٣١ - باب الإصلاح بَيْنَ الناسقَالَ الله تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٢٤٧

الحديث رقم ٢٤٧ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب الشفاعة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ٣١ - باب الإصلاح بين الناسقال الله تعالى…

٣١ - باب الإصلاح بَيْنَ الناس

قَالَ الله تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: ١١٤]، وَقالَ تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: ١٢٨]، وَقالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: ١]، وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: ١٠].

سند حديث: ٢٤٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ…

٢٤٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ برِيرَةَ وَزَوْجِهَا، قَالَ: قَالَ لَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأمُرُنِي؟ قَالَ: «إنَّمَا أَشْفَع» قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. رواه البخاري. (١)

رواة الحديث

شرح حديث: ٣١ - باب الإصلاح بين الناسقال الله تعالى…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٣٠ ـ باب الشفاعة]

قال الله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .

١/٢٤٦ ـ وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)) متفق عليه.

وفي رواية: ((ما شاء)) .

٢/ ٢٤٧ ـ وعن بن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو راجعتِهِ؟)) قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: ((إنما أشفع)) قالت: لا حاجة لي فيه)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الشفاعة.

والشفاعة: هي التوسط للغير؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة.

مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور

ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن

مظلمته، حتى يندفع عنه الضرر.

ومثال ذلك في أيام الآخرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف ليُقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة.

ومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.

والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا؛ وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له بجب المنفعة له أو دفع المضرة عنه.

والشفاعة أقسام:

القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام، فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام؛ أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي عليه الصلاة والسلام إنكاراً عظيماً.

وذلك حينما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تقطع يد المرأة المخزومية، امرأة من بني مخزوم من أشراف قبائل العرب، كانت تستعير الشيء ثم تجحده، أي تستعيره لتنتفع به ثم تنكر بعد ذلك أنها استعارت شيئاً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها؛ فاهتمت لذلك قريش، قالوا: امرأة من بني مخزوم وتقطع يدها؟ هذا عار كبير، من يشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن أقرب الناس لذلك أسامة بن زيد بن الحارثة.

وأسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن زيد بن حارثة عبدٌ أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة، ثم أعتقه وكان يحبه عليه الصلاة والسلام، ويحب ابنه أسامة، فذهب أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أتشفع في حد من حدود الله؟))

قال ذلك إنكاراً عليه، ثم قام فخطب الناس وقال: ((أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله ـ يعني أقسم بالله ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) .

وهذه المرأة المخزومية دون فاطمة شرفاً ونسباً، ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) لسدّ باب الشفاعة والوساطة في الحدود إذا بلغت الإمام.

وقال عليه الصلاة والسلام: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادِّ الله في أمره)) .

وقال صلى اله عليه وسلم: ((إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلعن الله الشافع والمشفع)) .

ولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد، فجاء

رجل فسرقه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يد السارق ـ انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده ـ فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به)) .

يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به، لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة.

القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ على أخيه، أعرف مثلاً أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.

والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .

ومن ذلك أيضاً أن يأتي رجل لشخص فيقول: يا فلان؛ أنا أريد أن أشتري دخاناً من فلان وقد سُمْتُه بكذا وكذا، وأبى عليّ إلا بكذا وكذا أكثر مما سمتُه به، فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه عليّ بهذا السعر الرخيص،

فهنا لا تجوز الشفاعة؛ لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان.

القسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح فهذه لا بأس بها، ويكون للإنسان فيها أجر، مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتاً ويقول له هذا الثمن قليل، فيذهب السائم إلى شخص ثالث، ويقول: يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه عليّ، فيذهب ويشفع له، فهذا جائز؛ بل هو مأجور على ذلك، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه صاحب حاجة يلتفت إلى أصحابه ويقول: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) أو ((ما أحب)) . فهنا يأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة.

ومثل ذلك أيضاً لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل وانتهك حرمتك، فهنا لا حرج أن تقول مثلاً لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القوي ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود.

فالحاصل أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .

[٣١ ـ باب الإصلاح بين الناس]

قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) [النساء: ١١٤] ، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: الآية١] ، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠]

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الإصلاح بين الناس.

الإصلاح بين الناس: هو أن يكون بين شخصين معاداة وبغضاء، فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما، ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء، وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض؛ فإن الصلح بينهما أوكد، يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه، وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم؛ كان الصلح بين المتابغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد.

واعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة، قال الله عزَّ وجلَّ (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي إلا نجوى من أمر بصدقة.

والنجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، فأكثر المناجاة بين

الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف.

والمعروف: كل ما أمر به الشرع، يعني: أمر بخير.

أو إصلاح بين الناس: بين الرجل وصاحبه مفسدة، فيأتي شخص موفّق فيصلح بينهما، ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء.

ثم قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] ، فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذا خير حاصل لا شك فيه، أما الثواب فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .

فأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة، فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئاً من مالك فإنه مخلوف عليك.

ثم اعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص: إن فلاناً لم يتكلم فيك بشيء، إن فلاناً يحب أهل الخير وما أشبه ذلك، أو تقول: فلان يحبك إن كنت من أهل الخير، وتضمر في نفسك جملة ((إن كنت من أهل الخير)) لأجل أن تخرج من الكذب.

وقال الله عز وجل: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، هذه جملة عامة ((الصلح خير)) في جميع الأمور.

ثم قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) [النساء: ١٢٨] ، إشارة إلى أن

الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه، وأن لا يتبع نفسه؛ لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة، ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً، وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً؛ فإن الصلح يتعذر؛ لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملاً وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملاً؛ لم يكن إصلاحاً.

لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شحّ نفسه؛ فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح، وهذا هو الفائدة من قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بعد قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ، وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] ، فأمر الله عز وجل بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين.

والحاصل أن الإصلاح كله خير، فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين؛ أن تصلح بينهما؛ لتنال الخير الكثير، وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] .

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين.

* * *

١/٢٤٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقه، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى

عن الطريق صدقة)) متفق عليه.

ومعنى ((تعدل بينهما)) : تصلح بينهما بالعدلِ.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا ما ذكره المؤلف من الآية الكريمة الدالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)) ، والسُلامى هي العظام والمفاصل؛ يعني كل يوم تطلع الشمس؛ فعلى كل مفصل من مفاصلك صدقة.

قال العلماء من أهل الفقه والحديث: وعدد السلامى في كل إنسان ثلاثمائة وستون عضواً أو مفصلاً، فعلى كل واحد من الناس أن يتصدق كل يوم تطلع فيه الشمس بثلاثمائة وستين صدقة، ولكن الصدقة لا تختص بالمال؛ بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل.

ثم بيّن صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة فقال: ((تعدل بين اثنين صدقة)) يعني رجلان يتخاصمان إليك فتعدل بينهما؛ تحكم بينهما بالعدل، وكل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور.

وعلى هذا فنقول: هذه القوانين التي يحكم بها بعض الناس وهي مخالفة لشريعة الله ليست عدلاً؛ بل هي جور وظلم وباطل، ومن حكم بها

معتقداً أنها مثل حكم الله أو أحسن منه؛ فإنه كافر مرتد عن دين الله؛ لأنه كذب قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠] ، يعني لا أحد أحسن من الله حكماً، لكن لا يفهم هذا إلا من يوقن، أما الذي أعمى الله بصيرته، فإنه لا يدري بل قد يزين له سوء عمله فيراه حسناً والعياذ بالله.

ومن العدل بين اثنين: العدل بينهما بالصلح، لأن الحاكم بين الاثنين سواء أكان منصوباً من قبل ولي الآمر، أو غير منصوب قد لا يتبين له وجه الصواب مع أحد الطرفين، فإذا لم يتبين له، فلا سبيل له إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع.

وقد سبق لنا أنه لا صلح مع المشاحة، يعني أن الإنسان إذا أراد أن يعامل أخاه بالمشاحة، فإنه لا يمكن الصلح، كما قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: ١٢٨] يشير إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشحّ، وأن لا يطالب بكامل حقه؛ لأنه إن طالب بكامل حقه، طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح؛ بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه.

فإذا لم يكن الحكم بين الناس بالحق، بل اشتبه على الإنسان إما من حيث الدليل، أو من حيث حال المتخاصمين، فليس هناك إلا السعي بينهما بالصلح.

قال عليه الصلاة والسلام: ((تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعاً صدقة)) .

هذا أيضاً من الصدقات؛ أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها إذا كان لا يستطيع أن لا يركبها بنفسه، أو تحمل له عليها متاعه، تساعده على حمل المتاع على الدابة فهذا صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة؛ يعني إذا رأيت ما يؤلم المشاة فأمطته أي: أزلته فهذه صدقة، سواء كان حجراً، أم زجاجاً، أم قشر بطيخ، أم ثياباً يلتوي بعضها على بعض، أو ما أشبه ذلك.

والحاصل أن كل ما يؤذي أَزِلْه عن الطريق، فإنك بذلك تكون متصدقاً، وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛ فإن إلقاء الأذى في الطريق سيئة.

ومن ذلك من يلقون قمامتهم في وسط الشارع، أو يتركون المياه تجري في الأسواق فتؤذي الناس، مع أن في ترك المياه مفسدة أخرى، وهي استنفاد الماء؛ لأن الماء مخزون في الأرض، قال الله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: ٢٢] ، والمخزون ينفد.

ولهذا نرى أن الذي يترك المياه ويسرف في صرفها ولا يبالي في ضياعها مسيء إلى كل الأمة؛ لأن الماء مشترك، فإذا أسأت في تصريفه وأنفقته ولم تبال به كنت مسرفاً، والله لا يحب المسرفين، وكنت مسيئاً لتهديد الأمة قي نقص مائها أو زواله، وهذا ضرر عام.

والحاصل أن الذين يلقون في الأسواق ومسار الناس ما يؤذيهم هم مسيئون، والذين يزيلون ذلك هم متصدقون.

((وتميط الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة)) ، وهذه ـ ولله الحمد ـ من أعم ما يكون. الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، طيبة بغاياتها.

أما الطيبة بذاتها فالذكر: لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذكر قراءة القرآن.

وأما الكلمة الطيبة في غايتها فهي الكلمة المباحة كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيباً بذاته لكنه طيب في غاياته، في إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله عز وجل، فالكلمة الطيبة صدقة وهذا من أعم ما يكون.

ثم قال ((وفي كل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة)) .

كل خطوة: خطوة ـ بالفتح ـ يعني خطوة واحد تخطوها إلى الصلاة ففيها صدقة. عد الخطى من بيتك إلى المسجد تجدها كثيرة ومع ذلك كل خطوة فهي صدقة لك، إذا خرجت من بيتك مسبغاً الوضوء، لا يخرجك من بيتك إلى المسجد إلا الصلاة، فإن كل خطوة صدقة، وكل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة. وهذا فضل عظيم.

أسبغ الوضوء في بيتك، واخرج إلى المسجد، لا يخرجك إلا الصلاة، وأبشر بثلاث فوائد:

الأولى: صدقة، والثانية: رفع درجة، والثالثة: حطّ خطيئة.

كل هذا من نعم الله عز وجل، والله الموفق.

* * *

٢/٢٤٩ ـ وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، أو يقول خيراً)) متفق عليه.

وفي رواية مسلم زيادة، قالت ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً

أو يقول خيراً)) فالإنسان إذا قصد الإصلاح بين الناس وقال للشخص: إن فلاناً يثني عليك ويمدحك ويدعو لك وما أشبه ذلك من الكلمات، فإن ذلك لا بأس به.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل المراد أن يكذب الإنسان كذباً صريحاً، أو أن المراد أن يوري، بمعنى أن يظهر للمخاطب غير الواقع، لكنه له وجه صحيح، كأن يعني بقوله مثلاً: فلان يثني عليك أي: على جنسك وأمثالك من المسلمين، فإن كل إنسان يثني على المسلمين من غير تخصيص.

أو يريد بقوله: إنه يدعو لك؛ أنه من عباد الله، والإنسان يدعو لكل عبد صالح في كل صلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم إذا قلتم ذلك)) ـ يعني قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ ((فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض)) .

وقال بعضهم: إن التورية تعد كذباً؛ لأنها خلاف الواقع، وإن كان المتكلم قد نوى بها معنى صحيحاً، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات في ذات الله)) وهو لم يكذب عليه الصلاة والسلام، لكنه ورّى.

وعلى كل حال فالإنسان المصلح ينبغي له أن يتحرز من الكذب، وإذا كان ولابد فليتأول؛ ليكون بذلك مورياً، والإنسان إذا كان مورياً فلا إثم عليه فيما بينه وبين الله، والتورية جائزة عند المصلحة.

أما اللفظ الثاني ففيه زيادة عن الإصلاح بين الناس، وهو الكذب في الحرب.

والكذب في الحرب هو أيضاً نوع من التورية مثل أن يقول للعدو: إن ورائي جنوداً عظيمة وما أشبه ذلك من الأشياء التي يرهب بها الأعداء.

وتنقسم التورية في الحرب إلى قسمين:

قسم في اللفظ، وقسم في الفعل. مثل ما فعل القعقاع بن عمرو رضي الله عنه في إحدى الغزوات؛ فإنه أراد أن يرهب العدو فصار يأتي بالجيش في الصباح، ثم يغادر المكان، ثم يأتي به في صباح يوم آخر وكأنه مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد

جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد فيرهب ويخاف، وهذا جائز للمصلحة.

أما المسألة الثالثة فهي أن يحدث الرجل زوجته وتحدث المرأة زوجها، وهذا أيضاً من باب التورية، مثل أن يقول لها: إنك من أحب الناس إليّ، وإني أرغب في مثلك، وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب الألفة والمحبة بينهما.

ولكن مع هذا لا ينبغي فيما بين الزوجين أن يكثر الإنسان من هذا الأمر؛ لأن المرأة إذا عثرت على شيء يخالف ما حدثها به، فإنه ربما تنعكس الحال وتكرهه أكثر مما كان يتوقع، وكذلك المرأة مع الرجل.

* * *

٣/٢٥٠ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟)) فقال أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب) ، متفق عليه.

معنى ((يستوضعه)) : يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ((ويسترفقه)) : يسأله الرفق. ((والمتألي)) : الحالف.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في بيان الصلح بين اثنين متنازعين فإذا رأى شخص رجلين يتنازعان في شيء وأصلح بينهما، فله أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فعل خيراً كثيراً، كما سبق الكلام فيه على قول الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع نزاع رجلين وقد علت أصواتهما، خرج إليهما صلى الله عليه وسلم لينظر ماذا عندهما، وفيه دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سراً بينهما؛ لأن هذين الرجلين قد أعلنا ذلك، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، أما لو كان الأمر بين اثنين على وجه السر والإخفاء؛ فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بينهما؛ لأن في ذلك إحراجاً لهما، فإن إخفاءهما للشيء يدل على أنهما لا يحبان أن يطلع عليه أحد من الناس، فإذا أقحمت نفسك في الدخول بينهما؛ أحرجتهما وضيقت عليهما، وربما تأخذهما العزة بالإثم فلا يصطلحان.

والمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكون أداة خير، وأن يحرص على الإصلاح بين الناس وإزالة العداوة والضغائن حتى ينال خيراً كثيراً، والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

السخاوي في تخريجها: هذا حديث صحيح أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» ومسلم في الدعوات من صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننيهما وأبو عوانة في «مستخرجه» ومداره عندهم على أبي معاوية، وهو محمد ابن خازم بمعجمتين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهي طرق كثيرة عن الأعمش في بعضها عنه قال: حدثت عن أبي صالح فأثبت بينهما واسطة، والأعمش مدلس، قال الترمذي: كأنه يعني بإثبات الواسطة أصح، وجعل ذلك عذراً له عن عدم تصحيحه بل اقتصر على تحسينه لشواهده. ويحتمل أن يكون توقف البخاري عن تخريجه لذلك، ولكن إنما صححه مسلم وكذا ابن حبان والحاكم من حديث الأعمش بلا واسطة لوقوعه في رواية مسلم وغيره بالتصريح الذي يؤمن معه من تدليسه كما بينت ذلك واضحاً فيما علقته من تكملة شرح الترمذي اهـ. كلام السخاوي، والحديث عظيم جليل جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب والفضائل والفوائد والأحكام، وفيه إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة منها حديث «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» .

٣٠ - باب الشفاعة

قال الرازي: هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع ضد الوتر كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار صاحب الشفع له شفعاً: أي صار زوجاً اهـ. وفي النهاية: هي السؤال في التجاوز عن الذنب والجرائم اهـ. وقيل: هي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه، وللغزالي في معنى الشفاعة وسببها كلام نفيس أودعته باب الأذان من شرح الأذكار فراجعه.

(قال الله تعالى) علوّ مكانة وعظمة لا علوّ مكان ( {من يشفع شفاعة حسنة} ) بأن يجلب بها لمسلم نفعاً أو دفع عنه سوءاً ابتغاء لوجه الله تعالى، ومن ذلك الدعاء للمؤمن بظهر الغيب، ومن ثم ورد عنه: «من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له. وقال الملك آمين ولك مثل ذلك» (يكن له نصيب منها) هو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير.

١٤٦١ - (وعن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعريّ رضي الله عنه قال: كان النبي) من مزيد عنايته بصحابته ودلالته على الخير لأمته (إذا أتاه طالب حاجة) دينية أو دنيوية (أقبل على جلسائه) جمع جليس كشريف وشرفاء (فقال: اشفعوا تؤجروا) أي إن تشفعوا تؤجروا: أي يحصل لكم الأجر بشفاعتكم سواء أقضيت الحاجة أم لا، فتؤجروا جواب الشرط المقدر، ففيه الحض على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة الضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول للرئيس والتمكن منه ليوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه، ويستثنى ما لا تجوز الشفاعة فيه وذلك الحدود التي (ويقضي الله على لسان نبيه ما أحبّ) أي ما أراد مما سبق في علمه الأزلي من وقوع الأمر وحصوله أو عدمه، فالمطلوب الشفاعة والثواب مرتب عليها سواء حصل المشفوع به بأن كان مقدراً في العلم الأزلي حصوله بها أم لا، بأن كان له فيه سبب آخر لم يحصل أو قام مانع من حصوله (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الزكاة وفي باب الأدب وباب التوحيد ومسلم في باب الأدب وفي باب السنة، ورواه أبو داود في الأدب أيضاً، ورواه الترمذي في العلم وقال: حسن صحيح، والنسائي في الزكاة، قال المزيّ: وكونه عند أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم، ومدار الحديث عند من ذكر على أبي الأسود الدؤلي عن أبي موسى اهـ. ملخصاً.

(وفي رواية) للبخاري رواها هكذا في كتاب الأدب من «صحيحه» (ما شاء) أي وهو اعتبار خصوص كونه جارياً على لسان نبيه ما أحبّ، فالاختلاف بين الروايتين مبنى لا معنى، وإن كان بالنسبة إلى غيره المراد والمشيء أعمّ من المحبوب والمرضي، فجميع ما في الكون من الكفر والعصيان بمشيئة مولاه وإرادته وليس ذلك بمحبته ورضاه، قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر: ٧) .

٢٤٧٢ - (وعن) عبد الله (ابن عباس رضي الله عنهما) من جملة حديثه (في قصة بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء وإسكان التحتية مولاة عائشة أم المؤمنين وحديثها مشتمل على فوائد عديدة أفردت بالتأليف (وزوجها) مغيث وهو كما في «التوشيح» للسيوطي بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية وبعدها مثلثة، ووقع عند العسكري بفتح المهملة وتشديد المثناة ثم الباء الموحدة اهـ. ومغيث عبد أسود، وما روي عن عائشة من أنه حرّ فمعارض أو محمول على ما بعد كما سيجيء في «الاستيعاب» . قال ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» : كان مولى لبعض بني مطيع. قلت: في البخاري عبداً لبني فلان، قال السيوطي: في الترمذي: عبداً لبني المغيرة: وفي المعرفة لابن منده مولى أبي أحمد ابن جحش اهـ. أعتقت تحته بريرة فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاختارت نفسها وكان مغيث حين عتقها واختيارها عبداً فيما يقول الحجازيون وقال الكوفيون كان يومئذٍ حراً والأول أصح اهـ (قال) أي ابن عباس (قال لها النبي لو راجعتيه) الرواية بإثبات الياء لإشباع الكسر قاله الهروي في «المرقاة» ويخالفه قول السيوطي في «التوضيح» بعد أن أورد لفظ رواية البخاري «لو راجعته» من غير ياء ثم قال: ولابن ماجه «لو راجعتيه» بزيادة الياء وهي لغة ضعيفة وزاد: «فإنه أبو ولدك» اهـ. ولو للتمني أو للشرط والجواب محذوف أي لكان أحسن أو لك فيه ثواب. وفيه معنى الأمر فلذا (قالت يا رسول الله تأمرني؟) بتقدير الهمزة قبله أي أتأمرني بمراجعته أي على سبيل الوجوب فيجب على (قال: إنما أشفع) أي آمرك استحباباً (قلت: لا حاجة) أي لا غرض ولا صلاح (لي فيه) أي في ارتجاعه وفيه إيماء إلى عذرها في عدم قبول شفاعته حيث قال: «وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً» وإنها فهمت من شفاعته في ذلك تخييرها وإطلاق الشفاعة على التخيير مجاز بجامع عدم إيجاب كليهما، وقد بسطت الكلام في ذلك في «شرح الأذكار» (رواه البخاري) وروى

الترمذي في النكاح نحوه وقال الترمذي حسن صحيح.

٣١ - باب الإصلاح بين الناس

إذا حصل بينهم خصام وشنآن لأن المؤمنين إخوان. والناس اسم جنس جمعي: قيل مأخوذ من الأنس ضد الوحشة ففيه قلب وقيل من نوس إذا تحرك، وعلى هذا فيدخل فيه الجن وتقدم بسطه مراراً (قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} ) أي الناس أي ما يتناجون به ويتحدثون به ( {إلا} ) نجوى ( {من أمر بصدقة أو معروف} ) عمل برّ ( {أو إصلاح بين الناس} ) فالاستثناء متصل ويجوز أن يكون منقطعاً لكن نجوى من كان كذلك خير. قال الواحدي في تفسيره «الوسيط» : هذا مما حث عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لأبي أيوب الأنصاري: «ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ قال: نعم يا رسولالله، قال: تصلح بين الناس إذا فسدوا وتقرّب بينهم إذا تباعدوا» وروت أم حبيبة أن النبي قال: «كلام ابن آدم عليه الإله، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر تعالى» وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث قال سفيان: ألم تسمع الله يقول: {لا خير في كثير من نجواهم} فهو هذا بعينه اهـ.

(وقال تعالى: {والصلح خير} ) من الفرقة والنشوز والإعراض: أي لما فيه من الالتئام المطلوب من الزوجين.

(وقال تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} ) أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع.

(وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} ) أي في الدين ( {فأصلحوا بين أخويكم} ) إذا تنازعا وقرىء إخوانكم بالفوقية.

٢٤٨١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: كل) بالرفع مبتدأ خبره «عليه صدقة» (سلامى) بضم السين وتخفيف اليم: هو العضو وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء اهـ. وفي النهاية: السلامى جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل جمعه ومفرده واحد ويجمع على سلاميات اهـ. وقول الأذكار يميل إلى غير آخر بقيل وفي المشارق للقاضي عياض: أصل السلامى عظام الأصابع والأكارع. وفي النهاية: هي التي بين مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل كل عظم مجوّف من صغار العظام. المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، وقيل إن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف السلامي والعين اهـ. وظاهر أن المراد من السلامى هنا ما هو أعم من العضو، وهو كما في «القاموس» : كل لحم وافر بعظم وغيره، فقولي في «الأذكار» أو هو العضو إما باعتبار معناه لغة على بعض الأقوال، وإما أنه تجوز به عن مطلق الجزء. قال في «شرح مسلم» : أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن ومفاصله اهـ. قال العراقي في «شرح التقريب» : وهو المراد في الحديث. قلت: وأيده المصنف بخبر مسلم: «خلق الإنسان على ستين وثلثمائة مفصل» وقوله: (من الناس) في محل الصفة لسلامى (عليه) أي على ذلك الجنس ونظيره حديث: «خير نساء ركبن الإبل وأحناه على زوج نساء قريش» قال السهيلي في «الروض» : الضمير فيه عائد على الجنس أو الضمير عائد على السلامى، وذكره باعتبار أنه عضو أو مفصل عليه (صدقة كل يوم) بالنصب على الظرفية الزمانية، وأجاز الحافظ في «الفتح» رفعه مبتدأ أولاً، وتعدل مبتدأ ثانياً وصدقة خبر الثاني والجملة خبر مبتدأ الأول والرابط مقدر: أي كل يوم تطلع فيه الشمس العدل فيه صدقة (تطلع) بضم اللام كما مر (فيه الشمس) جملة صفة يوم وهو صفة توضيحية فيها بيان تجديد هذه الصدقات على الإنسان صبيحة كل يوم في مقابلة ما أنعم الله تعالى به عليه في خلق تلك السلاميات من باهر

النعم ودوامها التي هي نعمة أخرى؛ ومما يزيد العبد تيقظاً لنعمة الدوام عليه أنه تعالى قادر على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل آن، وهو في ذلك عادل في حكمه، فعفوه عن ذلك إدامة نعمة العافية عليه صدقة توجب الشكر بدوامها فيتعين على العبد الشكر لهذه النعم بالصدقة بما يأتي في الحديث وغيره مقابلة لتلك النعم بقدر الطاقة مع ما ورد من أن الصدقة تدفع البلاء فبوجودها عن أعضائه يرجى اندفاع البلاء عنها، وظاهر قوله: «عليه صدقة كل يوم» وجوب الشكر بهذه الصدقة كل يوم،

لكن في حديث «الصحيحين» : «فإن لم يفعل فليمسك عن الشر فإنه له صدقة» وهو يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئاً من الشرّ ويلزم من ذلك القيام بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات، وهذا هو الشكر الواجب، وهو كاف في شكر هذه النعم وغيرها. أما الشكر المستحبّ فهو أن يزيد على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالأذكار والمتعدية كالإعانة والعدل، وهذا هو المراد من هذا الحديث وأمثاله مع أن فيه ذكر بعض الطاعات (يعدل) أي يصلح وهو بتقدير «أن» قبله في تأويل مصدر مبتدأ خبره صدقة أو أوقع الفعل فيه موقع المصدر: أي مع قطع النظر عن «أن» ، وهذا الإعراب جار في قوله وتعين وما بعده كما سبق في باب بيان كثرة طرق الخير أي عدله (بين الاثنين) المتهاجرين أو المتخاصمين أو المتحاكمين بأن يحملهما لكونه حاكماً أو محكماً أو مصلحاً بالعدل والإنصاف والإحسان بالقول أو الفعل على الصلح الجائز، وأشار إلى أنه الذي لا يحلّ حراماً ولا يحرم حلالاً (صدقة) عليها لوقايتهما مما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال، ومن ثم عظم فضل الصلح كما أشير إليه بقوله تعالى:

{أو إصلاح بين الناس} وقوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} (النساء: ١٣٥) أي العدل {شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فا أولى بهما} (النساء: ١٣٥) وجاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة بين المؤمنين (ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها) نفسه أو غيره بإمساكها لذلك (أو يضع) وأورده المصنف في «الأربعين» «أو يرفع» (له عليها متاعه) وهو كل ما ينتفع به من عرض الدنيا قليلاً كان أو كثيراً (والكلمة الطيبة) وهي كل ذكر أو دعاء للنفس أو للغير، وسلام عليه وردّ وثناء بحق ونحو ذلك مما فيه سرور واجتماع القلوب وتآلفها. وكذا سائر ما فيه معاملة الناس بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ومنه قوله: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» وقد سبق مع حديث أبي هريرة هذا في باب بيان طرق الخير (صدقة وبكل خطوة) وهو بفتح الخاء المعجمة للمرة الواحدة وضمها لما بين القدمين (يمشيها إلى الصلاة) وكذا إلى سائر الطاعات كطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الإخوان (صدقة وتميط) بضم أوله: أي تزيل (الأذى) هو ما يؤذي المارّة من حجر أو شوك أو نحوهما (عن الطريق) مذكر ومؤنث (صدقة) وأخرت هذه لأنها دون ما قبلها كما يشير إليه خير

«الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلاالله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (متفق عليه) وتقدم زيادة عليها من مخرجيه في الباب المشار إليه. (ومعنى يعدل بينهما) كنى عن الاثنين المذكورين في الخبر بضميره (يصلح بينهما بالعدل) .

٢٤٩٢ - (وعن أم كلثوم) بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة آخره ميم (بنت عقبة) بضم المهملة وسكون القاف بعدها موحدة فهاء (ابن أبي معيط) بضم الميم وفتح المهملة الأولى بعدها تحتية ساكنة واسمه، أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت (رضي الله عنها) بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ثم هاجرت وبايعت فهي من المهاجرات المبايعات. قيل وهي أول من هاجر من النساء كانت هجرتها في سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين من قريش، وكانوا صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يردّ إليهم من جاء مؤمناً وفيها نزلت: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} (الممتحنة: ١٠) الآية. وذلك أنها لما هاجرت لحقها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل، وقال: نأبى ذلك. قال عمر بن عبد العزيز: يقولون إنها مشت على قدمها من مكة إلى المدينة، فلما قدمت المدينة تزوّجها زيد بن حارثة، فقتل عنها يوم مؤتة فتزوّجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوّجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً ومحمداً وإسماعيل، ومات عنها فتزوّجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه. وروى عنها ابنها حميد بن عبد الرحمن وغيره، روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة أحاديث فيما ذكر ابن حزم آخر سيرته وابن الجوزي في «مختصر التلقيح» إلا أنهما قالا في ترجمة من روي له عشرة أحاديث: أم كلثوم ولم ينسبوها، ثم رأيت ابن مالك قال في «شرح المشارق» : إنها روى لها كذلك، ولها في «الصحيحين» هذا الحديث الواحد اهـ. (قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

يقول: ليس الكذاب) أي إثم الكذب من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللام أو معناه: ليس بكثير

الكذب (الذي يصلح بين الناس) أي يكذب للإصلاح بين المتباغضين لأن هذا الكذب يؤدي إلى الخير وهو قليل أيضاً (فينمي خيراً) بفتح التحتية أي يبلغ خبراً فيه خير يقال نمى الحديث: إذا بلغه على وجه الإصلاح، ونماه بالتشديد: إذا بلغه على وجه الإفساد (أو) شك من الراوي أي شك هل قال: «فينمي خيراً» أو قال (يقول خيراً متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الصلح ومسلم في الأدب، وكذا رواه فيه أبو داود والترمذي في البرّ وقال: حسن صحيح، والنسائي في السير.

(وفي رواية مسلم) لهذا الحديث أي في بعض طرقه زيادة على الرواية المتفق عليها، فالرواية المذكورة آنفاً فيه أيضاً من طريق معمر قال فيه إلى قوله: «وينمي خيراً» ولم يذكر ما بعده، أي من الزيادة وتلك الزيادة هي قوله: (قالت) أي أم كلثوم كذا في طريق عند مسلم وفي طريق أخرى عنده قال ابن شهاب الزهري: «ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث» الحديث فجعل مسلم في تلك الطريق هذه الزيادة من قول الزهري. وفي الطريق التي أشار إليها المصنف قول أم كلثوم فقال: قالت (ولم أسمعه) أي النبيّ (يرخص) بتشديد الخاء المعجمة وبعدها مهملة، من الترخيص، ضد الحظر (في شيء مما يقول الناس) أي إنه كذب كما هو كذلك في قول الزهري، وحذف قولها كذب هو كذا عند مسلم (إلا في ثلاث) أي من الخصال (تعني) أي أم كلثوم بتلك الثلاث (الحرب) كأن يقول لأعداء الدين: مات كبيركم أولنا جيش كبير يأتينا، أو نحو ذلك مما فيه مصلحة عامة للمسلمين، فيجوز ارتكاب الكذب لعظم النفع (والإصلاح بين الناس) بأن يقول لزيد مثلاً: رأيت عمرو: يعني عدوه، يحبك ويثني عليك خيراً مما لم يكن ليصلح بينهما ويذهب الشنآن (وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) كأن يقول أحدهما للآخر لا أحد

أحبّ إليّ منك، فهذا الكذب جائز لعظم المصلحة المترتب عليه على محظور الإخبار بخلاف الواقع. وكذا يجوز الكذب لتخليص محترم، بل يجب على من سئل عن محترم قصد سائله عن إهلاكه أن يخفيه ولو باليمين، وليس في الحديث ما يدل على الحصر. وقال قوم: لا يجوز ذلك إلا بطريق التورية، وهي أن يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره كأن يقول فعل فلان كذا وينوي إن قدر، ويقول في الحرب: مات كبيركم ويريد بعض المتقدمين منهم. قال الدماميني في «حاشية البخاري» : وليس في الحديث ما يقتضي جواز الكذب، فإنه قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس» وسلب الكذب عن المصلح لا يستلزم كون ما يقوله كذباً لجواز أن يكون صدقاً بطريق

التصريح أو التعريض اهـ.

٢٥٠٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب) أفرد صوت المضاف مع تعدده في نفس الأمر لتعدد المضاف إليه لكونه لمح فيه كونه مصدراً في الأصل. قال في «الصحاح» : قد صات الشيء يصوت صوتاً اهـ. فيكون هذا نظير إفراد السمع في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} (البقرة: ٧) على أحد الوجوه في الآية أو لاختلاط أصواتهم وعدم تمايزهم فصارت كالصوت الواحد لإدراك حاسة السمع لها رفعة (عالية) بالجرّ على أنه صفة خصوم، وبالنصب على أنه حال من أصواتها كذا في نسخة مكتوب على ضمير التثنية رمز صحّ. وفي رواية البخاري «أصواتهم بصيغة الجمع» . قال في «فتح الباري» : كأنه جمع باعتبار من حضر وثنى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من الجانبين بين جماعتين فجمع باعتبار ذلك وثنى باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جوّز إرادة صيغة الجمع بالاثنين، كما زعم الشراح. قلت: يعني به الكرماني (وإذا أحدهما يستوضع الآخر) أي يطلب منه الوضيعة: أي الحطيطة من الدين (ويسترفقه) أي يطلب منه الرفق (في شيء) قال الحافظ في «فتح الباري» : وقع في رواية ابن حبان بيان ذلك الشيء قال فيأول الحديث «دخلت امرأة على النبي فقالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً فأحصيناه لا والذي أكرمك بالحق ما أحصيناه منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نستطعمه مسكيناً وجئنا نستوضعه ما نقصنا» الحديث. قال الحافظ: ولم أقف على اسم أحد من المتبايعين وهي غير قصة كعب بن

مالك وعبد الله بن حدرد التي في البخاري عقب هذا الحديث كما بينه في «فتح الباري» (وهو) أي الثاني (يقول وا لا أفعل) أي لا أضع شيئاً وفي رواية ابن حبان «فقال: آلى أن لا يضع خيراً ثلاث مرات» (فخرج رسول الله) ليصلح بينهما (فقال: أين المتألي) بضم الميم وفتح الفوقية والهمزة وتشديد اللام أي الحالف المبالغ في

اليمين (على الله أن لا يفعل المعروف) من الوضع والرفق بأخيه (فقال: أنا يا رسول الله فله) أي ذلك المذكور من الوضع والرفق (أي ذلك أحبّ) وفي رواية لابن حبان: «إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال فوضع ما نقصوا» قال في «فتح الباري» : وهذا يشعر بأن المراد بالوضع الحط، وبالرفع الاقتصار عليه وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال. وفي أواخر الصلح من الفتح بعد أن ساق عن ابن حبان بيان ما سألوا فيه الرفق من أنهم أخذوا بخلاص صاحبه ثم سألوا منه ذلك بها قال الحافظ: فالمراد أنهم يستوضعونه بترك الزيادة على رأس المال والاسترقاق بترك طلب الربح (متفق عليه) فأخرجه البخاري في كتاب الصلح عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه وهو أبو بكر عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن عمرة عن عائشة، ورواه مسلم في الشركة من البيوع: ثنا غيرواحد من أصحابنا قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي أويس اهـ. ذكره الحافظ المزيّ في «الأطراف» . قال الحافظ ابن حجر في «نكته» عليها: قال أبو نعيم في «المستخرج» : يقال إن مسلماً حمل هذا الحديث عن البخاري اهـ. وكلام أبي نعيم يقتضي أنه حدث به أيضاً غيره، وقد رويناه في الأول من أعالي المحاملي رواية الإصبهانيين عنه قال ثنا إسماعيل فذكره اهـ. وفي «فتح الباري» في باب أواخر الصلح بعد أن ذكر أنه أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس: محمد بن يحيى الذهلي وذكر ما في المحامليات قال: فيحتمل أن يفسر من أبهمه مسلم بهؤلاء وبعضهم اهـ. ثم في الحديث الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع والزجر على الحلف على ترك الخير، وفيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللفظ ورفع الصوت عند الحاكم (معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه، ويسترفقه: يسأله الرفق) بكسر الراء ضد العنف وذلك بأن لا يزيد عليه ما نقص

عليه (والمتألي: الحالف) تقدم في كلام الحافظ أنه

الحالف المبالغ في اليمين وهو الذي تقتضيه الصيغة.

٢٥١٤ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة آخره مهملة (سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن بني عمرو بن عوف) أي ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس فيه عدة أحياء كانت منازلهم بقباء (كان بينهم شرّ) السبب فيه كما في «الفتح» ما في رواية «وقع بين حيين من الأنصار كلام» وعند البخاري في كتاب الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقالوا: اذهب بنا نصلح بينهم» (فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلح بينهم في أناس) هذا هو الأصل كما تقدم وتعوض الهمزة أل (من أصحابه) وفي نسخة «معه» بدلاً من أصحابه سمي الطبراني منهم من طريق موسى بن محمد عن أبي حازم، أُبيّ بن كعب وسهيل بن بيضاء. وللبخاري في الأحكام أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر (فحبس) بضم المهملة الأولى وكسر الموحدة، أي قام (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلح بينهم وحانت الصلاة) أي دخل حين الصلاة: وهي صلاة العصر كما صرح به البخاري في روايته في الأحكام، ولفظه «فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم» (فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حبس وحانت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت) عند أحمد وأبي داود وابن حبان أن ذلك كان بأمر النبي ولفظه: «فقال لبلال: إن حضرت

الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فلصلّ بالناس، فلما حضرت» الحديث، ونحوه للطبراني، ولا يخالف هذا قوله لأبي بكر «هل لك أن تؤم الناس» لأنه يحمل على أنه استفهمه هل تبادر أول الوقت أو تنتظر مجيء النبي، ورجح عند أبي بكر

المبادرة لأنها فضيلة محققة فلا تترك لفضيلة متوهمة (فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر) وفي رواية للبخاري «فاستفتح أبو بكر الصلاة» . قال في «فتح الباري» : وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمرّ إماماً، وحيث استمرّ في مرض موته حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به موسى بن عقبة في «المغازي» ، وكأنه لما مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي خلفه الركعة الثانية من الصبح فإنه استمر

إماماً لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم (وكبر الناس وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي في الصفوف) زاد البخاري في رواية: يشقها شقاً (حتى قام في الصف) أي الأول كما في رواية له أيضاً، ولمسلم «فخرق الصفوف حتى قام عند الصفّ المقدم» (فأخذ الناس في التصفيق) قيل إنه مرادف للتصفيح، وقيل لا وهو الراجح (وكان أبو بكر رضي الله عنه) لعلمه بالنهي عن الالتفات في الصلاة وأنه خلسة من الشيطان يختلسها من صلاة العبد كما جاء ذلك في الخبر المرفوع (لا يلتفت في صلاته فلما أكثر الناس) أي من التصفيق كما في رواية للبخاري وفي رواية أخرى «فلما رأى التصفيق لا يمسك عنه» (التفت فإذا رسول الله) أي حاضر فالخبر محذوف (فأشار إليه رسول الله) أي بالمكث في مقامه، وفي رواية للبخاري في كتاب الإمامة «فأشار إليه أن امكث مكانك» . قال الحافظ في «الفتح» : وفي رواية عمر بن علي: فدفع في صدره ليتقدم فأبى (فرفع أبو بكر يده) في البخاري من باب الإمامة يديه بالتثنية (فحمد الله) ظاهره أنه تلفظ بالحمد لكن في رواية الحميدي عن سفيان «فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكراً ورجع القهقرى» وأدعى ابن الجوزي أنه أشار بالحمد والشكر بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون تلفظ، ويقوّي ذلك ما عند الإمام أحمد عن أبي حازم «يا أبا بكر لم رفعت يديك وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يديّ لأني حمدت الله على ما رأيت منك»

(ورجع القهقرى) أي يمشي إلى خلفه، فقوله: (وراءه) بالنصب على الحال تأكيد، وفعل ذلك لئلا يستدير القبلة فتبطل صلاته، وهو محمول على أنه لم تتوال منه حركات مبطلة (حتى قام) أي تأخر إلى موقف المأموم فقام (في الصفّ) ولم يقف منفرداً عنه لكراهته المفوتة لفضل الجماعة (فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى) إماماً (للناس، فلما فرغ اقبل بوجهه على الناس فقال: يا أيها الناس ما لكم؟) جملة مركبة من مبتدأ وخبر أي أيّ شيء

لكم؟ (حين نابكم) أي أصابكم (شيء في الصلاة) هو في تلك القصة تنبيه الصديق على مجيء النبي (ذتم) أي شرعتم (في التصفيق) جملة حالية بتقدير قد وحين ظرف. والمعنى: أي شيء بكم وقد صفقتم حين أصابكم شيء في الصلاة (إنما التصفيق للنساء) وفي رواية البخاري إنما التصفيح للنساء» زاد الحميدي «والتسبيح للرجال» وقد روى البخاري هذه الجملة الأخيرة مقتصراً عليها

في حديث آخر، وفي البخاري «قال سهل أي ابن سعد الساعدي هل تدرون ما التصفيح؟ هوالتصفيق» قال في «الفتح» : وهذا حجة من قال إنهما بمعنى، وبه صرح الخطابي وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم، وادعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه القاضي عياض في «الإكمال» أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى. وقيل بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه وبالقاف بجميعها للهو أو اللعب اهـ. (من نابه) أي أصابه (شيء في صلاته فليقل: سبحان ا) لينبه على أنه في الصلاة ويقصد به الذكر وحده أو مع إعلام (فإنه) أي المصلي (لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت) بالبناء للفاعل (يا أبا بكر ما منعك) من (أن تصلي) إماماً (للناس حين أشرت إليك) أي بملازمة ما شرعت فيه من إمامتك بالقوم، وكانت الإشارة منه قبل أن يحرم بالصلاة كما في باب الإشارة في الصلاة من «فتح الباري» (فقال أبو بكر: ما كان) زائدة (ينبغي) أي لا يصح (لابن أبي قحافة) كنية أبيه واسمه عثمان رضي الله عنهما (أن يصلي) إماماً (بين يدي

رسول الله) أي ليس هذا من باب الأدب المأمور به العباد معه فما فعله من سلوك الأدب وتقديمه على الأمر الذي على سبيل الإيجاب والتحتم، وسيأتي في ترجمة ابن عوف في باب فضل البكاء بيان أنه صلى في مرض موته وراء أبي بكر أيضاً، واستمر أبو بكر إلى أن أتم الصلاة إماماً بالقوم كما تقدم قريباً. قال في «فتح الباري» : وفي الحديث من الفوائد:

الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رغبته لذلك، وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر، وفيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة. واستدل به جمع من الشراح ومن الفقهاء كالروياني على أن أبا بكر عند الصحابة كان أفضلهم لكونه اختاره دون غيره، وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكرالله، ولو كان مراد المسبح إعلام الغير بما صدر منه: أي من قصد الذكر بذلك وإلا أبطل الصلاة عند الشافعية. وفيه جواز الالتفات للحاجة. وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة، وأنها تقوم مقام النطق لمعاتبة النبي على مخالفته إشارته، وفيه الحمد والشكر على الوجاهة في الدين، وأن من أكرم بكرامة تخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأن القرينة التي بينت لأبي بكر ذلك كونه شق الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فهم من ذلك أن قصده أن يؤمّ الناس وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتواضع ورجح ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حالة الصلاة لتغير حكم من أحكامها، وكأنه لأجل هذا لم يتعقب اعتذاره برد عليه. وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك، وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر لفظ الغيبة مكان الحضور، وإلا فكان الكلام أن يقول أبو بكر ما كان لي فعدل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة لأنه أول على التواضع من الأول. وفيه غير ذلك اهـ. ملخصاً (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام وأبو داود والنسائي في الصلاة اهـ. ملخصاً من «الأطراف» للمزي (معنى حبس) في «وحبس رسول الله» وهو مبني للمفعول (أمسكوه ليضيفوه) بضم التحتية وكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، ففيه إضافة الرئيس إذا أوفد على

القوم، وفيه مزيد تواضعه وجلوسه جبراً لخواطرهم لحضور ضيافتهم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفيه: إشارة إلى أنَّ الجزاء من جنس العمل.

وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر من علم، أو مال أو نصح أو دلالة على خير، وفضل التيسير على المعسر.

وفيه: فضل إعانة المسلم بما يقدر عليه؟

وفيه: فضل العلم الديني، وأنه سبب لدخول الجنة.

وفيه: فضل الاجتماع على مدارسة القرآن خصوصًا في المساجد.

[٣٠- باب الشفاعة]

قَالَ الله تَعَالَى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} ... [النساء (٨٥) ] .

الشفاعة الجائزة: هي السؤال بقضاء حاجة أو عفو عن زلة.

[٢٤٦] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أتاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أحبَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية: «مَا شَاءَ» .

في هذا الحديث: الحضُّ على الخير، والتسبُّب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على تبيين حاله للرئيس.

وفيه: أنَّ الثواب حاصلٌ بالشفاعة، سواء حصل المشفوع به أم لا، وأنَّه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لم منع.

[٢٤٧] وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ برِيرَةَ وَزَوْجِهَا، قَالَ: قَالَ لَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأمُرُنِي؟ قَالَ: «إنَّمَا أَشْفَع» . قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، وأنَّ الأَمَة إذا أُعتقت تحت عبد فلها الخيار، وأنَّ المرء إذا خُيِّر بين مباحين، فاختار ما ينفعه لم يُلَمْ، ولو أضرَّ ذلك برفيقه.

٣١- باب الإصلاح بَيْنَ الناس

قَالَ الله تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء (١١٤) ] .

المعروف: كل ما يستحسنه الشرع. وخصَّ الإصلاح لشرفه.

قال الواحدي: هذا مما حثَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لأبي أيُّوب الأنصاري: «ألا أَدُلُّك على صدقة هي خير لك من حمر النعم» . قال: نعم يَا رسول الله. قال: «تصلح بين الناس إذا فسدوا، وتقرَّب بينهم إذا تباعدوا» .

وَقالَ تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء (١٢٨) ] .

أي: من الفرقة. وهذه الآية نزلت في الصلح بين المرأة وزوجها، وهي عامة في كل شيء فيه خصومة ونزاع.

وَقالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال (١) ] .

هذه الآية نزلت حين اختلف الصحابة في غنائم بدر. وهي عامة في كل ما يقع فيه النزاع والاختلاف الذي يورث الشحناء؛ لأنَّ فساد ذات البين مضرة بالدين والدنيا.

وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ... [الحجرات (١٠) ] .

هذه الآية نزلت حين اقتتل بعضُ الصحابة بالسعف والنعال، ثم أخذوا السلاح، فأصلح بينهم النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهي عامة في كل نزاع يقع بين المسلمين.

[٢٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ، وَتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

ومعنى «تَعدِلُ بينهما» : تُصْلِحُ بينهما بالعدل.

السُّلامى: عظام البدن ومفاصله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الإنسان على ستين وثلاثمئة مفصل» .

وفي الحديث: تجديد هذه الصدقات كل يوم شكرًا لله تعالى على ما أنعم به من العافية.

وفي الحديث الآخر: «إنَّ الصدقة تدفع البلاء» .

[٢٤٩] وعن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط رضي الله عنها، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيراً، أَوْ يقُولُ خَيْراً» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية مسلم زيادة، قَالَتْ: وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرْخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إلا في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ المَرْأةِ زَوْجَهَا.

في هذا الحديث: دليل على جواز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس في ذلك، وجواز الكذب على المرأة بما لا يبطل حقها، كأن يقول: أنت كذا وكذا، وأنا أحبك، ونحو ذلك. والتورية أحسن، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها.

[٢٥٠] وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَوْتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَاليةً أصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَر وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: والله لا أفْعَلُ، فَخَرجَ عَلَيْهِمَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟» ، فَقَالَ: أَنَا يَا رسولَ اللهِ، فَلَهُ أيُّ ذلِكَ أحَبَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

معنى «يَسْتَوضِعُهُ» : يَسْأَلهُ أنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعضَ دَيْنِهِ. «وَيَسْتَرفِقُهُ» : يَسأَلُهُ الرِّفْقَ. «وَالمُتَأَلِّي» : الحَالِفُ.

قوله: (فلهُ، أي: ذلك أحب) .

وفي رواية لابن حبان: «إن شئت وضعت ما نقصوا، وإنْ شئت من رأس المال» . فوضع ما نقصوا.

وفي أول الحديث دخلت امرأة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني ابتعتُ أنا وابني من فلان تمرًا فأحصيناه. (والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا، أو نطعمه مسكينًا، وجئنا نستوضعُه ما نقصنا ... ) الحديث.

قال الحافظ: وهي غير قصة كعب بن مالك وخصمه عبد الله بن أبي حدرد.

وفي الحديث: الحض على الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع، والزجر عن الحلف على ترك الخير.

وفيه: الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللفظ ورفع الصوت.

[٢٥١] وعن أَبي العباس سهل بن سَعد الساعِدِيّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بَلَغَهُ أنَّ بَني عَمرو بن عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصْلِحُ بَينَهُمْ في أُنَاس مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَحَانَتِ الصَّلاة، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبي بكر رضي الله عنهما، فَقَالَ: يَا أَبا بَكْر، إنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَدْ حُبِسَ وَحَانَتِ الصَّلاةُ فَهَلْ لَكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاس؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ شِئْتَ، فَأقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمشي في الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ، وَكَانَ أَبُو بكرٍ - رضي الله عنه - لا يَلْتَفِتُ في صَّلاتِه، فَلَمَّا أكْثَرَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ الْتَفَتَ، فإِذَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَشَارَ إِلَيْه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَرَفَعَ أَبُو بَكْر - رضي الله عنه - يَدَهُ فَحَمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءهُ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَصَلَّى للنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أيُّهَا

النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أخَذْتُمْ في التَّصفيق؟! إِنَّمَا التَّصفيق للنِّساء. مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحدٌ حِينَ يقُولُ: سُبْحَانَ الله، إلا الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْر: مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّي بالنَّاسِ حِينَ أشَرْتُ إلَيْكَ؟» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغي لابْنِ أَبي قُحَافَةَ أنْ يُصَلِّي بالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

معنى «حُبِسَ» : أمْسَكُوهُ لِيُضَيِّفُوهُ.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٣٠ ـ باب الشفاعة]

قال الله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .

١/٢٤٦ ـ وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)) متفق عليه.

وفي رواية: ((ما شاء)) .

٢/ ٢٤٧ ـ وعن بن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو راجعتِهِ؟)) قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: ((إنما أشفع)) قالت: لا حاجة لي فيه)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الشفاعة.

والشفاعة: هي التوسط للغير؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة.

مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور

ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن

مظلمته، حتى يندفع عنه الضرر.

ومثال ذلك في أيام الآخرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف ليُقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة.

ومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.

والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا؛ وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له بجب المنفعة له أو دفع المضرة عنه.

والشفاعة أقسام:

القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام، فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام؛ أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي عليه الصلاة والسلام إنكاراً عظيماً.

وذلك حينما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تقطع يد المرأة المخزومية، امرأة من بني مخزوم من أشراف قبائل العرب، كانت تستعير الشيء ثم تجحده، أي تستعيره لتنتفع به ثم تنكر بعد ذلك أنها استعارت شيئاً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها؛ فاهتمت لذلك قريش، قالوا: امرأة من بني مخزوم وتقطع يدها؟ هذا عار كبير، من يشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن أقرب الناس لذلك أسامة بن زيد بن الحارثة.

وأسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن زيد بن حارثة عبدٌ أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة، ثم أعتقه وكان يحبه عليه الصلاة والسلام، ويحب ابنه أسامة، فذهب أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أتشفع في حد من حدود الله؟))

قال ذلك إنكاراً عليه، ثم قام فخطب الناس وقال: ((أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله ـ يعني أقسم بالله ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) .

وهذه المرأة المخزومية دون فاطمة شرفاً ونسباً، ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) لسدّ باب الشفاعة والوساطة في الحدود إذا بلغت الإمام.

وقال عليه الصلاة والسلام: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادِّ الله في أمره)) .

وقال صلى اله عليه وسلم: ((إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلعن الله الشافع والمشفع)) .

ولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد، فجاء

رجل فسرقه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يد السارق ـ انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده ـ فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به)) .

يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به، لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة.

القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ على أخيه، أعرف مثلاً أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.

والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .

ومن ذلك أيضاً أن يأتي رجل لشخص فيقول: يا فلان؛ أنا أريد أن أشتري دخاناً من فلان وقد سُمْتُه بكذا وكذا، وأبى عليّ إلا بكذا وكذا أكثر مما سمتُه به، فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه عليّ بهذا السعر الرخيص،

فهنا لا تجوز الشفاعة؛ لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان.

القسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح فهذه لا بأس بها، ويكون للإنسان فيها أجر، مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتاً ويقول له هذا الثمن قليل، فيذهب السائم إلى شخص ثالث، ويقول: يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه عليّ، فيذهب ويشفع له، فهذا جائز؛ بل هو مأجور على ذلك، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه صاحب حاجة يلتفت إلى أصحابه ويقول: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) أو ((ما أحب)) . فهنا يأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة.

ومثل ذلك أيضاً لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل وانتهك حرمتك، فهنا لا حرج أن تقول مثلاً لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القوي ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود.

فالحاصل أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .

[٣١ ـ باب الإصلاح بين الناس]

قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) [النساء: ١١٤] ، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: الآية١] ، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠]

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الإصلاح بين الناس.

الإصلاح بين الناس: هو أن يكون بين شخصين معاداة وبغضاء، فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما، ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء، وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض؛ فإن الصلح بينهما أوكد، يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه، وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم؛ كان الصلح بين المتابغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد.

واعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة، قال الله عزَّ وجلَّ (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي إلا نجوى من أمر بصدقة.

والنجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، فأكثر المناجاة بين

الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف.

والمعروف: كل ما أمر به الشرع، يعني: أمر بخير.

أو إصلاح بين الناس: بين الرجل وصاحبه مفسدة، فيأتي شخص موفّق فيصلح بينهما، ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء.

ثم قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] ، فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذا خير حاصل لا شك فيه، أما الثواب فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .

فأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة، فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئاً من مالك فإنه مخلوف عليك.

ثم اعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص: إن فلاناً لم يتكلم فيك بشيء، إن فلاناً يحب أهل الخير وما أشبه ذلك، أو تقول: فلان يحبك إن كنت من أهل الخير، وتضمر في نفسك جملة ((إن كنت من أهل الخير)) لأجل أن تخرج من الكذب.

وقال الله عز وجل: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، هذه جملة عامة ((الصلح خير)) في جميع الأمور.

ثم قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) [النساء: ١٢٨] ، إشارة إلى أن

الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه، وأن لا يتبع نفسه؛ لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة، ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً، وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً؛ فإن الصلح يتعذر؛ لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملاً وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملاً؛ لم يكن إصلاحاً.

لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شحّ نفسه؛ فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح، وهذا هو الفائدة من قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بعد قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ، وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] ، فأمر الله عز وجل بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين.

والحاصل أن الإصلاح كله خير، فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين؛ أن تصلح بينهما؛ لتنال الخير الكثير، وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] .

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين.

* * *

١/٢٤٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقه، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى

عن الطريق صدقة)) متفق عليه.

ومعنى ((تعدل بينهما)) : تصلح بينهما بالعدلِ.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا ما ذكره المؤلف من الآية الكريمة الدالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)) ، والسُلامى هي العظام والمفاصل؛ يعني كل يوم تطلع الشمس؛ فعلى كل مفصل من مفاصلك صدقة.

قال العلماء من أهل الفقه والحديث: وعدد السلامى في كل إنسان ثلاثمائة وستون عضواً أو مفصلاً، فعلى كل واحد من الناس أن يتصدق كل يوم تطلع فيه الشمس بثلاثمائة وستين صدقة، ولكن الصدقة لا تختص بالمال؛ بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل.

ثم بيّن صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة فقال: ((تعدل بين اثنين صدقة)) يعني رجلان يتخاصمان إليك فتعدل بينهما؛ تحكم بينهما بالعدل، وكل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور.

وعلى هذا فنقول: هذه القوانين التي يحكم بها بعض الناس وهي مخالفة لشريعة الله ليست عدلاً؛ بل هي جور وظلم وباطل، ومن حكم بها

معتقداً أنها مثل حكم الله أو أحسن منه؛ فإنه كافر مرتد عن دين الله؛ لأنه كذب قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠] ، يعني لا أحد أحسن من الله حكماً، لكن لا يفهم هذا إلا من يوقن، أما الذي أعمى الله بصيرته، فإنه لا يدري بل قد يزين له سوء عمله فيراه حسناً والعياذ بالله.

ومن العدل بين اثنين: العدل بينهما بالصلح، لأن الحاكم بين الاثنين سواء أكان منصوباً من قبل ولي الآمر، أو غير منصوب قد لا يتبين له وجه الصواب مع أحد الطرفين، فإذا لم يتبين له، فلا سبيل له إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع.

وقد سبق لنا أنه لا صلح مع المشاحة، يعني أن الإنسان إذا أراد أن يعامل أخاه بالمشاحة، فإنه لا يمكن الصلح، كما قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: ١٢٨] يشير إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشحّ، وأن لا يطالب بكامل حقه؛ لأنه إن طالب بكامل حقه، طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح؛ بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه.

فإذا لم يكن الحكم بين الناس بالحق، بل اشتبه على الإنسان إما من حيث الدليل، أو من حيث حال المتخاصمين، فليس هناك إلا السعي بينهما بالصلح.

قال عليه الصلاة والسلام: ((تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعاً صدقة)) .

هذا أيضاً من الصدقات؛ أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها إذا كان لا يستطيع أن لا يركبها بنفسه، أو تحمل له عليها متاعه، تساعده على حمل المتاع على الدابة فهذا صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة؛ يعني إذا رأيت ما يؤلم المشاة فأمطته أي: أزلته فهذه صدقة، سواء كان حجراً، أم زجاجاً، أم قشر بطيخ، أم ثياباً يلتوي بعضها على بعض، أو ما أشبه ذلك.

والحاصل أن كل ما يؤذي أَزِلْه عن الطريق، فإنك بذلك تكون متصدقاً، وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛ فإن إلقاء الأذى في الطريق سيئة.

ومن ذلك من يلقون قمامتهم في وسط الشارع، أو يتركون المياه تجري في الأسواق فتؤذي الناس، مع أن في ترك المياه مفسدة أخرى، وهي استنفاد الماء؛ لأن الماء مخزون في الأرض، قال الله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: ٢٢] ، والمخزون ينفد.

ولهذا نرى أن الذي يترك المياه ويسرف في صرفها ولا يبالي في ضياعها مسيء إلى كل الأمة؛ لأن الماء مشترك، فإذا أسأت في تصريفه وأنفقته ولم تبال به كنت مسرفاً، والله لا يحب المسرفين، وكنت مسيئاً لتهديد الأمة قي نقص مائها أو زواله، وهذا ضرر عام.

والحاصل أن الذين يلقون في الأسواق ومسار الناس ما يؤذيهم هم مسيئون، والذين يزيلون ذلك هم متصدقون.

((وتميط الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة)) ، وهذه ـ ولله الحمد ـ من أعم ما يكون. الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، طيبة بغاياتها.

أما الطيبة بذاتها فالذكر: لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذكر قراءة القرآن.

وأما الكلمة الطيبة في غايتها فهي الكلمة المباحة كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيباً بذاته لكنه طيب في غاياته، في إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله عز وجل، فالكلمة الطيبة صدقة وهذا من أعم ما يكون.

ثم قال ((وفي كل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة)) .

كل خطوة: خطوة ـ بالفتح ـ يعني خطوة واحد تخطوها إلى الصلاة ففيها صدقة. عد الخطى من بيتك إلى المسجد تجدها كثيرة ومع ذلك كل خطوة فهي صدقة لك، إذا خرجت من بيتك مسبغاً الوضوء، لا يخرجك من بيتك إلى المسجد إلا الصلاة، فإن كل خطوة صدقة، وكل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة. وهذا فضل عظيم.

أسبغ الوضوء في بيتك، واخرج إلى المسجد، لا يخرجك إلا الصلاة، وأبشر بثلاث فوائد:

الأولى: صدقة، والثانية: رفع درجة، والثالثة: حطّ خطيئة.

كل هذا من نعم الله عز وجل، والله الموفق.

* * *

٢/٢٤٩ ـ وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، أو يقول خيراً)) متفق عليه.

وفي رواية مسلم زيادة، قالت ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً

أو يقول خيراً)) فالإنسان إذا قصد الإصلاح بين الناس وقال للشخص: إن فلاناً يثني عليك ويمدحك ويدعو لك وما أشبه ذلك من الكلمات، فإن ذلك لا بأس به.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل المراد أن يكذب الإنسان كذباً صريحاً، أو أن المراد أن يوري، بمعنى أن يظهر للمخاطب غير الواقع، لكنه له وجه صحيح، كأن يعني بقوله مثلاً: فلان يثني عليك أي: على جنسك وأمثالك من المسلمين، فإن كل إنسان يثني على المسلمين من غير تخصيص.

أو يريد بقوله: إنه يدعو لك؛ أنه من عباد الله، والإنسان يدعو لكل عبد صالح في كل صلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم إذا قلتم ذلك)) ـ يعني قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ ((فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض)) .

وقال بعضهم: إن التورية تعد كذباً؛ لأنها خلاف الواقع، وإن كان المتكلم قد نوى بها معنى صحيحاً، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات في ذات الله)) وهو لم يكذب عليه الصلاة والسلام، لكنه ورّى.

وعلى كل حال فالإنسان المصلح ينبغي له أن يتحرز من الكذب، وإذا كان ولابد فليتأول؛ ليكون بذلك مورياً، والإنسان إذا كان مورياً فلا إثم عليه فيما بينه وبين الله، والتورية جائزة عند المصلحة.

أما اللفظ الثاني ففيه زيادة عن الإصلاح بين الناس، وهو الكذب في الحرب.

والكذب في الحرب هو أيضاً نوع من التورية مثل أن يقول للعدو: إن ورائي جنوداً عظيمة وما أشبه ذلك من الأشياء التي يرهب بها الأعداء.

وتنقسم التورية في الحرب إلى قسمين:

قسم في اللفظ، وقسم في الفعل. مثل ما فعل القعقاع بن عمرو رضي الله عنه في إحدى الغزوات؛ فإنه أراد أن يرهب العدو فصار يأتي بالجيش في الصباح، ثم يغادر المكان، ثم يأتي به في صباح يوم آخر وكأنه مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد

جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد فيرهب ويخاف، وهذا جائز للمصلحة.

أما المسألة الثالثة فهي أن يحدث الرجل زوجته وتحدث المرأة زوجها، وهذا أيضاً من باب التورية، مثل أن يقول لها: إنك من أحب الناس إليّ، وإني أرغب في مثلك، وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب الألفة والمحبة بينهما.

ولكن مع هذا لا ينبغي فيما بين الزوجين أن يكثر الإنسان من هذا الأمر؛ لأن المرأة إذا عثرت على شيء يخالف ما حدثها به، فإنه ربما تنعكس الحال وتكرهه أكثر مما كان يتوقع، وكذلك المرأة مع الرجل.

* * *

٣/٢٥٠ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟)) فقال أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب) ، متفق عليه.

معنى ((يستوضعه)) : يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ((ويسترفقه)) : يسأله الرفق. ((والمتألي)) : الحالف.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في بيان الصلح بين اثنين متنازعين فإذا رأى شخص رجلين يتنازعان في شيء وأصلح بينهما، فله أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فعل خيراً كثيراً، كما سبق الكلام فيه على قول الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع نزاع رجلين وقد علت أصواتهما، خرج إليهما صلى الله عليه وسلم لينظر ماذا عندهما، وفيه دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سراً بينهما؛ لأن هذين الرجلين قد أعلنا ذلك، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، أما لو كان الأمر بين اثنين على وجه السر والإخفاء؛ فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بينهما؛ لأن في ذلك إحراجاً لهما، فإن إخفاءهما للشيء يدل على أنهما لا يحبان أن يطلع عليه أحد من الناس، فإذا أقحمت نفسك في الدخول بينهما؛ أحرجتهما وضيقت عليهما، وربما تأخذهما العزة بالإثم فلا يصطلحان.

والمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكون أداة خير، وأن يحرص على الإصلاح بين الناس وإزالة العداوة والضغائن حتى ينال خيراً كثيراً، والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

السخاوي في تخريجها: هذا حديث صحيح أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» ومسلم في الدعوات من صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننيهما وأبو عوانة في «مستخرجه» ومداره عندهم على أبي معاوية، وهو محمد ابن خازم بمعجمتين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهي طرق كثيرة عن الأعمش في بعضها عنه قال: حدثت عن أبي صالح فأثبت بينهما واسطة، والأعمش مدلس، قال الترمذي: كأنه يعني بإثبات الواسطة أصح، وجعل ذلك عذراً له عن عدم تصحيحه بل اقتصر على تحسينه لشواهده. ويحتمل أن يكون توقف البخاري عن تخريجه لذلك، ولكن إنما صححه مسلم وكذا ابن حبان والحاكم من حديث الأعمش بلا واسطة لوقوعه في رواية مسلم وغيره بالتصريح الذي يؤمن معه من تدليسه كما بينت ذلك واضحاً فيما علقته من تكملة شرح الترمذي اهـ. كلام السخاوي، والحديث عظيم جليل جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب والفضائل والفوائد والأحكام، وفيه إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة منها حديث «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» .

٣٠ - باب الشفاعة

قال الرازي: هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع ضد الوتر كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار صاحب الشفع له شفعاً: أي صار زوجاً اهـ. وفي النهاية: هي السؤال في التجاوز عن الذنب والجرائم اهـ. وقيل: هي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه، وللغزالي في معنى الشفاعة وسببها كلام نفيس أودعته باب الأذان من شرح الأذكار فراجعه.

(قال الله تعالى) علوّ مكانة وعظمة لا علوّ مكان ( {من يشفع شفاعة حسنة} ) بأن يجلب بها لمسلم نفعاً أو دفع عنه سوءاً ابتغاء لوجه الله تعالى، ومن ذلك الدعاء للمؤمن بظهر الغيب، ومن ثم ورد عنه: «من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له. وقال الملك آمين ولك مثل ذلك» (يكن له نصيب منها) هو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير.

١٤٦١ - (وعن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعريّ رضي الله عنه قال: كان النبي) من مزيد عنايته بصحابته ودلالته على الخير لأمته (إذا أتاه طالب حاجة) دينية أو دنيوية (أقبل على جلسائه) جمع جليس كشريف وشرفاء (فقال: اشفعوا تؤجروا) أي إن تشفعوا تؤجروا: أي يحصل لكم الأجر بشفاعتكم سواء أقضيت الحاجة أم لا، فتؤجروا جواب الشرط المقدر، ففيه الحض على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة الضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول للرئيس والتمكن منه ليوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه، ويستثنى ما لا تجوز الشفاعة فيه وذلك الحدود التي (ويقضي الله على لسان نبيه ما أحبّ) أي ما أراد مما سبق في علمه الأزلي من وقوع الأمر وحصوله أو عدمه، فالمطلوب الشفاعة والثواب مرتب عليها سواء حصل المشفوع به بأن كان مقدراً في العلم الأزلي حصوله بها أم لا، بأن كان له فيه سبب آخر لم يحصل أو قام مانع من حصوله (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الزكاة وفي باب الأدب وباب التوحيد ومسلم في باب الأدب وفي باب السنة، ورواه أبو داود في الأدب أيضاً، ورواه الترمذي في العلم وقال: حسن صحيح، والنسائي في الزكاة، قال المزيّ: وكونه عند أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم، ومدار الحديث عند من ذكر على أبي الأسود الدؤلي عن أبي موسى اهـ. ملخصاً.

(وفي رواية) للبخاري رواها هكذا في كتاب الأدب من «صحيحه» (ما شاء) أي وهو اعتبار خصوص كونه جارياً على لسان نبيه ما أحبّ، فالاختلاف بين الروايتين مبنى لا معنى، وإن كان بالنسبة إلى غيره المراد والمشيء أعمّ من المحبوب والمرضي، فجميع ما في الكون من الكفر والعصيان بمشيئة مولاه وإرادته وليس ذلك بمحبته ورضاه، قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر: ٧) .

٢٤٧٢ - (وعن) عبد الله (ابن عباس رضي الله عنهما) من جملة حديثه (في قصة بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء وإسكان التحتية مولاة عائشة أم المؤمنين وحديثها مشتمل على فوائد عديدة أفردت بالتأليف (وزوجها) مغيث وهو كما في «التوشيح» للسيوطي بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية وبعدها مثلثة، ووقع عند العسكري بفتح المهملة وتشديد المثناة ثم الباء الموحدة اهـ. ومغيث عبد أسود، وما روي عن عائشة من أنه حرّ فمعارض أو محمول على ما بعد كما سيجيء في «الاستيعاب» . قال ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» : كان مولى لبعض بني مطيع. قلت: في البخاري عبداً لبني فلان، قال السيوطي: في الترمذي: عبداً لبني المغيرة: وفي المعرفة لابن منده مولى أبي أحمد ابن جحش اهـ. أعتقت تحته بريرة فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاختارت نفسها وكان مغيث حين عتقها واختيارها عبداً فيما يقول الحجازيون وقال الكوفيون كان يومئذٍ حراً والأول أصح اهـ (قال) أي ابن عباس (قال لها النبي لو راجعتيه) الرواية بإثبات الياء لإشباع الكسر قاله الهروي في «المرقاة» ويخالفه قول السيوطي في «التوضيح» بعد أن أورد لفظ رواية البخاري «لو راجعته» من غير ياء ثم قال: ولابن ماجه «لو راجعتيه» بزيادة الياء وهي لغة ضعيفة وزاد: «فإنه أبو ولدك» اهـ. ولو للتمني أو للشرط والجواب محذوف أي لكان أحسن أو لك فيه ثواب. وفيه معنى الأمر فلذا (قالت يا رسول الله تأمرني؟) بتقدير الهمزة قبله أي أتأمرني بمراجعته أي على سبيل الوجوب فيجب على (قال: إنما أشفع) أي آمرك استحباباً (قلت: لا حاجة) أي لا غرض ولا صلاح (لي فيه) أي في ارتجاعه وفيه إيماء إلى عذرها في عدم قبول شفاعته حيث قال: «وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً» وإنها فهمت من شفاعته في ذلك تخييرها وإطلاق الشفاعة على التخيير مجاز بجامع عدم إيجاب كليهما، وقد بسطت الكلام في ذلك في «شرح الأذكار» (رواه البخاري) وروى

الترمذي في النكاح نحوه وقال الترمذي حسن صحيح.

٣١ - باب الإصلاح بين الناس

إذا حصل بينهم خصام وشنآن لأن المؤمنين إخوان. والناس اسم جنس جمعي: قيل مأخوذ من الأنس ضد الوحشة ففيه قلب وقيل من نوس إذا تحرك، وعلى هذا فيدخل فيه الجن وتقدم بسطه مراراً (قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} ) أي الناس أي ما يتناجون به ويتحدثون به ( {إلا} ) نجوى ( {من أمر بصدقة أو معروف} ) عمل برّ ( {أو إصلاح بين الناس} ) فالاستثناء متصل ويجوز أن يكون منقطعاً لكن نجوى من كان كذلك خير. قال الواحدي في تفسيره «الوسيط» : هذا مما حث عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لأبي أيوب الأنصاري: «ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ قال: نعم يا رسولالله، قال: تصلح بين الناس إذا فسدوا وتقرّب بينهم إذا تباعدوا» وروت أم حبيبة أن النبي قال: «كلام ابن آدم عليه الإله، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر تعالى» وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث قال سفيان: ألم تسمع الله يقول: {لا خير في كثير من نجواهم} فهو هذا بعينه اهـ.

(وقال تعالى: {والصلح خير} ) من الفرقة والنشوز والإعراض: أي لما فيه من الالتئام المطلوب من الزوجين.

(وقال تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} ) أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع.

(وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} ) أي في الدين ( {فأصلحوا بين أخويكم} ) إذا تنازعا وقرىء إخوانكم بالفوقية.

٢٤٨١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: كل) بالرفع مبتدأ خبره «عليه صدقة» (سلامى) بضم السين وتخفيف اليم: هو العضو وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء اهـ. وفي النهاية: السلامى جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل جمعه ومفرده واحد ويجمع على سلاميات اهـ. وقول الأذكار يميل إلى غير آخر بقيل وفي المشارق للقاضي عياض: أصل السلامى عظام الأصابع والأكارع. وفي النهاية: هي التي بين مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل كل عظم مجوّف من صغار العظام. المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، وقيل إن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف السلامي والعين اهـ. وظاهر أن المراد من السلامى هنا ما هو أعم من العضو، وهو كما في «القاموس» : كل لحم وافر بعظم وغيره، فقولي في «الأذكار» أو هو العضو إما باعتبار معناه لغة على بعض الأقوال، وإما أنه تجوز به عن مطلق الجزء. قال في «شرح مسلم» : أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن ومفاصله اهـ. قال العراقي في «شرح التقريب» : وهو المراد في الحديث. قلت: وأيده المصنف بخبر مسلم: «خلق الإنسان على ستين وثلثمائة مفصل» وقوله: (من الناس) في محل الصفة لسلامى (عليه) أي على ذلك الجنس ونظيره حديث: «خير نساء ركبن الإبل وأحناه على زوج نساء قريش» قال السهيلي في «الروض» : الضمير فيه عائد على الجنس أو الضمير عائد على السلامى، وذكره باعتبار أنه عضو أو مفصل عليه (صدقة كل يوم) بالنصب على الظرفية الزمانية، وأجاز الحافظ في «الفتح» رفعه مبتدأ أولاً، وتعدل مبتدأ ثانياً وصدقة خبر الثاني والجملة خبر مبتدأ الأول والرابط مقدر: أي كل يوم تطلع فيه الشمس العدل فيه صدقة (تطلع) بضم اللام كما مر (فيه الشمس) جملة صفة يوم وهو صفة توضيحية فيها بيان تجديد هذه الصدقات على الإنسان صبيحة كل يوم في مقابلة ما أنعم الله تعالى به عليه في خلق تلك السلاميات من باهر

النعم ودوامها التي هي نعمة أخرى؛ ومما يزيد العبد تيقظاً لنعمة الدوام عليه أنه تعالى قادر على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل آن، وهو في ذلك عادل في حكمه، فعفوه عن ذلك إدامة نعمة العافية عليه صدقة توجب الشكر بدوامها فيتعين على العبد الشكر لهذه النعم بالصدقة بما يأتي في الحديث وغيره مقابلة لتلك النعم بقدر الطاقة مع ما ورد من أن الصدقة تدفع البلاء فبوجودها عن أعضائه يرجى اندفاع البلاء عنها، وظاهر قوله: «عليه صدقة كل يوم» وجوب الشكر بهذه الصدقة كل يوم،

لكن في حديث «الصحيحين» : «فإن لم يفعل فليمسك عن الشر فإنه له صدقة» وهو يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئاً من الشرّ ويلزم من ذلك القيام بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات، وهذا هو الشكر الواجب، وهو كاف في شكر هذه النعم وغيرها. أما الشكر المستحبّ فهو أن يزيد على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالأذكار والمتعدية كالإعانة والعدل، وهذا هو المراد من هذا الحديث وأمثاله مع أن فيه ذكر بعض الطاعات (يعدل) أي يصلح وهو بتقدير «أن» قبله في تأويل مصدر مبتدأ خبره صدقة أو أوقع الفعل فيه موقع المصدر: أي مع قطع النظر عن «أن» ، وهذا الإعراب جار في قوله وتعين وما بعده كما سبق في باب بيان كثرة طرق الخير أي عدله (بين الاثنين) المتهاجرين أو المتخاصمين أو المتحاكمين بأن يحملهما لكونه حاكماً أو محكماً أو مصلحاً بالعدل والإنصاف والإحسان بالقول أو الفعل على الصلح الجائز، وأشار إلى أنه الذي لا يحلّ حراماً ولا يحرم حلالاً (صدقة) عليها لوقايتهما مما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال، ومن ثم عظم فضل الصلح كما أشير إليه بقوله تعالى:

{أو إصلاح بين الناس} وقوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} (النساء: ١٣٥) أي العدل {شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فا أولى بهما} (النساء: ١٣٥) وجاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة بين المؤمنين (ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها) نفسه أو غيره بإمساكها لذلك (أو يضع) وأورده المصنف في «الأربعين» «أو يرفع» (له عليها متاعه) وهو كل ما ينتفع به من عرض الدنيا قليلاً كان أو كثيراً (والكلمة الطيبة) وهي كل ذكر أو دعاء للنفس أو للغير، وسلام عليه وردّ وثناء بحق ونحو ذلك مما فيه سرور واجتماع القلوب وتآلفها. وكذا سائر ما فيه معاملة الناس بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ومنه قوله: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» وقد سبق مع حديث أبي هريرة هذا في باب بيان طرق الخير (صدقة وبكل خطوة) وهو بفتح الخاء المعجمة للمرة الواحدة وضمها لما بين القدمين (يمشيها إلى الصلاة) وكذا إلى سائر الطاعات كطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الإخوان (صدقة وتميط) بضم أوله: أي تزيل (الأذى) هو ما يؤذي المارّة من حجر أو شوك أو نحوهما (عن الطريق) مذكر ومؤنث (صدقة) وأخرت هذه لأنها دون ما قبلها كما يشير إليه خير

«الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلاالله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (متفق عليه) وتقدم زيادة عليها من مخرجيه في الباب المشار إليه. (ومعنى يعدل بينهما) كنى عن الاثنين المذكورين في الخبر بضميره (يصلح بينهما بالعدل) .

٢٤٩٢ - (وعن أم كلثوم) بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة آخره ميم (بنت عقبة) بضم المهملة وسكون القاف بعدها موحدة فهاء (ابن أبي معيط) بضم الميم وفتح المهملة الأولى بعدها تحتية ساكنة واسمه، أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت (رضي الله عنها) بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ثم هاجرت وبايعت فهي من المهاجرات المبايعات. قيل وهي أول من هاجر من النساء كانت هجرتها في سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين من قريش، وكانوا صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يردّ إليهم من جاء مؤمناً وفيها نزلت: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} (الممتحنة: ١٠) الآية. وذلك أنها لما هاجرت لحقها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل، وقال: نأبى ذلك. قال عمر بن عبد العزيز: يقولون إنها مشت على قدمها من مكة إلى المدينة، فلما قدمت المدينة تزوّجها زيد بن حارثة، فقتل عنها يوم مؤتة فتزوّجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوّجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً ومحمداً وإسماعيل، ومات عنها فتزوّجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه. وروى عنها ابنها حميد بن عبد الرحمن وغيره، روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة أحاديث فيما ذكر ابن حزم آخر سيرته وابن الجوزي في «مختصر التلقيح» إلا أنهما قالا في ترجمة من روي له عشرة أحاديث: أم كلثوم ولم ينسبوها، ثم رأيت ابن مالك قال في «شرح المشارق» : إنها روى لها كذلك، ولها في «الصحيحين» هذا الحديث الواحد اهـ. (قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

يقول: ليس الكذاب) أي إثم الكذب من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللام أو معناه: ليس بكثير

الكذب (الذي يصلح بين الناس) أي يكذب للإصلاح بين المتباغضين لأن هذا الكذب يؤدي إلى الخير وهو قليل أيضاً (فينمي خيراً) بفتح التحتية أي يبلغ خبراً فيه خير يقال نمى الحديث: إذا بلغه على وجه الإصلاح، ونماه بالتشديد: إذا بلغه على وجه الإفساد (أو) شك من الراوي أي شك هل قال: «فينمي خيراً» أو قال (يقول خيراً متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الصلح ومسلم في الأدب، وكذا رواه فيه أبو داود والترمذي في البرّ وقال: حسن صحيح، والنسائي في السير.

(وفي رواية مسلم) لهذا الحديث أي في بعض طرقه زيادة على الرواية المتفق عليها، فالرواية المذكورة آنفاً فيه أيضاً من طريق معمر قال فيه إلى قوله: «وينمي خيراً» ولم يذكر ما بعده، أي من الزيادة وتلك الزيادة هي قوله: (قالت) أي أم كلثوم كذا في طريق عند مسلم وفي طريق أخرى عنده قال ابن شهاب الزهري: «ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث» الحديث فجعل مسلم في تلك الطريق هذه الزيادة من قول الزهري. وفي الطريق التي أشار إليها المصنف قول أم كلثوم فقال: قالت (ولم أسمعه) أي النبيّ (يرخص) بتشديد الخاء المعجمة وبعدها مهملة، من الترخيص، ضد الحظر (في شيء مما يقول الناس) أي إنه كذب كما هو كذلك في قول الزهري، وحذف قولها كذب هو كذا عند مسلم (إلا في ثلاث) أي من الخصال (تعني) أي أم كلثوم بتلك الثلاث (الحرب) كأن يقول لأعداء الدين: مات كبيركم أولنا جيش كبير يأتينا، أو نحو ذلك مما فيه مصلحة عامة للمسلمين، فيجوز ارتكاب الكذب لعظم النفع (والإصلاح بين الناس) بأن يقول لزيد مثلاً: رأيت عمرو: يعني عدوه، يحبك ويثني عليك خيراً مما لم يكن ليصلح بينهما ويذهب الشنآن (وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) كأن يقول أحدهما للآخر لا أحد

أحبّ إليّ منك، فهذا الكذب جائز لعظم المصلحة المترتب عليه على محظور الإخبار بخلاف الواقع. وكذا يجوز الكذب لتخليص محترم، بل يجب على من سئل عن محترم قصد سائله عن إهلاكه أن يخفيه ولو باليمين، وليس في الحديث ما يدل على الحصر. وقال قوم: لا يجوز ذلك إلا بطريق التورية، وهي أن يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره كأن يقول فعل فلان كذا وينوي إن قدر، ويقول في الحرب: مات كبيركم ويريد بعض المتقدمين منهم. قال الدماميني في «حاشية البخاري» : وليس في الحديث ما يقتضي جواز الكذب، فإنه قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس» وسلب الكذب عن المصلح لا يستلزم كون ما يقوله كذباً لجواز أن يكون صدقاً بطريق

التصريح أو التعريض اهـ.

٢٥٠٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب) أفرد صوت المضاف مع تعدده في نفس الأمر لتعدد المضاف إليه لكونه لمح فيه كونه مصدراً في الأصل. قال في «الصحاح» : قد صات الشيء يصوت صوتاً اهـ. فيكون هذا نظير إفراد السمع في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} (البقرة: ٧) على أحد الوجوه في الآية أو لاختلاط أصواتهم وعدم تمايزهم فصارت كالصوت الواحد لإدراك حاسة السمع لها رفعة (عالية) بالجرّ على أنه صفة خصوم، وبالنصب على أنه حال من أصواتها كذا في نسخة مكتوب على ضمير التثنية رمز صحّ. وفي رواية البخاري «أصواتهم بصيغة الجمع» . قال في «فتح الباري» : كأنه جمع باعتبار من حضر وثنى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من الجانبين بين جماعتين فجمع باعتبار ذلك وثنى باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جوّز إرادة صيغة الجمع بالاثنين، كما زعم الشراح. قلت: يعني به الكرماني (وإذا أحدهما يستوضع الآخر) أي يطلب منه الوضيعة: أي الحطيطة من الدين (ويسترفقه) أي يطلب منه الرفق (في شيء) قال الحافظ في «فتح الباري» : وقع في رواية ابن حبان بيان ذلك الشيء قال فيأول الحديث «دخلت امرأة على النبي فقالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً فأحصيناه لا والذي أكرمك بالحق ما أحصيناه منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نستطعمه مسكيناً وجئنا نستوضعه ما نقصنا» الحديث. قال الحافظ: ولم أقف على اسم أحد من المتبايعين وهي غير قصة كعب بن

مالك وعبد الله بن حدرد التي في البخاري عقب هذا الحديث كما بينه في «فتح الباري» (وهو) أي الثاني (يقول وا لا أفعل) أي لا أضع شيئاً وفي رواية ابن حبان «فقال: آلى أن لا يضع خيراً ثلاث مرات» (فخرج رسول الله) ليصلح بينهما (فقال: أين المتألي) بضم الميم وفتح الفوقية والهمزة وتشديد اللام أي الحالف المبالغ في

اليمين (على الله أن لا يفعل المعروف) من الوضع والرفق بأخيه (فقال: أنا يا رسول الله فله) أي ذلك المذكور من الوضع والرفق (أي ذلك أحبّ) وفي رواية لابن حبان: «إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال فوضع ما نقصوا» قال في «فتح الباري» : وهذا يشعر بأن المراد بالوضع الحط، وبالرفع الاقتصار عليه وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال. وفي أواخر الصلح من الفتح بعد أن ساق عن ابن حبان بيان ما سألوا فيه الرفق من أنهم أخذوا بخلاص صاحبه ثم سألوا منه ذلك بها قال الحافظ: فالمراد أنهم يستوضعونه بترك الزيادة على رأس المال والاسترقاق بترك طلب الربح (متفق عليه) فأخرجه البخاري في كتاب الصلح عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه وهو أبو بكر عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن عمرة عن عائشة، ورواه مسلم في الشركة من البيوع: ثنا غيرواحد من أصحابنا قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي أويس اهـ. ذكره الحافظ المزيّ في «الأطراف» . قال الحافظ ابن حجر في «نكته» عليها: قال أبو نعيم في «المستخرج» : يقال إن مسلماً حمل هذا الحديث عن البخاري اهـ. وكلام أبي نعيم يقتضي أنه حدث به أيضاً غيره، وقد رويناه في الأول من أعالي المحاملي رواية الإصبهانيين عنه قال ثنا إسماعيل فذكره اهـ. وفي «فتح الباري» في باب أواخر الصلح بعد أن ذكر أنه أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس: محمد بن يحيى الذهلي وذكر ما في المحامليات قال: فيحتمل أن يفسر من أبهمه مسلم بهؤلاء وبعضهم اهـ. ثم في الحديث الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع والزجر على الحلف على ترك الخير، وفيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللفظ ورفع الصوت عند الحاكم (معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه، ويسترفقه: يسأله الرفق) بكسر الراء ضد العنف وذلك بأن لا يزيد عليه ما نقص

عليه (والمتألي: الحالف) تقدم في كلام الحافظ أنه

الحالف المبالغ في اليمين وهو الذي تقتضيه الصيغة.

٢٥١٤ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة آخره مهملة (سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن بني عمرو بن عوف) أي ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس فيه عدة أحياء كانت منازلهم بقباء (كان بينهم شرّ) السبب فيه كما في «الفتح» ما في رواية «وقع بين حيين من الأنصار كلام» وعند البخاري في كتاب الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقالوا: اذهب بنا نصلح بينهم» (فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلح بينهم في أناس) هذا هو الأصل كما تقدم وتعوض الهمزة أل (من أصحابه) وفي نسخة «معه» بدلاً من أصحابه سمي الطبراني منهم من طريق موسى بن محمد عن أبي حازم، أُبيّ بن كعب وسهيل بن بيضاء. وللبخاري في الأحكام أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر (فحبس) بضم المهملة الأولى وكسر الموحدة، أي قام (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلح بينهم وحانت الصلاة) أي دخل حين الصلاة: وهي صلاة العصر كما صرح به البخاري في روايته في الأحكام، ولفظه «فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم» (فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حبس وحانت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت) عند أحمد وأبي داود وابن حبان أن ذلك كان بأمر النبي ولفظه: «فقال لبلال: إن حضرت

الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فلصلّ بالناس، فلما حضرت» الحديث، ونحوه للطبراني، ولا يخالف هذا قوله لأبي بكر «هل لك أن تؤم الناس» لأنه يحمل على أنه استفهمه هل تبادر أول الوقت أو تنتظر مجيء النبي، ورجح عند أبي بكر

المبادرة لأنها فضيلة محققة فلا تترك لفضيلة متوهمة (فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر) وفي رواية للبخاري «فاستفتح أبو بكر الصلاة» . قال في «فتح الباري» : وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمرّ إماماً، وحيث استمرّ في مرض موته حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به موسى بن عقبة في «المغازي» ، وكأنه لما مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي خلفه الركعة الثانية من الصبح فإنه استمر

إماماً لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم (وكبر الناس وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي في الصفوف) زاد البخاري في رواية: يشقها شقاً (حتى قام في الصف) أي الأول كما في رواية له أيضاً، ولمسلم «فخرق الصفوف حتى قام عند الصفّ المقدم» (فأخذ الناس في التصفيق) قيل إنه مرادف للتصفيح، وقيل لا وهو الراجح (وكان أبو بكر رضي الله عنه) لعلمه بالنهي عن الالتفات في الصلاة وأنه خلسة من الشيطان يختلسها من صلاة العبد كما جاء ذلك في الخبر المرفوع (لا يلتفت في صلاته فلما أكثر الناس) أي من التصفيق كما في رواية للبخاري وفي رواية أخرى «فلما رأى التصفيق لا يمسك عنه» (التفت فإذا رسول الله) أي حاضر فالخبر محذوف (فأشار إليه رسول الله) أي بالمكث في مقامه، وفي رواية للبخاري في كتاب الإمامة «فأشار إليه أن امكث مكانك» . قال الحافظ في «الفتح» : وفي رواية عمر بن علي: فدفع في صدره ليتقدم فأبى (فرفع أبو بكر يده) في البخاري من باب الإمامة يديه بالتثنية (فحمد الله) ظاهره أنه تلفظ بالحمد لكن في رواية الحميدي عن سفيان «فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكراً ورجع القهقرى» وأدعى ابن الجوزي أنه أشار بالحمد والشكر بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون تلفظ، ويقوّي ذلك ما عند الإمام أحمد عن أبي حازم «يا أبا بكر لم رفعت يديك وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يديّ لأني حمدت الله على ما رأيت منك»

(ورجع القهقرى) أي يمشي إلى خلفه، فقوله: (وراءه) بالنصب على الحال تأكيد، وفعل ذلك لئلا يستدير القبلة فتبطل صلاته، وهو محمول على أنه لم تتوال منه حركات مبطلة (حتى قام) أي تأخر إلى موقف المأموم فقام (في الصفّ) ولم يقف منفرداً عنه لكراهته المفوتة لفضل الجماعة (فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى) إماماً (للناس، فلما فرغ اقبل بوجهه على الناس فقال: يا أيها الناس ما لكم؟) جملة مركبة من مبتدأ وخبر أي أيّ شيء

لكم؟ (حين نابكم) أي أصابكم (شيء في الصلاة) هو في تلك القصة تنبيه الصديق على مجيء النبي (ذتم) أي شرعتم (في التصفيق) جملة حالية بتقدير قد وحين ظرف. والمعنى: أي شيء بكم وقد صفقتم حين أصابكم شيء في الصلاة (إنما التصفيق للنساء) وفي رواية البخاري إنما التصفيح للنساء» زاد الحميدي «والتسبيح للرجال» وقد روى البخاري هذه الجملة الأخيرة مقتصراً عليها

في حديث آخر، وفي البخاري «قال سهل أي ابن سعد الساعدي هل تدرون ما التصفيح؟ هوالتصفيق» قال في «الفتح» : وهذا حجة من قال إنهما بمعنى، وبه صرح الخطابي وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم، وادعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه القاضي عياض في «الإكمال» أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى. وقيل بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه وبالقاف بجميعها للهو أو اللعب اهـ. (من نابه) أي أصابه (شيء في صلاته فليقل: سبحان ا) لينبه على أنه في الصلاة ويقصد به الذكر وحده أو مع إعلام (فإنه) أي المصلي (لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت) بالبناء للفاعل (يا أبا بكر ما منعك) من (أن تصلي) إماماً (للناس حين أشرت إليك) أي بملازمة ما شرعت فيه من إمامتك بالقوم، وكانت الإشارة منه قبل أن يحرم بالصلاة كما في باب الإشارة في الصلاة من «فتح الباري» (فقال أبو بكر: ما كان) زائدة (ينبغي) أي لا يصح (لابن أبي قحافة) كنية أبيه واسمه عثمان رضي الله عنهما (أن يصلي) إماماً (بين يدي

رسول الله) أي ليس هذا من باب الأدب المأمور به العباد معه فما فعله من سلوك الأدب وتقديمه على الأمر الذي على سبيل الإيجاب والتحتم، وسيأتي في ترجمة ابن عوف في باب فضل البكاء بيان أنه صلى في مرض موته وراء أبي بكر أيضاً، واستمر أبو بكر إلى أن أتم الصلاة إماماً بالقوم كما تقدم قريباً. قال في «فتح الباري» : وفي الحديث من الفوائد:

الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رغبته لذلك، وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر، وفيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة. واستدل به جمع من الشراح ومن الفقهاء كالروياني على أن أبا بكر عند الصحابة كان أفضلهم لكونه اختاره دون غيره، وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكرالله، ولو كان مراد المسبح إعلام الغير بما صدر منه: أي من قصد الذكر بذلك وإلا أبطل الصلاة عند الشافعية. وفيه جواز الالتفات للحاجة. وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة، وأنها تقوم مقام النطق لمعاتبة النبي على مخالفته إشارته، وفيه الحمد والشكر على الوجاهة في الدين، وأن من أكرم بكرامة تخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأن القرينة التي بينت لأبي بكر ذلك كونه شق الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فهم من ذلك أن قصده أن يؤمّ الناس وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتواضع ورجح ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حالة الصلاة لتغير حكم من أحكامها، وكأنه لأجل هذا لم يتعقب اعتذاره برد عليه. وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك، وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر لفظ الغيبة مكان الحضور، وإلا فكان الكلام أن يقول أبو بكر ما كان لي فعدل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة لأنه أول على التواضع من الأول. وفيه غير ذلك اهـ. ملخصاً (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام وأبو داود والنسائي في الصلاة اهـ. ملخصاً من «الأطراف» للمزي (معنى حبس) في «وحبس رسول الله» وهو مبني للمفعول (أمسكوه ليضيفوه) بضم التحتية وكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، ففيه إضافة الرئيس إذا أوفد على

القوم، وفيه مزيد تواضعه وجلوسه جبراً لخواطرهم لحضور ضيافتهم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفيه: إشارة إلى أنَّ الجزاء من جنس العمل.

وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر من علم، أو مال أو نصح أو دلالة على خير، وفضل التيسير على المعسر.

وفيه: فضل إعانة المسلم بما يقدر عليه؟

وفيه: فضل العلم الديني، وأنه سبب لدخول الجنة.

وفيه: فضل الاجتماع على مدارسة القرآن خصوصًا في المساجد.

[٣٠- باب الشفاعة]

قَالَ الله تَعَالَى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} ... [النساء (٨٥) ] .

الشفاعة الجائزة: هي السؤال بقضاء حاجة أو عفو عن زلة.

[٢٤٦] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أتاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أحبَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية: «مَا شَاءَ» .

في هذا الحديث: الحضُّ على الخير، والتسبُّب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على تبيين حاله للرئيس.

وفيه: أنَّ الثواب حاصلٌ بالشفاعة، سواء حصل المشفوع به أم لا، وأنَّه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لم منع.

[٢٤٧] وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ برِيرَةَ وَزَوْجِهَا، قَالَ: قَالَ لَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأمُرُنِي؟ قَالَ: «إنَّمَا أَشْفَع» . قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، وأنَّ الأَمَة إذا أُعتقت تحت عبد فلها الخيار، وأنَّ المرء إذا خُيِّر بين مباحين، فاختار ما ينفعه لم يُلَمْ، ولو أضرَّ ذلك برفيقه.

٣١- باب الإصلاح بَيْنَ الناس

قَالَ الله تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء (١١٤) ] .

المعروف: كل ما يستحسنه الشرع. وخصَّ الإصلاح لشرفه.

قال الواحدي: هذا مما حثَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لأبي أيُّوب الأنصاري: «ألا أَدُلُّك على صدقة هي خير لك من حمر النعم» . قال: نعم يَا رسول الله. قال: «تصلح بين الناس إذا فسدوا، وتقرَّب بينهم إذا تباعدوا» .

وَقالَ تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء (١٢٨) ] .

أي: من الفرقة. وهذه الآية نزلت في الصلح بين المرأة وزوجها، وهي عامة في كل شيء فيه خصومة ونزاع.

وَقالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال (١) ] .

هذه الآية نزلت حين اختلف الصحابة في غنائم بدر. وهي عامة في كل ما يقع فيه النزاع والاختلاف الذي يورث الشحناء؛ لأنَّ فساد ذات البين مضرة بالدين والدنيا.

وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ... [الحجرات (١٠) ] .

هذه الآية نزلت حين اقتتل بعضُ الصحابة بالسعف والنعال، ثم أخذوا السلاح، فأصلح بينهم النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهي عامة في كل نزاع يقع بين المسلمين.

[٢٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ، وَتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

ومعنى «تَعدِلُ بينهما» : تُصْلِحُ بينهما بالعدل.

السُّلامى: عظام البدن ومفاصله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الإنسان على ستين وثلاثمئة مفصل» .

وفي الحديث: تجديد هذه الصدقات كل يوم شكرًا لله تعالى على ما أنعم به من العافية.

وفي الحديث الآخر: «إنَّ الصدقة تدفع البلاء» .

[٢٤٩] وعن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط رضي الله عنها، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيراً، أَوْ يقُولُ خَيْراً» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية مسلم زيادة، قَالَتْ: وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرْخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إلا في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ المَرْأةِ زَوْجَهَا.

في هذا الحديث: دليل على جواز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس في ذلك، وجواز الكذب على المرأة بما لا يبطل حقها، كأن يقول: أنت كذا وكذا، وأنا أحبك، ونحو ذلك. والتورية أحسن، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها.

[٢٥٠] وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَوْتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَاليةً أصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَر وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: والله لا أفْعَلُ، فَخَرجَ عَلَيْهِمَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟» ، فَقَالَ: أَنَا يَا رسولَ اللهِ، فَلَهُ أيُّ ذلِكَ أحَبَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

معنى «يَسْتَوضِعُهُ» : يَسْأَلهُ أنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعضَ دَيْنِهِ. «وَيَسْتَرفِقُهُ» : يَسأَلُهُ الرِّفْقَ. «وَالمُتَأَلِّي» : الحَالِفُ.

قوله: (فلهُ، أي: ذلك أحب) .

وفي رواية لابن حبان: «إن شئت وضعت ما نقصوا، وإنْ شئت من رأس المال» . فوضع ما نقصوا.

وفي أول الحديث دخلت امرأة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني ابتعتُ أنا وابني من فلان تمرًا فأحصيناه. (والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا، أو نطعمه مسكينًا، وجئنا نستوضعُه ما نقصنا ... ) الحديث.

قال الحافظ: وهي غير قصة كعب بن مالك وخصمه عبد الله بن أبي حدرد.

وفي الحديث: الحض على الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع، والزجر عن الحلف على ترك الخير.

وفيه: الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللفظ ورفع الصوت.

[٢٥١] وعن أَبي العباس سهل بن سَعد الساعِدِيّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بَلَغَهُ أنَّ بَني عَمرو بن عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصْلِحُ بَينَهُمْ في أُنَاس مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَحَانَتِ الصَّلاة، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبي بكر رضي الله عنهما، فَقَالَ: يَا أَبا بَكْر، إنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَدْ حُبِسَ وَحَانَتِ الصَّلاةُ فَهَلْ لَكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاس؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ شِئْتَ، فَأقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمشي في الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ، وَكَانَ أَبُو بكرٍ - رضي الله عنه - لا يَلْتَفِتُ في صَّلاتِه، فَلَمَّا أكْثَرَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ الْتَفَتَ، فإِذَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَشَارَ إِلَيْه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَرَفَعَ أَبُو بَكْر - رضي الله عنه - يَدَهُ فَحَمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءهُ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَصَلَّى للنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أيُّهَا

النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أخَذْتُمْ في التَّصفيق؟! إِنَّمَا التَّصفيق للنِّساء. مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحدٌ حِينَ يقُولُ: سُبْحَانَ الله، إلا الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْر: مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّي بالنَّاسِ حِينَ أشَرْتُ إلَيْكَ؟» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغي لابْنِ أَبي قُحَافَةَ أنْ يُصَلِّي بالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

معنى «حُبِسَ» : أمْسَكُوهُ لِيُضَيِّفُوهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده