الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة خمس وأربعين ومائتين
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ الْمَاحُوزَةِ وَحَفْرِ نَهْرٍ لَهَا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى بِنَائِهَا وَبِنَاءِ قَصْرٍ لِلْخِلَافَةِ فِيهَا يُقَالُ لَهُ: اللُّؤْلُؤَةُ. أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ فِي بِلَادٍ شَتَّى، فَمِنْ ذَلِكَ بِمَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ بِحَيْثُ سَقَطَ فِيهَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دَارٍ، وَانْهَدَمَ مِنْ سُورِهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ بُرْجًا، وَسُمِعَتْ مَنْ كُوَى دُورِهَا أَصْوَاتٌ مُزْعِجَةٌ جِدًّا، فَخَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ سِرَاعًا يُهْرَعُونَ، وَسَقَطَ الْجَبَلُ الَّذِي إِلَى جَانِبِهَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَقْرَعُ، فَسَاخَ فِي الْبَحْرِ، فَهَاجَ الْبَحْرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَارْتَفَعَ مِنْهُ دُخَانٌ أَسْوَدُ مُظْلِمٌ مُنْتِنٌ، وَغَارَ نَهْرٌ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ. ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: وَسَمِعَ فِيهَا أَهْلُ تِنِّيسَ ضَجَّةً دَائِمَةً طَوِيلَةً مَاتَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. قَالَ: وَزُلْزِلَتْ فِيهَا بَالِسُ وَالرَّقَّةُ وَحَرَّانُ وَرَأْسُ الْعَيْنِ وَحِمْصُ وَدِمَشْقُ وَالرُّهَاُ وَطَرَسُوسُ وَالْمِصِّيصَةُ، وَأَذَنَةُ، وَسَوَاحِلُ الشَّامِ وَرَجَفَتِ اللَّاذِقِيَّةُ فَمَا بَقِيَ
مِنْهَا مَنْزِلٌ إِلَّا انْهَدَمَ، وَلَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا الْيَسِيرُ، وَذَهَبَتْ جَبَلَةُ بِأَهْلِهَا.
وَفِيهَا غَارَتْ مُشَاشُ عَيْنٌ بِمَكَّةَ حَتَّى بَلَّغَ ثَمَنُ الْقِرْبَةِ بِمَكَّةَ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا. حَتَّى بَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وَهِلَالٌ الرَّازِيُّ، وَفِيهَا هَلَكَ نَجَاحُ بْنُ سَلَمَةَ، كَانَ عَلَى دِيوَانِ التَّوْقِيعِ، وَقَدْ كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْمُتَوَكِّلِ، ثُمَّ جَرَتْ لَهُ كَائِنَةٌ أَفْضَتْ بِهِ إِلَى أَنْ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ قِصَّتَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُطَوَّلَةً.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبَّيُّ.
وَأَبُو الْحَسَنِ الْقَوَّاسُ مُقْرِئُ مَكَّةَ.
وَأَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ.
وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى
ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ.
وَذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ.
وَسَوَّارٌ الْقَاضِي.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ.
وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ.
وَأَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ.
وَابْنُ الرَّاوَنْدِيُّ الزِّنْدِيقُ.
أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الرَّاوَنْدِيِّ.
نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِبِلَادَ قَاسَانَ ثُمَّ نَشَأَ بِبَغْدَادَ، كَانَ بِهَا يُصَنِّفُ الْكُتُبَ فِي الزَّنْدَقَةِ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ، لَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً حَسَبَ مَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَإِنَّمَا
ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا; لِأَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ خِلِّكَانَ ذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ تَلَبَّسَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجَرِّحْهُ بِشَيْءٍ أَصْلًا، بَلْ مَدَحَهُ فَقَالَ: أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ الرَّاوَنْدِيُّ الْعَالِمُ الْمَشْهُورُ، لَهُ مَقَالَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ فِي عَصْرِهِ، وَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ كِتَابًا، مِنْهَا كُتُبُ «فَضِيحَةِ الْمُعْتَزِلَةِ»، وَكِتَابُ «التَّاجِ»، وَكِتَابُ «الزُّمُرُّدَةِ»، وَكِتَابُ «الْقَصَبِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَهُ مَحَاسِنُ وَمُحَاضَرَاتٌ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِمَذَاهِبَ نَقَلَهَا عَنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كُتُبِهِمْ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِرَحْبَةِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ التَّغْلِبِيِّ، وَقِيلَ: بِبَغْدَادَ. وَتَقْدِيرُ عُمْرِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَذُكِرَ فِي «الْبُسْتَانِ» أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَإِنَّمَا أَرَّخَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَرْجَمَةٌ مُطَوَّلَةٌ.
ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ.
ثَوْبَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَقِيلَ: الْفَيْضُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - أَبُو الْفَيْضِ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ الْمَشَايِخِ الْمَذْكُورِينَ فِي رِسَالَةٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ
الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ فِي الْوَفَيَاتِ، وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي «تَارِيخِ مِصْرَ»، وَقَالَ: كَانَ أَبُوهُ نُوبِيًّا. وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ إِخْمِيمَ. وَكَانَ حَكِيمًا فَصِيحًا. وَقِيلَ: وَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ تَوْبَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى قُنْبُرَةً عَمْيَاءَ نَزَلَتْ مِنْ وِكْرِهَا فَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ عَنْ سُكُرَّجَتَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي إِحْدَاهِمَا سِمْسِمٌ، وَفِي الْأُخْرَى مَاءٌ، فَأَكَلَتْ مِنْ هَذِهِ، وَشَرِبَتْ مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ شُكِيَ مَرَّةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فَأَحْضَرَهُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَعَظَهُ فَأَبْكَاهُ، فَرَدَّهُ مُكَرَّمًا إِلَى بَلَدِهِ. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ بَكَى عَلَيْهِ.