الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة أربع عشرة ومائتين
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا الْتَقَى مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَبَابَكُ الْخُرَّمِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَتَلَ الْخُرَّمِيُّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ جَيْشِهِ وَقَتَلَهُ أَيْضًا، وَانْهَزَمَ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ ابْنِ حُمَيْدٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يُخَيِّرَانِهِ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَنِيَابَةِ الْجِبَالِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ، لِمُحَارَبَةِ بَابَكَ فَاخْتَارَ الْمُقَامَ بِخُرَاسَانَ، لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِهَا إِلَى الضَّبْطِ، وَلِلْخَوْفِ مِنْ ظُهُورِ الْخَوَارِجِ بِهَا.
وَفِيهَا دَخَلَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَافْتَتَحَهَا وَاسْتَعَادَهَا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَظَفِرَ بِعَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ جَلِيسٍ وَقَتَلَهُمَا. وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: بِلَالٌ الضَّبَابِيُّ الشَّارِيُّ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَقَتَلُوا بِلَالًا وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ
الْجَبَلَ وَقُمَّ وَأَصْبَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ.
وَحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ.
شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ.
وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو.
وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ.
وَلِيَ دِيوَانَ الرَّسَائِلِ لِلْمَأْمُونِ. تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ:
قَدْ يُرْزَقُ الْمَرْءُ لَا مِنْ حُسْنِ حِيلَتِهِ … وَيُصْرَفُ الرِّزْقُ عَنْ ذِي الْحِيلَةِ الدَّاهِي
مَا مَسَّنِي مِنْ غِنًى يَوْمًا وَلَا عَدَمٍ … إِلَّا وَقَوْلِي عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَلَهُ أَيْضًا:
إِذَا قُلْتَ فِي شَيْءٍ نَعَمْ فَأَتِمَّهُ … فَإِنَّ نَعَمْ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ وَاجِبُ
وَإِلَّا فَقُلْ لَا تَسْتَرِحْ وُترِحْ بِهَا … لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ إِنَّكَ كَاذِبُ
وَلَهُ:
إِذَا الْمَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ … فَلَامَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ … فَصَدْرُ الَّذِي اسْتَوْدَعْتَهُ السِّرَّ أَضْيَقُ
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ بْنِ لَيْثِ بْنِ رَافِعٍ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ مَنْ قَرَأَ «» الْمُوَطَّأَ «» عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِهِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا بِبِلَادِ مِصْرَ، وَلَهُ بِهَا ثَرْوَةٌ وَأَمْوَالٌ وَافِرَةٌ. وَحِينَ قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ أَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَجَمَعَ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَيْ دِينَارٍ أُخْرَى.
وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي صَحِبَ الشَّافِعِيَّ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ الشَّافِعِيِّ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ مِنَ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْبُرٍ، الشَّافِعِيُّ شَامِيُّهَا، وَهُمَا قِبْلَتُهُ، رضي الله عنه.