ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ

فِيهَا أَخَذَتِ التَّتَارُ بَغْدَادَ وَقَتَلُوا أَكْثَرَ أَهْلِهَا حَتَّى الْخَلِيفَةَ، وَانْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْهَا.

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَجُنُودُ التَّتَارِ قَدْ نَازَلَتْ بَغْدَادَ صُحْبَةَ الْأَمِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى مُقَدِّمَةِ عَسَاكِرِ سُلْطَانِ التَّتَارِ هُولَاكُوقَانَ، وَجَاءَتْ إِلَيْهِمْ أَمْدَادُ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ يُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى الْبَغَادِدَةِ وَمِيرَتُهُ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ التَّتَارِ، وَمُصَانَعَةً لَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ سُتِرَتْ بَغْدَادُ، وَنُصِبَتْ فِيهَا الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ وَغَيْرُهَا مِنْ آلَاتِ الْمُمَانَعَةِ الَّتِي لَا تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: (لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ عَنْ قَدَرٍ) وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ [نُوحٍ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرَّعْدِ: ١١].

وَأَحَاطَ التَّتَارُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ يَرْشُقُونَهَا بِالنُّشَّابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى أُصِيبَتْ جَارِيَةٌ كَانَتْ تَلْعَبُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ وَتُضْحِكُهُ، وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْحَظَايَا، وَكَانَتْ مُوَلَّدَةً تُسَمَّى عَرَفَةَ،

جَاءَهَا سَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الشَّبَابِيكِ فَقَتَلَهَا وَهِيَ تَرْقُصُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، فَانْزَعَجَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَأَحْضَرَ السَّهْمَ الَّذِي أَصَابَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي الْعُقُولِ عُقُولَهُمْ. فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ عِنْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الِاحْتِرَازِ، وَكَثْرَةِ السَّتَائِرِ عَلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ قُدُومُ هُولَاكُوقَانَ بِجُنُودِهِ كُلِّهَا - وَكَانُوا نَحْوَ مِائَتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ - إِلَى بَغْدَادَ فِي ثَانِي عَشَرَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْحَنَقِ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِسَبَبِ مَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ وَأَنْفَذَهُ وَأَمْضَاهُ، وَهُوَ أَنَّ هُولَاكُوقَانَ لَمَّا كَانَ أَوَّلُ بُرُوزِهِ مِنْ هَمَذَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْعِرَاقِ أَشَارَ الْوَزِيرُ مُؤَيِّدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلْقَمِيِّ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِأَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِهَدَايَا سَنِيَّةٍ; لِيَكُونَ ذَلِكَ مُدَارَاةً لَهُ عَمَّا يُرِيدُهُ مِنْ قَصْدِ بِلَادِهِمْ، فَخَذَّلَ الْخَلِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ دُوَيْدَارُهُ الصَّغِيرُ أَيْبَكُ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: إِنَّ الْوَزِيرَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا مُصَانَعَةَ مَلِكِ التَّتَارِ بِمَا يَبْعَثُهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَشَارُوا بِأَنْ يَبْعَثَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، فَأَرْسَلَ شَيْئًا مِنَ الْهَدَايَا، فَاحْتَقَرَهَا هُولَاكُوقَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ دُوَيْدَارَهُ الْمَذْكُورَ، وَسُلَيْمَانَ شَاهْ، فَلَمْ يَبْعَثْهُمَا إِلَيْهِ، وَلَا بَالَى بِهِ حَتَّى أَزِفَ قُدُومُهُ، وَوَصَلَ بَغْدَادَ بِجُنُودِهِ الْكَثِيرَةِ الْكَافِرَةِ الْفَاجِرَةِ الظَّالِمَةِ الْغَاشِمَةِ، مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.

فَأَحَاطُوا بِبَغْدَادَ مِنْ نَاحِيَتِهَا الْغَرْبِيَّةِ وَالشَّرْقِيَّةِ، وَجُنُودُ بَغْدَادَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَنِهَايَةِ الذِّلَّةِ، لَا

يَبْلُغُونَ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَهُمْ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَبَقِيَّةُ الْجَيْشِ كُلُّهُمْ قَدْ صُرِفُوا عَنْ إِقْطَاعَاتِهِمْ حَتَّى اسْتَعْطَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنْشَدَ فِيهِمُ الشُّعَرَاءُ الْقَصَائِدَ يَرْثُونَ لَهُمْ، وَيَحْزَنُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ آرَاءِ الْوَزِيرِ ابْنِ الْعَلْقَمِيِّ الرَّافِضِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ كَانَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالرَّافِضَةِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، نُهِبَتْ فِيهَا الْكَرْخُ مَحَلَّةُ الرَّافِضَةِ، حَتَّى نُهِبَتْ دَوْرُ قَرَابَاتِ الْوَزِيرِ، فَاشْتَدَّ حَنَقُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا أَهَاجَهُ عَلَى أَنْ دَبَّرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الَّذِي لَمَّ يُؤَرَّخْ أَبْشَعُ مِنْهُ مُنْذُ بُنِيَتْ بَغْدَادُ، وَإِلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَرَزَ إِلَى التَّتَارِ هُوَ، فَخَرَجَ فِي أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَخَدَمِهِ وَحَشَمِهِ، فَاجْتَمَعَ بِالسُّلْطَانِ هُولَاكُوقَانَ، لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ عَادَ فَأَشَارَ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ وَالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَقَعَ الْمُصَالَحَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ خَرَاجِ الْعِرَاقِ لِهَمْ وَنِصْفُهُ لِلْخَلِيفَةِ، فَاحْتَاجَ الْخَلِيفَةُ إِلَى أَنْ خَرَجَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَاكِبٍ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَرُءُوسِ الْأُمَرَاءِ وَالدَّوْلَةِ وَالْأَعْيَانِ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ مَنْزِلِ السُّلْطَانِ هُولَاكُوقَانَ حُجِبُوا عَنِ الْخَلِيفَةِ إِلَّا سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَسًا، فَخَلَصَ الْخَلِيفَةُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَأُنْزِلَ الْبَاقُونَ عَنْ مَرَاكِبِهِمْ وَنُهِبَتْ، وَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَأُحْضِرَ الْخَلِيفَةُ بَيْنَ يَدَيْ هُولَاكُو فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْخَلِيفَةِ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْجَبَرُوتِ.

ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَفِي صُحْبَتِهِ خَوَاجَا نَصِيرٌ الطُّوسِيُّ، لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ وَغَيْرُهُمَا، وَالْخَلِيفَةُ تَحْتَ الْحَوْطَةِ وَالْمُصَادَرَةِ، فَأَحْضَرَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْحُلِيِّ وَالْمَصَاغِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ، وَقَدْ أَشَارَ أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنَ الرَّافِضَةِ، لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى

هُولَاكُوقَانَ أَنْ لَا يُصَالِحَ الْخَلِيفَةَ، وَقَالَ الْوَزِيرُ: مَتَى وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ لَا يَسْتَمِرُّ هَذَا إِلَّا عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، ثُمَّ يَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَحَسَّنُوا لَهُ قَتْلَ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا عَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى السُّلْطَانِ هُولَاكُو أَمْرَ بِقَتْلِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْلِهِ الْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ وَالنَّصِيرُ الطُّوسِيُّ. وَكَانَ النَّصِيرُ عِنْدَ هُولَاكُو قَدِ اسْتَصْحَبَهُ فِي خِدْمَتِهِ لَمَّا فَتَحَ قِلَاعَ الْأَلْمُوتِ وَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِي الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانَ النَّصِيرُ وَزِيرًا لِشَمْسِ الشُّمُوسِ، وَلِأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ جَلَالِ الدِّينِ، وَكَانُوا يَنْتَسِبُونَ إِلَى نِزَارِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ، وَانْتَخَبَ هُولَاكُوقَانَ النَّصِيرَ لِيَكُونَ فِي خِدْمَتِهِ كَالْوَزِيرِ الْمُشِيرِ، فَلَمَّا قَدِمَ هُولَاكُوقَانَ وَتَهَيَّبَ مِنْ قَتْلِ الْخَلِيفَةِ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْوَزِيرَانِ ذَلِكَ، فَقَتَلُوهُ رَفْسًا وَهُوَ فِي جُوَالِقَ، لِئَلَّا يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنْ دَمِهِ، خَافُوا أَنْ يُؤْخَذَ بِثَأْرِهِ فِيمَا قِيلَ لَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ خُنِقَ. وَيُقَالُ: غُرِّقَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَبَاءُوا بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَكَابِرِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَأُولِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بِبِلَادِ بَغْدَادَ - وَسَتَأْتِي تَرْجَمَةُ الْخَلِيفَةِ فِي الْوَفَيَاتِ - وَمَالُوا عَلَى الْبَلَدِ، فَقَتَلُوا جَمِيعَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَالْمَشَايِخِ وَالْكُهُولِ وَالشُّبَّانِ.

وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الْآبَارِ وَأَمَاكِنِ الْحُشُوشِ، وَقُنِيِّ الْوَسَخِ، وَكَمَنُوا كَذَلِكَ أَيَّامًا لَا يَظْهَرُونَ، وَكَانَ الْفِئَامُ مِنَ النَّاسِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْخَانَاتِ، وَيُغْلِقُونَ عَلَيْهِمُ الْأَبْوَابَ، فَتَفْتَحُهَا التَّتَارُ إِمَّا بِالْكَسْرِ أَوْ بِالنَّارِ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَهْرُبُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَعَالِي الْمَكَانِ، فَيَقْتُلُونَهُمْ فِي الْأَسْطِحَةِ، حَتَّى تَجْرِيَ الْمَيَازِيبُ مِنَ الدِّمَاءِ فِي

الْأَزِقَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ وَالرُّبَطِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى دَارِ الْوَزِيرِ ابْنِ الْعَلْقَمِيِّ الرَّافِضِيِّ، وَطَائِفَةٍ مِنَ التُّجَّارِ أَخَذُوا لَهُمْ أَمَانًا بَذَلُوا عَلَيْهِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً حَتَّى سَلِمُوا وَسَلِمَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَعَادَتْ بَغْدَادُ بَعْدَمَا كَانَتْ آنَسَ الْمُدُنِ كُلِّهَا كَأَنَّهَا خَرَابٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمْ فِي خَوْفٍ وَجُوعٍ وَذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ. وَكَانَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ يَجْتَهِدُ فِي صَرْفِ الْجُيُوشِ وَإِسْقَاطِ أَسْهُمِهِمْ مِنَ الدِّيوَانِ، فَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْمُسْتَنْصِرِ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْهُمْ مَنَ الْأُمَرَاءِ مَنْ هُوَ كَالْمُلُوكِ الْأَكَابِرِ، فَلَمْ يَزَلْ يَجْتَهِدُ فِي تَقْلِيلِهِمْ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا عَشَرَةُ آلَافٍ، ثُمَّ كَاتَبَ التَّتَارَ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي أَخْذِ الْبِلَادِ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَجَلَّى لَهُمْ حَقِيقَةَ الْحَالِ، وَكَشَفَ لَهُمْ ضَعْفَ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ طَمَعًا مِنْهُ أَنْ يُزِيلَ السُّنَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنْ يُظْهِرَ الْبِدْعَةَ الرَّافِضِيَّةَ، وَأَنْ يُقِيمَ خَلِيفَةً مَنَ الْفَاطِمِيِّينَ، وَأَنْ يُبِيدَ الْعُلَمَاءَ وَالْمُفْتِينَ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَقَدْ رَدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَأَذَلَّهُ بَعْدَ الْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ، وَجَعَلَهُ حُوشْكَاشًا لِلتَّتَارِ بَعْدَمَا كَانَ وَزِيرًا لِلْخُلَفَاءِ، وَاكْتَسَبَ إِثْمَ مَنْ قُتِلَ بِمَدِينَةِ بَغْدَادَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.

وَقَدْ جَرَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَرِيبٌ مِمَّا جَرَى عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ، كَمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، حَيْثُ يَقُولُ: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [الْإِسْرَاءِ: ٤، ٥] الْآيَاتُ.

وَقَدْ قُتِلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَلْقٌ مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَأُسَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بَعْدَمَا كَانَ مَعْمُورًا بِالْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ وَالْأَحْبَارِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَصَارَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَاهِيَ الْبِنَاءِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَمِّيَّةِ مَنْ قُتِلَ بِبَغْدَادَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ: ثَمَانُمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ أَلْفٍ وَثَمَانُمِائَةِ أَلْفٍ. وَقِيلَ: بَلَغَتِ الْقَتْلَى أَلْفَيْ أَلْفِ نَفْسٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

وَكَانَ دُخُولُهُمْ إِلَى بَغْدَادَ فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ، وَمَا زَالَ السَّيْفُ يَقْتُلُ أَهْلَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَكَانَ قَتْلُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَعَفَا قَبْرُهُ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمئِذٍ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٌ، وَقُتِلَ مَعَهُ وَلَدُهُ الْأَكْبَرُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ، وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، ثُمَّ قُتِلَ وَلَدُهُ الْأَوْسَطُ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأُسِرَ وَلَدُهُ الْأَصْغَرُ مُبَارَكٌ، وَأَسِرَتْ أَخَوَاتُهُ الثَّلَاثُ; فَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ وَمَرْيَمُ، وَأُسِرَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْأَبْكَارِ مَا يُقَارِبُ أَلْفَ بِكْرٍ فِيمَا قِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَقُتِلَ أُسْتَاذُ دَارِ الْخِلَافَةِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ

بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ عَدُوَّ الْوَزِيرِ، وَقُتِلَ أَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ; عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ، وَأَكَابِرُ الدَّوْلَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الدُّوَيْدَارُ الصَّغِيرُ مُجَاهِدُ الدِّينِ أَيْبَكُ، وَشِهَابُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ شَاهْ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ السُّنَّةِ وَأَكَابِرِ الْبَلَدِ.

وَكَانَ الرَّجُلُ يُسْتَدْعَى بِهِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَيَخْرُجُ بِأَوْلَادِهِ وَنِسَائِهِ وَجَوَارِيهِ، فَيُذْهَبُ بِهِ إِلَى مَقْبَرَةِ الْخَلَّالِ، تُجَاهَ الْمَنْظَرَةِ، فَيُذْبَحُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، وَيُؤْسَرُ مَنْ يَخْتَارُونَ مِنْ بَنَاتِهِ وَجَوَارِيهِ.

وَقُتِلَ شَيْخُ الشُّيُوخِ مُؤَدِّبُ الْخَلِيفَةِ صَدْرُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ النَّيَّارِ، وَقُتِلَ الْخُطَبَاءُ وَالْأَئِمَّةُ، وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَسَاجِدُ وَالْجَمَاعَاتُ وَالْجُمُعَاتُ مُدَّةَ شُهُورٍ بِبَغْدَادَ، وَأَرَادَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَلَعَنَهُ، أَنْ يُعَطِّلَ الْمَسَاجِدَ وَالْمَدَارِسَ وَالرُّبَطَ بِبَغْدَادَ، وَيَسْتَمِرَّ بِالْمَشَاهِدِ وَمَحَالِّ الرَّفْضِ، وَأَنْ يَبْنِيَ لِلرَّافِضَةِ مَدْرَسَةً هَائِلَةً يَنْشُرُونَ عِلْمَهُمْ وَعَلَمَهُمْ بِهَا وَعَلَيْهَا، فَلَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أَزَالَ نِعْمَتَهُ عَنْهُ، وَقَصَفَ عُمْرَهُ بَعْدَ شُهُورٍ يَسِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَأَتْبَعَهُ بِوَلَدِهِ فَاجْتَمَعَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِالدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

وَلَمَّا انْقَضَى أَمَدُ الْأَمْرِ الْمَقْدُورِ، وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ يَوْمًا بَقِيَتْ بَغْدَادُ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا الشَّاذُّ مِنَ النَّاسِ، وَالْقَتْلَى فِي الطُّرُقَاتِ كَأَنَّهَا التُّلُولُ، وَقَدْ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرُ، فَتَغَيَّرَتْ صُوَرُهُمْ، وَأَنْتَنَتِ الْبَلَدُ مِنْ جِيَفِهِمْ، وَتَغَيَّرَ الْهَوَاءُ، فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ الْوَبَاءُ الشَّدِيدُ، حَتَّى تَعَدَّى وَسَرَى فِي الْهَوَاءِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْجَوِّ وَفَسَادِ الرِّيحِ، فَاجْتَمَعَ عَلَى النَّاسِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ وَالْفِنَاءُ وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَلَمَّا نُودِيَ بِبَغْدَادَ بِالْأَمَانِ خَرَجَ مَنْ كَانَ تَحْتِ الْأَرْضِ بِالْمَطَامِيرِ وَالْقُنِيِّ

وَالْمَغَايِرِ كَأَنَّهُمُ الْمَوْتَى إِذَا نُبِشُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَا يَعْرِفُ الْوَالِدُ وَلَدَهُ، وَلَا الْأَخُ أَخَاهُ، وَأَخَذَهُمُ الْوَبَاءُ الشَّدِيدُ، فَتَفَانَوْا وَلَحِقُوا بِمَنْ سَلَفَ مِنَ الْقَتْلَى، وَاجْتَمَعُوا فِي الْبِلَى تَحْتَ الثَّرَى، بِأَمْرِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.

وَكَانَ رَحِيلُ السُّلْطَانِ الْمُسَلَّطِ هُولَاكُوقَانَ عَنْ بَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى مَقَرِّ مُلْكِهِ، وَفَوَّضَ أَمْرَ بَغْدَادَ إِلَى الْأَمِيرِ عَلَيٍّ بَهَادُرَ، فَوَّضَ إِلَيْهِ الشِّحْنَكِيَّةَ بِهَا وَإِلَى الْوَزِيرِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ بْنِ الْعَلْقَمِيِّ، فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ وَلَا أَهْمَلَهُ بَعْدُ، بَلْ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ فِي الْإِنْشَاءِ، وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ فِي الْأَدَبِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا جَلْدًا خَبِيثًا رَافِضِيًّا، فَمَاتَ كَمَدًا وَغَمًّا وَحُزْنًا وَنَدَمًا، إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمٍ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ الْوِزَارَةَ وَلَدُهُ عِزُّ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدٌ، فَأَلْحَقَهُ اللَّهُ بِأَبِيهِ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْعَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ وَشَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ وَقُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ، أَنَّهُ أَصَابَ النَّاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالشَّامِ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ

الْهَوَاءِ وَالْجَوِّ، فَسَدَ مِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى بِبِلَادِ الْعِرَاقِ، وَانْتَشَرَ حَتَّى تَعَدَّى إِلَى بِلَادِ الشَّامِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اقْتَتَلَ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ صَاحِبِ الْكَرَكِ الْمَلِكِ الْمُغِيثِ عُمَرَ بْنِ الْعَادِلِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَادِلِ الْكَبِيرِ، وَكَانَ فِي جَيْشِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْبَحْرِيَّةِ، مِنْهُمْ رُكْنُ الدِّينِ بِيبَرْسُ الْبُنْدُقْدَارِيُّ، فَكَسَرَهُمُ الْمِصْرِيُّونَ، وَنَهَبُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَثْقَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ، فَقُتِلُوا صَبْرًا، وَعَادُوا إِلَى الْكَرَكِ فِي أَسْوَأِ حَالَةٍ وَأَشْنَعِهَا، وَجَعَلُوا يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَعِيثُونَ فِي الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّاصِرُ صَاحِبُ دِمَشْقَ جَيْشًا لِيَكُفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَسَرَهُمُ الْبَحْرِيَّةُ، وَاسْتَنْصَرُوا فَبَرَزَ إِلَيْهِمُ النَّاصِرُ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَقَطَعُوا أَطْنَابَ خَيْمَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِإِشَارَةِ رُكْنِ الدِّينِ بِيبَرْسَ الْمَذْكُورِ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ يَطُولُ بَسْطُهَا، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ:

خَلِيفَةُ الْوَقْتِ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالْعِرَاقِ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَنْصُورِ بْنِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ

الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَمِيرِ الذَّخِيرَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ طَلْحَةَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيِّ الْعَبَّاسِيِّ، مَوْلِدُهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَيَكُونُ عُمْرُهُ يَوْمَ قُتِلَ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ كَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَسَنَ الصُّورَةِ، جَيِّدَ السِّيرَةِ صَحِيحَ السَّرِيرَةِ، صَحِيحَ الْعَقِيدَةِ، مُقْتَدِيًا بِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصِرِ فِي الْمَعْدَلَةِ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ وَإِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ، وَقَدِ اسْتَجَازَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ النَّجَّارِ مِنْ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ، مِنْهُمُ الْمُؤَيَّدُ الطُّوسِيُّ، وَأَبُو رَوْحٍ عَبْدُ الْمُعِزِّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّفَّارِ وَغَيْرُهُمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُؤَدِّبُهُ شَيْخُ الشُّيُوخِ صَدَرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّيَّارِ، وَأَجَازَ هُوَ لِلْإِمَامِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْبَاذَرَائِيِّ، وَحَدَّثَا عَنْهُ بِهَذِهِ الْإِجَازَةِ.

وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم سُنِّيًّا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَاعْتِقَادِ الْجَمَاعَةِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ لِينٌ وَعَدَمُ تَيَقُّظٍ وَمَحَبَّةٌ لِلْمَالِ وَجَمْعِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ غَلَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا النَّاصِرُ دَاوُدُ بْنُ الْمُعَظَّمِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَاسْتُقْبِحَ هَذَا مِنْ مِثْلِ الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ مُسْتَقْبَحٌ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ بِكَثِيرٍ; بَلْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥].

قَتَلَتْهُ التَّتَارُ مَظْلُومًا مُضْطَهَدًا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ. وَقَدْ قُتِلَ بَعْدَهُ وَلَدَاهُ، وَأُسِرَ الثَّالِثُ مَعَ بَنَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ صُلْبِهِ، وَشَغَرَ مَنْصِبُ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ مَنْ سَدَّ مَسَدَّهُ، فَكَانَ آخَرَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ الْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يُرْتَجَى مِنْهُمُ النَّوَالُ وَيُخْشَى مِنْهُمُ الْبَاسُ، وَخُتِمُوا بِعَبْدِ اللَّهِ الْمُسْتَعْصِمِ، كَمَا افْتُتِحُوا بِعَبْدِ اللَّهِ السَّفَّاحِ، وَكَانَ عِدَّةُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى الْمُسْتَعْصِمِ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ خَلِيفَةً، فَكَانَ أَوَّلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَظَهَرَ مُلْكُهُ وَأَمْرُهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، بَعْدَ انْقِضَاءِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ الْمُسْتَعْصِمُ، وَقَدْ زَالَ مُلْكُهُ، وَانْقَضَتْ خِلَافَتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ، فَجُمْلَةُ أَيَّامِهِمْ خَمْسُمِائَةُ سَنَةٍ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَزَالَتْ يَدُهُمْ عَنِ الْعِرَاقِ وَالْحُكْمِ بِالْكُلِّيَّةِ مُدَّةَ سَنَةٍ وَشُهُورٍ فِي أَيَّامِ الْبَسَاسِيرِيِّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَتْ

كَمَا كَانَتْ. وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي أَيَّامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

وَلَمْ تَكُنْ أَيْدِي بَنِي الْعَبَّاسِ حَاكِمَةً عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ كَمَا كَانَتْ بَنُو أُمِّيَّةَ قَاهِرَةً لِجَمِيعِ الْبِلَادِ وَالْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ بَنِي الْعَبَّاسِ بِلَادُ الْمَغْرِبِ، مَلَكَهَا فِي أَوَائِلِ الْأَمْرِ بَعْضُ بَنِي أُمِّيَّةَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الْمُلُوكُ بَعْدَ دُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَارَنَ بَنِي الْعَبَّاسِ دَوْلَةُ الْمُدَّعِينَ أَنَّهُمْ مِنَ الْفَاطِمِيِّينَ بِبِلَادِ مِصْرَ وَبَعْضِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَمَا هُنَالِكَ، وَبِلَادِ الشَّامِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَالْحَرَمَيْنِ فِي أَزْمَانَ طَوِيلَةٍ.

وَاسْتَمَرَّتْ دَوْلَةُ الْفَاطِمِيِّينَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى كَانَ آخِرُهُمُ الْعَاضِدُ الَّذِي مَاتَ بَعْدَ السِّتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ الْمَقْدِسِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَتْ عِدَّةُ مُلُوكِ الْفَاطِمِيِّينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا مُتَخَلِّفًا، وَمُدَّةُ مُلْكِهِمْ تَحْرِيرًا مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْعَاضِدُ سَنَةَ بِضْعٍ وسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ التَّالِيَةِ لِزَمَانِ رَسُولِ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، كَمَا نَطَقَ بِهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، فَكَانَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى كَمَلَتْ بِهَا الثَّلَاثُونَ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ كَانَتْ مُلْكًا، فَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمِّيَّةَ، ثُمَّ ابْنُهُ يَزِيدُ، ثُمَّ

ابْنُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَانْقَرَضَ هَذَا الْبَطْنُ الْمُفْتَتَحُ بِمُعَاوِيَةَ، الْمُخْتَتَمُ بِمُعَاوِيَةَ، ثُمَّ مَلَكَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، ثُمَّ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ ابْنُ عَمِّهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، ثُمَّ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثُمَّ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ النَّاقِصُ، وَهُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ أَيْضًا، ثُمَّ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ، وَكَانَ آخِرَهُمْ فَكَانَ أَوَّلُهُمُ اسْمُهُ مَرْوَانُ وَآخِرُهُمُ اسْمُهُ مَرْوَانُ، وَكَانَ أَوَّلَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ آخِرَهُمُ الْمُسْتَعْصِمُ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، كَذَلِكَ أَوَّلُ خُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ الْعَاضِدُ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا، قَلَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

وَهَذِهِ أُرْجُوزَةٌ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ انْتَظَمَ فِيهَا ذِكْرَ جَمِيعِ الْخُلَفَاءِ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ عُرْشُهُ … الْقَاهِرِ الْفَرْدِ الْقَوِيِّ بَطْشُهُ

مُقَلِّبِ الْأَيَّامِ وَالدُّهُورِ … وَجَامِعِ الْأَنَامِ لِلنُّشُورِ

ثُمَّ الصَّلَاةُ بِدَوَامِ الْأَبَدِ … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ

وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ … السَّادَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ

وَبَعْدَ هَذَا هَذِهِ أُرْجُوزَهْ … نَظَمْتُهَا لَطِيفَةٌ وَجِيزَهْ

نَظَمْتُ فِيهَا الرَّاشِدِينَ الْخُلَفَا … مَنْ قَامَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى

وَمَنْ تَلَاهُمْ وَهَلُمَّ جَرَّا … جَعَلْتُهَا تَبْصِرَةً وَذِكْرَى

لِيَعْلَمَ الْعَاقِلُ ذُو التَّصْوِيرِ … كَيْفَ جَرَتْ حَوَادِثُ الْأُمُورِ

وَكُلُّ ذِي مَقْدِرَةٍ وَمُلْكِ … مُعَرَّضُونَ لِلْفَنَا وَالْهُلْكِ

وَفِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ … تَبْصِرَةٌ لِكُلِّ ذِي اعْتِبَارِ

وَالْمُلْكُ لِلْجَبَّارِ فِي بِلَادِهِ … يُورِثُهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ

وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَلِلْفَنَاءِ … وَكُلُّ مُلْكٍ فَإِلَى انْتِهَاءِ

وَلَا يَدُومُ غَيْرُ مُلْكِ الْبَارِي … سُبْحَانَهُ مِنْ مَلِكٍ قَهَّارِ

مُنْفَرِدٍ بِالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ … وَمَا سِوَاهُ فَإِلَى انْقِضَاءِ

أَوَّلُ مَنْ بُويِعَ بِالْخِلَافَهْ … بَعْدَ النَّبِيِّ ابْنُ أَبِي قُحَافَهْ

أَعْنِي الْإِمَامَ الْعَادِلَ الصِّدِّيقَا … ثُمَّ ارْتَضَى مِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقَا

فَفَتَحَ الْبِلَادَ … وَاسْتَأْصَلَتْ سُيُوفُهُ الْكُفَّارَا

وَقَامَ بِالْعَدْلِ قِيَامًا يُرْضِي … بِذَاكَ جَبَّارَ السَّمَا وَالْأَرْضِ

وَرَضِيَ النَّاسُ بِذِي النُّورَيْنِ … ثُمَّ عَلِيٍّ وَالِدِ السِّبْطَيْنِ

ثُمَّ أَتَتْ كَتَائِبٌ مَعَ الْحَسَنْ … كَادُوا بِأَنْ يُجَدِّدُوا بِهَا الْفِتَنْ

فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ … كَمَا عَزَا نَبِيُّنَا إِلَيْهِ

وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَهْ … وَنَقَلَ الْقِصَّةَ كُلُّ رَاوِيَهْ

. فَمَهَّدَ الْمُلْكَ كَمَا يُرِيدُ … وَقَامَ فِيهِ بَعْدَهُ يَزِيدُ

ثُمَّ ابْنُهُ وَكَانَ بَرًّا رَاشِدَا … أَعْنِي أَبَا لَيْلَى وَكَانَ زَاهِدَا

فَتَرَكَ الْإِمْرَةَ لَا عَنْ غلَبَهْ … وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَيْهَا طَلِبَهْ

وَابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ يَدْأَبُ … فِي طَلَبِ الْمُلْكِ وَفِيهِ يَنْصَبُ

وَبِالشَّآمِ بَايَعُوا مَرْوَانَا … بِحُكْمِ مَنْ يَقُولُ كُنْ فَكَانَا

وَلَمْ يَدُمْ فِي الْمُلْكِ غَيْرَ عَامِ … وَعَافَصَتْهُ أَسْهُمُ الْحِمَامِ

وَاسْتَوسَقَ الْمُلْكُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ … وَنَارَ نَجْمُ سَعْدِهِ فِي الْفَلَكِ

وَكُلُّ مَنْ نَازَعَهُ فِي الْمُلْكِ … خَرَّ صَرِيعًا بِسُيُوفِ الْهُلْكِ

فَقَتَلَ الْمُصَعَبَ بِالْعِرَاقِ … وَسَيَّرَ الْحَجَّاجَ ذَا الشِّقَاقِ

إِلَى الْحِجَازِ بِسُيُوفِ النِّقَمِ … وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَائِذٌ بِالْحَرَمِ

فَجَاءَ بَعْدَ قَتْلِهِ بِصَلْبِهِ … وَلَمْ يَخَفْ فِي أَمْرِهِ مِنْ رَبِّهِ

وَعِنْدَمَا صَفَتْ لَهُ الْأُمُورُ … تَقَلَّبَتْ لِحِينِهِ الدُّهُورُ

ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ الْوَلِيدُ … ثُمَّ سُلَيْمَانُ الْفَتَى الرَّشِيدُ

ثُمَّ اسْتَفَاضَ فِي الْوَرَى عَدَلُ عُمَرَ … تَابَعَ أَمْرَ رَبِّهِ كَمَا أَمَرْ

وَكَانَ يُدْعَى بِأَشَجِّ الْقَوْمِ … وَذِي الصَّلَاةِ وَالتُّقَى وَالصَّوْمِ

فَجَاءَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ … وَكَفَّ أَهْلَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ

مُقْتَدِيًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ … وَالرَّاشِدِينَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ

فَجُرِّعَ الْإِسْلَامُ كَأْسَ فَقْدِهِ … وَلَمْ يَرَوْا مِثْلًا لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

ثُمَّ يَزِيدُ بَعْدَهُ هِشَامُ … ثُمَّ الْوَلِيدُ فُتَّ مِنْهُ الْهَامُ

ثُمَّ يَزِيدُ وَهْوَ يُدْعَى النَّاقِصَا … فَجَاءَهُ حِمَامُهُ مُعَافِصَا

وَلَمْ تَطُلْ مُدَّةُ. إِبْرَاهِيمَا … وَكَانَ كُلُّ أَمْرِهِ سَقِيمَا

وَأَسنَدَ الْمُلْكَ إِلَى مَرْوَانَا … فَكَانَ مِنْ أُمُورِهِ مَا كَانَا

وَانْقَرَضَ الْمُلْكُ عَلَى يَدَيْهِ … وَحَادِثُ الدَّهْرِ سَطَا عَلَيْهِ

وَقَتْلُهُ قَدْ كَانَ بِالصَّعِيدِ … وَلَمْ تُفِدْهُ كَثْرَةُ الْعَدِيدِ

وَكَانَ فِيهِ حَتْفُ آلِ الْحَكَمِ … وَاسْتُنْزِعَتْ عَنْهُمْ ضُرُوبُ النِّعَمِ

ثُمَّ أَتَى مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ … لَا زَالَ فِينَا ثَابِتَ الْأَسَاسِ

وَجَاءَتِ الْبَيْعَةُ مِنْ أَرْضِ الْعَجَمْ … وَقَلَّدَتْ بَيْعَتَهُمْ كُلُّ الْأُمَمْ

وَكُلُّ مَنْ نَازَعَهُمْ مِنْ أُمَمِ … خَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَالْفَمِ

وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمُ … حِينَ تَوَلَّى الْقَائِمُ الْمُسْتَعْصِمُ

أَوَّلُهُمْ يُنْعَتُ بِالسَّفَّاحِ … وَبَعْدَهُ الْمَنْصُورُ ذُو النَّجَاحِ

ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ الْمَهْدِيُّ … يَتْلُوهُ مُوسَى الْهَادِيَ الصَّفِيُّ

وَجَاءَ هَارُونُ الرَّشِيدُ بَعْدَهُ … ثُمَّ الْأَمِينُ حِينَ ذَاقَ فَقْدَهُ

وَقَامَ بَعْدَ قَتْلِهِ الْمَأْمُونُ … وَبَعْدَهُ الْمُعْتَصِمُ الْمَكِينُ

وَاسْتُخْلِفَ الْوَاثِقُ بَعْدَ الْمُعْتَصِمْ … ثُمَّ أَخُوهُ جَعْفَرٌ مُوفِي الذِّمَمْ

وَأَخْلَصَ النِّيَّةَ فِي التَّوَكُّلِ … لِلَّهِ ذِي الْعَرْشِ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ

فَأَدْحَضَ الْبِدْعَةَ فِي زَمَانِهِ … وَقَامَتِ السُّنَّةُ فِي أَوَانِهِ

وَلَمْ يُبَقِّ بِدْعَةً مُضِلَّهْ … وَأَلْبَسَ الْمُعْتَزِلِيَّ ذِلَّهْ

فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَبَدَا … مَا غَارَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَدَا

وَعِنْدَمَا اسْتُشْهِدَ قَامَ الْمُنْتَصِرْ … وَالْمُسْتَعِينُ بَعْدَهُ كَمَا ذُكِرْ

وَجَاءَ بَعْدَ مَوْتِهِ الْمُعْتَزُّ … وَالْمُهْتَدِي الْمُكَرَّمُ الْأَعَزُّ

وَبَعْدَهُ اسْتَوْلَى وَقَامَ الْمُعْتَمِدْ … وَمَهَّدَ الْمُلْكَ وَسَاسَ الْمُعْتَضِدْ

. وَالْمُكْتَفِي فِي الصُّحُفِ الْعُلْيَا سُطِرْ … وَبَعْدَهُ سَاسَ الْأُمُورَ الْمُقْتَدِرْ

وَاسْتَوْسَقُ الْمُلْكُ بِعِزِّ الْقَاهِرِ … وَبَعْدَهُ الرَّاضِي أَخُو الْمُفَاخِرِ

وَالْمُتَّقِي مِنْ بَعْدُ وَالْمُسْتَكْفِي … ثُمَّ الْمُطِيعُ مَا بِهِ مِنْ خُلْفِ

وَالطَّائِعُ الطَّائِعُ ثُمَّ الْقَادِرُ … وَالْقَائِمُ الزَّاهِدُ وَهْوَ الشَّاكِرُ

وَالْمُقْتَدِي مِنْ بَعْدِهِ الْمُسْتَظْهِرُ … ثُمَّ أَتَى الْمُسْتَرْشِدُ الْمُوَقَّرُ

وَبَعْدَهُ الرَّاشِدُ ثُمَّ الْمُقْتَفِي … وَحِينَ مَاتَ اسْتَنْجَدُوا بِيُوسُفِ

وَالْمُسْتَضِي الْعَادِلُ فِي أَفْعَالِهِ … الصَّادِقُ الصَّدُوقُ فِي أَقْوَالِهِ

وَالنَّاصِرُ الشَّهْمُ الشَّدِيدُ الْبَاسِ … وَدَامَ طُولُ مُكْثِهِ فِي النَّاسِ

ثُمَّ تَلَاهُ الظَّاهِرُ الْكَرِيمُ … وَعَدْلُهُ كُلٌّ بِهِ عَلِيمُ

وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ فِي الْمَمْلَكَهْ … غَيْرَ شُهُورٍ وَاعْتَرَتْهُ الْهَلَكَهْ

وَعَهْدُهُ كَانَ إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ … الْعَادِلِ الْبَرِّ الْكَرِيمِ الْعُنْصُرِ

دَامَ يَسُوسُ النَّاسَ سَبْعَ عَشَرَهْ … وَأَشْهُرًا بِعَزَمَاتٍ بَرَّهْ

ثُمَّ تُوُفِّي عَامَ أَرْبَعِينَا … وَفِي جُمَادَى صَادَفَ الْمَنُونَا

وَبَايَعَ الْخَلَائِقُ الْمُسْتَعْصِمَا … صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا

يَبْعَثُ نُجْبَ الرُّسْلِ فِي الْآفَاقِ … يَقْضُونَ بِالْبَيْعَةِ وَالْوِفَاقِ

وَشَرَّفُوا بِذِكْرِهِ الْمَنَابِرَا … وَنَشَرُوا مِنْ جُودِهِ الْمَفَاخِرَا

وَسَارَ فِي الْآفَاقِ حُسْنُ سِيرَتِهْ … وَعَدْلُهُ الزَّائِدُ فِي رَعِيَّتِهْ

قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ قُلْتُ أَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَاتًا:

ثُمَّ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بَعْدُ بِالتَّتَارِ … أَتْبَاعِ جِنْكِزْخَانٍ الْجَبَّارِ

صُحْبَةَ إِبْنِ ابْنِ لَهُ هُولَاكُو … فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِ فِكَاكُ

فَمَزَّقُوا جُنُودَهُ وَشَمْلَهُ … وَقَتَلُوهُ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ

وَدَمَّرُوا بَغْدَادَ وَالْبِلَادَا … وَقَتَّلُوا الْأَحْفَادَ وَالْأَجْدَادَا

وَانْتَهَبُوا الْمَالَ مَعَ الْحَرِيمِ … وَلَمْ يَخَافُوا سَطْوَةَ الْعَظِيمِ

وَغَرَّهُمْ إِنْظَارُهُ وَحِلْمُهُ … وَمَا اقْتَضَاهُ عَدْلُهُ وَحُكْمُهُ

وَشَغَرَتْ مِنْ بَعْدِهِ الْخِلَافَهْ … وَلَمْ يُؤَرَّخْ مِثْلُهَا مِنْ آفَهْ

ثُمَّ أَقَامَ الْمَلْكُ أَعْنِي الظَّاهِرَا … خَلِيفَةً أَعْنِي بِهِ الْمُسْتَنْصِرَا

ثُمَّ وَلِي مِنْ بَعْدِ ذَاكَ الْحَاكِمُ … قَسِيمُ بِيبَرْسَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ

ثُمَّ ابْنُهُ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي … وَبَعْضُ هَذَا لِلَّبِيبِ يَكْفِي

ثُمَّ وَلِي مِنْ بَعْدِهِ جَمَاعَهْ … مَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَا بِضَاعَهْ

ثُمَّ خَلِيفَةُ الْوَقْتِ الْمُعْتَضِدْ … وَلَا يَكَادُ الدَّهْرُ مِثْلَهُ يَجِدْ

فِي حُسْنِ خُلْقٍ وَاعْتِقَادٍ وَحِلَى … وَكَيْفَ لَا وَهْوَ مِنَ الشُّمِّ الْأُلَى

سَادُوا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ فَضْلَا … وَمَلَأُوا الْأَقْطَارَ حِكَمًا وَعَدْلًا

أَوْلَادِ عَمِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ … وَأَفْضَلِ الْخَلْقِ بِلَا تَرَدُّدِ

صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ … مَا دَامَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي

فَصْلٌ

وَالْفَاطِمِيُّونَ قَلِيلُو الْعُدَّهْ … لَكِنَّهُمْ مُدَّ لَهُمْ فِي الْمُدَّهْ

فَمَلَكُوا بِضْعًا وَسِتِّينَ سَنَهْ … مِنْ بَعْدِ مِائَتَيْنِ وَكَانَتْ كَالسِّنَهْ

وَالْعِدَّةُ ارْبَعَ عَشْرَةَ الْمَهْدِيُّ … وَالْقَائِمُ الْمَنْصُورُ وَالْمَعْدِيُّ

أَعْنِي بِهِ الْمُعِزَّ بَانِي الْقَاهِرَهْ … ثُمَّ الْعَزِيزُ الْحَاكِمُ الْكَوَافِرَهْ

وَالظَّاهِرُ الْمُسْتَنْصِرُ الْمُسْتَعْلِي … وَالْآمِرُ الْحَافِظُ سُوءَ الْفِعْلِ

وَالظَّافِرُ الْفَائِزُ ثُمَّ الْعَاضِدُ … آخِرُهُمْ وَمَا لِهَذَا جَاحِدُ

أُهْلِكَ بَعْدَ الْبِضْعِ وَالسِّتِّينَا … مِنْ قَبْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ سِنِينَا

وَقَدْ رَقَمْتُ الْعُمُرَ فَوْقَ الْاسْمِ … وَمُدَّةَ الدَّوْلَةِ تَحْتَ الرَّسْمِ

وَقَدْ بَسَطْنَا ذَاكَ فِيمَا سَلَفَا … وَأَصْلُهُمْ يَهُودُ مَا هُمْ شُرَفَا

بِذَاكَ أَفْتَى السَّادَةُ الْأَئِمَّهْ … أَنْصَارُ دِينِ اللَّهِ مِنْ ذِي الْأُمَّهْ

فَصْلٌ

وَهَكَذَا خُلْفَا بَنِي أُمَيَّهْ … عِدَّتُهُمْ كَعِدَّةِ الرَّفْضِيَّهْ

وَلَكِنِ الْمُدَّةُ كَانَتْ نَاقِصَهْ … عَنْ مِائَةٍ مِنَ السِّنِينَ خَالِصَهْ

وَكُلُّهُمْ قَدْ كَانَ نَاصِبِيَّا … إِلَّا الْإِمَامَ عُمَرَ التَّقِيَّا

مُعَاوِيَهْ ثُمَّ ابْنُهُ يَزِيدُ … وَابْنُ ابْنِهِ مُعَاوِيَ السَّدِيدُ

مَرْوَانُ ثُمَّ ابْنٌ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكْ … مُنَابِذٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى هَلَكْ

ثُمَّ اسْتَقَلَّ بَعْدَهُ بِالْمُلْكِ … فِي سَائِرِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ شَكِّ

ثُمَّ الْوَلِيدُ النَّجْلُ بَانِي الْجَامِعِ … وَلَيْسَ مِثْلُ شَكْلِهِ مِنْ جَامِعِ

ثُمَّ سُلَيْمَانُ الْجَوَادُ وَعُمَرْ … ثُمَّ يَزِيدُ وَهِشَامٌ وَغُدَرْ

أَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ الْفَاسِقَا … ثُمَّ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَائِقَا

يُلَقَّبُ النَّاقِصَ وَهْوُ كَامِلُ … ثُمَّتُ إِبْرَاهِيمُ وَهْوَ عَاقِلُ

ثُمَّ مَرْوَانُ الْحِمَارُ الْجَعْدِي … آخِرُهُمْ فَاظْفَرْ بِذَا مِنْ بَعْدِي

وَمِمَّنْ قُتِلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَاقِفُ الْجَوْزِيَّةِ بِدِمَشْقَ أُسْتَاذُ دَارِ الْخِلَافَةِ الصَّاحِبُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْبَكْرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَوْزِيِّ، وُلِدَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةِ، وَنَشَأَ شَابًّا حَسَنًا، وَحِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَعَظَ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَحْسَنَ وَأَجَادَ وَأَفَادَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَوَلِيَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ مَعَ الْوَعْظِ الرَّائِقِ وَالْأَشْعَارِ الْحَسَنَةِ الْفَائِقَةِ، وَوَلِيَ تَدْرِيسِ الْحَنَابِلَةِ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ تَدَارِيسُ أُخَرُ، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ بْنُ الْعَلْقَمِيِّ الْوِزَارَةَ وَشَغْرَ عَنْهُ الْأُسْتَاذْدَارِيَّةَ وَلَيَهَا مُحْيِي الدِّينِ هَذَا، وَانْتَصَبَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِلْحِسْبَةِ وَالْوَعْظِ، فَأَجَادَ فِيهَا، وَشَعَرَ أَيْضًا حَسَنًا، ثُمَّ كَانَتِ الْحِسْبَةُ تَتَنَقَّلُ فِي بَنِيهِ الثَّلَاثَةِ; جَمَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ، وَتَاجِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَقَدْ قُتِلُوا مَعَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رضي الله عنه. وَلِمُحْيِي الدِّينِ هَذَا مُصَنَّفٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي أَشْعَارًا حَسَنَةً يُهَنِّئُ بِهَا الْخَلِيفَةَ فِي الْمَوَاسِمِ وَالْأَعْيَادِ تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةٍ تَامَّةٍ وَفَصَاحَةٍ بَالِغَةٍ، وَقَدْ وَقَفَ الْمَدْرَسَةَ الْجَوْزِيَّةَ بِدِمَشْقَ، وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدَارِسِ وَأَوْجَهِهَا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَثَابَهُ بِرَحْمَتِهِ.

الصَّرْصَرِيُّ الْمَادِحُ: يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعَمِّرِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ

الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْبَارِعُ، جَمَالُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا الصَّرْصَرِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَادِحُ الْحَنْبَلِيُّ الضَّرِيرُ الْبَغْدَادِيُّ، وَشِعْرُهُ فِي مَدَائِحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَشْهُورٌ، وَدِيوَانُهُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ غَيْرُ مَنْكُورٍ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ وَاللُّغَةَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ صِحَاحَ الْجَوْهَرِيِّ بِكَمَالِهَا. وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَلِيَّ بْنَ إِدْرِيسَ تِلْمِيذَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَكَانَ ذَكِيًّا يَتَوَقَّدُ، يَنْظِمُ عَلَى الْبَدِيهَةِ سَرِيعًا أَشْيَاءَ حَسَنَةً فَصِيحَةً بَلِيغَةً، وَقَدْ نَظَمَ الْكَافِيَ لِلشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ بْنِ قَدَامَةَ، وَمُخْتَصَرَ الْخِرَقِيِّ، وَأَمَّا مَدَائِحُهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُقَالُ: إِنَّهَا تَبْلُغُ عِشْرِينَ مُجَلَّدًا. وَلَمَّا دَخَلَ التَّتَارُ إِلَى بَغْدَادَ دُعِيَ إِلَى دَارٍ بِهَا فَرَمَانٌ مِنْ هُولَاكُو فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ، وَأَعَدَّ فِي دَارِهِ حِجَارَةً، فَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ التَّتَارُ رَمَاهُمْ بِتِلْكَ الْأَحْجَارِ، فَهَشَّمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَلَمَّا خَلَصُوا إِلَيْهِ قَتَلَ بِعُكَّازِهِ أَحَدَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ شَهِيدًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الشَّيْخُ قُطْبُ

الدِّينِ الْيُونِينِيُّ مِنْ دِيوَانِهِ قِطْعَةً صَالِحَةً فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الذَّيْلِ، اسْتَوْعَبَ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ كُلَّهَا، وَذَكَرَ قَصَائِدَ طِوَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْبَهَاءُ زُهَيْرٌ صَاحِبُ الدِّيوَانِ

وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَاصِمِ الْمُهَلَّبِيُّ الْعَتَكِيُّ الْمِصْرِيُّ، وُلِدَ بِمَكَّةَ، وَنَشَأَ بِقُوصَ، وَأَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ، الشَّاعِرُ الْمُطَبِّقُ، الْكَاتِبُ الْجَوَّادُ فِي حُسْنِ الْخَطِّ، لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، وَقَدِمَ عَلَى السُّلْطَانِ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ، وَكَانَ غَزِيرَ الْمُرُوءَةِ، حَسَنَ التَّوَسُّطِ فِي إِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَى النَّاسِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ خَلِّكَانَ، وَقَالَ: أَجَازَ لِي رِوَايَةَ دِيوَانِهِ، وَقَدْ بَسَطَ تَرْجَمَتَهُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ.

الْحَافِظُ زَكِّيُ الدِّينِ الْمُنْذِرِيُّ عَبْدُ الْعَظِيمِ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ

الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ زَكِيُّ الدِّينِ الْمُنْذِرِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الشَّامِ، وَلَكِنَّهُ وُلِدَ بِمِصْرَ، وَكَانَ شَيْخَ الْحَدِيثِ بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، إِلَيْهِ الْوِفَادَةُ وَالرِّحْلَةُ مِنْ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ

وُلِدَ بِالشَّامِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ وَطَلَبَ وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، حَتَّى فَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ فِيهِ، وَصَنَّفَ وَخَرَّجَ، وَاخْتَصَرَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ، وَسُنَنَ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ أَحْسَنُ اخْتِصَارًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَهُ يَدٌ طُولَى فِي اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَالتَّارِيخِ، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً مُتَحَرِّيًا زَاهِدًا، وَتُوفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ بِمِصْرَ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

النُّورُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ رُسْتُمَ الْإِسْعَرْدِيُّ

الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ الْخَلِيعُ، كَانَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ بْنُ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ، قَدْ أَجْلَسَهُ مَعَ الشُّهُودِ تَحْتَ السَّاعَاتِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ النَّاصِرُ صَاحِبُ الْبَلَدِ، وَجَعَلَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ وَنُدَمَائِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلَعَ الْأَجْنَادِ، فَانْسَلَخَ مِنْ هَذَا الْفَنِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَجَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ «الزَّرْجُونْ فِي الْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونْ» وَذَكَرَ فِيهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ فِي الْخَلَاعَةِ، وَمِنْ شِعْرِهِ:

لَذَّةُ الْعُمُرِ خَمْسَةٌ فَاقْتَنِيهَا … مِنْ خَلِيعٍ غَدَا أَدِيبًا فَقِيهَا

فِي نَدِيمٍ وَقَيْنَةٍ وَحَبِيبٍ … وَمُدَامٍ وَسَبِّ مَنْ لَامَ فِيهَا

الْوَزِيرُ

ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ الرَّافِضِيُّ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْوَزِيرُ مُؤَيِّدُ الدِّينِ أَبُو طَالِبِ بْنُ الْعَلْقَمِيِّ الْبَغْدَادِيُّ

خَدَمَ فِي أَيَّامِ الْمُسْتَنْصِرِ أُسْتَاذَ دَارِ الْخِلَافَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ اسْتَوْزَرَهُ الْمُسْتَعْصِمُ، وَلَمْ يَكُنْ وَزِيرَ صِدْقٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ الْأُدَبَاءُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا، رَدِيءَ الطَّوِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْوَجَاهَةِ فِي أَيَّامِ الْمُسْتَعْصِمِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِكَثِيرٍ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ، ثُمَّ مَالَأَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لِلتَّتَارِ أَصْحَابِ هُولَاكُوقَانَ، حَتَّى جَاءُوا فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ أَمْرًا مَفْعُولًا، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ فِي أَيَّامِهِمْ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَزَوَالِ سِتْرِ اللَّهِ، مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، رَأَتْهُ امْرَأَةٌ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي أَيَّامِ التَّتَارِ بِرْذَوْنًا، وَسَائِقٌ يَضْرِبُ فَرَسَهُ، فَوَقَفَتْ إِلَى جَانِبِهِ وَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْعَلْقَمِيِّ، هَكَذَا كَانَ بَنُو الْعَبَّاسِ يُعَامِلُونَكَ؟ فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهَا فِي قَلْبِهِ، وَانْقَطَعَ فِي دَارِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ كَمَدًا فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي قُبُورِ الرَّوَافِضِ، وَقَدْ سَمِعَ بِأُذُنَيْهِ وَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مِنَ الْإِهَانَةِ مِنَ التَّتَارِ وَالْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْوِزَارَةَ، ثُمَّ أَخَذَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ سَرِيعًا، وَقَدْ هَجَاهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:

يَا فِرْقَةَ الْإِسْلَامِ نُوحُوا وَانْدُبُوا … أَسَفًا عَلَى مَا حَلَّ بِالْمُسْتَعْصِمِ

دَسْتُ الْوَزَارَةِ كَانَ قَبْلَ زَمَانِهِ … لِابْنِ الْفُرَاتِ فَصَارَ لِابْنِ الْعَلْقَمِي

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيْدَرَةَ، فَتْحُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَدْلِ

مُحْتَسِبُ دِمَشْقَ، كَانَ مِنَ الصُّدُورِ الْمَشْكُورِينَ، حَسَنَ الطَّرِيقَةِ،

وَجَدُّهُ الْعَدْلُ نَجِيبُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيْدَرَةَ، وَهُوَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِالزَّبَدَانِيِّ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ.

الْقُرْطُبِيُّ صَاحِبُ «الْمُفْهِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمِ»: أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَنْصَارِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ

الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الْمُدَرِّسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وُلِدَ بِقُرْطُبَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ هُنَاكَ، وَاخْتَصَرَ الصَّحِيحَيْنِ، وَشَرَحَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ بِكِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُفْهِمِ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ مُفِيدَةٌ مُحَرَّرَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْكَمَالُ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ

أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، أَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِالرَّوَاحِيَّةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

الْعِمَادُ دَاوُدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ كَامِلٍ أَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو سُلَيْمَانَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَقْدِسِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ

خَطِيبُ بَيْتِ الْآبَارِ، وَقَدْ خَطَبَ بِدِمَشْقَ سِتَّ سِنِينَ بَعْدَ انْفِصَالِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْهَا، وَدَرَّسَ بِالْغَزَالِيَّةِ، ثُمَّ عُزِلَ وَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْآبَارِ، فَمَاتَ بِهَا.

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، صَدَرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ النَّيَّارِ، شَيْخُ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ أَوَّلًا مُؤَدِّبًا لِلْإِمَامِ الْمُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ، فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ نَالَ الشَّيْخُ رِفْعَةً عَظِيمَةً وَوَجَاهَةً هَائِلَةً، وَوَلَّاهُ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، وَانْتَظَمَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأُمُورِ، ثُمَّ إِنَّهُ ذُبِحَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الشَّيْخُ الْعَابِدُ عَلِيٌّ الْخَبَّازُ

كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ وَأَتْبَاعٌ بِبَغْدَادَ، وَلَهُ زَاوِيَةٌ يُزَارُ فِيهَا، قَتَلَتْهُ التَّتَارُ، وَأُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ بِبَابِ زَاوِيَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى أَكَلَتِ الْكِلَابُ مِنْ لَحْمِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ خَطِيبُ مَرْدَا

سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَعَاشَ تِسْعِينَ سَنَةً، وُلِدَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، فَسَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْكَثِيرَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ عَادَ فَمَاتَ بِبَلَدِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، صلى الله عليه وسلم.

الْبَدْرُ لُؤْلُؤٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ الْمُلَقَّبُ بِالْمَلِكِ الرَّحِيمِ

كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي

شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدْ مَلَكَ الْمَوْصِلَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ ذَا عَقْلٍ وَدَهَاءٍ وَمَكْرٍ، لَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ عَلَى أَوْلَادِ أُسْتَاذِهِ حَتَّى أَبَادَهُمْ، وَزَالَتِ الدَّوْلَةُ الْأَتَابِكِيَّةُ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَلَمَّا انْفَصَلَ هُولَاكُوقَانَ عَنْ بَغْدَادَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ الْفَظِيعَةِ الْعَظِيمَةِ، سَارَ إِلَى خِدْمَتِهِ مُتَاقِيًا لَهُ، وَمَعَهُ الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ، فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَكَثَ بِالْمَوْصِلِ أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ مَاتَ، وَدُفِنَ بِمَدْرَسَتِهِ الْبَدْرِيَّةِ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَجَوْدَةِ مَعْدِلَتِهِ، وَقَدْ جَمَعَ لَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْأَثِيرِ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِالْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ فَأَجَازَهُ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُعْطِي لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ أَلْفَ دِينَارٍ وَنَحْوَهَا، وَقَدْ قَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ.

وَقَدْ كَانَ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ هَذَا أَرْمَنِيًّا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ خَيَّاطٌ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَانَ شَاهِ بْنِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيِّ آقْسُنْقُرَ الْأَتَابِكِيِّ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَلِيحَ الصُّورَةِ فَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي دَوْلَتِهِ إِلَى أَنْ صَارَتِ الْكَلِمَةُ دَائِرَةً عَلَيْهِ، وَالْوُفُودُ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِ مُلْكِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَخْنَى عَلَى أَوْلَادِ أُسْتَاذِهِ فَقَتَلَهُمْ غِيلَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَاسْتَقَلَّ بِالْمُلْكِ حِينَئِذٍ، وَصَفَتْ لَهُ الْأُمُورُ وَرَاقَتْ، وَكَانَ يَبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى مَشْهَدِ عَلَيٍّ قِنْدِيلًا زِنَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ قَرِيبًا مِنْ تِسْعِينَ

سَنَةً، وَكَانَ شَابًّا حَسَنَ الشَّبَابِ، مِنْ نَضَارَةِ وَجْهِهِ، وَحُسْنِ شَكْلِهِ، وَكَانَتِ الْعَامَّةُ تُلَقِّبُهُ بِقَضِيبِ الذَّهَبِ، وَكَانَ ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَدَاهِيَةً شَدِيدَ الْمَكْرِ، بَعِيدَ الْغَوْرِ.

الْمَلِكُ النَّاصِرُ دَاوُدُ الْمُعَظَّمُ

تَرْجَمَهُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ فِي تَذْيِيلِهِ عَلَى الْمِرْآةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَسَطَ تَرْجَمَتَهُ جِدًّا، وَمَا جَرَى لَهُ مِنْ مُبْتَدَأِ أَمْرِهِ إِلَى آخِرِ زَمَانِهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ أَشْعَارِهِ وَأَقْوَالِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَفَادَ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي الْحَوَادِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ وَأَعْمَالَهَا مُدَّةً، ثُمَّ تَمَالَأَ عَلَيْهِ عَمَّاهُ الْكَامِلُ وَالْأَشْرَفُ وَانْتَزَعَاهَا مِنْ يَدِهِ، وَعَوَّضَاهُ مِنْهَا الْكَرَكَ وَالصَّلْتَ وَعَجْلُونَ وَنَابُلُسَ، ثُمَّ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ يَدِهِ وَصَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَاسْتَوْدَعَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعْصِمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَدِيعَةً قِيمَتُهَا مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، فَغَلَّهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ، وَتَكَرَّرَ وُفُودُهُ إِلَيْهِ وَتَوَسُّلُهُ بِالنَّاسِ فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يُفِدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَمِنْ أَحْسَنِ مَقَامَاتِ النَّاصِرِ دُوَادَ; لَمَّا حَضَرَ الدَّرْسَ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَالْخَلِيفَةُ حَاضِرٌ، فَقَامَ الْفَقِيهُ وَجِيهُ الدِّينِ الْقَيْرَاوَنِيُّ فَامْتَدَحَ الْخَلِيفَةَ بِقَصِيدَةٍ قَالَ فِي بَعْضِهَا:

لَوْ كُنْتَ فِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ حَاضِرًا … كُنْتَ الْمُقَدَّمَ وَالْإِمَامَ الْأَرْوَعَا

فَقَالَ لَهُ النَّاصِرُ دَاوُدُ: أَخْطَأْتَ; فَقَدْ كَانَ جَدُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَبَّاسُ حَاضِرًا يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُقَدَّمَ وَالْإِمَامَ الْأَرْوَعَا أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: صَدَقَ. وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَنَفَى الْوَجِيهَ الْقَيْرَوَانِيَّ إِلَى مِصْرَ، فَدَرَّسَ فِي مَدْرَسَةِ الْوَزِيرِ صَفِيِّ الدِّينِ بْنِ شُكْرٍ، وَكَانَتْ وَفَاةُ النَّاصِرِ دَاوُدَ بِقَرْيَةِ الْبُوَيْضَا مُرَسَّمًا عَلَيْهِ، وَشَهِدَ جِنَازَتَهُ صَاحِبُ دِمَشْقَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
الله أكبر