سنة ست عشرة ومائتين

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ست عشرة ومائتين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث سنة ست عشرة ومائتين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ

فِيهَا عَدَا مَلِكُ الرُّومِ وَهُوَ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ فَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ طَرَسُوسَ؛ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَيْضًا كَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ فَلَمَّا قَرَأَ الْمَأْمُونُ كِتَابَهُ نَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَرَكِبَ فِي الْجُيُوشِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، وَصُحْبَتُهُ أَخُوهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ نَائِبُ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَافْتَتَحَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً صُلْحًا وَعَنْوَةً، وَافْتَتَحَ أَخُوهُ ثَلَاثِينَ حِصْنًا، وَبَعَثَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى طُوَانَةَ فَافْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَأَسَرَ خَلْقًا مِنَ الذَّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ الرُّومِ، وَحَرَقَ حُصُونًا عِدَّةً، ثُمَّ عَادَ سَالِمًا مُؤَيَّدًا إِلَى الْعَسْكَرِ. وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ بِبِلَادِ الرُّومِ مِنْ نِصْفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى نِصْفِ شَعْبَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ وَثَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عُبْدُوسٌ الْفِهْرِيُّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ، فَتَغَلَّبَ عَلَى نُوَّابِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الرَّشِيدِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَرَكِبَ الْمَأْمُونُ مِنْ دِمَشْقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَفِيهَا كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَائِبِ بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ وَالرُّصَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، أَنَّهُمْ لَمَّا قَضَوُا الصَّلَاةَ قَامَ النَّاسُ قِيَامًا فَكَبَّرُوا ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا الْمَأْمُونُ بِلَا مُسْتَنَدٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا مُعْتَمَدٍ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي «» الصَّحِيحِ «» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ، فَلَمَّا عُلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلْجَهْرِ مَعْنًى. وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا هَذِهِ الْبِدْعَةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمَأْمُونُ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ.

وَفِيهَا وَقَعَ بَرْدٌ شَدِيدٌ جِدًّا. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الَّذِي حَجَّ بِهِمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَقِيلَ: غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ.

وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ.

صَاحِبُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالشِّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ.

وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ.

زُبَيْدَةُ امْرَأَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَابْنَةُ عَمِّهِ

وَهِيَ ابْنَةُ جَعْفَرٍ، أَمَةُ الْعَزِيزِ الْمُلَقَّبَةُ بِزُبَيْدَةَ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ

الْقُرَشِيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، امْرَأَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهَا، مَعَ مَا كَانَ مَعَهَا مِنَ الْحَظَايَا وَالزَّوْجَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَإِنَّمَا لُقِّبَتْ زُبَيْدَةَ؛ لِأَنَّ جَدَّهَا أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ كَانَ يُلَاعِبُهَا وَيُرَقِّصُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنْتِ زُبَيْدَةُ. لِبَيَاضِهَا، فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَلَا تُعْرَفُ إِلَّا بِهِ، وَأَصْلُ اسْمِهَا أَمَةُ الْعَزِيزِ، كَانَتْ مِنَ الْجِمَالِ وَالْمَالِ وَالْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ عَلَى جَانِبٍ، وَلَهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَوُجُوهِ الْقُرُبَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَرَوَى الْخَطِيبُ أَنَّهَا حَجَّتْ، فَبَلَغَتْ نَفَقَتُهَا فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّهَا لَمَّا هَنَّأَتِ الْمَأْمُونَ بِالْخِلَافَةِ حِينَ دَخَلَ بَغْدَادَ قَالَتْ لَهُ: لَقَدْ هَنَّأْتُ نَفْسِي بِهَا عَنْكَ قَبْلَ أَنْ أَرَاكَ، وَلَئِنْ كُنْتُ فَقَدْتُ ابْنَا خَلِيفَةٍ لَقَدْ عُوِّضْتُ ابْنًا خَلِيفَةً لَمْ أَلِدْهُ، وَمَا خَسِرَ مَنِ اعْتَاضَ مِثْلَكَ، وَلَا ثَكِلَتْ أُمٌّ مَلَأَتْ يَدَهَا مِنْكَ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَجْرًا عَلَى مَا أَخَذَ، وَإِمْتَاعًا بِمَا عَوَّضَ. وَذَكَرَ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِبَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.

ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ: حَدَّثَنِى الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ لَفْظًا قَالَ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي الْفَتْحِ الْقَوَّاسِ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَوْصِلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الزَّمِنُ: رَأَيْتُ زُبَيْدَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ فَقَالَتْ: غَفَرَ لِي فِي أَوَّلِ مِعْوَلٍ ضُرِبَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الصُّفْرَةُ فِي وَجْهِكِ؟ قَالَتْ: دُفِنَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ زَفَرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ زَفْرَةً فَاقْشَعَرَّ لَهَا جَسَدِي، فَهَذِهِ الصُّفْرَةُ مِنْ تِلْكَ الزَّفْرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا مِائَةُ جَارِيَةٍ كُلُّهُنَّ يَحْفَظْنَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَوِرْدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ عُشْرُ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يُسْمَعُ لَهُنَّ فِي الْقَصْرِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد