًا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى وُرُودِهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْهُ.

وَأَقَامَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لَا يُكَاتِبُ مُعَاوِيَةَ وَلَا يُكَاتِبُهُ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ دَعَا عَلِيٌّ بَشِيرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيَّ فَقَالَ: ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ فَادْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَاسْمَعُوا مَا يَقُولُ لَكُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ عَمْرٍو: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ الدُّنْيَا عَنْكَ زَائِلَةٌ، وَإِنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ مُحَاسِبُكُ بِعَمَلِكَ، وَمُجَازِيكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَفَرِّقَ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَهَا بَيْنَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: هَلَّا أَوْصَيْتَ بِذَلِكَ صَاحِبَكُمْ؟! فَقَالَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبِي أَحَقُّ هَذِهِ الْبَرِيَّةِ بِالْأَمْرِ فِي فَضْلِهِ وَدِينِهِ وَسَابِقَتِهِ وَقَرَابَتِهِ، وَإِنَّهُ يَدْعُوكَ إِلَى مُبَايَعَتِهِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ فِي دُنْيَاكَ، وَخَيْرٌ لَكَ فِي أُخْرَاكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَيُطَلُّ دَمُ عُثْمَانَ؟ لَا وَاللَّهِ لَا

أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَدًا. ثُمَّ أَرَادَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَبَدَرَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ وَجَفَاءٌ فِي حَقِّ مُعَاوِيَةَ، فَزَجَرَهُ مُعَاوِيَةُ وَزَبَرَهُ فِي افْتِيَاتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَشْرَفُ، وَفِي كَلَامِهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَأُخْرِجُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَصَمَّمَ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا.

فَعِنْدَ ذَلِكَ نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ عَلِيٌّ بِالطَّلَائِعِ وَالْأُمَرَاءِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا لِلْحَرْبِ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يُؤَمِّرُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الْحَرْبِ أَمِيرًا، فَمِنْ أُمَرَائِهِ عَلَى الْحَرْبِ; الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ - وَهُوَ أَكْبَرُ مَنْ كَانَ يَخْرُجُ لِلْحَرْبِ - وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُعَمَّرِ، وَزِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ مُعَاوِيَةُ; كَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَبْعَثُ عَلَى الْحَرْبِ أَمِيرًا، فَمِنْ أُمَرَائِهِ; عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، صلى الله عليه وسلم، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ.

وَرُبَّمَا اقْتَتَلَ النَّاسُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِذَلِكَ.

فَلَمَّا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ وَدَخَلَ الْمُحَرَّمُ تَدَاعَى النَّاسُ لِلْمُتَارَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ، فَكَانَ مَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.6 / 29.5
الإضاءة 4%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
الحمد لله