ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَالسُّلْطَانُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ.

وَعَمِلَتِ الرَّوَافِضُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَزَاءَ الْحُسَيْنِ، عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ النَّوْحِ.

وَلَمَّا كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوَفِّيَ:

مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ

الَّذِي أَظْهَرَ الرَّفْضَ، وَيُقَالُ لَهُ: مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، بِعِلَّةِ الذَّرَبِ، فَصَارَ لَا يَثْبُتُ فِي مَعِدَتِهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَدَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَظَالِمِ، وَتَصَدَّقَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَأَعْتَقَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ بَخْتِيَارَ عِزِّ الدَّوْلَةِ.

وَقَدِ اجْتَمَعَ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَكَلَّمَهُ فِي السُّنَّةِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا قَطُّ. وَرَجَعَ إِلَى السُّنَّةِ وَمُتَابَعَتِهَا، وَلَمَّا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، خَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا

تُصَلِّي هَاهُنَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ دَارَكَ مَغْصُوبَةٌ. فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ.

وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ حَلِيمًا كَرِيمًا عَاقِلًا، وَكَانَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ السُّعَاةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ; لِيَبْعَثَ بِأَخْبَارِهِ إِلَى أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ إِلَى شِيرَازَ سَرِيعًا، وَحَظِيَ عِنْدَهُ أَهْلُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَتَعَلَّمَ أَهْلُ بَغْدَادَ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ فَرْسَخًا، وَكَانَ فِي الْبَلَدِ سَاعِيَانِ مَاهِرَانِ، وَهُمَا فَضْلٌ وَمَرْعُوشٌ، يَتَعَصَّبُ لِهَذَا عَوَامُّ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا عَوَامُّ أَهْلِ الشِّيعَةِ، وَجَرَتْ لَهُمَا مَنَاصِفُ وَمَوَاقِفُ.

وَلَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ دُفِنَ بِبَابِ التِّبْنِ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَجَلَسَ ابْنُهُ لِلْعَزَاءِ، وَأَصَابَ النَّاسَ مَطَرٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا، فَبَعَثَ عِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى رُءُوسِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِمَالٍ جَزِيلٍ; لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الدَّوْلَةُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ مُبَايَعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَقْلِهِ وَدَهَائِهِ.

وَكَانَ عُمُرُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَيَوْمَيْنِ، وَكَانَ قَدْ نَادَى فِي أَيَّامِهِ بِرَدِّ الْمَوَارِيثِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ قَبْلَ بَيْتِ الْمَالِ.

وَقَدْ سَمِعَ بَعْضُ النَّاسِ لَيْلَةَ تُوُفِّيَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ هَاتِفًا يَقُولُ:

لَمَّا بَلَغْتَ أَبَا الْحُسَيْـ … ـــنِ مُرَادَ نَفْسِكَ فِي الطَّلَبْ

وَأَمِنْتَ مِنْ حَدَثِ اللَّيَا … لِي وَاحْتَجَبْتَ عَنِ النُّوَبْ

مُدَّتْ إِلَيْكَ يَدُ الرَّدَى … وَأُخِذْتَ مِنْ بَيْتِ الذَّهَبْ

وَلَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ عِزُّ الدَّوْلَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ النِّسَاءِ، فَتَفَرَّقَ شَمْلُهُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ، وَطَمِعَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ صَاحِبُ بِلَادِ خُرَاسَانَ فِي مُلْكِ بَنِي بُوَيْهِ، وَأَرْسَلَ الْجُيُوشَ الْكَثِيفَةَ صُحْبَةَ الْمَلِكِ وُشْمَكِيرَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَابْنِ أَخِيهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُمَا، فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ بِجُنُودٍ كَثِيرَةٍ، فَرَكِبَ فِيهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ وُشْمَكِيرُ يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَيَقُولُ: لَئِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ وَلَأَفْعَلَنَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: لَكِنِّي إِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكَ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكَ وَلَأَصْفَحَنَّ عَنْكَ. فَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِهَذَا، فَدَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ شَرَّهُ; وَذَلِكَ أَنَّوُشْمَكِيرَ رَكِبَ فَرَسًا صَعْبَةً فَتَصَيَّدَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خِنْزِيرٌ، فَنَفَرَتِ الْفَرَسُ، فَأَلْقَتْهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ.

وَبَعَثَ ابْنُ وُشْمَكِيرَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ مِنْ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَمَّنَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْمَالِ وَالرِّجَالِ، وَوَفَى بِمَا قَالَ، وَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ كَيْدَ السَّامَانِيَّةِ، وَذَلِكَ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَحُسْنِ الطَّوِيَّةِ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ

الْأَصْبِهَانِيُّ

صَاحِبُ كِتَابِ «الْأَغَانِي» وَكِتَابِ «أَيَّامِ الْعَرَبِ» ذَكَرَ فِيهِ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ وَوَقَائِعِهِمْ، وَكَانَ شَاعِرًا أَدِيبًا كَاتِبًا، عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمِثْلُهُ لَا يُوثَقُ بِهِ; فَإِنَّهُ يُصَرِّحُ فِي كُتُبِهِ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِسْقَ، وَيُهَوِّنُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَرُبَّمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كِتَابَ «الْأَغَانِي» رَأَى كُلَّ قَبِيحٍ وَمُنْكَرٍ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُطَيَّنٍ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.

تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا الْبُحْتُرِيُّ الشَّاعِرُ. وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً; مِنْهَا «الْأَغَانِي» «وَالدِّيَارَاتُ»، وَ «أَيَّامُ الْعَرَبِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ.

سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، صَاحِبُ حَلَبَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ الرَّبَعِيُّ

الْمُلَقَّبُ بِسَيْفِ

الدَّوْلَةِ، أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الشُّجْعَانِ، وَالْمُلُوكِ الْكَثِيرِي الْإِحْسَانِ، عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَشَيُّعٍ، وَقَدْ مَلَكَ دِمَشْقَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَاتَّفَقَ لَهُ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ; مِنْهَا أَنَّ خَطِيبَهُ كَانَ مُصَنِّفَ «الْخُطَبِ النَّبَاتِيَّةِ» أَحَدَ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ، وَشَاعِرَهُ الْمُتَنَبِّي، وَمُطْرِبَهُ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ. وَكَانَ كَرِيمًا جَوَّادًا مُعْطِيًا لِلْجَزِيلِ.

وَمِنْ شَعْرِهِ فِي أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ:

رَضِيتُ لَكَ الْعَلْيَا وَقَدْ كُنْتَ أَهْلَهَا … وَقُلْتُ لَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَرْقُ

وَمَا كَانَ لِي عَنْهَا نُكُولٌ وَإِنَّمَا … تَجَاوَزْتُ عَنْ حَقِّي فَتَمَّ لَكَ الْحَقُّ

أَمَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا … إِذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ السَّبْقُ

وَلَهُ أَيْضًا:

قَدْ جَرَى فِي دَمْعِهِ دَمُهُ … فَإِلَى كَمْ أَنْتَ تَظْلِمُهُ

رُدَّ عَنْهُ الطَّرْفَ مِنْكَ فَقَدْ … جَرَحَتْهُ مِنْكَ أَسْهُمُهُ

كَيْفَ يَسْتَطِيعُ التَّجَلُّدَ مَنْ … خَطَرَاتُ الْوَهْمِ تُؤْلِمُهُ

وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ الْفَالِجُ، وَقِيلَ: عُسْرُ الْبَوْلِ. وَتُوفِّيَ بِحَلَبَ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ فَدُفِنَ بِهَا وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَقَامَ بِمُلْكِ حَلَبَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سَعْدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفٌ، ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مَوْلَى أَبِيهِ قَرْعُوَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ حَلَبَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا قَالَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَقِيلَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِبَابِ أَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ مَا اجْتَمَعَ بِبَابِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَقَدْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْكِبَارِ مِنْهُمْ; كَالْمُتَنَبِّي وَالْخَالِدِيَّيْنِ، وَالسَّرِيِّ الرَّفَّاءِ، وَالنَّامِي، وَالْبَبْغَاءِ، وَالْوَأْوَاءِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ - وَقِيلَ: إِحْدَى - وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَنَّهُ مَلَكَ حَلَبَ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَمْلِكُ وَاسِطًا وَنَوَاحِيهَا، ثُمَّ تَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى مَلَكَ حَلَبَ - انْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْكِلَابِيِّ صَاحِبِ الْإِخْشِيدِ - وَمَلَكَ دِمَشْقَ فِي وَقْتٍ. وَقَدْ قَالَ يَوْمًا لِنُدَمَائِهِ: أَيُّكُمْ يُجِيزُ قَوْلِي، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْكُمْ يُجِيزُهُ:

لَكَ جَسْمِي تُعِلُّهُ … فَدَمِي لَمْ تُحِلُّهُ

فَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ أَخُوهُ بَدِيهَةً:

قَالَ إِنْ كُنْتُ مَالِكًا … فَلِيَ الْأَمْرُ كُلُّهُ

وَفِيهَا تُوُفِّيَ:

كَافُورُ الْإِخْشِيدِيُّ

مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ الْإِخْشِيدِ وَقَدْ قَامَ

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ مَوْلَاهُ لِصِغَرِ أَوْلَادِهِ، فَمَلَكَ كَافُورٌ مِصْرَ وَدِمَشْقَ، وَنَاوَأَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ وَغَيْرَهُ.

وَقَدْ كُتِبَ عَلَى قَبْرِهِ:

انْظُرْ إِلَى غِيَرِ الْأَيَّامِ مَا صَنَعَتْ … أَفْنَتْ أُنَاسًا بِهَا كَانُوا وَمَا فَنِيَتْ

دُنْيَاهُمُ ضَحِكَتْ أَيَّامَ دَوْلَتِهِمْ … حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ نَاحَتْ لَهُمْ وَبَكَتْ

أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ، صَاحِبُ «الْأَمَالِي» إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَيْذُونَ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ

اللُّغَوِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ هَذَا كَانَ مَوْلًى لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَالْقَالِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى قَالِيقِلَا وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَرْزَنُ الرُّومِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِمَنَازِجِرْدَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَنِفْطَوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَنَّفَ «الْأَمَالِيَ» وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَكِتَابَ «الْبَارِعِ» عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فِي خَمْسَةِ آلَافِ وَرَقَةٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ فِي اللُّغَةِ.

وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَسَمِعَ بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَدَخَلَهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ

وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَوْطَنَهَا، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فِيهَا، إِلَى أَنْ تُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ

صَاحِبُ بِلَادِ كَرْمَانَ وَمُعَامَلَاتِهَا، فَأَخَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ كَرْمَانَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ; الْيَسَعُ، وَإِلْيَاسُ، وَسُلَيْمَانُ.

وَالْمَلِكُ الْكَبِيرُ وُشْمَكِيرُ، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمُلُوكِ:

الْحَسَنُ بْنُ الْفِيرَزَانِ صَاحِبُ بِلَادِ جُرْجَانَ

وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ

وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ

صَاحِبُ حَلَبَ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِيهَا هَلَكَ النِّقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، يَعْنِي الدُّمُسْتُقْ، صَاحِبُ بِلَادِ الْأَرْمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ وَمَا وَرَدَ عَنْهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَوْرَدْنَا جَوَابَهَا لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الْفَقِيهِ الظَّاهِرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ فِي قَوْلِ ابْنِ خَلِّكَانَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله