سنة تسع وأربعين ومائتين

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة تسع وأربعين ومائتين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث سنة تسع وأربعين ومائتين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ

فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ مِنْهَا الْتَقَى جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَلْقٌ مِنَ الرُّومِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَلَطْيَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَقْطَعِ، وَقُتِلَ مَعَهُ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ قُتِلَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ كَانَ هَذَانَ الْأَمِيرَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَنْصَارِ الْإِسْلَامِ.

وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ كَرِهُوا جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَقَتَلُوا الْمُتَوَكِّلَ، وَاسْتَضْعَفُوا الْمُنْتَصِرَ وَالْمُسْتَعِينَ بَعْدَهُ; فَنَهَضُوا إِلَى السِّجْنِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَجَاءُوا إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعُوهُ وَضَرَبُوا الْآخَرَ بِالنَّارِ، فَأَحْرَقُوهُ، وَنَادَوْا بِالنَّفِيرِ فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَنَهَبُوا أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةً، وَذَلِكَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ ثُمَّ جَمَعَ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً; لِتُصْرَفَ إِلَى مَنْ

يَنْهَضُ إِلَى ثُغُورِ الرُّومِ لِقِتَالِهِمْ عِوَضًا عَنْ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُنَاكَ، فَأَقْبَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ نَوَاحِي الْجِبَالِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَغَيْرِهَا لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ وَالْجَيْشَ تَأَخَّرُوا عَنِ النُّهُوضِ فَغَضِبَتِ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَعَلُوا مَا ذَكَرْنَا.

وَلِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ نَهَضَ عَامَّةُ أَهْلِ سَامَرَّا إِلَى السِّجْنِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَجَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْجَيْشِ، يُقَالُ لَهُمُ: الزُّرَافَةُ، فَهَزَمَتْهُمُ الْعَامَّةُ فَرَكِبَ عِنْدَ ذَلِكَوَصِيفٌ وَبُغَا الصَّغِيرُ وَعَامَّةُ الْأَتْرَاكِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَرَتْ فِتَنٌ طَوِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ سَكَنَتْ.

وَفِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعِينَ كَانَ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى ثَلَاثَةٍ; وَهُمْ أُتَامِشُ التُّرْكِيُّ، وَكَانَ أَخَصَّ مَنْ عِنْدَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ، وَفِي حِجْرِهِ الْعَبَّاسُ ابْنُ الْمُسْتَعِينِ يُرَبِّيهِ، وَيَعَلِّمُهُ الْفُرُوسِيَّةَ، وَشَاهَكُ الْخَادِمُ، وَأُمُّ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ لَا يَمْنَعُهَا شَيْئًا تُرِيدُهُ، وَكَانَ لَهَا كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ: سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ

النَّصْرَانِيُّ. فَأَقْبَلَ أُتَامِشُ فَأَسْرَفَ فِي أَخْذِ الْأَمْوَالِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ بِبَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا، فَغَضِبَ الْأَتْرَاكُ مِنْ ذَلِكَ، وَغَارَتْ مِنْهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَرَكِبُوا إِلَيْهِ، وَأَحَاطُوا بِقَصْرِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُسْتَعِينِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ مِنْهُمْ، وَلَا دَفْعُهُمْ عَنْهُ فَأَنْزَلُوهُ صَاغِرًا فَقَتَلُوهُ، وَانْتَهَبُوا أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَدُورَهُ، وَاسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ أَبَا صَالِحٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزْدَادَ، وَوَلَّى بُغَا الصَّغِيرَ فِلَسْطِينَ، وَوَلَّى وَصِيفًا الْأَهْوَازَ، وَجَرَى خَبْطٌ كَبِيرٌ، وَوَهْنٌ كَثِيرٌ مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ.

وَتَحَرَّكَتِ الْمَغَارِبَةُ بِسَامَرَّا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ فَيَرْكَبُونَ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ.

وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَهُوَ الْيَوْمُ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ تَمُّوزَ، مُطِرَ أَهْلُ سَامَرَّا مَطَرًا عَظِيمًا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ، وَالْغَيْمُ مُطْبِقٌ، وَالْمَطَرُ مُسْتَهِلٌّ كَثِيرٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ أَصَابَ أَهْلَ الرَّيِّ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، وَرَجْفَةٌ هَائِلَةٌ تَهَدَّمَتْ مِنْهَا الدُّورُ، وَمَاتَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ بَقِيَّةُ أَهْلِهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ

الْإِمَامُ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ.

وَالْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، صَاحِبُ كِتَابِ «السُّنَنِ».

وَرَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى الْحَافِظُ.

وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ صَاحِبُ «الْمُسْنَدِ» وَ «التَّفْسِيرِ» الْحَافِلِ.

وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ.

وَعَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ بَدْرِ بْنِ الْجَهْمِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيُّ السَّامِيُّ.

مِنْ وَلَدِ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، الْخُرَاسَانِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَأَهْلِ الدِّيَانَةِ الْمُعْتَبَرِينَ.

وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ فِيهِ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي

طَالِبٍ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِالْمُتَوَكِّلِ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ فَنَفَاهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَأَمَرَ نَائِبَهُ بِهَا أَنْ يَنْصِبَهُ يَوْمًا، مُجَرَّدًا، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ:

بَلَاءٌ لَيْسَ يَعْدِلُهُ بَلَاءٌ … عَدَاوَةُ غَيْرِ ذِي حَسَبٍ وَدِينِ

يُبِيحُكَ مِنْهُ عِرْضًا لَمْ يَصُنْهُ … وَيَرْتَعُ مِنْكَ فِي عِرْضٍ مَصُونِ

وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَرْوَانَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ حِينَ هَجَاهُ، فَقَالَ فِي هِجَائِهِ لَهُ:

لَعَمْرُكَ مَا الْجَهْمُ بْنُ بَدْرٍ بِشَاعِرٍ … وَهَذَا عَلِيٌّ بَعْدَهُ يَدَّعِي الشِّعْرَا

وَلَكِنْ أَبِي قَدْ كَانَ جَارًا لِأُمِّهِ … فَلَمَّا ادَّعَى الْأَشْعَارَ أَوْهَمَنِي أَمْرَا

كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ قَدْ قَدِمَ الشَّامَ ثُمَّ عَادَ قَاصِدًا الْعِرَاقَ فَلَمَّا جَاوَزَ حَلَبَ ثَارَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، فَقَاتَلَهُمْ فَجُرِحَ جُرْحًا بَلِيغًا فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ فَوُجِدَ بَيْنَ ثِيَابِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا:

يَا رَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ فِي الْبَلَدِ النَّا … زِحِ مَاذَا بِنَفْسِهِ صَنَعَا

فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا … بِالْعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا انْتَفَعَا

وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَذَا السَّبَبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، صلى الله عليه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.6 / 29.5
الإضاءة 4%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله