قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ١٤٤٨

الحديث رقم ١٤٤٨ من كتاب «كتاب الأذكار» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم: «لا يقعد قوم يذكرون…

قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلَاّ حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». رواه مسلم. (١)

سند حديث: ١٤٤٨ - وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما…

١٤٤٨ - وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما، قالا:

رواة الحديث

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم: «لا يقعد قوم يذكرون…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

باب فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قال الله تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} .

١٤٤٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك فيقول كيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا فيقول فماذا يسألون قال يقولون يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون يتعوذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها فيقول كيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيروني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل حلق الذكر يعني الاجتماع على ذكر الله عز وجل ثم ساق الآية الكريمة واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع هؤلاء القوم الفضلاء الشرفاء الكرماء وصبر النفس يعني حبسها احبس نفسك معهم فإن هؤلاء القوم خير من تجلس إليهم {يدعون ربهم بالغداة} أي في أول النهار وبالعشي في آخر

النهار ومن ذلك إن شاء الله الاجتماع على صلاة الفجر وعلى صلاة العصر لأن الأولى في الصباح والثانية في المساء غداة وعشيا {يدعون ربهم} أي يريدون وجهه هذا دليل على إخلاصهم لله عز وجل وأنهم لا يريدون من هذا الاجتماع والدعاء أن يمدحوا بذلك أو يقال ما أعظم عبادتهم ما أكثرها ما أصبرهم عليها لا يريدون هذا كله يريدون وجه الله عز وجل {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا} يعني لا تتجاوز عنهم وتفارقهم وتغض الطرف عنهم من أجل الدنيا أما من أجل مصلحة أخرى أعظم مما هم عليه فلا بأس لكن من أجل الدنيا لا هؤلاء هم القوم وهم أهل الدنيا والآخرة {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} يعني لا تطع الغافل الذي غفل قلبه عن ذكر الله وكان أمره فرطا واتبع هواه وضاعت عليه دنياه وضاعت عليه أخراه.

ففي هذه الآية الكريمة فضل الاجتماع على الذكر والدعاء وفيها فضل الإخلاص وأن الإخلاص هو الذي عليه مدار كل شيء وفيها أن الإنسان لا ينبغي له أن يدع أحوال الآخرة والعبادات إلى أحوال الدنيا.

أما الأحاديث فذكر المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري وصحيح مسلم إن الله تعالى وكل ملائكة يسيحون في الأرض يطلبون حلق الذكر والملائكة عالم غيبي فاضل خلقهم الله عز وجل من النور وجعلهم صمدا لا أجواف لهم فلا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون إلى هذا ليست لهم بطون ولا أمعاء فهم صمد ولهذا لا

يأكلون ولا يشربون وهم عالم غيبي لا يراهم البشر ولكن قد يري الله تعالى الناس إياهم أحيانا كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فهذا يحدث أحيانا ولكن الأصل أن عالم الملائكة عالم غيبي والملائكة كلهم خير ولهذا لا يدخلون الأماكن التي فيها ما يغضب الله عز وجل فلا يدخلون بيتا فيه صورة ولا يصحبون رفقة فيها جرس ولا رفقة معهم كلب إلا الكلب المحلل الذي يجوز اقتناؤه هؤلاء الملائكة وكلهم الله عز وجل يسيحون في الأرض فإذا وجدوا حلق الذكر جلسوا معهم ثم حفوا هؤلاء الجالسين بأجنحتهم إلى السماء يعني هؤلاء الملائكة من الأرض إلى السماء ثم إن الله تعالى يسألهم ليظهر فضيلة هؤلاء القوم الذين جلسوا يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه ويهللونه ويكبرونه ويدعونه وإلا فالله أعلم عز وجل لماذا جلسوا لكن ليظهر فضلهم ونبلهم يسأل الملائكة من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحون ويهللون ويكبرون ويحمدون ويدعون فيقول لهم ماذا يريدون قالوا يريدون الجنة (اللهم اجعلنا ممن أرادها وكان من أهلها) قال هل رأوها قالوا لا قال فكيف لو رأوها قالوا لكانوا أشد لها طلبا وأشد فيها رغبة لأن الله عز وجل يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب

بشر ثم يسألهم ماذا يدعون بالنجاة منه قالوا يسألونك النجاة من النار هذا معنى الحديث قال هل رأوها قالوا لا ما رأوها قال فيكف لو رأوها قالوا لكانوا أشد منها مخافة فيقول الله عز وجل أشهدكم أني قد غفرت لهم جميعا وإذا غفر الله لإنسان استحق أن يدخل الجنة وأن ينجو من النار فيقول ملك من الملائكة إن فيهم فلانا ما جاء للذكر لكن جاء لحاجة فوجد هؤلاء القوم فجلس معهم فيقول جل وعلا فله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

ففي هذا الحديث دليل على فضلية مجالسة الصالحين وأن الجليس الصالح ربما يعم الله سبحانه وتعالى بجليسه رحمته وإن لم يكن مثله لأن الله قال قد غفرت لهذا مع أنه ما جاء من أجل الذكر والدعاء لكنه جاء لحاجة وقال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وعلى هذا فيستحب الاجتماع على الذكر وعلى قراءة القرآن وعلى التسبيح والتحميد والتهليل وكل يدعو لنفسه ويسأل الله لنفسه ويذكر لنفسه.

ومن الاجتماع كما ذكرت من قبل أن يجتمع المسلمون على صلاة الفجر وصلاة العصر لأنها ذكر تسبيح وتكبير وتهليل وقراءة قرآن ودعاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة الموكلين ببني آدم يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه.

١٤٤٨ - وعنه عن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.

١٤٤٩ - وعن أبي واقد الحارث بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيي فاستحيي الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان من الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه (رياض الصالحين) فالأول أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده وهذا يدل على فضل الاجتماع على ذكر الله عز وجل ولا يلزم من هذا أن

يذكروا الله بصوت واحد بل الحديث مطلق لكن لم يعهد عن السلف أنهم يذكرون ذكرا جماعيا كما يفعله بعض أهل الطرق من الصوفية وغيرها وفيه أن هؤلاء المجتمعين تنزل عليهم السكينة والسكينة هي طمأنينة القلب وخشوعه وإنابته إلى الله عز وجل وتغشاهم الرحمة أي تحيط بهم من كل جانب فيكونون أقرب إلى رحمة الله عز وجل وحفتهم الملائكة أي كانوا حولهم يحفون بهم إكراما لهم ورضا بما فعلوا وذكرهم الله فيمن عنده أي في الملأ الأعلى وقد مر علينا أن الله تعالى قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.

وأما الحديث الثاني ففيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه في المسجد فأقبل ثلاثة نفر يعني ثلاثة رجال أما أحدهم فولي وأعرض ولم يأت إلى الحلقة وأما الثاني فوجد في الحلقة فرجة فجلس وأما الثالث فجلس خلف الحلقة كأنه استحيا أن يزحم الناس وأن يضيق عليهم فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بنبأ القوم أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله عز وجل وهو الذي جلس فأواه الله عز وجل إليه لأنه كان صادق النية في الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم فيسر الله له وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه لأنه ما زاحم ولا تقدم وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه لم يوفقه لأن يجلس مع هؤلاء القوم البررة الأطهار.

وفي هذا الحديث إثبات الحياء لله عز وجل ولكنه ليس كحياء المخلوقين بل هو حياء الكمال يليق بالله عز وجل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن

الله حيي كريم وقال الله تعالى والله لا يستحي من الحق والله سبحانه وتعالى يوصف بهذه الصفة لكن ليس مثل المخلوقين لأن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فكلما مر عليك صفة من صفات الله مشابهة لصفات المخلوقين في اللفظ فاعلم أنهما لا يستويان في المعنى لأن الله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فإذا مر بك مثلا أن الله استوى على العرش فلا تظن أن استواءه على العرش كاستوائك أنت على ظهر البعير الذي قال فيه {إذا استويتم عليه} وإذا قال الله تعالى {بل يداه مبسوطتان} فلا تظن أن يدي الله جل وعلا مثل يديك لأن الله ليس كمثله شيء فجميع صفاته هو منفرد بها وكما أننا نوحده في ذاته ونوحده في العبادة كذلك نوحده في صفاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

١٤٥٠ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك

قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

إن هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على فضيلة الاجتماع على ذكر الله عز وجل وهو ما رواه أبو سعيد الخدري عن معاوية رضي الله عنهما أنه خرج على حلقة في المسجد فسألهم على أي شيء اجتمعوا فقالوا نذكر الله فاستحلفهم رضي الله عنه أنهم ما أرادوا إلا ذلك فحلفوا له ثم قال لهم إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خرج على قوم وذكر مثله فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع على ذكر الله وأن الله عز وجل يباهي بهم الملائكة فيقول مثلا انظروا إلى عبادي اجتمعوا على ذكري وما أشبه ذلك مما فيه المباهاة ولكن كما أسلفنا ليس هذا الاجتماع أن يجتمعوا على الذكر بصوت واحد ولكن يتذكرون نعمة الله عليهم بما أنعم عليهم من نعمة الإسلام وعافية البدن والأمن وما أشبه ذلك فإن ذكر نعمة الله من ذكر الله عز وجل فيكون في هذا دليل على فضل جلوس الناس ليتذاكروا نعمة الله عليهم ولهذا كان بعض السلف إذا مر بأخيه أو آتاه أخوه قال اجلس بنا نؤمن ساعة.

أي اجلس بنا نتذكر نعمة الله علينا حتى يزداد إيماننا فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع نسأل الله أن يجمع قلوبنا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر والندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قَالَ الله تَعَالَى (١) : (واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) .

١٤٤٥- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ

ــ

عز وجل -، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟!

ــ

التسبيح والتكبير ونحوهما. والتلاوة فحسب، وإن كان قراءة الحديث، ودراسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما دخل تحت مسمى ذكر الله تعالى (فإذا وجدوا) من الوجدان مفعوله (قوماً يذكرون الله عز وجل) عند مسلم: فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر (تنادوا) وفي رواية الإِسماعيلي: يتنادون، أي: ينادي بعضهم بعضاً دلالة على المطلوب (هلموا) أي: تعالوا وهذا ورد على لغة تميم، وأهل نجد حيث يلحقون بهم ضمائر المخاطب، تأنيثاً وتثنية وجمعاً، ولغة أهل الحجاز استعمالها في الجميع بلفظ واحد، واختلف في أصل هذه الكلمة فقيل: أصلها هل لك في كذا أمه؟ أي: أقصده، فركبت الكلمتان فقيل: هلم أي: اقصد.

وقيل: أصلها هالم بضم اللام وتشديد الميم والهاء، للتنبيه حذفت ألفها تخفيفاً (إلى حاجتكم) وفي رواية إلى بغيتكم (فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي: يطوفون ويدورون حولهم (بأجنحتهم) وقيل: معناه يدفون أجنحتهم حول الذاكرين، فالباء للتعدية.

وقيل: للاستعانة. قاله الحافظ في الفتح (إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم) أي سؤالاً صورياً. بدليل قوله لدفع توهم حمله على حقيقته من استكشاف ما يجهله السائل (وهو أعلم بهم) والجملة حالية أو معترضة، ومن حكم السؤال إقرار الملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) (١) (ما يقول عبادي) الجملة بيان لقوله فيسألهم ربهم، أو مفعول لقول مقدّر أي: قائلاً أولاً تقدير، بل هو ناصب بنفسه؛ لأنه نوع من القول (قال يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) وفي رواية الإِسماعيلي "مررنا بهم وهم يذكرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك " وفي حديث أنس عن البزار "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم والمجد العز والشرف " (قال: فيقول: هل رأوني) أي: أبصروني (فيقولون: لا والله ما رأوك) قال الحافظ في الفتح: كذا ثبت بلفظ الجلالة في جميع نسخ البخاري، وكذا في بقية المواضع وسقط لغيره (قال: فيقول: كيف لو رأوني؟

قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا.

ــ

قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة) أتى به كذلك ليزدوج مع ما بعده الممتنع بناء صيغة التفضيل منه؛ لكونه ثلاثياً مزيداً فيه. وإلاّ فأفعل التفضيل يبنى من العبادة ويقال كانوا أعبد لك (وأشد تمجيداً) أعاد أفعل التفضيل ومتعلقه إطناباً (وأكثر لك تسبيحاً) عربه دون ما عربه في قرينه تفنناً (قال: فيقول) هكذا رواية أبي ذر أحد رواة البخاري بالفاء، وفي رواية غيره بحذفها (فما يسألون) وفي الرواية الآتية وماذا يسألوني؟ وعند أبي معاوية فأي شيء يطلبون؟ (قال: يقولون: يسألونك الجنة، وفي رواية جنتك) ثم علمهم بأنهم يسألونها يحتمل أن يكون لسماعهم له منهم، ويحتمل أن ذلك لظهوره وبدوه إذ المكلف يطلب من فضل ربه النعيم وكفاية الجحيم (قال: يقول: وهل رأوها) أي: أبصروها، وعند مسلم كما يأتي: فهل رأوا جنتي (قال: يقولون: لا والله يا رب) أتى به تلذذاً بالخطاب وطلباً لإِطالة الكلام مع الأحباب (ما رأوها قال: فيقول) أي: الله تعالى، ولأبي ذر فيقول (فكيف لو رأوها) الفاء عاطفة على مقدر أي: هذا طلبهم لها وما رأوها فكيف طلبهم لها لو رأوها؟ (قال: يقولون لو أنهم) أي: لو ثبت أنهم (رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة) هو هكذا في صحيح البخاري، وفي الفتح للحافظ ما يوهم أنه ليس عنده عليها، وعبارته قوله: كانوا أشد حرصاً: زاد أبو معاوية في روايته عليها، وفي رواية ابن أبي الدنيا "كانوا أشد حرصاً، وأشد طلبة، وأعظم فيها رغبة" اهـ. والظرف في كل من القرائن متعلق بأفعل قبله لا بالمصدر بعده، لمنع تقديم معمول المصدر عليه، ولو ظرفاً على خلاف في الظرف (قال) أي: الله (فمم) بتشديد الميم الثانية وإدغام نون من الجارة في ميمها وأصلها ما استفهامية فحذفت ألفها تخفيفاً أي: فمن أي شيء (يتعوذون) أي: يلوذون بالذكر ويعتصمون منه (قال) كذا هو بالإِفراد، وفي الكلام حذف، وهو قال: يقولون يتعوذون من النار، فسقط من قلم الشيخ يقولون، ففاعل قال: هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفاعل يقولون الملائكة (يتعوذون من النار) أي: بك فحذف لدلالة المقام عليه (قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال:

فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهم فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ". متفق عَلَيْهِ. وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إن للهِ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً

ــ

يقولون لا والله ما رأوها) صرحوا به مع دلالة عليها؛ إطناباً ولما تقدم (قال: فيقول فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً) بكسر الفاء (وأشد لها مخافة) أي: خوفاً، وعدل عنه لما قاله تفخيماً لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى (قال: فيقول فأشهدكم) عطف على مقدّر أي: فأعذتهم فأشهدكم (أني قد غفرت لهم) حذف المفعول؛ للتعميم (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم) أي: في جملتهم (فلان) تقدم أنه كناية عما يجهل من الإِعلام (ليس منهم) صفة أو حال مما قبله؛ لتخصيصه بتقديم الخبر (إنما جاء لحاجة) أي: غير ما ذكر من الذكر وما بعده (قال: هم الجلساء) أي: الكاملون المكملون (لا يشقى جليسهم) صفة أو حال أو خبر بعد خبر، أو مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال. قال الحافظ في الفتح: أخرج جعفر في الذكر عن الحسن البصري قال: "بينما قوم يذكرون الله إذ أتاهم رجل فقعد إليهم قال: فنزلت الرحمة ثم ارتفعت فقالوا: ربنا فيهم عبدك فلان! قال: غشوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قال: يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود (متفق عليه) فيه أن هذا اللفظ للبخاري فقط أخرجه في الدعوات، من طريق جرير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة انفرد به عن مسلم وقوله: (وفي رواية لمسلم) هي المتفق عليها فإنها عند مسلم في الدعوات من طريق وهيب بن خالد، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري في الدعوات عقيب حديث جرير، إلا أنه لم يسق لفظه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لله ملائكة سيارة) بفتح المهملة وتشديد التحتية أي: سياحين في الأرض (فضلاً) قال المصنف: أرجح وجوه ضبطه وأشهرها في بلادنا ضم أوليه. وضبط ْأيضاً بضم فسكون ورجحها بعضهم، وادعى أنها أكثر وأصوب، وضبط بفتح فسكون. قال القاضي: هي الرواية عند جمهور مشايخنا في الصحيحين، وبضم أوليه ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبضم ففتح آخره ألف ممدودة جمع فاضل، قال العلماء: معناه على

يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ - عز وجل - وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ

ــ

جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم إلا قصد حلق الذكر (يتتبعون) ضبط بالمهملة من التتبع، وهو البحث والتفتيش عن الشيء وبالغين المعجمة من الابتغاء والطلب. قال المصنف: وكلاهما صحيح (مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم) قال المصنف: كذا في كثير من نسخ بلادنا بالمهملة وبالفاء، وفي بعضها بالضاد المعجمة، أي: حث على الحضور والاستماع، وحكى القاضي عن بعض رواتهم، وحط بالمهملتين واختاره القاضي. قال: ومعناه أي: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، ويؤيدها قوله بعده في رواية البخاري "هلموا إلى حاجتكم" ويؤيد الرواية بالفاء قوله في البخاري "يحفونهم بأجنحتهم" أي: يحدقون ويستديرون حولهم، ويحف بعضهم بعضاً (حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا) أي: أنهم يكثرون في مجلسه حتى يعلو بعضهم على بعض، ويملأوا ما ذكر (فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا) بكسر المهملة الثانية من باب علم (إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد) التنوين فيه للتعظيم (لك) صفة (في الأرض) صفة بعد صفة لا حال؛ لأن شرط مجيء الحال من المضاف إليه مفقود، نعم يجوز جعل الظرف حالاً من المستقر في الظرف قبله وكذا قوله (يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك) فتكون أحوالاً مترادفة، ويجوز أن تكون أحوالاً من المستقر في الظرف قبلها، فتكون على إعراب الظرف، كذلك أحوالاً متداخلة وحذفوا المفعول، طلباً لحصول السؤال عنه فيطول الكلام المستعذب، فالحذف هنا نظير قول موسى (ولي فيها مآرب أخرى) (١) (قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب) بحذف ضمير المتكلم، ومعه غيره والأصل ربنا فيكون مفتوحاً، ويحتمل أن يكون الأصل أي: ربي بياء المتكلم، فحذفت

يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (١) .

ــ

اجتزاءً بدلالة الكسرة عليها، وهو مضبوط في الأصول من مسلم، والرياض بكسر الباء (قال: فكيف لو رأوا جنتي) سكت الراوي عن جوابهم عن هذا نسياناً وقد بينه في الرواية السابقة عند البخاري (قالوا: ويستجيرونك) أي: يسألونك الجوار أي الأمان (قال: ومما) بإثبات الألف. هكذا في الأصول، وجاء على خلاف الغالب من حذف ألفها عند جرها تخفيفاً، أي: ومن أي شيء (يستجيروني) بنون مخففة، والأصل يستجيرونني بنونين نون الرفع ونون الوقاية، فحذفت أحداهما تخفيفاً وفي تعيينها خلاف، الأرجح أنها نون الوقاية كما قاله ابن هشام (قالوا: من نارك) حذف المتعلق لدلالة وجوده في السؤال عليه (يا رب) غاير بين حرفي النداء تفنناً في التعبير، وأتى بحرف النداء الموضوع للبعيد دون العكس تفخيماً، قاله الشيخ خالد في شرح التوضيح. (قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري) أظهر في محل الإِضمار في الجملتين؛ للتعظيم والتهويل (قالوا: يستغفرونك) كذا هو بحذف الواو في صحيح مسلم مصححاً عليه وهي مقدرة؛ لأنها معطوفة كالجمل قبلها، وليست جواب قوله: (فكيف لو رأوا ناري؟ فيقول: قد غفرت لهم) بدأ به في الجواب؛ لأنه أقرب مطلوب؛ وأسنى مرغوب؛ ولأن ما بعده مبني عليه فلذا فرع عليه قوله: (فأعطيتهم ما سألوا) يعني الجنة (وأجرتهم) بالقصر أي: آمنتهم (مما استجاروا) بحذف العائد المنصوب بما قبله محلاً والمجرور بمن أي: منه (قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء) بفتح المعجمة وتشديد المهملة وبالهمزة آخره، أي: كثير الخطايا (إنما مر) هو بمعنى قوله فيما قبله، إنما جاء لحاجة (فجلس معهم قال: فيقول: وله غفرت) بتقديم الظرف، للاهتمام (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) قال الحافظ في الفتح: في الحديث فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكراماً لهم، وإن لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من

١٤٤٦- وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما، قالا: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلاَّ حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ". رواه مسلم (١) .

١٤٤٧- وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -

ــ

المسؤول؛ لإِظهار الغاية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره والإِعلان بشرف منزلته، وفيه بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهراً في الدنيا، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" وغير ذلك.

١٤٤٦- (وعنه) أي: أبي هريرة (وعن أبي سعيد) الخدري (رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يقعد قوم) التقييد بالقعود وبالقوم جري على الغالب، فالاجتماع للذكر بأي ومن أي ترتب عليه ما يأتي، ويؤيده أنه تقدم من حديث أبي هريرة "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله " والحديث تقدم بجملته في باب قضاء حوائج المسلمين (يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة) أي: أحدقت بهم، وطافت بحفافيهم تشريفاً لهم وتنويهاً لما هم فيه من الذكر (وغشيتهم الرحمة) أي: آثارها من الفيض والفضل (ونزلت عليهم السكينة) بوزن فعيلة ما تسكن به نفسهم قال التوربشتي: هي الحالة التي يطمئن بها القلب فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب والأصل فيها الوقار، وقيل: هي ملكة تسكن قلب المؤمن وتؤمن اهـ (وذكرهم الله فيمن عنده) عندية مكانة، لاستحالة المكان في حقه تعالى (رواه مسلم) .

١٤٤٧- (وعن أبي واقد) بالقاف والمهملة (الحارث بن عوف) بالفاء هو الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، مشهور بكنيته، وما ذكره المصنف في اسمه واسم أبيه، هو أحد الأقوال، وقيل: عوف بن الحارث، وقيل: الحارث بن مالك، قيل: إنه شهد بدراً، وقيل: لم يشهدها، وكان معه لواء بني ضمرة، وبني ليث، وبني سعد بكر بن عبد مناة، يوم الفتح، وقيل، أنه من مسلمة الفتح. قال ابن الأثير: والصحيح أنه شهد الفتح مسلماً، يعد في أهل المدينة، وشهد اليرموك بالشام، وجاور بمكة سنة، ومات بها، ودفن

بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ

ــ

في مقبرة المهاجرين بفخ سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: خمس وثمانين (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرون حديثاً، وقال البرقي: جاء عنه سبعة أحاديث، وفي مختصر التلقيح له في الصحيحين أحد وعشرون حديثاً اتفقا على أحد عشر منها، وانفرد البخاري باثنتين، ومسلم بثمانية (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد والناس معه) جملة حالية (إذ أقبل ثلاثة نفر) بفتح أوله تمييز لما قبله أي: ثلاثة، هم نفر لا أنه نوع الثلاثة على عدد نفر فيكونون تسعة، وهذا كما يقال ثلاثة رجال ليس المراد ثلاثة جموع رجل، وهو يطلق على الثلاثة والتسعة وما بينهما كما تقدم، والجملة أضيف إليها الظرف (فأقبل اثنان) ذكره بعد فأقبل ثلاثة إما لأن التقدير فأقبل اثنان منهم وإما لأن إقبال الثلاثة، إقبال إلى المجلس أو إلى جهته، وإقبال الاثنين (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد فوقفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما أحدهما فرأى) أي: أبصر (فرجة في الحلقة) بسكون اللام أي: المستديرين بين يديه - صلى الله عليه وسلم - (فجلس فيها وأما الآخر) بفتح الخاء (فجلس خلفهم) أي: خلف أهل الحلقة (وأما الثالث فأدبر ذاهباً) أي: لم يرجع، بل استمر في إدباره وإلا فأدبر مفرغر (١) ذاهباً، قلت أو يكون من قبيل (فتبسم ضاحكاً) (٢) أي: حال مؤكدة (فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: مما كان فيه من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر (قال: ألا) حرف تنبيه، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا نفي، وفي الكلام طي فكأنهم قالوا: أخبرنا فقال: ألا (أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى) بالقصر أي: رجع (إلى الله فآواه الله) بالمد قال أئمة اللغة: في كل منهما القصر والمد ومصدر المقصور أويا على فعول ومصدر الممدود إيواء، ونسبة الإِيواء إلى الله تعالى، وكذا الاستحياء والإِعراض مجاز لاستحالتها في حقه تعالى، فالمراد بها لوازمها من إرادة إيصال الخير، وترك العقاب والإِذلال، أو نحو ذلك، وقرينة الصرف عن الحقيقة فيه وفي مثله مما يستحيل قيامه به تعالى

وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ". متفقٌ عَلَيْهِ (١) .

١٤٤٨- وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: خرج معاوية - رضي الله عنه - عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ. قَالَ: آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذاك؟ قالوا: مَا أجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ، قَالَ: أما إنِّي لَمْ اسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً

ــ

العقل. وفائدته: بيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وتحسين اللفظ، ويسمى مثل هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة. انتهى ملخصاً من اللامع الصبيح (وأما الآخر) بفتح الخاء وفيه لكونه استعمله في غير الأخير رد على من زعم أنه لا يستعمل إلا في الأخير (فاستحيا) من المزاحمة لما فيها من التضييق، والحياء كذلك محمود والمذموم فيه الحياء الباعث على ترك التعلم، ولما كان ما فعله من الحياء الممدوح غفر الله له كما قال (فاستحيا الله منه) كما تقدم (وأما الآخر) بفتح المعجمة (فأعرض) عن مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو مجلس العلم (فأعرض الله عنه) فيه ذم الإعراض عن مجلس العلم بغير عذر، وأن من أعرض كذلك فقد تعرض لسخط الله، فإنه أخبر بأن الله أعرض عنه (متفق عليه) رواه البخاري في العلم، وليس لأبي واقد في صحيحه إلا هذا الحديث. وقد وهم صاحب الكمال فقال في ترجمة أبي واقد: خرج عن الخمسة إلا البخاري، ورواه مسلم في الاستئذان، ورواه أيضاً أبو داود في الاستئذان والنسائي في العلم.

١٤٤٨- (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة) بإسكان اللام على المشهور، قال العسكري: هي كل مستدير خالي الوسط، وحكي فتح اللام، وهو قليل (في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا) أعادوه وزيادة في الإيضاح (نذكر الله قال: آلله) بمد الهمزة والأصل أألله بهمزتين أولاهما للاستفهام والأخرى همزة أل فأبدلت الثانية مدة، وجر الاسم الكريم. قيل: بالهمزة وهي من حروف القسم، وقيل: إن حرف القسم مقدر بعدها، وهو الذي صححه ابن هشام (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: الذكر، وأتى فيه باسم الإِشارة الموضوع للبعيد مع قربه تشريفاً له كما في قوله تعالى:

لَكُمْ، وَمَا كَانَ أحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَقَلَّ عَنْهُ حَديثاً مِنِّي: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَا أجْلَسَكُمْ؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا للإسْلاَمِ؛ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: "آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ " قالوا: واللهِ مَا أجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: "أمَا إنِّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، ولكِنَّهُ أتَانِي جِبرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الله يُبَاهِي

ــ

(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) (١) والجملة جواب القسم (قالوا: ما أجلسنا إلا ذلك) الأقرب أن الجملة جواب قسم حذف المقسم به اكتفاء بدلالة وجوده في السؤال عليه، ويدل عليه قوله: (قال: أما) بتخفيف الميم، أداة استفتاح (إني لم أستحلفكم تهمة لكم) بضم الفوقية، وفتح الهاء وسكونها كما في المصباح هي الشك والريبة، والتاء بدل من الواو لأنها من الوهم (وما كان أحد بمنزلتي) أي: بمكانتي وقربي (من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وذلك، لكون أخته أم حبيبة أم المؤمنين، ولتآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - له لما علم فيه من السر الإِلهي المصون والظرف. الأول: في محل الصفة. والثاني: لغو متعلق بمنزلة (أقل) بالنصب خبر كان (منه) أي: من ذلك الأحد (حديثاً) تمييز (مني) أي: لم يكن أحد مماثلاً لي في القرب، أقل مني حديثاً، وذلك احتياطاً وتحرزاً من أن يسهو بزيادة أو نقص، عند ذكر حديث، وهذه الجملة أتى بها إظهاراً لعنايته بالمخاطبين إذ حدثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع إقلاله منه فقال: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم) لكونهم كانوا في زمن لا يؤلف منهم الجلوس فيه في المسجد (قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده) من عطف الخاص على العام، إن أريد بالذكر ما يعم أنواعه، وإن أريد به فرد خاص منه، وبالحمد الثناء عليه بالأوصاف الثبوتية كان من عطف المغاير (على ما هدانا للإِسلام) على فيه للتعليل، وما فيه مصدرية أي: نحمده لذلك، والحمد في مقابلة النعمة يثاب عليه ثواب الواجب الفائق ثواب المندوب بسبعين ضعفاً (ومن به علينا) حذف الممتن به إيماء؛ لكثرته وقصور العبارة عن الإِحاطة به قال سبحانه وتعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (٢) (قال: آلله) بالمد (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: دون غيره من الأعراض والأغراض، وحذف المصنف جوابهم، وهو في مسلم ولفظه "قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك" وكذا وقع له في الأذكار، بأنه غير مذكور في صحيح مسلم، كما يأتي عنه مرات أخرج أصل الحديث، لا بخصوص هذه الزيادة، وهو من قلم الناسخ (أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي)

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عند الاضطجاع، وعند الانتباه.

٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر

والندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تريد زينة الحياة الدنيا} ... [الكهف (٢٨) ] .

أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويسألونه بكرةً وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء.

يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، فنهاه الله عن ذلك.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ستة، فقال المشركون للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله عزَّ وجلّ: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام (٥٢) ] . أخرجه مسلم.

وقوله: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} ، أي: شغل عن الدِّين، وعبادة ربه بالدنيا.

{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ، في طلب الشهوات {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} ، أي: ضياعًا.

[١٤٤٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ - عز وجل -، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟! قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهم فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إن للهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ - عز وجل - وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» .

الذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم الديني.

قوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم» . قيل: من حكم السؤال إقرار الملائكة أنَّ في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة (٣٠) ]

قوله: «فضلاً» منضبط بوجوه: أشهرها ضم أَوَّلَيه، وبضم، ففتح، أخره ألف

ممدودة جمع فاضل. ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة، وغيرهم من المرتبين مع الخلائق.

قال الحافظ: وفي الحديث: فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكرامًا لهم، وإنْ لم يشاركهم في أصل الذكر.

وفيه: محبة الملائكة لبني آدم، واعتناؤهم بهم.

وفيه: أنّ السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول، لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته.

[١٤٤٨] وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.

قوله: «لا يقعد قوم يذكرون الله» .

وفي حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتْلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . السكينة هنا: الطمأنينة والوقار.

قوله: «وذكرهم الله فيمن عنده» ، أي: في الملأ الأعلى. كما في الحديث الآخر: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .

[١٤٤٩] وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ

نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ألا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ إِلَيْهِ. وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وذكر الحديث.

وفيه: فضل ملازمة حِلَقِ العلم والذكر، وجلوس العالم، والذكر في المسجد.

وفيه: الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس.

وفيه: جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة.

[١٤٥٠] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: خرج معاوية - رضي الله عنه - عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

باب فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قال الله تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} .

١٤٤٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك فيقول كيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا فيقول فماذا يسألون قال يقولون يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون يتعوذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها فيقول كيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيروني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب فضل حلق الذكر يعني الاجتماع على ذكر الله عز وجل ثم ساق الآية الكريمة واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع هؤلاء القوم الفضلاء الشرفاء الكرماء وصبر النفس يعني حبسها احبس نفسك معهم فإن هؤلاء القوم خير من تجلس إليهم {يدعون ربهم بالغداة} أي في أول النهار وبالعشي في آخر

النهار ومن ذلك إن شاء الله الاجتماع على صلاة الفجر وعلى صلاة العصر لأن الأولى في الصباح والثانية في المساء غداة وعشيا {يدعون ربهم} أي يريدون وجهه هذا دليل على إخلاصهم لله عز وجل وأنهم لا يريدون من هذا الاجتماع والدعاء أن يمدحوا بذلك أو يقال ما أعظم عبادتهم ما أكثرها ما أصبرهم عليها لا يريدون هذا كله يريدون وجه الله عز وجل {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا} يعني لا تتجاوز عنهم وتفارقهم وتغض الطرف عنهم من أجل الدنيا أما من أجل مصلحة أخرى أعظم مما هم عليه فلا بأس لكن من أجل الدنيا لا هؤلاء هم القوم وهم أهل الدنيا والآخرة {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} يعني لا تطع الغافل الذي غفل قلبه عن ذكر الله وكان أمره فرطا واتبع هواه وضاعت عليه دنياه وضاعت عليه أخراه.

ففي هذه الآية الكريمة فضل الاجتماع على الذكر والدعاء وفيها فضل الإخلاص وأن الإخلاص هو الذي عليه مدار كل شيء وفيها أن الإنسان لا ينبغي له أن يدع أحوال الآخرة والعبادات إلى أحوال الدنيا.

أما الأحاديث فذكر المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري وصحيح مسلم إن الله تعالى وكل ملائكة يسيحون في الأرض يطلبون حلق الذكر والملائكة عالم غيبي فاضل خلقهم الله عز وجل من النور وجعلهم صمدا لا أجواف لهم فلا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون إلى هذا ليست لهم بطون ولا أمعاء فهم صمد ولهذا لا

يأكلون ولا يشربون وهم عالم غيبي لا يراهم البشر ولكن قد يري الله تعالى الناس إياهم أحيانا كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فهذا يحدث أحيانا ولكن الأصل أن عالم الملائكة عالم غيبي والملائكة كلهم خير ولهذا لا يدخلون الأماكن التي فيها ما يغضب الله عز وجل فلا يدخلون بيتا فيه صورة ولا يصحبون رفقة فيها جرس ولا رفقة معهم كلب إلا الكلب المحلل الذي يجوز اقتناؤه هؤلاء الملائكة وكلهم الله عز وجل يسيحون في الأرض فإذا وجدوا حلق الذكر جلسوا معهم ثم حفوا هؤلاء الجالسين بأجنحتهم إلى السماء يعني هؤلاء الملائكة من الأرض إلى السماء ثم إن الله تعالى يسألهم ليظهر فضيلة هؤلاء القوم الذين جلسوا يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه ويهللونه ويكبرونه ويدعونه وإلا فالله أعلم عز وجل لماذا جلسوا لكن ليظهر فضلهم ونبلهم يسأل الملائكة من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحون ويهللون ويكبرون ويحمدون ويدعون فيقول لهم ماذا يريدون قالوا يريدون الجنة (اللهم اجعلنا ممن أرادها وكان من أهلها) قال هل رأوها قالوا لا قال فكيف لو رأوها قالوا لكانوا أشد لها طلبا وأشد فيها رغبة لأن الله عز وجل يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب

بشر ثم يسألهم ماذا يدعون بالنجاة منه قالوا يسألونك النجاة من النار هذا معنى الحديث قال هل رأوها قالوا لا ما رأوها قال فيكف لو رأوها قالوا لكانوا أشد منها مخافة فيقول الله عز وجل أشهدكم أني قد غفرت لهم جميعا وإذا غفر الله لإنسان استحق أن يدخل الجنة وأن ينجو من النار فيقول ملك من الملائكة إن فيهم فلانا ما جاء للذكر لكن جاء لحاجة فوجد هؤلاء القوم فجلس معهم فيقول جل وعلا فله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

ففي هذا الحديث دليل على فضلية مجالسة الصالحين وأن الجليس الصالح ربما يعم الله سبحانه وتعالى بجليسه رحمته وإن لم يكن مثله لأن الله قال قد غفرت لهذا مع أنه ما جاء من أجل الذكر والدعاء لكنه جاء لحاجة وقال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وعلى هذا فيستحب الاجتماع على الذكر وعلى قراءة القرآن وعلى التسبيح والتحميد والتهليل وكل يدعو لنفسه ويسأل الله لنفسه ويذكر لنفسه.

ومن الاجتماع كما ذكرت من قبل أن يجتمع المسلمون على صلاة الفجر وصلاة العصر لأنها ذكر تسبيح وتكبير وتهليل وقراءة قرآن ودعاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة الموكلين ببني آدم يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه.

١٤٤٨ - وعنه عن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.

١٤٤٩ - وعن أبي واقد الحارث بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيي فاستحيي الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان من الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه (رياض الصالحين) فالأول أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده وهذا يدل على فضل الاجتماع على ذكر الله عز وجل ولا يلزم من هذا أن

يذكروا الله بصوت واحد بل الحديث مطلق لكن لم يعهد عن السلف أنهم يذكرون ذكرا جماعيا كما يفعله بعض أهل الطرق من الصوفية وغيرها وفيه أن هؤلاء المجتمعين تنزل عليهم السكينة والسكينة هي طمأنينة القلب وخشوعه وإنابته إلى الله عز وجل وتغشاهم الرحمة أي تحيط بهم من كل جانب فيكونون أقرب إلى رحمة الله عز وجل وحفتهم الملائكة أي كانوا حولهم يحفون بهم إكراما لهم ورضا بما فعلوا وذكرهم الله فيمن عنده أي في الملأ الأعلى وقد مر علينا أن الله تعالى قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.

وأما الحديث الثاني ففيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه في المسجد فأقبل ثلاثة نفر يعني ثلاثة رجال أما أحدهم فولي وأعرض ولم يأت إلى الحلقة وأما الثاني فوجد في الحلقة فرجة فجلس وأما الثالث فجلس خلف الحلقة كأنه استحيا أن يزحم الناس وأن يضيق عليهم فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بنبأ القوم أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله عز وجل وهو الذي جلس فأواه الله عز وجل إليه لأنه كان صادق النية في الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم فيسر الله له وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه لأنه ما زاحم ولا تقدم وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه لم يوفقه لأن يجلس مع هؤلاء القوم البررة الأطهار.

وفي هذا الحديث إثبات الحياء لله عز وجل ولكنه ليس كحياء المخلوقين بل هو حياء الكمال يليق بالله عز وجل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن

الله حيي كريم وقال الله تعالى والله لا يستحي من الحق والله سبحانه وتعالى يوصف بهذه الصفة لكن ليس مثل المخلوقين لأن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فكلما مر عليك صفة من صفات الله مشابهة لصفات المخلوقين في اللفظ فاعلم أنهما لا يستويان في المعنى لأن الله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فإذا مر بك مثلا أن الله استوى على العرش فلا تظن أن استواءه على العرش كاستوائك أنت على ظهر البعير الذي قال فيه {إذا استويتم عليه} وإذا قال الله تعالى {بل يداه مبسوطتان} فلا تظن أن يدي الله جل وعلا مثل يديك لأن الله ليس كمثله شيء فجميع صفاته هو منفرد بها وكما أننا نوحده في ذاته ونوحده في العبادة كذلك نوحده في صفاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

١٤٥٠ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك

قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

إن هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على فضيلة الاجتماع على ذكر الله عز وجل وهو ما رواه أبو سعيد الخدري عن معاوية رضي الله عنهما أنه خرج على حلقة في المسجد فسألهم على أي شيء اجتمعوا فقالوا نذكر الله فاستحلفهم رضي الله عنه أنهم ما أرادوا إلا ذلك فحلفوا له ثم قال لهم إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خرج على قوم وذكر مثله فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع على ذكر الله وأن الله عز وجل يباهي بهم الملائكة فيقول مثلا انظروا إلى عبادي اجتمعوا على ذكري وما أشبه ذلك مما فيه المباهاة ولكن كما أسلفنا ليس هذا الاجتماع أن يجتمعوا على الذكر بصوت واحد ولكن يتذكرون نعمة الله عليهم بما أنعم عليهم من نعمة الإسلام وعافية البدن والأمن وما أشبه ذلك فإن ذكر نعمة الله من ذكر الله عز وجل فيكون في هذا دليل على فضل جلوس الناس ليتذاكروا نعمة الله عليهم ولهذا كان بعض السلف إذا مر بأخيه أو آتاه أخوه قال اجلس بنا نؤمن ساعة.

أي اجلس بنا نتذكر نعمة الله علينا حتى يزداد إيماننا فدل ذلك على فضيلة هذا الاجتماع نسأل الله أن يجمع قلوبنا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر والندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قَالَ الله تَعَالَى (١) : (واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) .

١٤٤٥- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ

ــ

عز وجل -، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟!

ــ

التسبيح والتكبير ونحوهما. والتلاوة فحسب، وإن كان قراءة الحديث، ودراسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما دخل تحت مسمى ذكر الله تعالى (فإذا وجدوا) من الوجدان مفعوله (قوماً يذكرون الله عز وجل) عند مسلم: فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر (تنادوا) وفي رواية الإِسماعيلي: يتنادون، أي: ينادي بعضهم بعضاً دلالة على المطلوب (هلموا) أي: تعالوا وهذا ورد على لغة تميم، وأهل نجد حيث يلحقون بهم ضمائر المخاطب، تأنيثاً وتثنية وجمعاً، ولغة أهل الحجاز استعمالها في الجميع بلفظ واحد، واختلف في أصل هذه الكلمة فقيل: أصلها هل لك في كذا أمه؟ أي: أقصده، فركبت الكلمتان فقيل: هلم أي: اقصد.

وقيل: أصلها هالم بضم اللام وتشديد الميم والهاء، للتنبيه حذفت ألفها تخفيفاً (إلى حاجتكم) وفي رواية إلى بغيتكم (فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي: يطوفون ويدورون حولهم (بأجنحتهم) وقيل: معناه يدفون أجنحتهم حول الذاكرين، فالباء للتعدية.

وقيل: للاستعانة. قاله الحافظ في الفتح (إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم) أي سؤالاً صورياً. بدليل قوله لدفع توهم حمله على حقيقته من استكشاف ما يجهله السائل (وهو أعلم بهم) والجملة حالية أو معترضة، ومن حكم السؤال إقرار الملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) (١) (ما يقول عبادي) الجملة بيان لقوله فيسألهم ربهم، أو مفعول لقول مقدّر أي: قائلاً أولاً تقدير، بل هو ناصب بنفسه؛ لأنه نوع من القول (قال يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) وفي رواية الإِسماعيلي "مررنا بهم وهم يذكرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك " وفي حديث أنس عن البزار "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم والمجد العز والشرف " (قال: فيقول: هل رأوني) أي: أبصروني (فيقولون: لا والله ما رأوك) قال الحافظ في الفتح: كذا ثبت بلفظ الجلالة في جميع نسخ البخاري، وكذا في بقية المواضع وسقط لغيره (قال: فيقول: كيف لو رأوني؟

قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا.

ــ

قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة) أتى به كذلك ليزدوج مع ما بعده الممتنع بناء صيغة التفضيل منه؛ لكونه ثلاثياً مزيداً فيه. وإلاّ فأفعل التفضيل يبنى من العبادة ويقال كانوا أعبد لك (وأشد تمجيداً) أعاد أفعل التفضيل ومتعلقه إطناباً (وأكثر لك تسبيحاً) عربه دون ما عربه في قرينه تفنناً (قال: فيقول) هكذا رواية أبي ذر أحد رواة البخاري بالفاء، وفي رواية غيره بحذفها (فما يسألون) وفي الرواية الآتية وماذا يسألوني؟ وعند أبي معاوية فأي شيء يطلبون؟ (قال: يقولون: يسألونك الجنة، وفي رواية جنتك) ثم علمهم بأنهم يسألونها يحتمل أن يكون لسماعهم له منهم، ويحتمل أن ذلك لظهوره وبدوه إذ المكلف يطلب من فضل ربه النعيم وكفاية الجحيم (قال: يقول: وهل رأوها) أي: أبصروها، وعند مسلم كما يأتي: فهل رأوا جنتي (قال: يقولون: لا والله يا رب) أتى به تلذذاً بالخطاب وطلباً لإِطالة الكلام مع الأحباب (ما رأوها قال: فيقول) أي: الله تعالى، ولأبي ذر فيقول (فكيف لو رأوها) الفاء عاطفة على مقدر أي: هذا طلبهم لها وما رأوها فكيف طلبهم لها لو رأوها؟ (قال: يقولون لو أنهم) أي: لو ثبت أنهم (رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة) هو هكذا في صحيح البخاري، وفي الفتح للحافظ ما يوهم أنه ليس عنده عليها، وعبارته قوله: كانوا أشد حرصاً: زاد أبو معاوية في روايته عليها، وفي رواية ابن أبي الدنيا "كانوا أشد حرصاً، وأشد طلبة، وأعظم فيها رغبة" اهـ. والظرف في كل من القرائن متعلق بأفعل قبله لا بالمصدر بعده، لمنع تقديم معمول المصدر عليه، ولو ظرفاً على خلاف في الظرف (قال) أي: الله (فمم) بتشديد الميم الثانية وإدغام نون من الجارة في ميمها وأصلها ما استفهامية فحذفت ألفها تخفيفاً أي: فمن أي شيء (يتعوذون) أي: يلوذون بالذكر ويعتصمون منه (قال) كذا هو بالإِفراد، وفي الكلام حذف، وهو قال: يقولون يتعوذون من النار، فسقط من قلم الشيخ يقولون، ففاعل قال: هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفاعل يقولون الملائكة (يتعوذون من النار) أي: بك فحذف لدلالة المقام عليه (قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال:

فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهم فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ". متفق عَلَيْهِ. وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إن للهِ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً

ــ

يقولون لا والله ما رأوها) صرحوا به مع دلالة عليها؛ إطناباً ولما تقدم (قال: فيقول فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً) بكسر الفاء (وأشد لها مخافة) أي: خوفاً، وعدل عنه لما قاله تفخيماً لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى (قال: فيقول فأشهدكم) عطف على مقدّر أي: فأعذتهم فأشهدكم (أني قد غفرت لهم) حذف المفعول؛ للتعميم (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم) أي: في جملتهم (فلان) تقدم أنه كناية عما يجهل من الإِعلام (ليس منهم) صفة أو حال مما قبله؛ لتخصيصه بتقديم الخبر (إنما جاء لحاجة) أي: غير ما ذكر من الذكر وما بعده (قال: هم الجلساء) أي: الكاملون المكملون (لا يشقى جليسهم) صفة أو حال أو خبر بعد خبر، أو مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال. قال الحافظ في الفتح: أخرج جعفر في الذكر عن الحسن البصري قال: "بينما قوم يذكرون الله إذ أتاهم رجل فقعد إليهم قال: فنزلت الرحمة ثم ارتفعت فقالوا: ربنا فيهم عبدك فلان! قال: غشوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قال: يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود (متفق عليه) فيه أن هذا اللفظ للبخاري فقط أخرجه في الدعوات، من طريق جرير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة انفرد به عن مسلم وقوله: (وفي رواية لمسلم) هي المتفق عليها فإنها عند مسلم في الدعوات من طريق وهيب بن خالد، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري في الدعوات عقيب حديث جرير، إلا أنه لم يسق لفظه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لله ملائكة سيارة) بفتح المهملة وتشديد التحتية أي: سياحين في الأرض (فضلاً) قال المصنف: أرجح وجوه ضبطه وأشهرها في بلادنا ضم أوليه. وضبط ْأيضاً بضم فسكون ورجحها بعضهم، وادعى أنها أكثر وأصوب، وضبط بفتح فسكون. قال القاضي: هي الرواية عند جمهور مشايخنا في الصحيحين، وبضم أوليه ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبضم ففتح آخره ألف ممدودة جمع فاضل، قال العلماء: معناه على

يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ - عز وجل - وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ

ــ

جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم إلا قصد حلق الذكر (يتتبعون) ضبط بالمهملة من التتبع، وهو البحث والتفتيش عن الشيء وبالغين المعجمة من الابتغاء والطلب. قال المصنف: وكلاهما صحيح (مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم) قال المصنف: كذا في كثير من نسخ بلادنا بالمهملة وبالفاء، وفي بعضها بالضاد المعجمة، أي: حث على الحضور والاستماع، وحكى القاضي عن بعض رواتهم، وحط بالمهملتين واختاره القاضي. قال: ومعناه أي: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، ويؤيدها قوله بعده في رواية البخاري "هلموا إلى حاجتكم" ويؤيد الرواية بالفاء قوله في البخاري "يحفونهم بأجنحتهم" أي: يحدقون ويستديرون حولهم، ويحف بعضهم بعضاً (حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا) أي: أنهم يكثرون في مجلسه حتى يعلو بعضهم على بعض، ويملأوا ما ذكر (فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا) بكسر المهملة الثانية من باب علم (إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد) التنوين فيه للتعظيم (لك) صفة (في الأرض) صفة بعد صفة لا حال؛ لأن شرط مجيء الحال من المضاف إليه مفقود، نعم يجوز جعل الظرف حالاً من المستقر في الظرف قبله وكذا قوله (يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك) فتكون أحوالاً مترادفة، ويجوز أن تكون أحوالاً من المستقر في الظرف قبلها، فتكون على إعراب الظرف، كذلك أحوالاً متداخلة وحذفوا المفعول، طلباً لحصول السؤال عنه فيطول الكلام المستعذب، فالحذف هنا نظير قول موسى (ولي فيها مآرب أخرى) (١) (قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب) بحذف ضمير المتكلم، ومعه غيره والأصل ربنا فيكون مفتوحاً، ويحتمل أن يكون الأصل أي: ربي بياء المتكلم، فحذفت

يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (١) .

ــ

اجتزاءً بدلالة الكسرة عليها، وهو مضبوط في الأصول من مسلم، والرياض بكسر الباء (قال: فكيف لو رأوا جنتي) سكت الراوي عن جوابهم عن هذا نسياناً وقد بينه في الرواية السابقة عند البخاري (قالوا: ويستجيرونك) أي: يسألونك الجوار أي الأمان (قال: ومما) بإثبات الألف. هكذا في الأصول، وجاء على خلاف الغالب من حذف ألفها عند جرها تخفيفاً، أي: ومن أي شيء (يستجيروني) بنون مخففة، والأصل يستجيرونني بنونين نون الرفع ونون الوقاية، فحذفت أحداهما تخفيفاً وفي تعيينها خلاف، الأرجح أنها نون الوقاية كما قاله ابن هشام (قالوا: من نارك) حذف المتعلق لدلالة وجوده في السؤال عليه (يا رب) غاير بين حرفي النداء تفنناً في التعبير، وأتى بحرف النداء الموضوع للبعيد دون العكس تفخيماً، قاله الشيخ خالد في شرح التوضيح. (قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري) أظهر في محل الإِضمار في الجملتين؛ للتعظيم والتهويل (قالوا: يستغفرونك) كذا هو بحذف الواو في صحيح مسلم مصححاً عليه وهي مقدرة؛ لأنها معطوفة كالجمل قبلها، وليست جواب قوله: (فكيف لو رأوا ناري؟ فيقول: قد غفرت لهم) بدأ به في الجواب؛ لأنه أقرب مطلوب؛ وأسنى مرغوب؛ ولأن ما بعده مبني عليه فلذا فرع عليه قوله: (فأعطيتهم ما سألوا) يعني الجنة (وأجرتهم) بالقصر أي: آمنتهم (مما استجاروا) بحذف العائد المنصوب بما قبله محلاً والمجرور بمن أي: منه (قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء) بفتح المعجمة وتشديد المهملة وبالهمزة آخره، أي: كثير الخطايا (إنما مر) هو بمعنى قوله فيما قبله، إنما جاء لحاجة (فجلس معهم قال: فيقول: وله غفرت) بتقديم الظرف، للاهتمام (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) قال الحافظ في الفتح: في الحديث فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكراماً لهم، وإن لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من

١٤٤٦- وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما، قالا: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلاَّ حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ". رواه مسلم (١) .

١٤٤٧- وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -

ــ

المسؤول؛ لإِظهار الغاية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره والإِعلان بشرف منزلته، وفيه بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهراً في الدنيا، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" وغير ذلك.

١٤٤٦- (وعنه) أي: أبي هريرة (وعن أبي سعيد) الخدري (رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يقعد قوم) التقييد بالقعود وبالقوم جري على الغالب، فالاجتماع للذكر بأي ومن أي ترتب عليه ما يأتي، ويؤيده أنه تقدم من حديث أبي هريرة "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله " والحديث تقدم بجملته في باب قضاء حوائج المسلمين (يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة) أي: أحدقت بهم، وطافت بحفافيهم تشريفاً لهم وتنويهاً لما هم فيه من الذكر (وغشيتهم الرحمة) أي: آثارها من الفيض والفضل (ونزلت عليهم السكينة) بوزن فعيلة ما تسكن به نفسهم قال التوربشتي: هي الحالة التي يطمئن بها القلب فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب والأصل فيها الوقار، وقيل: هي ملكة تسكن قلب المؤمن وتؤمن اهـ (وذكرهم الله فيمن عنده) عندية مكانة، لاستحالة المكان في حقه تعالى (رواه مسلم) .

١٤٤٧- (وعن أبي واقد) بالقاف والمهملة (الحارث بن عوف) بالفاء هو الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، مشهور بكنيته، وما ذكره المصنف في اسمه واسم أبيه، هو أحد الأقوال، وقيل: عوف بن الحارث، وقيل: الحارث بن مالك، قيل: إنه شهد بدراً، وقيل: لم يشهدها، وكان معه لواء بني ضمرة، وبني ليث، وبني سعد بكر بن عبد مناة، يوم الفتح، وقيل، أنه من مسلمة الفتح. قال ابن الأثير: والصحيح أنه شهد الفتح مسلماً، يعد في أهل المدينة، وشهد اليرموك بالشام، وجاور بمكة سنة، ومات بها، ودفن

بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ

ــ

في مقبرة المهاجرين بفخ سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: خمس وثمانين (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرون حديثاً، وقال البرقي: جاء عنه سبعة أحاديث، وفي مختصر التلقيح له في الصحيحين أحد وعشرون حديثاً اتفقا على أحد عشر منها، وانفرد البخاري باثنتين، ومسلم بثمانية (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد والناس معه) جملة حالية (إذ أقبل ثلاثة نفر) بفتح أوله تمييز لما قبله أي: ثلاثة، هم نفر لا أنه نوع الثلاثة على عدد نفر فيكونون تسعة، وهذا كما يقال ثلاثة رجال ليس المراد ثلاثة جموع رجل، وهو يطلق على الثلاثة والتسعة وما بينهما كما تقدم، والجملة أضيف إليها الظرف (فأقبل اثنان) ذكره بعد فأقبل ثلاثة إما لأن التقدير فأقبل اثنان منهم وإما لأن إقبال الثلاثة، إقبال إلى المجلس أو إلى جهته، وإقبال الاثنين (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد فوقفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما أحدهما فرأى) أي: أبصر (فرجة في الحلقة) بسكون اللام أي: المستديرين بين يديه - صلى الله عليه وسلم - (فجلس فيها وأما الآخر) بفتح الخاء (فجلس خلفهم) أي: خلف أهل الحلقة (وأما الثالث فأدبر ذاهباً) أي: لم يرجع، بل استمر في إدباره وإلا فأدبر مفرغر (١) ذاهباً، قلت أو يكون من قبيل (فتبسم ضاحكاً) (٢) أي: حال مؤكدة (فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: مما كان فيه من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر (قال: ألا) حرف تنبيه، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا نفي، وفي الكلام طي فكأنهم قالوا: أخبرنا فقال: ألا (أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى) بالقصر أي: رجع (إلى الله فآواه الله) بالمد قال أئمة اللغة: في كل منهما القصر والمد ومصدر المقصور أويا على فعول ومصدر الممدود إيواء، ونسبة الإِيواء إلى الله تعالى، وكذا الاستحياء والإِعراض مجاز لاستحالتها في حقه تعالى، فالمراد بها لوازمها من إرادة إيصال الخير، وترك العقاب والإِذلال، أو نحو ذلك، وقرينة الصرف عن الحقيقة فيه وفي مثله مما يستحيل قيامه به تعالى

وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ". متفقٌ عَلَيْهِ (١) .

١٤٤٨- وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: خرج معاوية - رضي الله عنه - عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ. قَالَ: آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذاك؟ قالوا: مَا أجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ، قَالَ: أما إنِّي لَمْ اسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً

ــ

العقل. وفائدته: بيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وتحسين اللفظ، ويسمى مثل هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة. انتهى ملخصاً من اللامع الصبيح (وأما الآخر) بفتح الخاء وفيه لكونه استعمله في غير الأخير رد على من زعم أنه لا يستعمل إلا في الأخير (فاستحيا) من المزاحمة لما فيها من التضييق، والحياء كذلك محمود والمذموم فيه الحياء الباعث على ترك التعلم، ولما كان ما فعله من الحياء الممدوح غفر الله له كما قال (فاستحيا الله منه) كما تقدم (وأما الآخر) بفتح المعجمة (فأعرض) عن مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو مجلس العلم (فأعرض الله عنه) فيه ذم الإعراض عن مجلس العلم بغير عذر، وأن من أعرض كذلك فقد تعرض لسخط الله، فإنه أخبر بأن الله أعرض عنه (متفق عليه) رواه البخاري في العلم، وليس لأبي واقد في صحيحه إلا هذا الحديث. وقد وهم صاحب الكمال فقال في ترجمة أبي واقد: خرج عن الخمسة إلا البخاري، ورواه مسلم في الاستئذان، ورواه أيضاً أبو داود في الاستئذان والنسائي في العلم.

١٤٤٨- (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة) بإسكان اللام على المشهور، قال العسكري: هي كل مستدير خالي الوسط، وحكي فتح اللام، وهو قليل (في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا) أعادوه وزيادة في الإيضاح (نذكر الله قال: آلله) بمد الهمزة والأصل أألله بهمزتين أولاهما للاستفهام والأخرى همزة أل فأبدلت الثانية مدة، وجر الاسم الكريم. قيل: بالهمزة وهي من حروف القسم، وقيل: إن حرف القسم مقدر بعدها، وهو الذي صححه ابن هشام (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: الذكر، وأتى فيه باسم الإِشارة الموضوع للبعيد مع قربه تشريفاً له كما في قوله تعالى:

لَكُمْ، وَمَا كَانَ أحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَقَلَّ عَنْهُ حَديثاً مِنِّي: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَا أجْلَسَكُمْ؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا للإسْلاَمِ؛ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: "آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ " قالوا: واللهِ مَا أجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: "أمَا إنِّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، ولكِنَّهُ أتَانِي جِبرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الله يُبَاهِي

ــ

(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) (١) والجملة جواب القسم (قالوا: ما أجلسنا إلا ذلك) الأقرب أن الجملة جواب قسم حذف المقسم به اكتفاء بدلالة وجوده في السؤال عليه، ويدل عليه قوله: (قال: أما) بتخفيف الميم، أداة استفتاح (إني لم أستحلفكم تهمة لكم) بضم الفوقية، وفتح الهاء وسكونها كما في المصباح هي الشك والريبة، والتاء بدل من الواو لأنها من الوهم (وما كان أحد بمنزلتي) أي: بمكانتي وقربي (من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وذلك، لكون أخته أم حبيبة أم المؤمنين، ولتآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - له لما علم فيه من السر الإِلهي المصون والظرف. الأول: في محل الصفة. والثاني: لغو متعلق بمنزلة (أقل) بالنصب خبر كان (منه) أي: من ذلك الأحد (حديثاً) تمييز (مني) أي: لم يكن أحد مماثلاً لي في القرب، أقل مني حديثاً، وذلك احتياطاً وتحرزاً من أن يسهو بزيادة أو نقص، عند ذكر حديث، وهذه الجملة أتى بها إظهاراً لعنايته بالمخاطبين إذ حدثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع إقلاله منه فقال: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم) لكونهم كانوا في زمن لا يؤلف منهم الجلوس فيه في المسجد (قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده) من عطف الخاص على العام، إن أريد بالذكر ما يعم أنواعه، وإن أريد به فرد خاص منه، وبالحمد الثناء عليه بالأوصاف الثبوتية كان من عطف المغاير (على ما هدانا للإِسلام) على فيه للتعليل، وما فيه مصدرية أي: نحمده لذلك، والحمد في مقابلة النعمة يثاب عليه ثواب الواجب الفائق ثواب المندوب بسبعين ضعفاً (ومن به علينا) حذف الممتن به إيماء؛ لكثرته وقصور العبارة عن الإِحاطة به قال سبحانه وتعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (٢) (قال: آلله) بالمد (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: دون غيره من الأعراض والأغراض، وحذف المصنف جوابهم، وهو في مسلم ولفظه "قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك" وكذا وقع له في الأذكار، بأنه غير مذكور في صحيح مسلم، كما يأتي عنه مرات أخرج أصل الحديث، لا بخصوص هذه الزيادة، وهو من قلم الناسخ (أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي)

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عند الاضطجاع، وعند الانتباه.

٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر

والندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تريد زينة الحياة الدنيا} ... [الكهف (٢٨) ] .

أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويسألونه بكرةً وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء.

يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، فنهاه الله عن ذلك.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ستة، فقال المشركون للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله عزَّ وجلّ: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام (٥٢) ] . أخرجه مسلم.

وقوله: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} ، أي: شغل عن الدِّين، وعبادة ربه بالدنيا.

{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ، في طلب الشهوات {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} ، أي: ضياعًا.

[١٤٤٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ - عز وجل -، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟! قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهم فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إن للهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ - عز وجل - وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» .

الذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم الديني.

قوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم» . قيل: من حكم السؤال إقرار الملائكة أنَّ في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة (٣٠) ]

قوله: «فضلاً» منضبط بوجوه: أشهرها ضم أَوَّلَيه، وبضم، ففتح، أخره ألف

ممدودة جمع فاضل. ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة، وغيرهم من المرتبين مع الخلائق.

قال الحافظ: وفي الحديث: فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكرامًا لهم، وإنْ لم يشاركهم في أصل الذكر.

وفيه: محبة الملائكة لبني آدم، واعتناؤهم بهم.

وفيه: أنّ السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول، لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته.

[١٤٤٨] وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.

قوله: «لا يقعد قوم يذكرون الله» .

وفي حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتْلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . السكينة هنا: الطمأنينة والوقار.

قوله: «وذكرهم الله فيمن عنده» ، أي: في الملأ الأعلى. كما في الحديث الآخر: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .

[١٤٤٩] وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ

نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ألا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ إِلَيْهِ. وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وذكر الحديث.

وفيه: فضل ملازمة حِلَقِ العلم والذكر، وجلوس العالم، والذكر في المسجد.

وفيه: الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس.

وفيه: جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة.

[١٤٥٠] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: خرج معاوية - رضي الله عنه - عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.8 / 29.5
الإضاءة 74%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله