رؤياء العلماء والسلاطين وأعلام التاريخ

الإسلام > تفسير الأحلام > قواعد الرؤيا

هذه الصفحة تجمع ما ورد في هذا الموضوع من كتاب الرؤيا للتويجري وكلام المفسرين، بألقابها كما وردت في الأصل، منسوبةً كل مقطعٍ إلى موضعه.

آخر تحديث 01 أكتوبر 2026 - 03:34

📖 50 دقيقة قراءة

رؤيا الشافعي أن أحمد سيمتحن ويدعى إلى القول بخلق القرآن

في دار الدنيا، فقالا لي: صدقت فنم نومة العروس لا بؤس عليك. وقال السفاريني في كتاب "البحور الزاخرة" : أخرج السلفي في الطيوريات عن سهل بن عمار قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أتاني إلى قبري ملكان فظان غليظان فقالا: ما دينك ومن ربك ومن نبيك، فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: لمثلي يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة، فقالا: أكتبتّ عن حَرِيز بن عثمان؟ قلت: نعم، قالا: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله. قال السفاريني: ورواه اللالكائي بدون زيادة أكتبت إلى آخره، وبدل ثمانين سنة ستين سنة؛

وزاد فقال أحدهما: صدق نم نومة العروس فلا روعة عليك بعد اليوم. وروى الخطيب في "تاريخه" عن وهب بن بيان قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت: يا أبا خالد أليس قد متَّ؟ قال: أنا في قبري وقبري روضة من رياض الجنة. ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يقول: رأيت ربّ العزة عز وجل في المنام فقلت: يا ربّ ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، قال: قلت: يا ربّ بفهمٍ أو بغير فهمٍ؟

قال: بفهمٍ وبغير فهمٍ. ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه القاضي أبو الحسين في «طبقات الحنابلة» عن أبي جعفر محمد بن منصور العابد المعروف بالطوسي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله كل ما روى عنك أبو هريرة حق؟ قال: «نعم» . ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا الشافعي أن أحمد سيُمتحن ويُدعى إلى القول بخلق القرآن وقد روى ذلك ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» بإسناده إلى الربيع بن سليمان قال: قال لي الشافعي: يا ربيع خذ كتابي وامض به وسلمه إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأتني بالجواب، قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب ولقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح فصليت معه

الفجر فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟

قلت: لا، وكسر أحمد الخاتم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع، فقلت له: أي شيء فيه يا أبا عبد الله؟ فقال: يذكر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم يرفع الله لك علمًا إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة فخلع قميصه الذي يلي جلده فدفعه إلي فأخذته وخرجت إلى مصر وأخذت جواب الكتاب وسلمته إلى الشافعي فقال لي: يا ربيع أي شيء الذي دفع إليك؟

قلت: القميص الذي يلي جده. فقال لي الشافعي: ليس نفجعك به ولكن بله وادفع إلينا الماء حتى أشركك فيه. ورواه أيضًا من طريق آخر عن الربيع بن سليمان وقال فيه: إن الشافعي ذكر في كتابه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه وهو يقول له: يا ابن إدريس بشر هذا الفتى أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنه سيُمتحن في دين الله ويُدعى إلى أن يقول القرآن مخلوق فلا يفعل وإنه سيُضرب بالسياط وإن الله عز وجل ينشر له بذلك علمًا لا ينطوي إلى يوم القيامة، وذكر بقية القصة بنحو ما تقدم.

ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" عن أبي بكر أحمد بن محمد الرملي قاضي دمشق قال: دخلت العراق فكتبت كتب أهلها وأهل الحجاز فمن كثرة خلافهما لم أدر بأيهما آخذ فلما كان جوف الليل قمت فتوضأت وصليت ركعتين وقلت: اللهم اهدني إلى ما تحب، ثم أويت إلى فراشي فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرى النائم دخل من باب بني شيبة وأسند ظهره إلى الكعبة فرأيت الشافعي وأحمد بن حنبل على يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنبي يتبسم إليهما.

وبشر المريسي من ناحية، فقلت: يا رسول الله من كثرة اختلافهما لا أدري بأيها آخذ، فأومأ إلى الشافعي وأحمد فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} الأنعام: 89 ثم أومأ إلى بشر فقال: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} الأنعام: 89 - 90 . ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي أيضًا عن محمد بن أبي الورد قال: سمعت يحيى الجلاء – أو علي بن الموفق – قال: ناظرت قومًا من الواقفة أيام المحنة فنالوني بما أكره فصرت إلى منزلي وأنا مغموم بذلك فقدمت إلي

امرأتي عشاء فقلت لها: لست آكل، فرفعته ونمت فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم داخل المسجد وفي المسجد حلقتان إحداهما فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، والأخرى فيها ابن أبي دؤاد وأصحابه فوقف بين الحلقتين وأشار بيده وقال: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} وأشار إلى حلقة ابن أبي دؤاد {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} وأشار إلى الحلقة التي فيها أحمد بن حنبل، وقد رواه الخطيب في "تاريخه" بمثله.

ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي أيضًا عن عبد الوهاب الوراق قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل فقال لي: «ما لي أراك محزونًا؟» قال: قلت: وكيف لا أكون محزونًا وقد حلّ بأمتك ما قد ترى، قال: فقال لي: «لينتهين الناس إلى مذهب أحمد بن حنبل لينتهين الناس إلى مذهب أحمد بن حنبل» . ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي أيضًا عن أبي زرعة قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فشكوت ما نلقى من الجهمية فقال: «لا تحزن فإن أحمد بن حنبل قد سدَّ عليهم الأفق» .

ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن الجوزي أيضًا عن أبي عبد الله السجستاني قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا؟ قال: «عليكم بأحمد بن حنبل» . وروى ابن الجوزي أيضًا عن أحمد بن نصر الخزاعي نحوه، ورواه القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بنحوه أيضًا.

رؤيا عظيمة رآها الملك العادل نور الدين في رجلين أرادا إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من قبره

فقلت: السلام عيك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، المهدي قال: لست به، قلت: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الهادي، قال: لست به، قلت: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، قال: الرشيد، فقلت: الرشيد، فقال: يا يعقوب بن داود إنه والله ما شفع فيك إلي أحد، غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك فرثيت لك من المحل الذي كنت به فأخرجتك، قال: فأكرمني وقرّب مجلسي، قال: ثم إن يحيى بن خالد تنكر لي كأنه خاف أن أغلب على أمير المؤمنين دونه، فخفته فاستأذنت للحج فأذن لي، فلم يزل مقيمًا بمكة حتى مات بها.

ومن الرؤيا الظاهرة العظيمة ما ذكر عن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام يستنجده على رجلين أرادا إخراجه من قبره. وقد ذكر القصة في هذه الرؤيا نور الدين علي بن أحمد السمهودي في كتابه "الوفا بأخبار دار المصطفى" وذكر أن ذلك كان في سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وهذا نص ما ذكره. خاتمة: فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد الخندق حول الحجرة الشريفة مملوءًا بالرصاص، وذكر السبب في ذلك وما ناسبه. اعلم أني وقفت على رسالة قد صنفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى، وسماها بعضهم ب "الانتصارات الإسلامية" ورأيت عليها بخط تلميذه

شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب، في منع استخدام النصارى كتّاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي، ولم يسمه فسميته بحضرته فأقرني عليه، انتهى.

فرأيته ذكر فيها ما لفظه: وقد دعتهم أنفسهم – يعني النصارى – في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} التوبة: 32 . وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به بالليل وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعًا ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضًا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق نوم وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي فأرسل خلفه ليلاً وحكى له جميع ما

اتفق له فقال له: وما قعودك، اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرًا وصحبته الوزير المذكور ومالٌ كثير فقدم المدينة في ستة عشر يومًا فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة وزار ثم جلس لا يدري ماذا يصنع.

فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحضر معه أموالاً للصدقة فاكتبوا مَنْ عندكم فكتبوا أهل المدينة كلهم وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي - صلى الله عليه وسلم - له فلا يجد تلك الصفة فيعطيه ويأمره بالانصراف إلى أن انقضى الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئًا من الصدقة، قالوا: لا، فقال: تفكروا وتأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئًا وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشرح صدره وقال: عليّ بهما؛

فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهما بقوله «أنجدني أنقذني من هذين» ، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصدقاني، فصمما على ذلك، فقال: أين منزلهما فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالاً كثيرًا وختمتين وكتبًا في الرقائق ولم ير فيه شيئًا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت ولا يردان

سائلاً قط بحيث سدَّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله، ولم يظهر شيئًا مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيرًا في البيت فرأى سردابًا محفورًا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: أصدقاني حالكما، وضربهما ضربًا شديدًا فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زينه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة وفعلا ما تقدم وصارا يحفران ليلاً

ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور وأقاما على ذلك مدة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت وحصل رجيف عظيم بحيث خيّل انقلاع تلك الجبال فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة واتفق إمساكهما واعترافهما فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاءً شديدًا وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة وهو مما يلي البقيع، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقًا عظيمًا إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذيب ذلك الرصاص وملأ به الخندق فصار حول الحجرة الشريفة سورًا

رصاصًا إلى الماء، ثم عاد إلى ملكه وأمر بإضعاف النصارى وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها.

انتهى. وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة وسبك الرصاص به. لكن بين السنة التي وقع فيها ذلك مع مخالفة لبعض ما تقدم فقال في الكلام على سور المدينة المحيط بها اليوم: وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس وسمعتها من الفقيه عَلَم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك أن السلطان محمودًا المذكور رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول في كل واحدة: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل

الصبح فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس له غيرك فتجهز وخرج على

رؤيا عمر بن عبد العزيز في الحجاج بن يوسف

وقال لغلامه: احبسه في الاصطبل وقيّده. فحبست وقيّدت وجاءني أهلي وبكوا علي ورثوا لي ولاموني. فقلت: قضي الذي كان ولا موت إلا بأجل. ولم تزل تمر بي الأيام والناس يتفقدوني ويرحموني مما أنا فيه حتى مضت سبعة وعشرون يومًا فلما كانت الليلة الثامنة والعشرون اتخذ الديلمي دعوة عظيمة أحضر فيها عامة وجوه قوّاد العسكر وجلس معهم للشرب فلما كان نصف الليل جاءني السايس فقال لي: يا دقاق، القائد أخذته حمى عظيمة وقد تدثر بجميع ما في الدار ووقع عليه الغلمان فوق الثياب وهو ينتفض في الثياب نفضًا عظيمًا، وكان على حالته اليوم الثامن والعشرين وأتت ليلة التاسع والعشرين ودخل السايس نصف الليل وقال: يا دقاق مات القائد وحلّ

عني القيد فلما أصبحنا اجتمع الناس من كل وجه وجلس القوّاد للعزاء وأخرجت أنا، وكانت قصتي مشهورة واستعادوني فقصصت عليهم ورجع جماعة كثيرة عن مذابهم الرديئة.

ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن أبي الدنيا قال: حدثني أحمد بن جميل حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم قال: أغمي على المسور بن مخرمة رضي الله عنهما ثم أفاق فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أحب إلي من الدنيا وما فيها، عبد الرحمن بن عوف في الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وعبد الملك والحجاج يجران أمعاءهما في النار. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه القصة في ترجمة الحجاج بن يوسف من "تهذيب التهذيب" ثم قال: هذا إسناد صحيح ولم يكن للحجاج حينئذ ذكر ولا كان عبد الملك ولي الخلافة

بَعْدُ لأن المسور مات في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد بن معاوية من الشام وذلك في ربيع الأول سنة أربع وستين من الهجرة.

انتهى. ومن الرؤيا الظاهرة ما رآه عمر بن عبد العزيز حين أغمي عليه، وقد ذكر هذه القصة أبو نعيم في "الحلية" وابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز وذكرها غيرهما من المؤرخين، وهي قصة طويلة وقد جاء فيها أن عمر بن عبد العزيز حين أُغمي عليه رأى أن القيامة قد قامت ورأى أنه أوقف بين يدي الله وأن الله

رؤيا أبي الأصمعي وغيره في الحجاج بن يوسف

رحمه وأمر به إلى الجنة، قال: فبينا أنا مارُّ مع الملكين الموكلين بي إذ مررت بجيفة ملقاة على رماد فقلت: ما هذه الجيفة؟ قالوا: ادن منه وسله يخبرك فدنوت منه فوكزته برجلي وقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال لي: ما فعل الله بك وبأصحابك؟ قلت: أما أربعة فأمر بهم ذات اليمين إلى الجنة ثم لا أدري ما فعل الله بمن كان بعد علي، فقال لي: أنت ما فعل الله بك؟ قلت: تفضل علي ربي وتداركني منه برحمة وقد أمر بي ذات اليمين إلى الجنة، فقال: أنا كما صرت ثلاثًا، قلت: أنت من أنت؟

قال: أنا الحجاج بن يوسف، قلت له: حجاج أرددها عليه ثلاثًا، قلت: ما فعل الله بك، قال: قدمت على رب شديد العقاب، ذي بطشة منتقم ممن عصاه، قتلني بكل قتلة قتلت بها مثلها، ثم ها أنا ذا موقوف بين يدي ربي أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم إما إلى جنة وإما إلى نار. ومن الرؤيا الظاهرة ما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" عن الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانًا، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟

فقال: يا مّاصَّ بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول. وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زي رأيته، قال: في زي قبيح، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا مَاصَّ بظر أمه. فقال هارون: صدق والله أنت رأيت الحجاج حقًا، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيًا وميتًا. وروى حنبل بن إسحاق بإسناده عن أشعث الخراز قال: رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدًا قتلة إلا قتلني بها، قال: ثم أمر بي إلى النار، قلت: ثم مه، قال: ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله.

ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت» عن أبي مسعود الجريري قال: ذكر شيخ في مسجد الأشياخ كان يحدثنا عن أبي قال: بينما نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك

رؤيا طولون بشأن الثلاثة المحدثين

ذكرته في هذا الفصل من الأحلام التي ليست في الأحاديث المرفوعة والموقوفة فهو قليل من كثير مما وقفت عليه مما جاء في هذا النوع. ولو ذكرت كل ما وقفت عليه من ذلك لطال الكتاب، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى. فصل النوع الثاني من الرؤيا ما هو من ضرب الأمثال للنائم يضربها له الملك الموكل بالرؤيا وهذا النوع هو الأكثر، وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل، وهو الذي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقص على غير عالم أو ناصح. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع وليراجع أيضًا ما ذكرته من كلام العلماء في معناها.

ومن هذا النوع رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام ورؤيا كل من الفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف، ورؤيا ملك مصر، فأما رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام فقد ذكرها الله تعالى في قوله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى

أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يوسف: 4 - 6 وقد وقع تأويل هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة والصحيح الأول.

وهو قول سلمان الفارسي رضي الله عنه وعبد الله بن شداد، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب، وقد أخبر الله تعالى عن وقوع تأويلها بقوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} يوسف: 99 - 100 . وأما رؤيا كل من الفتيين فقد ذكرهما الله تعالى في قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ

رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} يوسف: 36 ، ثم أخبرهما بتأويل رؤيا كل منهما فقال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} يوسف: 41 .

وقد روى ابن جرير والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «الفتيان اللذان أتيا يوسف عليه الصلاة والسلام في الرؤيا إنما كانا تكاذبا فلما أوَّلَ رؤياهما قالا: إنا كنا نلعب، قال يوسف: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} » . قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، قال ابن كثير: وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وحاصله أن من تَحَلَّم بباطل وفسره فإنه يلزم بتأويله. انتهى. وأما رؤيا ملك مصر فقد ذكرها الله تعالى وذكر تأويلها الذي أولها به يوسف عليه الصلاة والسلام فقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ

سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا

حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} يوسف: 43 - 49 .

وقوله تعالى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} قال ابن جرير: يعنون أنها أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها، وهي جمع ضغث، والضغث أصله الحزمة من الحشيش يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها. انتهى. وذكر الماوردي والقرطبي عن أبي عبيدة أنه قال: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، وروى ابن جرير أيضًا عن قتادة في قوله: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} قال: أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا، وقوله: {وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أما الخضر فهن السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجدوب المحول، والعجاف هي المهازيل.

وقوله: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} الآية. قال القرطبي: لما أعلمه بالرؤيا جعل يفسرها له فقال: السبع من البقرات السمان والسنبلات الخضر سبع سنين مخصبات، وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبات فذلك قوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} أي متوالية متتابعة. قال القرطبي: وهذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر وأنها تُخرج على حسب ما رأى. انتهى. وقوله: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} قال ابن جرير: هذا خبر من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم ولكنه من علم الغيب الذي أتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقه،

ثم روي عن قتادة أنه قال زاده الله علم سَنَة لم يسألوه عنها فقال: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} ويعني بقوله: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ}

رؤيا الشافعي أن عليا رضي الله عنه سلم عليه وصافحه وأعطاه خاتمه

أتريدين ملك يثرب؟. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، قلت: وهو على شرط مسلم. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن بكر عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت فيما يرى النائم كأن عبد الله بن عمر يأكل تمرًا فكتبت إليه إني رأيتك تأكل تمرًا وهو حلاوة الإيمان إن شاء الله تعالى. إسناده ثلاثي على شرط الشيخين. ومن ذلك ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن عمران بن عبد الله قال: رأى الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما يرى النائم بين عينيه مكتوبًا: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1 فقصّها على سعيد بن المسيب فقال: إن صدقت رؤياك فقد حضر أجلك، قال: فسُمَّ في تلك السنة ومات رحمة الله عليه.

ومن ذلك ما رواه البيهقي في "دلائل النبوة" عن سليم بن عامر قال: جاء رجل إلى أبي أمامة رضي الله عنه فقال: يا أبا أمامة إني رأيت في منامي أن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست، قال أبو أمامة رضي الله عنه: اللهم غفرًا دعونا عنكم وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة ثم قرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} الأحزاب: 41 - 43 .

ومن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في "تاريخه" عن المزني قال: سمعت الشافعي يقول: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم فسلم عليّ وصافحني وخلع خاتمه وجعله في إصبعي وكان لي عم ففسرها لي فقال لي: أما مصافحتك لعلي فأمان من العذاب، وأما خلع خاتمه وجعله في إصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في الشرق والغرب، ثم روى الخطيب عن الربيع بن سليمان أنه قال: والله لقد فشا ذكر الشافعي في الناس بالعلم كما فشا ذكر علي بن أبي طالب.

رؤيا للرشيد ورؤيا في ابن عربي وابن الفارض

وذكر ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" أن الرشيد رأى رؤيا فهمته فوجه إلى الكرماني بريدًا فلما أتاه ومَثَلَ بين يديه خلا به وقال: بعثت إليك لرؤيا رأيتها، فقال: وما هي قال: رأيت كلبين ينهشان قُبُلَ جارية من جواريّ، فقال له الكرماني: ما رأيت إلا خيرًا يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: قُلْ ما تراه وهات ما عندك؟ فقال له: هذه جارية دعوتها لتجامعها وكان لا عهد لك معها بذلك وكانت ذات شعر فكرهت أن تحلق فتجد أثر الموسى وكرهت أن تبقى على هيئتها فأخذت جَلَمًا (1) فحلقت بعض الشعر وتركت بعضه، فأشار الرشيد إليه بالقعود وقام فدخل إلى نسائه ودعا بتلك الجارية فسارّها مستفهمًا منها عن ذلك فأقرت به وصدقت

الكرماني فخرج إليه الرشيد فقال له: أصبت وسررتني وأمر له بصلة سنية، ثم قال له: إياك أن تحدث بها ما كنت حيًا، قال: فوالله ما حدثت بها ما دام الرشيد حيًا.

ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض مؤلفاته. قال: حدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الزنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران ويقولان: كيف الطريق؟ أين الطريق؟. انتهى وهو في (صفحة 246) من المجلد الثاني من مجموع الفتاوى. فصل في ذكر ما أوّله سعيد بن المسيب من الرؤيا قال ابن سعد في "الطبقات" قال محمد بن عمر – يعني الواقدي -: كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر وأخذته أسماء عن أبيها أبي بكر رضي الله عنه.

فمن تأويله ما تقدم قريبًا أن الحسن بن علي رضي الله عنهما رأى رؤيا وأولها سعيد بن المسيب بحضور أجله. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد في "الطبقات" عن عمر بن حبيب بن قليع قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب يومًا وقد ضاقت عليّ الأشياء ورهقني دين فجلست إلى ابن المسيب ما أدري أين أذهب فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد إني رأيت رؤيا، قال: ما هي؟ قال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان فأضجعته إلى الأرض ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد، قال: ما أنت رأيتها؟ قال: بلى أنا رأيتها، قال: لا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك، قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صلب عبد الملك

أربعة كلهم يكون خليفة، قال: فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيب فسرّه وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر لي بقضاء ديني وأصبت منه خيرًا.

ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: قال رجل: رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن شريك بن أبي نمر قال: قلت لابن المسيب: رأيت في النوم كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها، فقال ابن المسيب: إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب: إني أراني أبول في يدي، فقال: اتق الله فإن تحتك ذات محرم، فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع.

وجاءه آخر فقال: يا أبا محمد إني أرى كأني أبول في أصل زيتونة، قال: انظر من تحتك، تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة لا يحل له نكاحها. ومن تأويله ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال له رجل: إني رأيت حمامة وقعت على المنارة منارة المسجد فقال: يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. قلت: قد تزوج الحجاج بنت عبد الله بن جعفر فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعزم عليه بطلاقها فطلقها، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في ترجمة الحجاج عن "البداية والنهاية" . ومن تأويل سعيد بن المسيب أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: جاء رجل إلى ابن المسيب فقال: إني أرى أن تيسًا أقبل يشتد من الثنية، فقال: اذبح اذبح،

قال: ذبحت، قال: مات ابن أم صلاء، فما برح حتى جاء الخبر أنه قد مات، قال محمد بن عمر – يعني الواقدي -: وكان ابن أم صلاء رجلاً من موالي أهل المدينة يسعى بالناس.

ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب – رجل من القارة – قال: قال رجل من فهم لابن المسيب إنه يرى في النوم كأنه يخوض في النار، فقال: إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلاً، قال: فركب البحر فأشفى على الهلكة وقتل يوم قديد (1) بالسيف. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن الحصين بن عبيد الله بن نوفل قال: طلبت الولد فلم يولد لي، فقلت لابن المسيب: إني أرى أنه طرح في حجري بيض، فقال ابن المسيب: الدجاج عجمي فاطلب سببا إلى العجم، قال: فتسريت فولد لي، وكان لا يولد لي.

ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب: يا أبا محمد إني رأيت كأني جالس في الظل فقمت إلى الشمس، فقال ابن المسيب: والله لئن صدقت رؤياك لتخرجن من الإسلام، قال: يا أبا محمد إني أراني أُخرجتُ حتى أُدخلتُ في الشمس فجلست، قال: تكره على الكفر، قال: فخرج في زمان عبد الملك بن مروان فأسر فأكره على الكفر فرجع ثم قدم المدينة وكان يخبر بهذا. وروى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي في كتاب "المحن" عن غالب العقيلي قال: أتى سعيد بن المسيب آتٍ فقال: يا أبا محمد إني رأيت عند وجه السحر كأنّ موسى قاتل فرعون، فقال له: أيهما الغالب؟

قال: موسى غلب فرعون، قال فصاح بأعلى صوته: هلك ابن مروان وربّ الكعبة – ثلاث مرات – فأعلم صاحب المدينة فخرج حتى وقف على رأسه ثم قال: تتمنى موت أمير المؤمنين إني لأرجو أن يقتلك الله قبله، قال سعيد: ويحك سيجيئك خبره إلى تسعة أيام، قال: فما مكثوا إلا تسعة أيام حتى أتى راكب بموته واستخلاف الوليد ابنه. قلت: الظاهر أن سعيد بن المسيب أخذ تحديد مدة إتيان الخبر بموت عبد الملك بن مروان من قول الله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الإسراء: 101 ، وقوله تعالى: {فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} النمل: 12 .

وروى ابن سعد عن مسلم الخياط عن ابن المسيب قال: الكّبْل في النوم ثبات في الدين. وروى ابن سعد أيضًا عن شريك بن أبي نمر عن ابن المسيب قال: التمر في النوم رزق على كل حال والرطب في زمانه رزق. وروى ابن سعد أيضًا عن عثيم بن نسطاس قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول للرجل، إذا رأى الرؤيا وقصّها عليه، خيرًا رأيت. وروى ابن سعد أيضًا عن صالح بن خوات عن ابن المسيب قال: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعني في تأويلها. قلت: قد تقدم في أول الكتاب أنه قيل لجعفر بن محمد: كم تتأخر الرؤيا؟

فقال: «رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأن كلبًا أبقع يلغ في دمه» فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين رضي الله عنه وكان أبرص، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.

ترجمة مختصرة للمصري

فصل وممن اشتهر بتعبير الرؤيا من المتأخرين، وكانت له اليد الطولى في هذا العلم الشيخ محمد بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى – ويعرف هذا الشيخ عند عشيرته وأهل بلده بالمصري (1) – ولم يبلغني من تعبيره للرؤيا إلا النزر اليسير. وسأذكر ما بلغني من ذلك إن شاء الله تعالى.

جملة من الأحلام التي عبرها المصري

فمن ذلك أن رجلاً يقال له الحوطي كان يخدم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمهم الله تعالى رأى رؤيا فقصّها على الشيخ عبد الله فقال له: اذهب إلى الشيخ محمد – يعني المصري – فاقصصها عليه وأخبرني بتعبيره فذهب إلى المسجد الذي كان الشيخ محمد يصلي فيه وجلس ينتظره حتى خرج من المسجد فقصّ عليه رؤياه، قال: إني رأيت كأني خرجت مع الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف من الباب الشرقي للمسجد – أي مسجد الشيخ عبد الله المعروف في حي دخنه، بمدينة الرياض – فلما كنا تحت الساباط الذي في طريقنا إذا ذهبنا إلى بيت الشيخ عبد الله إذا نحن برجل نائم تحت الساباط في وسط الطريق فنظرنا إليه فإذا هو الإمام تركي بن عبد الله بن

محمد بن سعود فجلس الشيخ عبد الله عنده وجعل يتحدث معه، وأما أنا فأصابتني رعدة فجلست إلى جدار البيت الذي بجانب الساباط من جهة الجنوب وأسندت ظهري إلى الجدار، ثم إن الإمام تركي قام فاستقبل جهة المشرق وجعل ينظر إليها، ثم استدار إلى جهة الشمال وجعل ينظر إليها، ثم استدار إلى جهة الجنوب وجعل ينظر إليها، ثم استدار إلى جهة القبلة وجعل ينظر إليها، ثم ذهب يمشي مع السوق ومعه الشيخ عبد الله.

وأما أنا فلم أزل مسندًا ظهري إلى جدار البيت الذي بجانب الساباط إلى أن انتبهت من نومي – وكانت هذه الرؤيا في زمان استيلاء آل رشيد على البلاد النجدية ولجوء الإمام عبد الرحمن بن فيصل وأولاده إلى الكويت – فقال الشيخ محمد: هذه رؤيا عظيمة، وتأويلها أن أحد أبناء الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي سيخرج من الكويت ويستولي على نجد كما كان جده تركي مستوليًا عليها ثم يستولي على الأحساء والجهة الشرقية، ثم يستولي على حائل وجهة الشمال، ثم يستولي على عسير وتلك الجهة، ثم يستولي على مكة والجهة الحجازية، وسيكون للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف صلة قوية بالذي سيستولي على نجد من ذرية الإمام تركي، وأما أنت – يعني الحوطي

الذي رأى الرؤيا – فستملك البيت الذي أسندت ظهرك إلى جداره أو يملكه أحد أبنائك، قال الحوطي: فقلت للشيخ محمد: إن تأويلك لهذه الرؤيا بعيد جدًا لأن آل رشيد قد استولوا على نجد كلها وليس لهم منازع.

وأما الإمام عبد الرحمن وأبناؤه فإنهم قد لجأوا إلى الكويت وليس عندهم مال ولا رجال فكيف يستولون على نجد فضلاً عن الجهات البعيدة عن وسط نجد. فقال الشيخ محمد: إنه لا بد أن يقع تأويل هذه الرؤيا. قال الحوطي: فلما أن دخل الملك عبد العزيز بلدة الرياض واستولى عليها جاء الشيخ محمد إليّ بعد صلاة الفجر في تلك الليلة وقال لي: هذا أول تأويل رؤياك قد وقع وستقع بقيته في المستقبل إن شاء الله تعالى. قلت: وقد وقع تأويل هذه الرؤيا على وفق ما عبّرها بها الشيخ محمد فقد استولى الملك عبد العزيز على جميع الجهات التي جاء ذكرها في الرؤيا.

وكان للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف صلة قوية بالملك عبد العزيز، فكان الشيخ موضع ثقة الملك ومشاورته، وقد زوّجه الشيخ بإحدى بناته فولدت له الملك فيصل بن عبد العزيز، وأما البيت الذي أسند الحوطي ظهره إلى جداره فإنه قد اشتراه أحد أبناء الحوطي، وكان الأمر فيه على وفق ما عبّره الشيخ محمد. وهذه الرؤيا وتأويلها من أعجب العجب، وفي تأويل الشيخ محمد لها دليل على رسوخه في علم التعبير. ومن تعبير الشيخ محمد أيضًا أن رجلاً قال له: إنه رأى في منامه أن فرسًا خرجت من جهة القصر المسمى ب "المصمك" في بلدة الرياض فجاء حصان يعدو من جهة باب البلد الذي يسمى "دروازة الثميري" فنزى على الفرس، فقال الشيخ: هل رأيته أولج فيها

فقال: نعم، فقال: إن صدقت رؤياك فإن عبد العزيز بن عبد الرحمن يدخل الرياض ويستولي عليه.

قلت: وقد وقع تصديق هذه الرؤيا فقد دخل الملك عبد العزيز بلدة الرياض واستولى عليها في سنة تسع عشرة وثلثمائة وألف من الهجرة. ومن تعبير الشيخ محمد أيضًا أن الملك عبد العزيز لما أراد أن يغزو الأحساء رأى في منامه كأنه تحت سور رفيع وكان يحفر تحته فكان ينهار بسهولة فقصّ رؤياه على الشيخ محمد، فقال له: إن صدقت رؤياك فإنك تستولي على الأحساء بسهولة. قلت: وقد وقع الأمر على وفق ما عبّر به الشيخ رؤيا الملك. ومن تعبير الشيخ محمد أيضًا أن الملك عبد العزيز قال له: إني رأيت في المنام أني أمسكت امرأة وجردتها من ثيابها وتركتها عريانة، فقال الشيخ: هل فعلت بها شيئًا؟

قال: لا، فقال الشيخ: إن صدقت رؤياك فإنك تستولي على بلاد حايل. قلت: وقد وقع الأمر على وفق ما عبّر به الشيخ رؤيا الملك. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الملك عبد العزيز رأى في المنام أن الشريف حسينًا كان جالسًا على كرسي فتقدم إليه الملك عبد العزيز وأنزله على الكرسي وجلس عليه، فقال له الشيخ محمد: إنك سوف تستولي على مكة. قلت: وقد وقع الأمر على وفق ما عبّر به الشيخ رؤيا الملك. ومن الأحلام التي أَولَّهَا الشيخ محمد أن رجلاً يقال له ابن داود من أهل بلدة حايل وكان مع عجلان في الرياض حين كان عجلان أميرًا على البلاد من قِبَل ابن رشيد فرأى ابن داود في المنام أنه خرج من قصر المصمك فإذا حول القصر

أبواب موضوعة على الأرض وعليها آثار المطر والوحل فمرّ في طريقه على بئر السدرة التي عند مسجد خالد فغسل رجليه من الطين ثم ذهب إلى بيت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ فقصّ رؤياه على الشيخ محمد، فقال الشيخ: أما الأبواب الموضوعة على الأرض عند باب المصمك فإنهم رجال يقتلون هناك، وأما أنت فإنك تستجير بالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وتنجو من القتل.

ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله النمر رأى في المنام أنه يمشي في الموضع الذي يسمى "الصفاة" في وسط بلدة الرياض وأن الإمام عبد الرحمن بن فيصل والملك عبد العزيز قد تبعاه من ورائه، فأَوَّلَها الشيخ محمد بأن أجله قريب وسوف يمشيان خلف جنازته. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن تركي بن الملك عبد العزيز رأى في المنام كأنه قريب من ربه وأن أخاه فهد قريب منه فقصّها تركي على الشيخ محمد، فقال له: خَيْرٌ إن شاء الله ولم يخبره بتأويلها، فلما خرج تركي من عند الشيخ محمد قال عبد الحميد بن الشيخ لأبيه: قد جاء في هذا الليل يطلب منك أن تخبره بتأويل رؤياه فمل تفعل، فقال

الشيح: إن رؤياه تدل على قرب أجله وأجل أخيه من بعده ولا أحب أن أخبره بذلك، وقد وقع الأمر على وفق تأويل الشيخ للرؤيا فمات تركي بعد مدة يسيرة في الطاعون الذي وقع في شهر صفر سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وألف من الهجرة – وتسمي العامة هذه السنة سنة الصخونة وبعضهم يسميها سنة الرحمة – وهو طاعون عامُّ مات فيه خلائق لا يحصون، ثم مات فهد بعد أخيه تركي بيسير.

ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن تركي بن الملك عبد العزيز رأى أنه راكب على ناقة وهي تمشي به والناس يحفّون به وهم مشاة عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه، فسأل الشيخ عن تأويل هذه الرؤيا وقيل: إنه أرسل إليه من يسأله عن تأويلها فقال الشيخ: رأى خيرًا ولم يخبرهم بتأويلها، ولما خرج السائل – أي تركي أو رسوله – قال الشيخ محمد للذين عنده: إن هذه الرؤيا تدل على حضور أجل تركي وأنه سيركب على النعش ويحفّ الناس به وهم مشاة، فوقع الأمر على وفق ما قاله الشيخ محمد.

ومن الأحلام التي عبرها الشيخ محمد أن رجلاً يسمى محمد بن عقيل رأى عبد العزيز بن متعب بن رشيد في المنام فقال محمد بن عقيل لابنته: هذا عبد العزيز بن متعب تعالي لنتعاون عليه فجاءت أم عبد العزيز بن متعب فأخذت بيده وذهبت به فقصّ ابن عقيل رؤياه على الشيخ محمد، فقال: هل أمّ عبد العزيز بن متعب موجودة أم قد ماتت، فقيل له: إنها قد ماتت، فقال: إن صدقت رؤياك فإن عبد العزيز بن متعب سيقتل، وقد وقع الأمر على وفق ما عَبّر به الشيخ الرؤيا. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين رأى في المنام أنه أخذ عصا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف فقصّ رؤياه على الشيخ محمد، فقال: إن صدقت رؤياك

فإنه سيحصل لك من الرياسة والجاه مثل ما حصل للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وقد وقع الأمر على وفق ما عَبّر به الشيخ الرؤيا.

ومن الأحلام التي عبرها الشيخ محمد أن الشيخ عبد الله بن حسن رأى في المنام أنه يصل يعلى مكان مرتفع ويقرأ سورة الفتح فقصّ رؤياه على الشيخ فلم يجبه بشيء فلما خرج من عنده قال الشيخ للذين عنده: إن ابن حسين – يعني الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ – يتمنى أن تفتح مكة وأن يؤم في المسجد الحرام، وإنما قال الشيخ محمد هذه الكلمة لأنه قد استبعد أن تفتح مكة للملك عبد العزيز لأنها كانت تحت ولاية الشريف حسين، وكانت لديه قوة عظيمة من العدد والعدة، ولكن الله تعالى يسّر فتحها للملك عبد العزيز في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وكان الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ من المرافقين للملك عبد

العزيز في سفره إلى مكة، ثم حضر معه حصار جدة، وبعد تسليمها عيّنه الملك إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام، وبذلك وقع تصديق رؤياه وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لرؤيا الشيخ عبد الله بن حسن وإن كان قد ذكر تأويلها على وجه الاستبعاد لوقوع ذلك، ثم بعد زمن يسير صدر الأمر من الملك عبد العزيز بتعيين الشيخ عبد الله بن حسن رئيسًا للمحاكم في الحجاز والمناطق الجنوبية والشمالية والشرقية ولم يزل رئيسًا لها إلى أن توفي في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة؛

وبهذا وقع تصديق رؤيا الشيخ عبد الله بن حسن أنه قد أخذ عصا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لرؤيا الشيخ عبد الله بن حسن بأنه سيحصل له من الرياسة والجاه مثل ما حصل للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن رجلاً من أهل الرياض رأى في المنام أن رجلاً من أهل الرياض أيضًا أخذ بيده فضرط فيها ثم جعل يمشي أمامه ويضرط نحوه ويتابع الضراط عليه فقصّ رؤياه على الشيخ محمد فقال: إنه سيكون بينك وبين الرجل الذي ضرط في يدك مصاهرة وسيحصل لك منه أذى، فلما كان بعد أيام قليلة أرسل الذي ذكر عنه الضراط إلى صاحب الرؤيا يخطب أخته فامتنع من إجابته إلى طلبه خوفًا

من الأذى الذي ذكره الشيخ محمد في تأويله لرؤياه فلم يزل الخاطب يرسل إليه ويلحّ عليه وهو مصرّ على الامتناع من إجابته فلما رأى الخاطب إصراره على الامتناع من إجابته أرسل إلى أم البنت يخبرها بامتناعه فقالت الأم: ما لك تمتنع من تزويج فلان بأختك وهو من الأكفاء الأغنياء الذين يرغب الناس في تزويجهم فإن أنت لم تزوجه فإني سوف أذهب إلى القاضي وأطلب منه أن يزوجها بغير رضاك، فملا رأى إلحاح الأم زوّج الرجل بأخته وهو كاره فكانت حال أخته مع ذلك الرجل على أحسن الأحوال ثم إنها توفيت فحينئذ ابتدأ زوجها بمخاصمة أخيها فيما كان يظن أن لزوجته شركة معه فيه من المال وتكررت مخاصمته له وشكايته وإحضاره عند القاضي

لمخاصمته وآذاه أذى كثيرًا، وبهذا وقع تصديق الرؤيا وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لهذه الرؤيا.

ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن رجلاً من أهل الرياض يسمى عبد العزيز الشّدّي رأى في المنام أن أصابع يديه قد قطعت فقصّها على الشيخ محمد فقال: سيؤخذ منك عشرة أريل ثم لا ترد إليك، فعند ذلك أخذ صاحب الرؤيا في الاحتياط والحذر طمعًا منه أن لا يقع شيء مما أخبره به الشيخ محمد من تأويل الرؤيا ولكن الحذر لا ينفع من القدر، فبعد مدة يسيرة جاء رجل إلى الشدّي فقال له إن القِرَب – يعني أوعية الماء غالية جدًا في الأحساء فأعطاه الشدّي عشرة أريل ليشتري بها قربًا ويبيعها في الأحساء طمعًا منه في الربح الكثير فاشترى الرجل القِرَب وسافر بها معه إلى الأحساء فقطع الطريق على القافلة وأخذت القِرَب مع ما كان مع

القافلة.

ثم إن بعض الرؤساء أمسك قطاع الطريق وألزمهم برد ما أخذوه من القافلة فردوا كل شيء أخذوه منهم إلا القرب فإنها فُقِدَتْ، وبهذا وقع تصديق رؤيا الشدّي وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد للرؤيا. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن امرأة رأت في منامها أن على سور بلدة الرياض ستائر قالت: فنظرت من خلال الستائر إلى خارج البلد فإذا هناك كلاب كثيرة مختلفة الألوان، فيها الأبيض والأسود والأحمر والأصفر والأزرق، وقيل: إن الذي رأى هذه الرؤيا رجل وأنه رأى خارج البلد جرادًا كثيرًا مختلفًا ألوانه فسئل الشيخ محمد عن تأويل هذه الرؤيا فقال: إن صدقت هذه الرؤيا فإن بلدة الرياض ستكون موضعًا يفد إليه الناس من أقطار

الأرض على اختلاف أجناسهم وألوانهم ودياناتهم، وأما وضع الستائر على السور

نموذج عن أحلام الملوك المتقدمين وغيرهم من الأكابر

فتأويله أن أهل البلدة سيكونون في ستر ما دامت الستائر على سور البلد. قلت: وقد وقع تصديق هذه الرؤيا في آخر عهد الملك عبد العزيز وما بعده إلى زماننا حيث كثرت وفادة الناس من جميع أرجاء الأرض إلى الرياض وغير الرياض من مدن المملكة العربية السعودية على اختلاف أجناسهم وألوانهم ودياناتهم، وما أكثر أشباه الكلاب من الوافدين إلى المملكة السعودية، بل إن كثيرًا منهم شر من الكلاب والله المستعان. فصل وأختم الكتاب بذكر نموذج من تأويل الأحلام التي ذكرت عن بعض المتقدمين من الملوك والأكابر، وقد ذكرت فيما تقدم رؤيا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أنه أمر بذبح ولده، ورؤيا يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام أن أحد

عشر كوكبًا والشمس والقمر قد سجدوا له، ورؤيا الفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف، ورؤيا ملك مصر، ورؤيا عبد المطلب بن هاشم أنه أمر بحفر زمزم، ورؤيا رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم حين أصاب قريشًا القحط بأنهم يؤمرون بالاستسقاء؛

فكل هذا قد تقدم ذكره. فأما رؤيا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ورؤيا عبد المطلب بن هاشم ورؤيا رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم فهي مذكورة مع الأحلام الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وأما رؤيا يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام ورؤيا الفتيين ورؤيا ملك مصر فهي مذكورة في أول الأحلام التي تحتاج إلى التأويل، وهي الأحلام التي تكون من باب ضرب الأمثال للنائم، فلتراجع هذه الأحلام في مواضعها. ومن أحلام الملوك رؤيا فرعون في منامه ما هَالَه وأفزعه. وقد روى ذلك ابن جرير في تاريخه من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن ناس من أصحاب

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم: أن فرعون رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة

رؤيا بختنصر وتأويل دانيال لها

والحازة (1) فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه – يعنون بيت المقدس – رجل يكون على وجهه هلاك مصر فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا يولد لهم جارية إلا تركت. ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا بختنصر. وقد ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" عن محمد بن إسحاق بن يسار أنه ذكر في كتاب "المبتدأ" عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار. قال ابن كثير: وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خَرَّب بيت المقدس واستذل بني إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة والحزار وسألهم عن رؤياه تلك، فقالوا: ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها، فقال:

إني نسيتها وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم فذهبوا خائفين وجلين من وعيده فسمع بذلك دانيال عليه السّلام وهو في سجنه فقال للسجان: اذهب إليه، فقل له: إن ههنا رجلاً عنده علم رؤياك وتأويلها فذهب إليه فأعلمه فطلبه فلما دخل عليه لم يسجد له فقال له: ما منعك من السجود لي؟

فقال: إن الله آتاني علمًا وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره، فقال له بختنصر: إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود فأخبرني عن رؤياي، قال له دانيال: رأيت صنمًا عظيمًا رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخّار فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قمة رأسه حتى طحنه واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ونظرتَ إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء، فقال له بختنصر: صدقت

هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟

فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره، وأما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث الله نبيًا أميًا من العرب فيدوّخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوّخ أصناف الصنم ويظهر على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدي به أهل الضلالة ويعلم به الأميين ويقوي به الضعفة ويعز به الأذلة وينصر به المستضعفين، وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" من طريق إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار فذكره بنحوه وفيه زيادات ليست في رواية ابن إسحاق.

وقد روى ابن جرير هذه القصة في "تاريخه" في أثناء خبر طويل ذكره عن وهب بن منبه، وفيه أن بختنصر رأى رؤيا فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئًا أصابه فأنساه الذي كان رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل من ذراري الأنبياء فقال: أخبروني عن رؤيا رأيتها ثم أصابني شيء فأنسانيها وقد كانت أعجبتني، ما هي؟ قالوا له: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها، قال: ما أذكرها وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعنّ أكتافكم، فخرجوا من عنده فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها فأعلمهم الذي سألهم عنه فجاءوه فقالوا له: رأيت تمثالاً؟

قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فخّار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد؟ قال: صدقتم، قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقّته فهي التي أنستكها؟ قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها أنك أريت ملك الملوك فكان بعضهم ألين ملكًا من بعض، وبعضهم كان أشد ملكًا من بعض، وبعضهم كان أشد ملكًا من بعض، فكان أول الملك الفخّار وهو أضعفه وألينه، ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد، ثم كان فوق النحاس الفضة وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوق الفضة الذهب فهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد ملكك فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله،

وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته نبيًا يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه.

ورواه ابن جرير أيضًا في تفسيره من طريق أسباط عن السدي بنحوه، وفيه أن دانيال وأصحابه قالوا لبختنصر: رأيت كذا وكذا فقصوها عليه، فقال: صدقتم، قالوا: نحن نعبرها لك، أما الصنم الذي رأيت رأسه من ذهب فإنه ملكك حسن مثل الذهب، وكان قد ملك الأرض كلها، وأما العنق من الشبه فهو ملك ابنك بعدك يملك فيكون ملكه حسنًا ولا يكون مثل الذهب، وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فارس يملكون بعد ابنك فيكون ملكهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنه الأخلاط فإنه يذهب ملك أهل فارس ويتنازع الناس الملك في كل قرية حتى يكون الملك يملك اليوم واليومين والشهر والشهرين ثم يقتل فلا يكون للناس قوام على ذلك كما لم يكن للصنم قوام على رجلين

من فخّار، فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى نبيًا من أرض العرب فأظهره على بقية ملك أهل فارس وبقية ملك ابنك وملكك فدمره وأهلكه حتى لا يبقى منه شيء كما جاءت الصخرة فهدمت الصنم.

ورواه أيضًا بإسناده عن سعيد بن جبير. وفيه أن بختنصر رأى رؤيا فجلس فنسيها فعاد فرقد فرآها فقام فنسيها ثم عاد فرقد فرآها فخرج إلى الحجرة فنسيها فلما أصبح دعا العلماء والكهان فقال: أخبروني بما رأيت البارحة وأوّلوا لي رؤياي وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته موعدكم ثالثة، فقالوا: هذا لو أخبرنا برؤياه، قال: وجعل دانيال كلما مر به أحد من قرابته يقول: لو دعاني الملك لأخبرته برؤياه ولأوّلتها له، قال: فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي إلى أن مرّ به كَهْلٌ فقال له ذلك فرجع إليه فأخبره فدعاه فقال: ماذا رأيت؟

قال: رأيت تمثالاً، قال: إيه! قال: ورأسه من ذهب؟ قال: إيه! قال: وعنقه من فضة؟ قال: إيه! قال: وصدره من حديد؟ قال: إيه! قال: وبطنه من صفر؟ قال: إيه! قال: ورجلاه من آنك؟ قال: إيه! قال: وقدماه من فخار؟ قال: هذا الذي رأيت، قال: إيه! قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه قال فأهلكته، قال: فما هذا قال: أما الذهب فإنه ملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، قال: وأما الفخار فملك النساء فكساه جبة ترثون وسوّره وطاف به في

نسب سطيح وشق

القرية وأجاز خاتمه. ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا ابن بختنصر. وقد ذكرها ابن جرير في تفسيره في خبر طويل رواه عن سعيد بن جبير وفيه أن ابن بختنصر رأى كفًا خرجت بين لوحين ثم كتبت سطرين فدعا الكهان والعلماء فلم يجدوا لهم في ذلك علمًا فقالت له أمه: إنك لو أعدت إلى دانيال منزلته التي كانت له من أبيك أخبرك، وكان قد جفاه فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي فأخبرني ما هذان السطران؟ فقال: أمَّا تعيد إليّ منزلتي من أبيك فلا حاجة لي بها، وأمَّا هذا السطران فإنك تقتل الليلة، فأخرج من في القصر أجمعين وأمر بقفله فأقفلت الأبواب عليه وأدخل معه آمَنَ أهل القرية في نفسه معه سيف فقال: من جاءك من خلق الله فاقتله

وإن قال أنا فلان، وبعث الله عليه البطن فجعل يمشي حتى كان شطر الليل فرقد ورقد صاحبه ثم نبهه البطن فذهب يمشي والآخر نائم فرجع فاستيقظ به فقال له: أنا فلان فضربه بالسيف فقتله.

ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي أحمد ملوك حِمْيَر التبابعة، قال ابن إسحاق: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها، فقالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إ لا من عرفها قبل أن أخبره بها، فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سَطِيْح وشِقًّ (1) فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما فقدم

عليه سَطِيْح قبل شِقًّ فقال له: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، قال: أفعل، رأيت حُمَمَة (1) ، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تَهَمَة (2) ، فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح فما عندك في تأويلها؟

فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش (3) لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش، فقال له الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين، قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرَمُ بن ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟

قال: لا بل ينقطع، قال: ومن يقطعه: قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من قِبَل العلي، قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحق ما تخبرني؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحقّ. ثم قدم عليه شِقّ فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان، فقال: نعم، رأيت حُمَمَة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة (1) ، فأكلت منها كل ذات نسمة، قال: فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فإن قولهما واحد إلا أن

سطيحًا قال: «وقعت بأرض تَهَمَة، فأكلت منها كل ذات جمجمة» ، وقال شِقّ: «وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت كل ذات نسمة» .

فقال الملك: ما أخطأت يا شقّ منها شيئًا فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طَفْلَة البنان (2) ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران، فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ (3) ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن، قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟

قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم تجزي فيه الولاة، ويدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات، قال: أحقّ ما تقول؟ قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إنَّ ما أنبأتك به لحق ما فيه أَمْض (1) . قال ابن إسحاق: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاد فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن

وعلمهم النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، ذلك الملك.

قال ابن هشام: النعمان بن المنذر بن المنذر فيما أخبرني خلف الأحمر. وقد ذكر هذه القصة ابن هشام في "السيرة" وابن جرير في "تاريخه" وأبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" وابن كثير "في البداية والنهاية" ؛ كلهم عن ابن إسحاق. وزاد ابن جرير في رواية له عن ابن إسحاق قال: ولما قال سَطِيح وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع ذهب ذكر ذلك في العرب وتحدثوا به حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى: أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري في بعض ما يقول وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين سَطيح وشِقّ: ما نَظَرتْ ذَاتُ أشفار

كنظرتها ...

حقًا كما نطق الذئبي إذا سجعا (2)

أسئلة شائعة

هل وردت رؤياء لعلماء وسلاطين؟

نعم، من ذلك رؤيا الإمام الشافعي، ورؤيا الملك العادل نور الدين، ورؤيا بختنصر وتأويل دانيال عليه السلام، وغيرها مما في هذه الصفحة.

صفحات القواعد الأخرى

أبواب تفسير الأحلام — الفهرس الأبجدي للرموز

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 25 ربيع الآخر
هلال متناقص اليوم 26.1 / 29.5
الإضاءة 13%
الهلال الجديد بعد 3 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56