[٣ - باب الصبر]قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٢٤

الحديث رقم ٢٤ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب التوبة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: [٣ - باب الصبر]قال الله تعالى: {يا أيها…

[٣ - باب الصبر]

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ⦗٢٤⦘[البقرة: ١٥٥]، وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر:١٠]، وَقالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: ٤٣]، وَقالَ تَعَالَى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ١٥٣]، وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: ٣١]، وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.

سند حديث: ٢٤ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ…

٢٤ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتلُ أَحَدهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا في سَبيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتلِ فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ». مُتَّفَقٌ عليه. (١)

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: [٣ - باب الصبر]قال الله تعالى: {يا أيها…

أخبر البراء رضي الله عنه في قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أنها نزلت في شأن بعض الأنصار، وكانوا أصحاب نخل، فكانوا يأتون مِن نخلهم بصدقة، بحسب كثرته وقلته، فيجيء الرجل بالعنقود والعنقودين فيعلقه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، وهم فقراء المسلمين الذين يسكنون في المسجد، فإذا جاع أحدهم جاء إلى العنقود فضربه بعصاه، فيسقط التمر الذي شرع في التلون ويسقط الرطب فيأكلون منه، وكان أناسٌ ممن لا يريد الخير يجيء بالعنقود الرديء الذي فيه اليابس الفاسد من التمر، وبالعنقود المكسور فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تبارك تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} أي لو أن أحدكم أهدي إليه مثل الذي أعطاه من الرديء من التمر لم يأخذه؛ لرداءته، إلا على وجه التغاضي أو الاستحياء والمسامحة، قال البراء: فكنا معشر الأنصار بعد نزول هذه الآية نجيء بصالح ما عندنا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية الكريمة.
  • الدلالة على أنه لا يجوز للمالك أن يخرج الرديء عن الجيد الذي وجبت فيه الزكاة، نصًا في التمر، وقياسًا في سائر الأجناس التي تجب فيها الزكاة.
  • سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم للآيات، وبيان فضلهم.

درجة الحديث: حسن

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: [٣ - باب الصبر]قال الله تعالى: {يا أيها…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٢- باب التوبة]

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالي، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط.

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ منحق صاحبها، فإن كانت مالاً او نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة:

قال الله تعالي:) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقال تعالي:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم: من الآية٨) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي - باب التوبة:

التوبة لغة: من تاب يتوب، إذا رجع.

وشرعاً: الرجوع من معصية الله تعالي إلي طاعته.

وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلي الإيمان، قال الله تعالي:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨) ، ثم يليها التوبة من الكبائر؛ كبائر الذنوب.

ثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب.

والواجب علي المرء، أن يتوب إلي الله - سبحانه وتعالي- من كل ذنب.

وللتوبة شروط ثلاثة: كما قال المؤلف - رحمه الله-، ولكنها بالتتبع تبلغ إلي خمسة:

الشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله- عز وجل- وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية. لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.

وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وأن يعفو الله عن ذنوبه.

الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل علي انه صادق في التوبة؛ بمعني أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله، ولا يري أنه في حل منه حتى يتوب منه إلي الله.

الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه، وهذا من أهم شروطه. والإقلاع عن الذنب: إن كان الذنب ترك واجب؛ فالإقلاع عنه بفعله؛ مثل أن يكون شخص لا يزكي، فأراد أن يتوب إلي الله، فلابد من ان

يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها. وإذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين؛ فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما، وإذا كان مقصراً في صلة الرحم؛ فإنه يجب عليه أن يصل الرحم.

وإن كانت المعصية بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فوراً، ولا يبقي فيه ولا لحظة.

فإذا كانت من أكل الربا مثلاً، فالواجب أن يتخلص من الربا فوراً، بتركه والبعد عنه، وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا، إذا كانت المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب عليه أن يرده إلي صاحبه، أو يستحله منه، وإذا كانت غيبة، فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أن يقول إنه تائب إلي الله وهو مصر على ترك الواجب، أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة. بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلي الله- عز وجل- وأنت مصر علي معصيته؟!

لو أنك تعامل بشرا من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود، ثم في نيتك وفي قلبك أنك ستعود، وعدت، فإن هذه سخرية بالرجل، فكيف بالله رب العالمين؟!

فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب.

ومن الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا، وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله، أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم

الناس؛ وهو من أكثر الناس غيبة- نسأل الله العافية-، أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة في الناس؛ وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة!!

على كل حال، الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه، فإن لم يقلع فتوبته مردودة لا تنفعه عند الله عز وجل. والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق في حق الله- عز وجل- فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك، ولا ينبغي- بل قد نقول: لا يجوز- أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب. لأن هذا بينك وبين الله، فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إي الله.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين))

ومن المجاهرة، كما جاء في الحديث: ((أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا...إلي آخره))

إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنباً فيه حد، فإنه لا باس أن يذهب إلي الإمام الذي يقيم الحدود- مثل الأمير- ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه، هذا

هو الأفضل.

يعني يباح له أن يذهب إلي ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا، فيقول إنه فعل كذا وكذا؛ يطلب إقامة الحد عليه؛ لأن الحد كفارة للذنب.

أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله، وكذلك الزنا وشبهه، استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر- لا تفضح نفسك.

ما دمت أنك قد تبت فيما بينك وبين الله تعالي، فإن الله تعالي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالاً فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون قد سرقت مالاً من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.

أو جحدت حقاً لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه. فإن كان قد مات، فإنك تعطيه ورثته، فإن لم تعرفهم، أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً، فتصدق به عنه تخلصاً منه، والله- سبحانه وتعالي- يعلمه ويعطيه إياه.

أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبهه، فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته؛ إن كان على الظهر فعلي الظهر، وإن كان علي الرأس فعلي الرأس، أو في أي مكان ضربته فليقتص منك؛ لقول الله تعالي سبحانه:) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: من الآية٤٠) ولقوله:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: من الآية١٩٤) .

وإذا كان بقول؛ أي: أذية بالقول، مثل ان تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته، فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه. حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه.

الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته، وقدحت فيه عند الناس وهو غائب.

فهذه اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: لا بد أن تذهب إليه، وتقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني.

وقال فيها بعض العلماء؛ لا تذهب إليه، بل فيع التفصيل! فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله. وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه، واستغفر له، وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها؛ فإن الحسنات يهذبن السيئات. وهذا القول أصح؛ وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، تقول: ((اللهم اغفر له)) كما جاء في الحديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له)) فلابد في التوبة من أن تصل الحقوق إلي أهلها.

أما الشرط الرابع: فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل؛ بأنك لن

تعود إلي هذا العمل في المستقبل، فإن كنت تنوي ان تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح؛ مثل: رجل كان- والعياذ بالله- يستعين بالمال على معصية الله، يشتري به المسكرات، يذهب إلي البلاد يزني- والعياذ بالله- ويسكر. فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك، وهو كاذب، يقول: تبت إليك، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلي مجاريها الأولي فعل فعله الأول.

فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تبت لست بقادر على فعل المعصية، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر، فيقول: تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه عاد إليه ما افتقده لعاد إلي المعصية مرة ثانية، فهذه توبة غير مقبولة؛ لأنها توبة عاجز، وتوبة العاجز لا تنفعه.

الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة. وذلك علي نوعين:

النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه.

النوع الثاني: باعتبار العموم.

أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل- يعني الموت-، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب؛ لقول الله تعالي) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية١٨) هؤلاء ليس لهم توبة!

وقال تعالي:) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (فَلَمْ يَكُ

يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي

عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: ٨٤/٨٥) فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل؛ فهذا يعني أنه أيس من الحياة، فتكون توبته في غير محلها! بعد أن أيس من الحياة، وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب! هذه توبة اضطرار، فلا تنفعه ولا تقبل منه، لابد أن تكون التوبة سابقة.

أما النوع الثاني: وهو العموم، فإن الرسول - عليه الصلاة والسلام- أخبر بأن: ((الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

فإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحداً من توبة. قال الله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) (الأنعام: من الآية١٥٨) وهذا البعض: هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.

إذا فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان.

ثم أختلف العلماء - رحمهم الله- هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا، في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم ‍‍!!

منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب، ويبقي الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال.

ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر.

ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإلا قبلت.

مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه- والعياذ بالله- يشرب الخمر ومصر على شرب

الخمر.

فهنا من العلماء من قال: إن توبته من الربا لا تقبل، كيف يكون تائبا إلي الله وهو

مصر علي معصيته؟

وقال بعض العلماء: بل تقبل؛ لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر، وهذا هو

الذي مشي عليه المؤلف- رحمه الله- وقال: إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق.

فهذا فيه الخلاف: بعضهم يقول: وبعضهم يقول: لا تقبل. أما إذا كان من الجنس؛ مثل أن يكون الإنسان- والعياذ بالله مبتلي بالزنا، ومبتلي أيضاً بالإطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة وما أشبه ذلك، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلي النساء شهوة؟ أو بالعكس؟

هذا فيه أيضاً خلاف؛ فمنهم من يقول: تصح.

ومنهم من يقول: لا تصح التوبة.

ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يعطي الإنسان اسم التائب علي سبيل الإطلاق، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون؛ لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب لكنه لا يستحق

أن يوصف بالتوبة علي سبيل الإطلاق، بل يقال: هذا توبته ناقصة وقاصرة؛ فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ أنه لا يعطي الوصف علي سبيل الإطلاق، ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب.

قال المؤلف- رحمه الله- إن النصوص من الكتاب والسنه تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي، وصدق-رحمه الله- فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها، وكذلك الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم.

وقد بين الله تعالي في كتابه أنه - سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون: الذين يكثرون التوبة إلي الله- عز وجل -؛ كلما أذنبوا ذنباً تابوا إلي الله.

ثم ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالي: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (النور: من الآية٣١) هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر، وهي قوله:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا) إلي) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣٠/٣١) .

ففي هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه، ولأن ترك غض البصر

وحفظ الفرج؛ كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء، وأسباب البلاء. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)) ، ((وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))

ولهذا كان أعداؤنا- أعداء الإسلام- بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء - يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء، يدعون إلي التبرج، يدعون إلي اختلاط المرأة بالرجل، يدعون إلي التفسخ في الأخلاق، يدعون إلي ذلك بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، - والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسي بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء.

النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) .

هل تريد شيئاً أبين من هذا.

أذهب للب الرجل - لعقله - الحازم، فيما بالك بالرجل المهيمن؛ الذي ليس عنده حزم، ولا عزم، ولا دين، ولا رجولة؛ يكون أشد والعياذ بالله.

لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله- نسأل اله العافية-، وهذا هو الواقع لذلك قال الله تعالي عقب الأمر بغض البصر، قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقوله عز وجل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) يدل على أنه ينبغي لنا- بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة، وأن يتفقد بعضنا بعضاً، هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصراً عليه؛ لأنه وجه الخطاب للجميع:: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور: من الآية٣١) وفي قوله تعالي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح، والفلاح- كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة- الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب، فهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.

وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة. ما تجد إنساناً- حتى الكافر يريد الخير. لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق.

الكافر يريد الخير؛ لكنه يريد خير الدنيا؛ لأنه رجل بهيمي؛ هو شر الدواب عند الله:) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (لأنفال: من الآية٥٥) شر من كل دابة تدب على الأرض؛ ومع ذلك هو يريد الخير، ويريد الرفاهية، ويريد التنعم بهذا الدنيا، لكنها- أي الدنيا- جنته، والآخرة - والعياذ بالله-

عذابه وناره.

المهم أن كل إنسان يريد الفلاح، لكن على حسب الهمة، المؤمن يريد الفلاح في الدنيا والآخرة، والكافر لا يؤمن بالآخرة؛ فهو يريد الفلاح في الدنيا.

من أسباب الفلاح التوبة إلي الله - عز وجل- كما في الآية: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) أي لتنالوا الفلاح؛ وذلك بحصول المطلوب وزوال المرهوب. والله الموفق.

* * *

١٣- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) (رواه البخاري) .

١٤- وعن الأعز بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلي الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

تقدم الكلام علي ما ذكره المؤلف- رحمه الله- من وجوب التوبة

وشروطها، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها.

وهذان الحديثان ذكرهما المؤلف- رحمه الله- ليستدل على ذلك بالسنة.

لأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي، وصار أوكد، وصار أوجب، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة.

وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.

وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلي الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة)) .

ففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله)) فإذا تاب الإنسان إلي ربه حصل بذلك فائدتين:

الفائدة الأولي: امتثال أمر الله ورسوله؛ وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير. فعلي امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة.

والفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم. حيث كان صلي الله عليه وسلم يتوب إلي الله في اليوم مائة مرة؛ يعني: يقول: أتوب إلي الله، أتوب إلي الله ...

والتوبة لابد فيها من صدق، بحيث إذا تاب الإنسان إلي الله أقلع عن الذنب. أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية، أو على ترك الواجب. أو يتوب إلي الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل

المعصية؛ فإن توبته لا تنفعه، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل!

كيف تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت مصر عليها، أو تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت عازم علي فعلها؟

الإنسان لو عامل بشرا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي، ويستهزئ بي!! كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به؟ ما هذا إلا هزو ولعب، فكيف برب العالمين؟

إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا، ولكنه- والعياذ بالله مصر عليه!! يمارس الربا صريحا، ويمارس الربا مخادعة، وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا مخادعة أعظم إثما وجرما من الذي يمارس الربا بالصراحة. لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى علة نفسه مرتين:

أولاً: الوقوع في الربا.

وثانياً: مخادعة الله- عز وجل - وكان الله- سبحانه وتعالي- لا يعلم. وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً، أمرهم واضح، لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة؛ تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في الدكان، فيأتي الغني بشخص فقير يوقده للمذبحة والعياذ بالله!! فيأتي إلي صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة، ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً. وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً؛ لأن هذا المشتري - المدين- لا يقلب المال، ولا ينظر إليه، ولا يهمه، بل لو كان أكياساً من الرمل ويبعث عليه علي أنها رز أو سكر أخذها؛ لأنه لا يهمه؛ الذي يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه - مثلاً-

بعشرة آلاف لمدة سنة، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها، ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف- مثلاً- فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان، ويقولون: إن هذا صحيح. بل يسمونه التصحيح، يقول قائلهم: تعال أصحح عليك، أو أصحح لك كذا وكذا. سبحان الله، هل هذا تصحيح؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله!!

ولهذا يجب علينا - إذا كنا صادقين مع الله - سبحانه وتعالي- في التوبة- أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً، ونكرها، ونندم علي فعلها؛ حتى تكون التوبة توبة نصوحاً.

وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمداً صلي الله عليه وسلم اشد الناس عبادة لله، وهو كذلك، فإنه أخشانا لله، وأتقانا لله، وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه.

وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بمقاله وفعاله.

فكان يستغفر الله، ويأمر الناس بالاستغفار؛ حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعا للفعل.

وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته. فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسي به، إذا امرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلي الله، بل هذا حقيقة الدعوة غلي الله عز وجل؛ أن تفعل ما تؤمر به، وتترك ما تنهي عنه. كما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمرنا التوبة وهو -عليه

الصلاة والسلام- يتوب أكثر منا. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيماً. والله الموفق.

* * *

١٥- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري- خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم _ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) .

[الشَّرْحُ]

قوله- رحمه الله- ((خادم النبي صلي الله عليه وسلم)) وذلك أن أنساً - رضي الله عنه- حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أتت به أمة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقالت له: هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وصار أنس من خدام النبي عليه الصلاة والسلام.

ذكر أنس- رضي الله عنه- أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه)) من هذا الرجل الذي سقط على راحلته بعد أن أضلها،

وذكر القصة: رجل كان في أرض فلاة، ليس حوله أحد، لا ماء ولا طعام ولا أناس.. ضل بعيره: أي ضاع، فجعل يطلبه فلم يجده، فذهب إلي شجرة ونام تحتها ينتظر الموت! قد أيس من بعيره، وأيس من حياته؛ لأن طعامه وشرابه على بعيره، والبعير قد ضاع، فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها. فبأي شيء يقدر هذا الفرح؟ هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال!! لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت، ولهذا أخذ بالخطام فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) !! أراد أن يثني على الله فيقول: ((اللهم أنت ربي وأنا عبدك)) لكن من شدة فرحه أخطأ..فقلب القضية.. وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.

في هذا الحديث من الفوائد: دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالي- محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلي أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب - سبحانه وتعالي- يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول:) ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) بل هو

فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبه فرح المخلوقين.

وفيه: دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ فهذا الرجل قال كلمة كفر؛ لأن قول سبق اللسان لربه: أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك، لكن لما صدر عن خطأ من شدة الفرح _ أخطأ ولم يعرف أن يتكلم-صار غير مؤاخذ به، فإذا أخطأ الإنسان في كلمة؛ كلمة كفر؛ فإنه لا يؤاخذ بها، وكذلك غيرها من الكلمات؛ لو سب أحدا على وجه الخطأ بدون قصد، أو طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد، أو أعتق عبده على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن الإنسان لم يقصده، فهو كاللغو في اليمين، وقد قال الله تعالي:) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢٥) بخلاف المستهزئ فإن المستهزئ يكفر إذا قال كلمة الكفر، ولو كان مستهزئا؛ لقول الله سبحانه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية٦٥/٦٦) ، فالمستهزئ قصد الكلام، وقصد

معناه؛ لكن على سبيل السخرية والهزء؛ فلذلك كان كافراً، بخلاف الإنسان الذي لم يقصده؛ فإنه لا يعتبر قوله شيئاً.

وهذا من رحمة الله - عز وجل- والله الموفق.

* * *

١٦- وعن أبي موسى عبد الله قيس الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار،

ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم.

١٧- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)) (رواه مسلم) .

١٨- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله - عز وجل - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) . (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله- كلها تتعلق بالتوبة.

أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسي النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

وهذا من كرمه- عز وجل- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار، فإن الله- تعالي- يقبل توبته ولو تاب في

الليل. إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالي- يقبل توبته بل إنه - تعالي- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن.

وفي هذا الحديث: دليل على محبة الله- سبحانه وتعالي- للتوبة، وقد سبق في الحديث السابق - في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها-: أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه اشد فرحاً من هذا براحلته.

ومن فوائد حديث أبي موسي: إثبات أن الله -تعالي- له يده، وهو كذلك، بل له يدان جل وعلا- كما قال تعالي:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية٦٤) ، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه- بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله.

ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله- عز وجل- لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته عز وجل.

وفي هذا الحديث: أن الله- سبحانه وتعالي- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب. فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.

وفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهي قبول التوبة. وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟!

فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطرد منذ خلق الله الشمس إلي يومنا هذا. لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار اليهود، والنصارى، والبوذيون، والشيوعيون، وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.

كل يتوب أيضاً، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان!

أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن الله -سبحانه وتعالي- يقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها فهو كحديث أبي موسى.

وأما حديث عبد الله بن عمر: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)) أي: ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة، وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت توبة؛ لقوله تعالي:) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) (النساء: من الآية١٨) .

فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.

* * *

١٩- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال- رضي الله عنه-اسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا- أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فأجابه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحوا من صوته: ((هاؤم)) فقلت له: ويحك أغضض، قال الإعرابي: المرء يحب القوم ولما يحلق بهم؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة)) فما زال يحثنا حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة سفيان- أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله - تعالي- يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه)) (رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في بيان متي تنقطع التوبة. لكنه يشتمل على فوائد:

منها: أن زر بن حبيش أتي إلي صفوان بن عسال- رضي الله عنه- من أجل العلم- يبتغي العلم- فقال له صفوان بن عسال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب)) .

وهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وطلب العلم؛ والمراد به العلم الشرعي، أي: علم ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا، لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح، والحث عليه في القرآن والسنة. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله، لأن هذا الدين قام بأمرين:

قام بالعلم والبيان، وبالسلاح: بالسيف والسنان.

حتى إن بعض العلماء قال: ((إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح)) لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح في سبيل الله مبني على العلم، لا يسير المجاهد، ولا يقاتل، ولا يحجم، ولا يقسم الغنيمة، ولا يحكم بالأسري؛ إلا عن طريق العلم، فالعلم هو كل شيء.

ولهذا قال الله عز وجل:) ايَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: من الآية١١) ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب واحتراماً له، وتعظيماً له، ولا يرد على هذا أن يقول القائل: أنا لا

أحس بذلك؟ لأنه إذا صح بذلك؟ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عيانا.

أرأيت قوله صلي الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا- تبارك وتعالي- كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له)) .

نحن لا نسمع هذا الكلام من الله- عز وجل- لكن لما صح عن نبينا صلي الله علي وسلم صار كأننا نسمعه، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلي الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب، وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا.

ثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال إنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول والغائط.

يعني أن الله تعالي ذكر في القرآن قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦) فيقول إنه حك في صدري؛ أي: صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا؟

فبين له صفوان بن عسال- رضي الله عنه- أن ذلك جائز لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفراً أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن

من غائط وبول ونوم، فدل هذا على جواز المسح على الخفين، بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابسا لهما.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلي الله عليه وسلم فأهوي المغيرة لينزع خفيه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما))

ففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب، أو عليه خفان؛ أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه.

ومنها: أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء؛ حتى لا يبقي في قلبه حرج مما سمع، لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج، ويبقي متشككاً متردداً، لا يسأل أحداً يزيل عنه هذه الشبهة، وهذا خطأ، بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلي أمر يطمئن إليه ولا يبقي عنده قلق.

فهذا زر بن حبيش- رحمه الله- سأل صفوان بن عسال- رضي الله عنه- عن المسح على الخفين؛ وهل عنده شيء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك، فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.

فهذا الحديث فيه دليل علي ثبوت المسح على الخفين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك، وأخذ بهذا أهل السنة، حتى إن بعض

أهل العلم، الذين صنفوا في كتب العقائد، ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد؛ وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك؛ فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه، والعجب أن ممن روي المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومع ذلك هم ينكرونه ولا يقولون به، فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة ومن الأمور المتوترة عندهم؛ التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد: ((ليس في قلبي من المسح شك)) ، أو قال: ((شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه)) ولكن لابد من شروط لجواز المسح علي الخفين:

الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما)) .

ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق.

فمثلاً: لو توضأ وضوءاً كاملاً، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني الشراب أو الخفين، فهما لبسهما على طهارة.

كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما، ثم احتاج إلي

زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه- وهو علي طهارة-، فإنه يمسح علي الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفا على خف ممسوح فإنه يمسح علي الأعلى، لكن يبني على مدة المسح علي الأول.

ولابد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما علي طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم ولبس الخفين علي طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لابد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال، لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط؛ وهما الوجه والكفان.

الشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: ((إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)) فإذا صار علي الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لابد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لابد من غسل الرأس - مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد وحدثها أكبر، فلابد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعني والقياس يقتضي ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلي الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضاً من

حديث على بن أبى طالب_ رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: ((جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) يعني: في المسح علي الخفين:

فإذا انتهت المدة فلا مسح، لابد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة فلابد من غسل القدمين.

ثم إن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي صلي الله عليه وسلم يقول في الهوي شيئاً؟

الهوي: المحبة والميل، فقال: نعم، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي: يا محمد؛ بصوت مرتفع.

فقيل له: ويحك أتنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع؟ والله - عز وجل- يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) ، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيراً؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.

فأجابه النبي صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أكمل الناس هدياً، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي

صلي الله عليه وسلم بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: ((المرء يحب القوم ولما يلحق بهم)) يعني: يحب القوم ولكن عمله دون علمهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب يوم القيامة)) نعمة عظيمة - ولله الحمد- وقد روي أنس بن مالك- رضي الله عنه- هذه القطعة من الحديث، أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: ((إنك مع من أحببت)) قال أنس: ((فأنا أحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبابكر عمر وأرجو أن أكون معهم)) .

وهكذا أيضاً نحن نشهد الله - عز وجل- على محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدي من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.

هذه بشري للإنسان؛ أنه إذا احب قوما صار معهم وإن قصر به عمله؛ يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول صلي الله عليه وسلم جميعاً، وهكذا.. كما أن من أحب الكفرة فإنه ربما يكون معهم _ والعياذ بالله- لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد. إن كان

يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالي سماهم أعداء قال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) وقال عز وجل:) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) .

فكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر.

ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كاف مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدؤك. قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) ، إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي - عليه الصلاة والسلام- ألا وهي: ((المرء مع من أحب)) فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالي، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم.

نسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق.

* *

٢٠- وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن نبي الله صلي

الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن اعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين

نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله - تعالي- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلي الله تعالي، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أدني فهو له، فقاسوا فوجدوه أدني إلي الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) (متفق عليه) .

وفي رواية في الصحيح: ((فكان إلي القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها)) وفي رواية في الصحيح: ((فاوحي الله تعالي إلي هذه أن تباعدي، وإلي هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) وفي رواية: ((فنأي بصدره نحوها)) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف- رحمه الله- عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم إنه ندم وسال عن أعلم أهل الأرض

يسأله: هل له من توبة؟ فدل على رجل، فإذا هو راهب -يعني عابداً- ولكن ليس عنده علم، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال: ليس لك توبة! فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب؛ فأتم به مائة نفس، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقط له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم! ومن الذي يحول بينه وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ولكن اذهب إلي القرية الفلانية؛ فإن فيها قوماً يعبدون الله. والأرض التي كان فيها كأنها- والله أعلم- دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلي هذه القرية التي يعبد فيها الله- سبحانه وتعالي-، فخرج تائبا نادماً مهاجراً بدينه إلي الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل. وفي منتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة العذاب، والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة، فاختصموا؛ ملائكة العذاب تقول: إنه تاب وجاء نادماً تائباً، فحصل بينهما

خصومة، فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أقرب فهو له؛ يعني فهو من أهلها. إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه، وإن كان إلي بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه.

فقاسوا ما بينهما؛ فإذا البلد التي اتجه إليها- وهي بلد الإيمان -أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة.

ففي هذا دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن القاتل إذا قتل إنساناً عمداً ثم تاب فإن الله - تعالي- يقبل توبته، ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨) ، يعني ما دون الشرك، فإن الله تعالي يغفره إذا شاء.

وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

وذكر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أن القاتل ليس له توبة؛ لأن الله يقول:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) .

ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس توبة بالنسبة للمقتول؛ وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق:

الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.

أما حق الله؛ فلا شك أن الله تعالي يغفره بالتوبة، لقول الله تعالي:) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ) (الزمر: من الآية٥٣) .

ولقوله تعالي: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ و) (الفرقان: من الآية٦٨/٧٠) .

وأما حق المقتول؛ فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤدي إليه حقه؛ لأنه مات، ولا يمكن الوصول إلي استحلاله، أو التبرؤ من دمه، فهذا هو الذي يبقي مطالباً به القاتل ولو تاب، وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهما.

وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل؛ حتى يسلم نفسه إلي أولياء المقتول، ويقر بالقتل، ويقول: أنا القاتل، وأنا بين أيديكم، إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذو الدية، وإن شئتم اسمحوا، فإذا تاب إلي الله، وسلم نفسه لأولياء المقتول- يعني لورثته - فإن توبته تصح، وما بينه وبين المقتول يكون الحكم فيه إلي الله يوم القيامة.

٢١- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب- رضي الله عنه- من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك - رضي الله عنه- يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك: قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله - تعالي- بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب حين تخلفت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم

يريد غزوة إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازاً واستقبل عدداً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ

(يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر علي ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمأدي بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم يحزنني أني لا أري لي أسوة، إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالي من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم حبسه

برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - رضي الله عنه-: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما

علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأي رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو ابو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصلع من التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم قادماً، وكأن إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله تعالي حتى جئت، فلما سلمت تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي، ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعن ظهرك؟ لرأيت أتي سأخرج من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلاً، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني ليوشكن الله

يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عل فيه إني لأرجو فيه عقبي الله عز وجل، والله ما كأن لي من عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)) وسار رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: حين ذكرؤهما لي، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس- أو قال: تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا علي ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه

برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت

نحوه أعرض عني، حتى إذا حال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة؟ إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد؛ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلي الله عليه وسلم ياتيني، فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها

فلا تقربنها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجأءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا

يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلي شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلي يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: استأذنته فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبث بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عنن كلامنا.

ثم صليت صلاة الفجر صباح ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالي منا، قد ضاقت علة نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فحخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج. فأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس بتوبة الله- عز وجل- علينا حين صلي صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعي ساع من أسلم قبلي وأوفي على الجبل، وكان الصوت أسرع النبي صلي الله عليه وسلم الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى

دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه- يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرة، فكأن كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر

بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله- عز وجل- وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منهن فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن نخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمسك عليك بغض مالك فهو خير لك، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إن الله تعالي إنما أنجاني بالصدق، وإن توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله- تعالي-في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم إلي يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله- تعالي- فيما بقي، قال: فنزل الله تعالي:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حتى بلغ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت) حتى بلغ:) وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية١١٧/١١٩) قال

كعب: والله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله

صلي الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا: إن الله تعالي قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لأحد، فقال الله تعالي:) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٥/٩٦) .

قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أؤلئك الذين قبل منهم رسول الله صلي الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا حتى قضي الله- تعالي- فيه بذلك؟ قال الله تعالي:) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفق عليه.

وفي رواية: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.

وفي رواية: وكان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي ركعتين ثم جلس فيه.

[الشَّرْحُ]

هذا حديث كعب بن مالك، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.

غزا النبي صلي الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيداً ولم ير عدوا فرجع. وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلي الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله.

أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي- عليه الصلاة والسلام- ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار.

إلا أن كعب بن مالك- رضي الله عنه- تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: ((إنه ما تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط)) كل غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب- رضي الله عنه- فهو من المجاهدين في سبيل الله ((إلا في غزوة بدر)) ، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي صلي الله عليه وسلم - عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيرا لقريش، أي إبل محملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر بالمدينة.

فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام_ من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها، وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم؛ فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي- عليه الصلاة والسلام- ويحل له أن يخرج ليأخذها، وليس في ذلك عدوان من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه،

بل هذا أخذ لبعض حقهم.

خرج الرسول صلي الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط؛ وليس معهم عدة والعدد قليل، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينقذ الله ما أراد عز وجل.

فسمع ابو سفيان - وهو قائد العير- أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير؛ فعدل عن سيره إلي الساحل وأرسل إلي قريش صارخاً يستنجدهم - أي يستغيثهم- ويقول: هلموا أنقذوا العير.

خرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا من ديارهم) ْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (لأنفال: من الآية٤٧)

ولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا: العير نجت، فلما لنا وللقتال؟ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونسقي الخمور، ونطعم الطعام، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا!.

هكذا قالوا، بطرا واستكبارا وفخرا، ولكن- الحمد لله- صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالنبي- عليه الصلاة والسلام- وزكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في اليوم السابع عشر منه، التقوا فأوحي الله عز وجل إلي الملائكة:) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا

الرُّعْبَ) (الأنفال: من الآية١٢) ، انظر! في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فما أقرب النصر في هذه الحال؟! رعب في قلوب الأعداء، وثبات في قلوب المؤمنين.

فثبت الله المؤمنين ثباتاً عظيماً، وأنزل في قلوبهم الذين كفروا الرعب.

قال الله سبحانه) َ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) ، أي: كل مفصل، واضربوا فالأمر ميسر لكم.

فجعل المسلمون- ولله الحمد- يجلدون فيهم؛ فقتلوا سبعين رجلاً واسروا سبعين رجلاً، والذين قتلوا ليسوا من أطرفهم، الذين قتلوا كلهم من صناديهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرون رجلاً يسحبون سحباً وألقوا في قليب من قلب بدر، سحبوا حتى ألقوا في القليب جثثاً هامدة، ووقف عليهم النبي - عليه الصلاة والسلام_ وقال لهم: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناساً قد جيفوا؟ قال: ((والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون)) ؛ لأنهم موتي، وهذه - ولله الحمد- نعمة، علينا أن نشكر الله عز وجل عليها كلما ذكرناها.

نصر الله نبيه، وسمي الله هذا اليوم) عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) (لأنفال: من الآية٤١) .

هذا اليوم فرق الله فيه الحق والباطل تفريقاً عظيماً. وانظر إلي قدرة الله عز وجل في هذا اليوم، انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوي، وهؤلاء ليس معهم إلا عد قليل من الإبل والخيل، لكن نصر الله عز وجل إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد، وإلي هذا أشار الله بقوله) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية١٢٣) ، ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفاً وأمامهم هوزان وثقيف؛ فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل. غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم، لنهم أعجبوا بكثرتهم، قالوا: لن نغلب اليوم عن قله، فأراهم الله عز وجل أن كثرتهم لن تنفعهم.

قال الله تعالي:) وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة: من الآية٢٥) .

أترون ماذا حصل لأهل بدر؟

اطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.

كل معصية تقع منهم فإنها مغفورة، لأن الثمن مقدم.

فهذه الغزوة صارت سبباً لكل خير، حتى إن حاطب بن أبي بلتعة

- رضي الله عنه- لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو- رضي الله عنه- إلي أهل مكة يخبرهم، ولكن الله أطلع نبيه علي ذلكز أرسل حاطب بن أبي بلتعة بن علي أبي طالب وواحداً معه حتى لحقوها في روضة تسمي روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فقالوا لها: أين الكتاب؟ والله ما كبنا ولا كبنا، أين الكتاب؟ لتخرجنه أو لننزعن ثيابك؟ فلما رأت ذلك لأخرجته، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلي قريش، فأخذوه.

والحمد لله أنه لم يصل إلي قريش، فصار في هذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب، لأن الذي أراد ما حصل من نعمة الله.

فلما ردوا الكتاب إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ((يا حاطب، ما هذا)) ؟ فاعتذر.

فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) .

وكان حاطب من أهل بدر رضي الله عنه.

فالمهم أن هذه تخلف عنها كعب، لكنها ليست في أول الأمر، إلا في ثاني الحال؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، ولكن الله جمع بيته وبين عدوه على غير ميعاد، وكانت غزاة مباركة ولله الحمد. ثم ذكر بيعته النبي صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة في مني، حيث بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها بدر.

يعني هي أحب إليه من غزوة؛ لأنها بيعة عظيمة.

لكن يقول: كانت بدر أذكر في الناس منها، أي أكثر ذكراً، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.

علي كل حال- رضي الله عنه- يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة، فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة.

يقول رضي الله عنه: ((إني لم أكن قط اقوي ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)) - أي: غزوة تبوك- كان قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبداً، وقد استعد وتجهز- رضي الله عنه- وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وري بغيرها، أي: أظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأن لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانة الذي قصده النبي صلي الله عليه وسلم فيه.

فكان مثلاً إذا أراد أن يخرج إلي الجنوب وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الشمال، أو لا أراد أن يخرج إلي الشرق وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره. إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم

بين امرها ووضحها وجلاها لأصحابه؛ وذلك لأمور:

أولاً: إنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار، والنفوس مجبولة عللا الركون إلي الكسل وإلي الرخاء.

ثانيا: أن المدى بعيد من المدينة إلي تبوك، ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس.

ثالثاً: أن العدو كثير وهم الروم، اجتمعوا في عدد هائل حسب نا بلغ النبي صلي الله عليه وسلم، فلذلك جلي امرها وأوضح أمر الغزاة، وأخبر أنه خارج إلي المسلمون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم. هؤلاء من المؤمنين الخلص، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل. أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية. فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام- بأصحابه- وهم كثير- إلي جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالي لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف علي غير حرب.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: ((إن الرسول صلي الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة.

أما هو - رضي الله عنه- فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول: ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئاً، ثم يفعل كل يوم، حتى تمادي به الأمر ولم يدرك.

وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه- حري أن يحرم إياه، كما قال الله سبحانه) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: ١١٠) فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبله ويذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه- والعياذ بالله- كما أن الإنسان إذا لم يصبر علي المصيبة من أول الأمر فإنه يحرم أجرها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

فعليك- يا أخي - أن تبادر بالأعمال الصالحة، ولا تتأخر فتتمادي بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر، فها هو- رضي الله عنه- كل يوم يقول: أخرج، ولكن تمادي به الأمر ولم يخرج.

يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلي سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصارن إلا رجل مغموس في النفاق- والعياذ بالله- قد غمسه نفاقة فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب علي نفسه: كيف لا يبقي في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.

فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله أين

كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمه وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ ابن جبل - رضي الله عنه- فسكت النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.

فبينما هو كذلك إذ رأي رجلاً مبيضاً، يعنني بياضاً يزول به السراب من بعيد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((كن ابا خيثمة الأنصاري)) فكان ابا خيثمة.

وهذا إما من فراسة النبي - عليه الصلاة والسلام- وإما من قوة نظره صلي الله عليه وسلم.

ولا شك انه من أقوي الرجال نظرا وسمعا ونطقا وفي كل شيء.

وأعطي قوة ثلاثين رجلاً بالنسبة للنساء- عليه الصلاة والسلام- وكذلك أعطي قوة في غير ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه.

وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مراء ما أكثر الصداقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غني عن صاع هذا.

انظر- والعياذ بالله- يلمزون المؤمنين من هنا ومن هنا، كما قال الله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: من الآية٧٩) أي: إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا: إن الله غني عن صاعك.

وهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأي أهل البخير لمزهمن وإن رأي المقصرين لمزهم، وهو أخبث عباد الله، فهو في الدرك السفل من النار. والمنافقون في زمننا هذا إذا أرادوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: هؤلاء متزمتون، هؤلاء متشددون، وهؤلاء أصوليون، هؤلاء رجعيون، وما أشبه ذلك من الكلام.

فكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام- إلي يومنا هذا.

لا تقولوا ليس عندنا منافقون ‍بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة‍‍!!

وقد ذكر ابن القيم- رحمه اله- في كتابه ((مدارج السالكين)) في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين، كلها مبينة في كتاب الله عز وجل متزمت، هذا بخيل، لله غني عن صدقته. وإذا رأيت رجلاً يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا، فاعلم أنه منافق والعياذ بالله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩) فاستفدنا من الحديث فائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل.

وأذكر حديثاً قاله النبي- عليه الصلاة والسلام- في الذين يتقدمون إلي المسجد ولكن لا يتقدمون إلي الصف الأول، بل يكونون في مؤخره. قال ((لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم

الله) .

إذا عود الإنسان نفسه على التأخير آخره الله عز وجل. فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله عز وجل.

الفائدة الثانية: أن المنافقين يلمزون المؤمنين، إن تصدق المسلمون بكثير قالوا: هؤلاء مراؤون، وإن قللوا بحسب طاقتهم قالوا: إن الله غني عن عملك وغني عن صاعك، كما سبق.

وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه- أي: بما يعادل تمرة- كما يربي أحدكم فلوه- أي مهره: الحصان الصغير - حتى تكون مثل الجبل، وهي تمرة أو ما يعادلها.

بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ، أي: نصف تمرة، بل قال الله عز وجل:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧/٨) ، والله سبحانه وتعالي لا يضيع أجر المحسنين.

يقول رضي الله عنه: إنه لما بلغه أن النبي صلي الله عليه وسلم رجع قافلاً من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذباَ، من أجل أن يعذره النبي صلي الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه: فلما بلغ من الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلي الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام، وهكذا أمر جابراً-رضي الله عنه- كما سأذكره إن شاء الله، فدخل المسجد وصلي وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله قال:) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية٨٠) ، فيقول: أما أنا فعزمت أن اصدق النبي - عليه الصلاة والسلام_ وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب- أي:

الذي غير راض عني- ثم قال: ((تعال)) فلما دنوت منه قال لي: ((ما خلفك؟)) .

فقال رضي الله عنه: يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلاً- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلاً- ولكني لا

أحدثك اليوم حديثا ترضي به عني فيوشك أن يسخط الله على في ذلك. رضي الله عنه.

انظر إلي الإيمان! قال: لا يمكن أن أحدثك بالكذب، ولو حدثتك بالكذب، ورضيت عني اليوم، فإنه يوشك أن يسخط الله علي.

فأخبر النبي صلي الله عليه وسلم بالصدق، فأجله.

وفي هذا من الفوائد:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالي قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية.

فإن كعبا- رضي الله عنه- لما هم أن يزور على الرسول - عليه الصلاة والسلام- جلي الله ذلك عن قلبه وأزاحه عن قلبه، وعزم على ان يصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده، أن يعمد إلي المسجد قبل أن يدخل إلي بيته فيصلي فيه ركعتين، لأن هذه سنة النبي- عليه الصلاة والسلام- القولية والفعلية. أما الفعلية: فكما في حديث كعب بن مالك.

وأما القولية: فإن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- حين باع علي النبي صلي الله عليه وسلم جملة في أثناء الطريق واستثني أن يركبه إلي المدينة وأعطاه النبي صلي الله عليه وسلم شرطه، فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم قبله فجاء إلي رسول الله

فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين.

وما أظن أحداً من الناس اليوم- إلا قليلاً - يعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا، وإلا فهو سهل والحمد لله.

وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك، أو صليت في أدني مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه حصلت السنة.

ثالثاً: أن كعب بن مالك- رضي الله عنه - رجل قوي الحجة فصيح، ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم الحق.

رابعاً: أن الإنسان المغضب قد يتسم، فإذا قال قائل: كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط؟

قلنا: إن هذا يعرف بالقرائن، كتلون الوجه وتغيره.

فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطاً عليه.

خامساً: أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائماً علي القاعد؛ لأن كعبا سلم وهو قائم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((تعال)) .

سادساً: أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد، فإنه كان بإمكان الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيداً عنه، لكنه أمره أن يدنو

منه؛ لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلذلك قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ادن)) .

سابعاً: كمال يقين كعب بن مالك- رضي الله عنه- حيث أنه قال: أنني أستطيع أن اخرج بعذر من الرسول - عليه الصلاة والسلام- ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غداً.

ثامناً: إن الله يعلم السر وأخفي، فإن كعباً خاف أن يسمع الله قوله ومحاورته للرسول- عليه الصلاة والسلام- فينزل الله فيه قرآناً، كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلي الرسول - عليه الصلاة والسلام- تشكو زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله فيها آية من القرآن:) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) .

يقول كعب: إنه أتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق)) ويكفي له فخراً أن وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام- بالصدق: ((أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء)) . فذهب الرجل مستسلماً لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

فلحقه قوم من بني سلمه من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنباً قبل هذا، يعني مما تخلفت به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويكفيك أن ستغفر لك رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا استغفر لك

الرسول صلي الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول - عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه. فهم أن يفعل رضي الله عنه، ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلي في كتاب الله إلي يوم القيامة.

فسال قونه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك.

يقول: ((فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً لي فيهما أسوة)) .

أحياناً يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسياً به.

فهو- رضي الله عنه- لما ذكر له هذان الرجلان- وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدراً - فقال: ((لي فيهما أسوة فمضيت)) أي: لم يرجع إلي النبي عليه الصلاة والسلام.

فأمر النبي - عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.

فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً- لا يسلم عليهم السلام العادي.

يقول كعب: كنت أحضر واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.

هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وما ظنك برجل يهجر في هذا

المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون؟ إنها ستضيق عليه الأرض، وفعلاً ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا علي هذه الحال مدة خمسين يوماً، أي: شهراً كاملاً وعشرين يوماً. والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم. ولا يردون السلام إذا سلموا. وكأنهم في الناس لإبل جرب لا يقربهم أحد.

فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلي الله عز وجل، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.

فكان يحضر ويسلم على تانبي - عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلي قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبداً، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب، فتركوهم بالكلية، فضاقت عليهم الأرض، وبقوا علي هذه الحالة خمسين ليلة تامة، ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم. إلي هذا الحد، فرق بينهم وبين نسائهم.

وما ظنك برجل مثل كعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته؟ أمر عظيم،: ((إن النبي صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك)) قال: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة الله ورسوله، فسأل قال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول - عليه الصلاة والسلام- يأمرك ان تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ. حتى الصحابي الذي أرسل ما

حرف النص، لا معني ولا لفظاً، قال هكذا، قال: ولا أدري.

وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم، ما قال: أظن أنه يريد أن تطلقها، ولا: أظن انه يريد أن لا تطلقها! ما قال شيئاً، بل قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا. فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك. فلحقت بأهلها.

((فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان)) لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في السواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.

يقول: ((وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم)) اشبهم: أقواهم واجلدهم: أصبرهم. لأنه أشب منهم أصغر منهم سناً، فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد، لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- أطوع الناس لرسول الله صلي الله عليه وسلم.

يقول: ((وكنت آتي المسجد فاصلي واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا)) .

أي: ما يرد عليه رداً يسمع، هذا مع أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، ولكن امتثالاً لما أوحي الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم.

ويقول: كنت اصلي واسارق النبي صلي الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحياناً وأنا اصلي، فإذا قبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني.

كل هذا من شدة الهجر.

يقول: ((فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال على جفوة الناس، تسورت حائطاً لأبي قتادة رضي الله عنه)) تسوره: دخله من فوق الجدار من دون الباب، وكأن الباب مغلق. والعلم عند الله.

يقول: ((فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام)) وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذاً، لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة.

كل هذا طاعة لله ورسوله؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم- لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحداً في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم، فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه.

مرتين يناشده مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا؟ وأبوقتادة يدري، ويعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله.

فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

فقال: الله ورسوله أعلم.

لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا.

يقول: ففاضت عيناي، أي: بكي- رضي الله عنه- أن رجلاً- ابن عمه- أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة.

مع أنها- أيضاً- مسالة تعبديه، لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب

الله ورسوله؟ طلب شهادة، ومع ذلك لم يشهد له، مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله؛ ففاضت عيناه.

وتسور البستان أي: خرج إلي السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام- والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء- يقول: من يدلني على كعب بن مالك!

انظر إلي أهل الشر ينتهزون الفرص!

فعندما قال: من يدلني علي كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جداً.

يقول: ((فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك- يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافراً-وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، يعني: تعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا.

ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالي ورسوله، ومحب لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

قال: وهذه من البلاء، يعني: هذا من الامتحان. وصد رضي الله عنه، رجل مجفو لا يكلم، مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، لو كان في قلبه ضعف إيمان لا نتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه، لكن عنده إيمان راسخ.

يقول: قلت: هذه من البلاء. ثم ذهب إلي التنور فسجره فيه: يعني أوقدها بالتنور.

وإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد لك ان يذهب إلي هذا الملك، فأتلفها حتى ييأس منها ولا يحاول ان يجعلها حجة يذهب بها إلي هذا الملك. ثم بقي علي ذلك مدة.

ففي هذه القطعة من الحديث: دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجوراً منبوذا وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنهم.

لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلي المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه، ولا يرد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعاً ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.

ومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جري لأبي قتادة - رضي الله عنه- مع كعب بن مالك رضي الله عنه.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.

فإن هذا الملك- ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك- رضي الله عنه- يدعوه إلي الضلال لعله يرجع عن دينه إلي دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.

ومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك- رضي الله عنه- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ

آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية١٠) ، فبعض الناس- والعياذ بالله- يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد- والعياذ بالله- وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله إيذاء أيما أيما أيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجاً لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلي إلي يوم القيامة.

نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم النبي صلي الله عليه وسلم قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرا وعلنا.

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا رأي فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنة.

فإن كعباً لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلي هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها رضي الله عنه.

ومن ذلك: - أيضاً ما جري لسيلمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عرض عليه- عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها، يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقاماً من نفسه لنفسه، لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٢/٣٣) . فالمهم أنك إذا رأيت شيئاً من

مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سبباً لإلهائك عن ذكر الله.

فإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة، كما قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) .

يقول رضي الله عنه: ((فلما تمت لنا أربعون ليلة)) يعني شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وهذا من حكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس غلي الوحي ويتشوفوا إليه: ماذا سينزل رب العالمين عز وجل؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إلي كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم- أن يعتزلوا نساءهم.

وجاءت زوجة هلال بن أمية إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلي الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: ((إنه والله ما به من حركة إلي شيء)) يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي- رضي الله عنه- منذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يوماً يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.

يقول رضي الله عنه: ((فلما مضي عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم اصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا)) لأنه كما مر كانوا- رضي الله عنهم-

قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلي المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلم عليهم، ضاقت عليهم الأرض. فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه. يقول: ((فسمعت صارخاً يقول وهو على سلع- وهو جبل معروف في المدينة- أوفي عليه وصاح بأعلى صوته يقول: ((يا كعب بن مالك أشر يا كعب بن مالك)) !

يقول: ((فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج)) وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون غلي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونها بتوبة الله عليهما. فأنظر إلي فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كل يذهب يسعي ويركض من جهة.

يقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشري للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطي ثوبيه هذا الذي بشره.

أعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين. لكنها والله بشري عظيمة، بشري من الله سبحانه وتعالي عظيمة، أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.

ثم نزل متوجها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم وجزاه الله عن أمته خيراً- قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته

علي هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلي الله.

يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجاً، يعني جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه. رضي الله عنه.

هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم اله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.

وفي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: شدة هجر النبي - عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.

ثانياً: وفيه أن أقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- فرق بين قوله: ألحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.

أما إذا نوي الطلاق فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (٠ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي...)) الحديث.

فإذا نوي الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوي.

ثالثاً: شدة امتثال الصحابة- رضي الله عنهم- لأمر النبي صلي الله عليه وسلم لأنه- رضي الله عنه- ما تردد، ولا قال: لعلي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلي الله عليه وسلم: ارجع إليه لعله يسمح،

بل وافق بكل شيء.

رابعاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رحيما بأمته، فإنه بعد ان أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية، لأنه يحتاج لخدمة امرأته.

خامساً: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلي شيء من النساء.

سادساً: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذي من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلي المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشاً غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلي كعب بن مالك- رضي الله عنه- صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.

سابعاً: حرص الصحابة - رضي الله عنهم- علي التسابق إلي لبشرى؛ لأن البشري فيها إدخال السرور على المسلم. وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلي الله عز وجل؛ لأنه إحسان والله- سبحانه وتعالي- يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم.

فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئا يسره، كأن يكون خبراً ساراً أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك، لأنك تدخل السرور عليه.

ثامناً: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهديه تكون مناسبة للحال، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أعطي الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح

به الخبر عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلي الحج، يعني ان يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينهي عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائماً معموراً بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فعل هذا اجتهاداً منه- رضي الله عنه- وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أولي.

المهم أن رجلاً استفتي عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.

فرأي هذا الرجل في المنام شخصا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه، يعني يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الريا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حالة.

يقول رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي كعب طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه- فصاحفه وهناه بتوبة الله عليه.

يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا

ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي صلي الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جري من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يوماً، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.

ثم قال له النبي صلي الله عليه وسلم: ((أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك)) .

وصدق النبي صلي الله عليه وسلم خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلي صاحبيه في قرآن يتلي، تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلي الله عليه وسلم محفوظاً بواسطة جبريل، ومحفوظا إلي يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.

بقيت هذه القصة تتلي في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.

فقال كعب: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله، أي: يتخلي عنه ويجعله صدقة إلي الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) فأمسكه رضي

الله عنه.

ففي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: فيها دليل على أن من السنة إذا أتي الإنسان ما يسره ان يهنأ به ويبشره به، سواء كان خير دين أو خير دنيا.

ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وبغلام عليم، الغلام الحليم: إسماعيل. والغلام العليم: إسحاق. بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين.

ثانياً: إنه لا بأس بالقيام إلي الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسره.

والقيام إلي الرجل لا باس به قد جاءت به السنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضاً لا بأس به إذا أعتاده الناس، لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم، فإن من يقام له قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوا مقعده من النار)) .

قال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:

الأول: قيام إلي الرجل.

الثاني: قيام للرجل.

والثالث: قيام على الرجل.

فالقيام إلي الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرا وإقراراً وفعلاً أيضاً.

أما الأمر: فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه عند تحكيمه في بني قريظة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله، والأكحل عرق في الإبهام إذا انفجر مات الإنسان، أصيب به-رضي الله عنه- فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، وكانوا حلفاء للأوس، وخانوا عهد النبي - عليه الصلاة والسلام- وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلي الله عليه وسلم. فلما طعن سعد قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وكان من علو منزلته عند رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد- أي خيمة صغيرة- لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب.

ولما حصلت غزوة بني قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلي بني قريظة، فجاء راكبا على حمار؛ لأنه قد أنهكه الجرح، فلما أقبل قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) فقاموا فأنزلوه، فقال النبي- عليه الصلاة والسلام - له: إن هؤلاء

- يعني اليهود- من بني قريظة حكموك. فقال رضي الله عنه: حكمي نافذ فيهم؟

قال نعم! وأقروا هم به، وقالوا: نعم حكمك نافذ، قال: وفيمن ها هنا - يشير إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- والصحابة - قالوا: نعم، فقال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، حكم صارم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)) رضي الله عنه.

فنفذ النبي صلي الله عليه وسلم حكمه، وقتل منهم سبعمائة رجل، وسبي نساءهم وذرياتهم، وغنم أموالهم.

الشاهد قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) هذا فعل أمر، ولما دخل كعب ابن مالك المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلي الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه.

ولما قدم وفد ثقيف إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- بالجعرانة بعد الغزوة قام لهم- أو قام إليهم - عليه الصلاة والسلام، فالقيام إلي الجل لا بأس به.

الثاني: القيام للرجل: وهذا أيضا لا بأس به، لا سيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهاناً له، فإن ذلك لا بأس به، وإن كان الأولي تركه كما في السنة، لكن إذا عتاده الناس فلا حرج فيه.

الثالث: القيام عليه: كأن يكون جالساً، ويقوم واحد على رأسه تعظيما له، فهذا منهي عنه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا)) .

حتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلي جالسا فإن المأموين يصلون جلوسا، ولو كانوا يقدرون على القيام، لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم)) .

فالقيام على الرجل منهي عنه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يخاف على الرجل أن يتعدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة.

وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا- نحن المسلمين- أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل؛ لأنا هكذا أمرنا، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية٧٣) وقال الله تعالي:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: من الآية١٢٠) ، ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح، وربما يشاركهم في أعيادهم الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها، والتي يخشي أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد. يوجد من الناس - والعياذ بالله من لا قدر للدين عنده، كما قال ابن القيم-رحمه الله- في كتابه ((أحكام أهل الذمة)) : ((من ليس عنده قدر للدين يشاركهم في الأعياد ويهنئهم)) . وكيف يدخل السرور على أعداء الله وأعدائك؟! ادخل عليهم ما يحزنهم ويغيظهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق، هكذا أمرنا؛ لأنهم أعداء لنا وأعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

المهم أن المغيرة بن شعبة وقف على رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً له حتى إنه في أثناء تلك المراسلة فعل الصحابة شيئا لا يفعلونه في العادة، كان عليه الصلاة والسلام إذا تنخم نخامته تلقوا نخامته بأيديهم بالراحة، ثم يمسحون بها وجوههم وصدوره مع إنهم ما كانوا يفعلون هذا، لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار بين لهم حال الصحابة- رضي الله عنهم- مع نبيهم عليه الصلاة والسلام.

ولذلك لما رجع رسول قريش إلي قريش قال: والله لقد دخلت على

الملوك وكسري وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً، رضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم الله عنا خيراً.

المهم أن القيام على الرجل إذا كان المقصود به حفظ الرجل، أو كان المقصود به إغاظة العدو، فإن هذا لا باس به ولا حرج فيهن وإلا فهو منهي عنه.

ثالثاً: إن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي صلي الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلي الله عز وجل لما حصل له من الأمر العظيم الذي كان فخراً له إلي يوم القيامة.

ثم ذكر كعب بن مالك ان من توبته ان لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالي بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبداً بعد أن تاب الله عليه، فكان - رضي الله عنه- مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) ، أنزل الله تعالي الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالي: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية١١٧) ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالي توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، أكدها بقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّه) .

فأما النبي فهو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من

مكة إلي المدينة، هاجروا إلي الله، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما هاجروا إلي الله ورسوله، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة.

أما الأنصار فهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أهل المدينة- رضي الله عنهم- الذين أووا النبي صلي الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار، لجمعهم بين الهجرة والنصرة.

وقوله: (ِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وذلك في الخروج معه إلي غزوة تبوك، إلي بلاد بعيدة، والناس في اشد ما يكونون من الحر، والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم، لأن الوقت وقت قيظ، والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال، ولكنهم - رضي الله عنهم- خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة) ِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه، ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلي الله عليه وسلم.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أكد ذلك مرة أخري (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) شملهم بالرأفة والرحمة، والرأفة أرق من الرحمة؛ لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة.

ثم قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) .

والثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم، وخلفوا: أي خلف البت

في أمرهم، وليس المراد عن الغزوة، بل خلفهم الرسول- عليه الصلاة والسلام- لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالي فيهم.

وقوله: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضاقت عليهم الأرض مع سعتها، والرحب هو السعة، والمعني ان الأرض علي سعتها ضاقت بهم. حتى قال كعب بن مالك: ((لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت: لا أدري، هل أنا في المدينة أو غيرها)) من شدة الضيق عليهم، رضي الله عنهم.

(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُم) نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقي النبي صلي الله عليه وسلم ولكنهم صبروا- رضي الله عنهم- حتى فرج الله عليهم.

وقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) (التوبة: من الآية١١٨) ، الظن هنا بمعني اليقين، أي أيقنوا انه لا ملجأ من الله، أي: أنه لا أحد ينفعهم، ولا ملجأ من الله إلا إلي الله، فالله بيده كل شي عز وجل.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: من الآية١١٨)) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق، لا ينالها إلا أحباب الله، كما قال الله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) .

أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلي الله، فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تلومونهم (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس) نعوذ بالله رجس، الخمر رجس، القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس، روث الحمير رجس، هؤلاء مثلهم. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: من الآية٩٥) ،

بئس المأوى، والعياذ بالله، إنهم ينقلون من الدنيا إلي جهنم، نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة، مؤصدة عليهم في عمد ممددة.

(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لو رضي الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك إلا رضا الله عز وجل؛ لأن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس وأمال قلوبهم إليك، كما جاء في الحديث: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: أني أحب فلاناً فأحبه)) يعين الله الرجل له فيحبه جبريل، ((ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)) فيكون مقبولاً لدي أهل الأرض.

كما قال الله عز وجل:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم: ٩٦) .

لكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.

ولهذا لما تولي معاوية- رضي الله عنه- الخلافة كتبت له عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله

الله إلي الناس)) وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق عز وجل- والعياذ بالله_.

هؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس، فلا ينفعهم رضا الناس قال الله تعالي هنا: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: من الآية٩٦) ، حتى لو رضي عنهم النبي صلي الله عليه وسلم _ اشرف الخلق_ ما نفعهم؛ لأن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين.

وفي هذه الآية تحذير من الفسق، وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، ويقوي بقوته ويضعف بضعفه. والفسق سبب من أسباب عدم رضا الله (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) والفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة. فعقوق الوالدين من الفسوق، وقطيعة الرحم من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق.

لكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا اصلح الإنسان الحسنات، كما قال الله

تعالي:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء: ٧٨) .

وقال عز وجل:) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية١١٤) ، فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة.

علي كل حال: الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا، فالتزم طاعة الله إن كنت تريد رضاه، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله، إذا رضي الله عنك كفاك مؤنة الناس وأرضي الناس عنك، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله، والعياذ بالله. وذكر- رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس، ولكن ذلك ليس بدائم، أحياناً يخرج يوم السبت، كما خرج في آخر سفره سافرها في حجة الوداع، وربما يخرج في أيام أخر، لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس.

وذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم عاد إلي المدينة ضحي، وأنه دخل المسجد فصلي فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلي الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

وهاتان الركعتان تشمل كل الوقت، حتى أوقات النهي؛ لأنها صلاة سببية، فليس عنها نهي، في أي وقت وجد سببها حل فعلها.

فينبغي إذا قدم الإنسان إلي بلده أن يبدأ قبل كل شي بالمسجد. وقد تقدم ذكر ذلك.

٢٢- وعن أبي نجيد- بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي- رضي الله عنهما - أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلي الله عليه وسلم وهي حبلي من الزني، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلي الله عليه وسلم وليها فقال: ((أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني)) ففعل، فأمر بها نبي الله صلي الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلي عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالي؟!)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنه: إن امرأة جاءت إلي النبي صلي الله عليه وسلم ((وهي حبلي من الزنا)) يعني حاملاً قد زنت، رضي الله عنها.

((فقالت: يا رسول الله إني قد أصبت حدا فاقمه علي)) أي: أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأت بها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما وضعت أتي بها وليها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، ((فأمر بها فشدت عليها ثيابها)) أي: لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ((ثم أمر بها فرجمت)) أي: بالحجارة: وهي ليست كبيرة ولا صغيرة، حتى ماتت، ثم صلي عليها النبي صلي الله عليه وسلم ودعا لها دعاء الميت: ((فال له عمر:

تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت)) أي: والزنى من كبائر الذنوب، فقال: ((لقد تأبت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)) يعيني: توبة واسعة لو قسمت علي سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم، ((وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل)) أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، امرأة جاءت فجادت بنفسها؛ يعني: سلمت نفسها من أجل التقرب إلي الله - عز وجل- والخلوص من إثم الزنى. ما هناك أفضل من هذا؟!

ففي هذا الحديث دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن الزاني إذا زني وهو محصن- يعني قد تزوج- فإنه يجب أن يرجم وجوباً؛ وقد كان هذا في كتاب الله- عز وجل- آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها، رجم النبي صلي الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده، ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقي حكمها في هذه الأمة. فإذا زني المحصن- وهو الذي د تزوج - فإنه يرجم حتى يموت. يوقف في مكان واسع، ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصي يرمونه به حتى يموت.

وهذه من حكمه الله عز وجل، أي: أنه لم يأمر الشرع بأن يقتل بالسيف وينتهي أمرهن بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام؛ لأن هذا الزني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.

ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة؛ لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح، ولا

بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته، ولكن بحصي متوسط حتى يذوق اللم ثم يموت.

فإذا قال قائل: أليس قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح)) ، والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة؟

قلنا: بلي قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع، فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع، ولذلك لو أن رجلاً جانيا جنى على شخص فقتله عمداً وعزر به قبل ان يقتله فإننا نعزر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله.

مثلاً: لو أن رجلاً جانيا قتل شخصاً فقطع- مثلاً- يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم رأسه. فإننا لا نقتل الجاني بالسيف!! بل نقطع يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم نقطع رأسه مثلما فعل، ويعتبر هذا إحساناً في القتلة، لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع علي أي وجه كان.

وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.

فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زني، عند الإمام أو نائبه؛ من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم.

وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه بأنه زني، يخبر بذلك عامة الناس؛ فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين. قالوا: من المجاهرون؟ قال: الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به)) .

إذا قام قائل هل الأفضل للإنسان إذا زني أن يذهب إلي القاضي ليقر عنده، فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالجواب عن هذا أن في ذلك تفصيلاً.

قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً، وندم، وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يجعل الأمر سرا بينه وبين الله، ومن تاب تاب الله عليه.

واما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود ويرجع إلي الذنب مرة أخري؛ فهذا الأفضل في حقه ان يذهب إلي ولي الأمر، أو إلي القاضي أو غيره، ليقر عنده فيقام عليه الحد.

* * *

٢٣- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((لو أن لابن آدم ملء واد مالاً: لأحب أن له إليه مثله ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)) . (متفق عليه) .

٢٤-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ((يضحك الله- سبحانه وتعالي-إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان في بيان التوبة، وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه؛ لأن الله تعالي قال في كتابه:) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان: ٦٨/٧٠) .

فالحديث الأول عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- ومعناه: أن ابن آدم لن يشبع من المال، ولو كان له واد واحد ((لا بتغي)) أي طلب أن يكون ل وديان، ولا يملأ غلا التراب؛ وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها؛ حينئذ يقتنع؛ لأنها فاتنة، ولكن مع ذلك حث الرسول صلي الله عليه وسلم على التوبة؛ لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال؛ أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم.

ولكن دواء ذلك بالتوبة إلي الله ولهذا قال: ((ويتوب الله علي من تاب)) فمن تاب من سيئاته- ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال -فإن الله يتوب عليه.

أما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((يضحك الله إلي رجلين.. الحديث)) .

فضحك الله إلي هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا؛ حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأوال ما في نفوسهما من الغل، لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله-تعالي- في وصفهم) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .

فهذه وجه العجب من الله- عز وجل- لهذين الرجلين أنه كان بينهما تمام العداوة، ثم إن الله-تعالي- من على هذا القاتل الذي كان كافراً فتاب، فتاب الله عليه.

ففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره-ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين-فإن الله- تعالي- يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.

[٣- باب الصبر]

قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠)) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥) وقال تعالي:) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠)) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) وقال تعالي:) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٣) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.

[الشَّرْحُ]

الصبر في اللغة: الحبس.

والمراد به في الشرع: حبس النفس على أمور ثلاثة:

الأول: على طاعة الله.

الثاني: عن محارم الله.

الثالث: على أقدار الله المؤلفة. هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم.

الأمر الأول: أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس، وتصعب على الإنسان، وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب، وكذلك أيضا يكون فيها مشقة من الناحية المالية؛ كمسألة الزكاة ومسالة الحج، فالطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن، فتحتاج إلي صبر، وإلي معاناة قال الله

تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) .

الأمر الثاني: الصبر عن محارم الله بكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه، لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلي السوء، فيصبر الإنسان نفسه, مثل الكذب، والغش في المعاملات، وأكل المال بالباطل بالرب أو غيره، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة.

فيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها، وهذا يحتاج أيضاً إلي معاناة، ويحتاج إلي كف النفس والهوى.

أما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن أقدار الله- عز وجل-على الإنسان ملائمة ومؤلمة.

الملاءمة: تحتاج إلي الشكر، والشكر من الطاعات؛ فالصبر عليه من النوع الأول.

ومؤلمة: بحيث لا تلائم الإنسان تكون مؤلمة؛ فيبتلي الإنسان في بدنه، ويبتلي في ماله بفقده. ويبتلي في أهله، ويبتلي في مجتمعه، وأنواع البلايا كثيرة تحتاج إلي صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان، أو بالقلب، أو بالجوارح لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:

الحالة الأولي: أن يتسخط.

والحالة الثانية: أن يصبر.

والحالة الثالثة: أن يرضي.

والحالة الرابعة: أن يشكر.

هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.

أما الحال الأولي: أن يتسخط إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه.

التسخط بالقلب: أن يكون في قلبه- والعياذ بالله- شيء على ربه من السخط والشره على الله- والعياذ بالله- وما أشبه. ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.

وأما السخط باللسان: فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه ويا ثبوراه، وأن يسب الدهر فيؤذي الله- عز وجل- وما أشبه ذلك.

وأما التسخط بالجوارح: مثل أن يلطم خده، أو يصقع راسه، أو ينتف شعره، أو

يشق ثوبه وما أشبه هذا.

هذه حال السخط، حال الهلعين الذين حرموا الثواب، ولم ينجوا من المصيبة، بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان، مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم.

أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه، هو يكره المصيبة، ولا يحبها، ولا يحب أن وقعت، لكن يصبر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله، ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا، فهو صابر لكنه كاره لها.

والحال الثالثة: الرضا؛ بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة، ويرضي بها رضاء تاماً وكأنه لم يصب بها.

والحالة الرابعة: الشكر؛ فيشكر الله عليها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأي ما يكره قال: ((الحمد لله على كل

حال)) .

فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المعصية أكثر مما أصابه.

ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها، فحمدت الله على ذلك، فقالوا لها: كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه، قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. والله الموفق.

ثم ساق المؤلف- رحمه الله تعالي- الآيات التي فيها الحث على الصبر والثناء على فاعليه، فقال: وقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) ، فأمر الله المؤمنين بمتضي إيمانهم، وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الأربعة: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: من الآية٢٠٠) .

فالصبر عن المعصية، والمصابرة على الطاعة، والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير، والتقوي تعم ذلك كله. (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها، تجنبوها ولا تقربوها.

ومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس، أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها، ولكن إذا دعتك نفسك إلي المعصية فاصبر، واحبس النفس.

وأما المصابرة فهي على الطاعة؛ لأن الطاعة فيها أمران:

الأمر الأول: فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به.

والأمر الثاني: ثقل على النفس، لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيل على النفوس الأمارة بالسوء.

فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ ولهذا قال الله تعالي: (وَصَابِرُوا) كان أحدا يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد.

وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) . لأن فيه استمرار في الطاعة وكثرة لفعلها.

وأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله، لأن التقوى اتخاذ ما بقي من عقاب الله، وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

وعلي هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، ثم بين الله- سبحانه وتعالي- أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سبب للفلاح فقال: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئئن: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب. فمن اتقي الله- عز وجل- حصل له مطلوبة ونجا من مرهوبه.

وأما الآية الثانية فقال- رحمه الله- وقوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥) ، هذه الآية فيها قسم من الله- عز وجل - أن يختبر العباد بهذه الأمور.

فقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي: لنختبرنكم.

(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) لا الخوف كله بل شيء منه؛ لأن الخوف كله مهلك ومدمر. لكن بشيء منه.

((الخوف)) هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع، ولهذا قدمه الله عليه، لكن الخائف- والعياذ بالله- لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، والخائف أعظم من الجائع؛ ولهذا بدأ الله به فقال: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا؛ لأن الذنوب سبب لكل الويلات، وسبب للمخاطر، والمخاوف، والعقوبات الدينية، والعقوبات الدنيوية.

(وَالْجُوعِ) يبتلي بالجوع.

والجوع يحمل معنيين:

المعني الأول: أن يحدث الله- سبحانه- في العباد وباء؛ هو وباء الجوع، بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا يمر على الناس، وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمي سنة الجوع. يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع- والعياذ بالله- نحدث أن الإنسان يأكل من التمر مخفراً كاملاً في آن واحد ولا يشبع-والعياذ بالله- ويأكل الخبز الكثير ولا

يشبع لمرض فيه. هذا نوع من الجوع.

النوع الثاني من الجوع: الجدب والسنون الممحلة لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع، هذا من الجوع.

وقوله (ِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يعيني: نقص الاقتصاد، بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر، ويتأخر اقتصادها، وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله -عز وجل- ابتلاء وامتحاناً.

وقوله: (وَالْأَنْفُسِ) أي: الموت؛ بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم. وهذا أيضاً يحدث كثيراً ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد- أي البلاد النجدية- حدث فيها وباء عظيم تسمي سنته عند العامة (سنة الرحمة) إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن- والعياذ بالله_، يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر، فيصاب هذا بمرض، ومن غد الثاني والثالث والرابع، حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم هذا المسجد، مسجد الجامع الكبير بعنيزة- وكان الناس بالأول في قرية صغيرة، ليس فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم، يقدم أحياناً في فرض الصلاة الواحد سبع إلي ثمان جنائز، نعوذ بالله من الأوبئة. هذا أيضاً نقص من الأنفس.

وقوله: (وَالثَّمَرَاتِ) أيك أن لا يكون هناك جوع، ولكن تنقص الثمرات، تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخري، والله - عز وجل- يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

فيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة، بالتسخط، أو بالصبر أو بالرضا، او بالشكر كما قلناه فيما سبق. والله الموفق.

الآية الثالثة: قوله تعالي: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) (يُوَفَّى الصَّابِرُون) أي يعطي الصابرون (أَجْرَهُمْ) أي ثوابهم.

وقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وذلك أن الأعمال الصالحة مضاعفة؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.

أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله- عز وجل- وهذا لم يقابل بعدد، بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب فيه، لا يقال مثلاً الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف، بل يقال إنه يوفي أجره بغير حساب. وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر. ثم قال المؤلف:

الآية الرابعة: قوله تعالي: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) أي: أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من مغزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلي مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله- عز وجل- وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله- عز وجل -، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له.

والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها.

وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذية الناس، ومغفرته لهم ما أساؤوا إليه فيه. ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق؛ فإن الله تعالي قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠) ، أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر.

مثال ذلك: لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره.

ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠) ، وإذا كان أجرك على الله لكان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعارضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة.

الآية الخامسة: قوله تعالي: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: من الآية١٥٣) أمر الله - سبحانه وتعالي- أن نستعين على الأمور بالصبر عليها، لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور.

فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلي الصبر فاصبر وتحمل ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)) .

وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية، حتى إن الرسول

- عليه الصلاة والسلام- ذكر عنه: ((أنه إذا حز به أمر فزع إلي الصلاة)) .

وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا استعان الإنسان بالصلاة عل أموره يسر الله له ذلك، لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، فيقف الإنسان فيها بين يدي الله، ويناجيه، ويدعوه، ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة؛ فكانت سبباً للمعونة.

قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) يعني ذلك المعية الخاصة، لأن معية الله- سبحانه وتعالي- تنقسم إلي قسمين:

معية عامة شاملة لكل أحد، وهي المذكورة في قوله تعالي: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا

كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) ، وفي قوله تعالي: (ِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة: من الآية٧) .

وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق، فما من مخلوق إلا والله - تعالي- معه يعلمه، ويحيط به سلطاناً وقدرة وسمعا وبصرا وغير ذلك.

أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد؛ وهذه خاصة بالرسل

وأتباعهم، ليست لكل أحد، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وما أشبه ذلك من

الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة.

ولكن المعيتين كلتيهما لا تدلان على أن الله - سبحانه وتعالي- فوق سماواته على

عرشه، أمكنتهم، بل هو مع الناس وهو- عز وجل-فوق وهو معك. والعرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا. وكل يعلم أن القمر في السماء. فما بلك بالخالق - عز وجل- هو وفق كل شيء استوي على عرشه، ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد. مهما انفردت فإن الله- تعالي- محيط بك؛ علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وغير ذلك.

وفي قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) دليل على أن الله يعين الصابر ويؤيده ويكأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله - عز وجل-.

الآية السادسة: قوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١) .

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) : لنختبركم: فالابتلاء بمعني الاختيار، أو البلوي بمعني الاختيار.

يعني: أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم؛ ليعلم من يصبر ومن لا يصبر؛ ولهذا قال الله- تعالي- في آية أخري: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: من الآية٤) (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (محمد: ٥) (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد: ٤/٦) .

وقوله عز وجل: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) قد يتوهم بعض من قصر علمه

أن الله - سبحانه - لا يعلم الشيء حتى قع؛ وهذا غير صحيح؛ فالله - تعالي- يعلم الأشياء قبل وقوعها، كما قال تعالي:) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) .

ومن أدعي أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه؛ فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله- تعالي- قد علم الأشياء قبل أن تقع!!

لكن العلم الذي في هذه الآية (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علما يترتب عليه الجزاء.

وقال بعض أهل العلم: المراد بقوله: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علم ظهور، يعني حتى يظهر الشيء؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، وعلمه بعد كونه علم بأنه كان. وفرق بين العلمين.

فالعلم الأول علم بأنه سيكون، والثاني علم بأنه كان.

ويظهر لك الفرق لو أن شخصاً قال لك: سوف أفعل كذا وكذا غداً فالآن حصل عندك علم بما أخبر به، ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر؛ أي: علم بأن الشيء الذي حدثك انه سيفعله قد فعله فعلاً. فهذان وجهان في تخريج قوله تعالي (حَتَّى نَعْلَمَ) .

الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، وهذا لا يكون إلا بعد البلوي، بعد أن يبتلي الله العبد ويختبره.

الوجه الثاني: أن المراد به علم الظهور؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، فإذا صار علمه تعالي به علماً بما كان.

وقوله: (الْمُجَاهِدِينَ) المجاهد: صار هو الذي بذل جهده جهده إعلاء كلمة الله، فيشمل المجاهد بعلمه، والمجاهد بعلمه: الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس، ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله، هذا مجاهد. والذي يحمل السلاح لقتال الأعداء هو أيضاً مجاهد في سبيل الله، إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا.

وقوله: (وَالصَّابِرِينَ) أي: يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويتحملونه ويقومون به.

وقوله: (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهوراً يترتب عليه الثواب والعقاب.

لما ذكر الله هذا الابتلاء قال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، والخطاب للنبي صلي الله عليه وسلم، ولك من يبلغه هذا الخطاب، يعني: بشر يا محمد، وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر. وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا، وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالشكر. كما مر علينا أن المصاب بالمصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات: تسخط، وصبر، ورضاً، وشكر، وهنا قال:) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: ١٥٥/١٥٦) .

وقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله - عز وجل- بعموم ملكه، وأنهم ملك لله، ولله أن يفعل في ملكه ما شاء؛ ولهذا قال النبي- عليه الصلاة والسلام- لإحدى بناته، قال لها: ((إن الله ما أخذ وله ما أعطي)) فأنت ملك لربك- عز وجل- يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالي.

ثم قال: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلي الله فيجازيهم. أن تسخطوا جازاهم علي سخطهم، وإن صبروا - كما هو شأن هؤلاء القوم- فإن الله تعالي يجازيهم على صبرهم علي هذه المصائب. فيبتلي - عز وجل- بالبلاء ويثيب الصابر عليه.

قال تعالي: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: من الآية١٥٧) ، أولئك يعين الصابرين (عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى، يثني الله عليهم عند ملائكته.

وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) الذين هداهم الله- عز وجل- عند حلول المصائب فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم. وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله- عز وجل- ليست هي رحمته، بل هي أخص وأكمل وأفضل، ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة، ومن

الملائكة الدعاء، ومن الآدميين الاستغفار؛ فإن هذا لا وجه له، بل الصلاة غير الرحمة؛ لأن الله تعالي عطف الرحمة علي الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة. ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين: اللهم ارحم فلاناً.

واختلفوا؛ هل يجوز أن تقول: اللهم صل عليه. أو لا يجوز؛ على أقوال ثلاثة:

-فمنهم من أجازها مطلقاًً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من أجازها إذا كانت تبعاً.

والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعاً، كما في قوله ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) ، أو لم تكن ولكن لها سبب؛ كما قال الله) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية١٠٣) ، فإذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعاراً، فإن ذلك لا بأس به. فلا بأس أن تقول: اللهم صل على فلان، فلو جاءك رجل بزكاته وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء، فلك أن تقول: صلي الله عليك، تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه بذلك.

* * *

٢٥- وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن - أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك.

كل الناس يغدو، فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

سبق لنا الكلام علي الآيات التي ساقها المؤلف- رحمه الله تعالي- في الصبر وثوابه والحث عليه، وبيان محله، ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك.

فذكر حديث أبي مالك الشعري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الطهور شطر الإيمان)) الحديث، غلي قوله ((والصبر ضياء)) فبين النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء؛ يعني أن يضيء للإنسان، عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات، فإذا صبر؛ فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلي الحق.

ولهذا ذكر الله- عز وجل- أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه؛ لأنه كلما سار إلي الله - عز وجل- علي طريق الصبر؛ فإن الله تعالي- يزيده هدي وضياء في قلبه ويبصره؛ فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الصبر ضياء)) .

أما بقية الحديث؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((الطهور شطر الإيمان)) .

الطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان.

شطر الإيمان: أي نصف الإيمان.

وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية.

أي: تبرؤ من الشرك والفسوق، تبرؤ من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخل.

وهذا هو الطهور؛ أن يتطهر الإنسان طهارة حسيه ومعنوية من كل ما فيه أذي فلهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان، ((وسبحان الله)) معناها: تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من العيوب ومماثلة المخلوقات.

فالله- عز وجل- منزه عن كل عيب في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب؛ ولهذا قال تعالي: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (لأعراف: من الآية١٨٠) ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص؛ ولهذا قال الله (ِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) بعد قوله: (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلي من جميع الوجوه، وله أيضاً الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله، كما قال الله تعالي:) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان: ٣٨) فليس في خلق الله لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة.

كذلك أحكامه لا تجد فيها عيباً ولا نقصاً كما قال الله تعالي:) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: ٨) ، وقال عز وجل:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) .

وقوله صلي الله عليه وسلم: ((سبحان الله والحمد لله تملآن- أو قال تملأ- ما بين

السماوات والأرض)) شك من الرواي: هل قال النبي صلي الله عليه وسلم: تملآن ما بين السموات والأرض، أو قال تملأ ما بين السموات والأرض.

والمعني لا يختلف. يعني أن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله عن كل نقص في قوله ((سبحان الله)) وعلى وصف الله بكل في قوله: ((والحمد لله)) .

فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون؛ أي بين نفي كل عيب ونقص، وإثبات كل كمال، فسبحان الله فيها نفي النقائص، والحمد لله فيها إثبات الكمالات.

فالتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.

والله - عز وجل- يحمد على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال: ((الحمد لله على كل حال)) ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس؛ وهي أقوالهم ((الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه)) .

هذا الحمد ناقص ‍‍!!

لأن قولك على مكروه سواه تعبير على قلة الصبر، أو - على

الأقل- عدم كمال الصبر، وأنك كاره لهذا الشيء، ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير، بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلي الله عليه وسلم يعبر به؛ فيقول ((الحمد لله على كل حال)) ، أو يقول: ((الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه)) .

أما أن يقول: على مكروه سواه، فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله- عز وجل- وأنه كاره له.

وأنا لا أقول: إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء، فالإنسان بطبيعته يكره ذلك، لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله، بل عبر كما عبر النبي صلي الله عليه وسلم ((الحمد لله على كل حال)) .

قوله صلي الله عليه وسلم: ((والصلاة نور)) .

فالصلاة نور: نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل.

وكذلك تكون نوراً للإنسان في قلبه؛ تفتح عليه باب المعرفة لله- عز وجل-، وباب المعرفة في أحكام الله، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام، إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء.

كذلك نور في حشرة يوم القيامة؛ كما أخبر بذلك الرسول صلي الله عليه وسلم: ((أن من حافظ عليه كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان

وقارون وابي بن خلف)) .

فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه.

وأما الصبر فقال: ((إنه ضياء)) فيه نور؛ لكن نور مع حرارة، كما قال الله تعالي) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً) (يونس: من الآية٥) .

فالضوء لابد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، لابد فيه من حرارة وتعب، لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب.

فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر، أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة؛ لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان.

وقوله: ((الصدق برهان)) .

الصدقة: بذل المال تقربا إلي الله- عز وجل- فيبذل المال على هذا الوجه للأهل، والفقراء، والمصالح العامة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهاناً على إيمان العبد، وذلك أن المال محبوب إلي النفوس، والنفوس شحيحة به، فإذا بذله الإنسان لله، فإن الإنسان لا يبل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه. فيكون في بذل المال لله- عز وجل- دليل على صدق الإيمان وصحته.

ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله- عز وجل- وبإخلافه؛ تجدهم أكثرهم صدقة.

ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((والقرآن حجة لك أو عليك)) لأن القرآن هو حبل الله المتين، وهو حجة الله على خلقه، فإما أن يكون لك، وذلك فيما إذا توصلت به إلي الله، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه. ففي هذه الحال يكون حجة لك.

أما إن كان الأمر بالعكس، أهنت القرآن، وهجرته لفظاً ومعني وعملاً، ولم تقم بواجبه؛ فإنه يكون شاهداً عليك يوم القيامة.

ولم يذكر الرسول صلي الله عليه وسلم مرتبة هاتين المرتبتين!

يعني: لم يذكر أن القرآن لا لك، ولا عليك؛ لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال. فنسأل الله أن يجعله لنا جميعاً حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة؛ إنه جواد كريم.

قوله: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) .

أي: كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل، وهذا شيء مشاهد. فإن الله - تعالي- جعل الليل سكناً وقال) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) (الأنعام: من الآية٦٠) ، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغري، تهدأ فيه الأعصاب، ويستريح فيه البدن، ويستجد نشاطه للعمل المقبل، ويستريح من العمل الماضي.

فإذا كان الصباح- وهو الغدوة - سار الناس واتجهوا كل لعمله.

فمنهم من يتجه إلي الخير، وهم المسلمون، ومنهم من يتجه إلي الشر، وهم الكفار والعياذ بالله.

المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر ((والطهور شطر الإيمان)) كما في هذا الحديث، ثم يذهب فيصلي، فيبدأ يومه بعبادة الله- عز وجل-؛ بالطهارة، والنقاء، والصلاة، التي هي صلة بين العبد وبين ربه، فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح، بل يفتتحه بالتوحيد؛ لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله- عز وجل- وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران وهي قوله:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) إلي آخر السورة: ١٩٠-٢٠٠، هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة وهو بائع نفسه، لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه؟!.

نقول: المسلم باعها بيعا يعتقها فيه؛ ولهذا قال: ((فبائع نفسه فمعتقها)) هذا قسم.

((أو موبقها)) معناها: بائع نفسه فموبقها. الكافر يغدو إلي العمل الذي فيه الهلاك؛ لأن معني (أوبقها) أهلكها. وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله، حتى لو بدأ والشرب؛ فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، ويحاسب عليه.

كل لقمة يرفعها الكافر إلي فمه فإنه يعاقب عليها، وكل شربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه.

والدليل على هذا قوله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، للذين

آمنوا لا غيرهم.

) خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني: ليس عليهم من شوائبها شيء يوم القيامة. فمفهوم الآية الكريمة) قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنها لغير المؤمنين حرام، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة، وانهم سيعاقبون عليها.

وقال الله في سورة المائدة؛ وهي من آخر ما نزل) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (المائدة: من الآية٩٣) فمفهوم الآية الكريمة: أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه.

فالكافر من حين ما يصبح- والعياذ بالله- وهو بائع نفسه فيما يهلكها، أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.

في آخر هذا الحديث بين رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلي قسمين:

قسم يكون القرآن حجة لهم؛ كما قال: ((والقرآن حجة لك)) .

وقسم يعتنقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة.

وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة. والله الموفق.

* * * *

٢٦- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى رضي الله عنهما: أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه: ((ما

يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر))

[الشَّرْحُ]

كان من خلق الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام- أنه لا يسأل شيئاً يجده إلا أعطاه، وما عهد عنه أنه صلي الله عليه وسلم منع سائلاً، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويعيش في بيته عيش الفقراء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع

فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس واشجع الناس.

فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما من خير يكون عنده فلن يدخره عنهم؛ أي: لا يمكن أن يدخر شيئا عنهم فيمنعهم، ولكن ليس عنده شيء.

ثم حث النبي صلي الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر، فقال: ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن الله، ومن يتصبر يصبره الله- عز وجل)) .

هذه ثلاثة أمور:

أولا: من يستغن يغنه الله، أي: من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس؛ يغنه الله عز وجل. وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم؛ فإنه

سيبقي قلبه فقيراً - والعياذ بالله- ولا يستغني.

والغني غني القلب، فإذا استغني الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس؛ أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.

ثانياً: من يستعفف يعفه الله، فمن يستعف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل.

والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله؛ لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء؛ فإنه يهلك، تزني العين، تزني الأذن، تزني اليد، تزني الرجلن ثم يزني الفرج؛ وهو الفاحشة والعياذ بالله.

فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله- عز وجل- وحماه وحمي أهله أيضاً.

ثالثاً: من يتصبر يصبره الله، أي يعطيه الله الصبر.

فإذا تصبرت، وحسبت نفسك عما حرم الله عليم، وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله- تعالي- يصبرك ويعينك على الصبر. وهذا هو الشاهد من الحديث؛ لأنه في باب الصبر.

ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم ((وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)) أي: ما من الله على أحد بعطاء من رزق، أو غيره؛ خيراً واوسع من الصبر؛ لأم الإنسان إذا كان صبوراً تحمل على كل شيء. إن أصابته الضراء صبر، وإن أعرض له الشيطان بفعل المحرم صبر، وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر.

فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر؛ فهذا خير ما يعطاه الإنسان، وأوسع ما يعطاه، ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أوذي من قبل الناس، لو سمع منهم ما يكره، لو حصل منهم اعتداء عليه، تجده هادي البال، لا يتصلب، ولا يغضب، لأنه صابر على ما ابتلاه الله به؛ فلذلك تجد قلبه دائماً مطمئناً ونفسه مستريحة.

ولهذا قال الرسول صلي الله عليه وسلم ((ما أعطي أحد عطاء خيرا واوسع من الصبر)) والله الموفق.

***

٢٧- وعن أبي يحيي صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله- فيما نقله عن صهيب الرومي: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير)) أي: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان ((لأمر المؤمن)) أي: لشأنه. فإن شأنه كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.

ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير، فقال: ((إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له)) هذه حال المؤمن. وكل إنسان؛ فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:

مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيراً له، فنال بهذا أجر الصائمين.

وإن اصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية؛ كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله - عز وجل.

فيشكر الله فيكون خيرا له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين، ونعمة الدنيا.

نعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن، فهو علي خير، سواء أصيب بضراء.

وأما الكافر فهو على شر- والعياذ بالله- إن اصابته الضراء لم يصبرن بل يتضجر، ودعا بالويل والثبور، وسب الدهر، وسب الزمن، بل وسب الله- عز وجل- ونعوذ بالله.

وإن اصابته سراء لم يشكر الله، فكانت هذه السراء عقاباً عليه في الآخرة، لأن الكافر لا يأكله أكلة، ولا يشرب إلا كان عليه فيها إثم،

وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن، لكن على الكافر إثم، كما قال الله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (لأعراف: من الآية٣٢) ، هي للذين آمنوا خاصة، وهي خالصة لهم يوم القيامة، أما الذين لا يؤمنون فليست لهم، ويأكلونها حراماً عليهم، ويعاقبون عليها يوم القيامة.

فالكافر شر، سواء أصابته الضراء أم السراء، بخلاف المؤمن فإنه على خير.

وفي هذا الحديث: الحث على الإيمان النبي صلي الله عليه وسلم وأن المؤمن دائماً في خير ونعمة.

وفيه أيضاً: الحث على الصبر على الضراء، وأن ذلك من خصال المؤمنين. فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً، تنتظر الفرج من الله- سبحانه وتعالي- وتحتسب الأجر على الله؛ فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت العكس فلم نفسك، وعدل مسيرك، وتب إلي الله.

وفي الحديث أيضاً: الحث على الشكر عند السراء، لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له، وهو من أسباب زيادة النعم، كما قال الله تعالي:) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم: ٧) وإذا وفق الله الإنسان للشكر؛ فهذه نعمة تحتاج إلي شكرها مرة ثالثة...وهكذا، لأن الشكر قل من يقوم به، فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة.

ولهذا قال بعضهم:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

وصدق - رحمه الله- فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلي شكر جديد، فإن شكرن فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثان، فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثالث. وهلم جرا.

ولكننا- في الحقيقة- في غفلة عن هذا. نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم، ويصلح أعمالنا وأعمالكم؛ إنه جواد كريم.

* * *

٢٨- وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلي الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة رضي الله عنهما: واكرب أباه. فقال: ((ليس علي أبيك كرب بعد اليوم)) . فلما مات قالت: يا ابتاه أجاب رباه دعاه، يا ابتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلي جبريل ننعاهن فلما قالت فاطمة عليها السلام: يا انس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟ (. رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما رواه عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم لما ثقل رسول الله صلي الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ((جعل يتغشاه الكرب)) أي: من شدة ما يصيبه جعل يغشي عليه من الكرب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يتشدد عليه الوعك والمرض، كأن يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.

والحكمة في هذا، من أجل أن ينال صلي الله عليه وسلم أعلي درجات الصبر. فإن الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله- عز وجل- لأنه لا صبر إلا على مكروه.

فإذا لم يصب الإنسان بشيء يكره فكيف يعرف صبره، ولهذا قال الله تعالي) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) فكان النبي صلي الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.

فجعل يتغشاه الكرب، فتقول فاطمة- رضي الله عنها- ((وأكرب أباه)) تتوجع له من كربه، لأنها امرأة، والمرأة لا تطيق الصبر.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) لأنه صلي الله عليه وسلم لما انتقل من الدنيا انتقل إلي الرفيق الأعلى، كما كان صلي الله عليه وسلم - وهو يغشاه الموت- يقول ((اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى وينظر

إلي سقف البيت صلي الله عليه وسلم.

توفي الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعلت، رضي الله عنها- تندبه، لكنه ندب خفيف، لا يدل على التسخط من قضاء الله وقدره.

وقولها ((أجاب ربا دعاه)) لأن الله- سبحانه وتعالي- هو الذي بيده ملكوت كل شيء، آجال الخلق بيده، تصريف الخلق بيده، كل شيء إلي الله، إلي الله المنهي وإليه الرجعي.

فأجاب داعي الله، وهو انه صلي الله عليه وسلم إذا توفي صار كغيره من المؤمنين، يصعد بروحه حتى توقف بين يدي الله- عز وجل- فوق السماء السابعة. فقالت: واأبتاه، أجاب ربا دعاه.

وقولها: ((وا ابتاه جنة الفردوس مأواه)) صلي الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام أعلى الخلق منزلة في الجنة، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم ((اسألوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو)) . ولا شك ان النبي صلي الله عليه وسلم مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلي درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها عرش الرب جل جلاله، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى الدرجات منها.

قولها: ((يا أبتاه إلي جبريل ننعاه)) النعي: هو الإخبار بموت الميت،

وقالت: إننا ننعاه إلي جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحاً ومساء.

فإذا فقد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد نزول جبريل عليه الصلاة والسلام إلي الأرض بالوحي؛ لأن الوحي انقطع بموت النبي صلي الله عليه وسلم.

ثم لما حمل ودفن رضي الله عنها: ((أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟)) يعني من شدة وجدها عليه، وحزنها، ومعرفتها بأن الصحابة- رضي الله عنهم- قد ملأ قلوبهم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل طابت؟

والجواب: أنها طابت؛ لن هذه ما أراد الله- عز وجل- وهو شرع الله، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفدي بكل الأرض لفداه الصحابة رضي الله عنهم.

لكن الله - سبحانه- هو الذي له الحكم، وغليه المرجع، وكما قال الله تعالي في كتابة: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر: ٣٠/٣١) .

الفوائد:

في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد، ويحتر وجميع الأمور البشرية تعتري النبي صلي الله عليه وسلم، كما قال صلي الله عليه وسلم ((إنما أنا بشر مثلكم، أنسي كما تنسون)) .

وفيه: رد على هؤلاء القوم الذين يشركون بالرسول صلي الله عليه وسلم؛ يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويستغيثون به وهو في قبره بل إن بعضهم- والعياذ بالله- لا يسأل الله تعالي ويسأل الرسول صلي الله عليه وسلم؛ كأن الذي يجيب هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولقد ضلوا في دينهم وسفهوا في عقولهم. فإن الرسول صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا فكيف يملك لغيره؟!

قال الله تعالي آمراً نبيه) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) بل هو عبد من عباد الله؛ ولهذا قال (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: من الآية٥٠) .

وقال الله- سبحانه- له أيضا (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (إِلَّا بَلاغاً) أي: هذه وظيفتي (مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجالنبي صلي الله عليه وسلم: من الآية٢١/٢٣) ، ولما أنزل الله تعالي قوله:) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤) ، دعا قرابته صلي الله عليه وسلم وجعل ينادي إلي أن قال: ((يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً)) إلي هذا الحد‍!! التي هي بضعة منه والتي يريبه ما رابه يقول لها: لا أغني عنك من الله شيئاً.

فهذا دليل على أن من سواها من باب أولي.

ففيه ضلال هؤلاء الذين يدعون الرسول صلي الله عليه وسلم تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلي القبر، ويصمدون أمام القبر كصمودهم أمام الله في الصلاة أو اشد.

وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا باس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذيا بالتسخط على الله عز وجل، لأن فاطمة ندبت النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ندب يسير، وليس ينم عن اعتراض على قدر الله عز وجل.

وفيه دليل: على أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم ورضي الله عنها بقيت بعد حياته صلي الله عليه وسلم بقيت فاطمة، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) .

وهذا من حكمة الله - عز وجل- لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكا يورث من بعدهم؛ ولكن الله - عز وجل- منع ذلك.

فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له والله الموفق.

٢٩- وعن أبي زيد اسامة بن زيد حارثة مولى رسول الله صلي الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، رضي الله عنهما، قال: أرسلت بنت النبي صلي الله عليه وسلم: إن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقري السلام ويقول: ((إن الله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي فلتصبر ولتحتسب)) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناهن فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمة جعلها الله تعالي في قلوب عباده)) وفي رواية: في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (متفق عليه) .

ومعني: ((تقعقع)) تتحرك وتضطرب.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أبي زيد اسامة بن زيد بن حارثة- رضي الله عنهما_، وزيد بن حارثة كان مولي لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وكان عبداً، فأهدته إليه خديجة- رضي الله عنها- فأعتقه، فصار مولي له، وكان يلقب بحب رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ أي حبيبيه، وابنه أيضاً حب، فأسامة حبه وابن حبه رضي الله عنهما، ذكر أن إحدي بنات الرسول صلي الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولا،

تقول له إن ابنها قد احتضر، أي: حضره الموت. وأنها تطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر، فبلغ الرسول رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له النبي صلي الله عليه وسلم ((مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)) .

أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي أرسلته ابنته أن يأمر ابنته- أم هذا الصبي- بهذه الكلمات:

قال: ((فلتصبر)) أي: تحتسب الأجر على الله بصبرها؛ لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب، يصبر على المعصية ولا يتضجر، لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير، لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله، يعني: أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره، فهذا هو الاحتساب ((مرها فلتصبر)) يعني على هذه المصيبة ((ولتحتسب)) أجرها على الله عز وجل. قوله: ((فإن لله ما أخذ وله ما أعطي)) هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه، وإن اعطاك شيئاً فهو ملكه، فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو؟

عليك إذا أخذ لله منك شيئا محبوباً لك؛ أن تقول: هذا لله، له أن يأخذ ما شاء الله، وله أن يعطي ما شاء.

ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) يعني: نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء، وكذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له- عز وجل- له ما أخذ وله أعطي، حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه، هو لله، ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه؛ وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك

قاصر، ما نتصرف فيه تصرفا مطلقاً، فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك، لا يمكن؛ لأن المال مال الله، فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه.

ولهذا قال: ((ولله ما أخذ وله ما أعطي)) فإذا كان لله ما أخذ، فكيف نجزع؟ كيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك سبحانه وتعالي؟ هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول!

قال: ((وكل شيء عنده بأجل مسمي)) كل شيء عنده بمقدار، كما قال الله تعالي في القرآن الكريم) وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: من الآية٨) بمقدار في زمانه، ومكانه، وذاته، وصفاته، وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر.

((بأجل مسمي)) أي: معين، فإذا أيقنت بهذا؛ إن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي؛ اقتنعت. وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير، كما قال الله) لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: من الآية٤٩) ، فإذا كان الشيء مقدراً لا يتقدم ولا يتأخر؛ فلا فائدة من الجزع والتسخط؛ لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور.

ثم إن الرسول أبلغ بنت النبي صلي الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها، ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر، فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه، فوصل إليها، فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع؛ أي تضطرب، تصعد وتنزل، فبكي الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه. فقال

سعد بن عباده وكان معه- هو سيد الحرج- ما هذا؟ ظن أن الرسول صلي الله عليه وسلم بكي جزعاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((هذه رحمة)) أي بكت رحمة بالصبي لا جوعاً بالمقدور.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) ففي هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب.

إذا رأيت مصاباً في عقله أو بدنه، فبكت رحمة به، فهذا دليل على أن الله تعالي جعل في قلبك رحمة، وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمه كان من الرحماء الذين رحمهم الله عز وجل. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته.

ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((مرها فلتصبر ولتحتسب)) .

وفيه دليل أيضاً على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة، أفضل من قوله بعض الناس: ((أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)) هذه صيغة أختارها بعض العلماء، لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام ((اصبر واحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)) أفضل؛ لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر.

والتعزية في الحقيقة ليست تهنئه كما ظنها بعض العوام، يحتفل بها، وتوضع لها الكراسي، وتوقد لها الشموع، ويحضر لها القراء والأطعمة، بل هي تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر، ولهذا لو أن أحداً لم يصب بالمصيبة، كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به؛ فإنه لا يعزي، ولهذا قال

العلماء رحمهم الله ((تسن تعزية المصاب)) ولم يقولوا تسن تعزية القريب، لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه، والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً.

فالتعزية للمصاب لا للقريب. أما الآن- مع الأسف- انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب، حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزي، ربما يكون بعض الناس فقيراً، وبينه وبين ابن عمه في هذه الحال أو يصاب؟ غالبا يفرح، ويقول: الحمد لله الذي خلصني من مشاكلة ورثني ماله! فهذا لا يعزي، هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئاً.

والمهم أنه يجب أن نعلم أن التعازي إنما هي لتقوية المصاب على الصبر وتسليته، فيختار لها من الكلمات أفضل ما يكون وأقرب ما يكون للتعزية، ولا أحسن من الكلمات التي صاغها نبينا صلي الله عليه وسلم. والله الموفق.

* * *

٣٠- وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلكا كبر قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إلي غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتي الساحر ضربه، فشكا ذلك إلي الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حسبني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حسبني الساحر.

فبينما هو علي ذلك إذ أتي علي دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضي الناس، فأتي الراهب فاخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أري وإنك ستبتلي فإن ابتليت فلا تدل علي؛ وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فأمن باله تعالي فشفاه الله، فأتي الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: أو لك غيري؟! قال ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجئ بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبي فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه

فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبي، فدفعه إلي نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه

فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بك بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فدفعه إلي نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر، فغن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فانكفات بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فقال الملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم

قال: بسم رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغة، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، واضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق)) (رواه مسلم) .

((ذروه الجبل)) : أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، و ((القرقور)) بضم القافين: نوع من السفن، و ((الصعيد)) هنا: الأرض البارزة، و ((الأخدود)) الشقوق في الأرض كالنهر الصغير، و ((اضرم)) أوقد و ((انكفات)) أي: انقلبت، و ((تقاعست) ٩ توقفت وجبنت)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - رحمه الله تعالي- في باب الصبر في قصة عجيبة: وهي أن رجلاً من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحر اتخذه الملك بطانة؛ من أجل ان يستخدمه في مصالحه ولو على حساب الدين، لأن هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته، وهو ملك مستبد قد عبد الناس لنفسه كما سيأتي إن شاء الله تعالي في آخر الحديث.

هذا الساحر لما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.

واختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم، ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقي، ولا ينسي، ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر، وفي كل خير، لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر:

الفائدة الأولي: أن الشاب في الغالب أسرع حفظاً من الكبير، لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله.

وثانياً: أن ما يحفظه الشاب يبقي، وما يحفظه الكبير ينسي، ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس: ((إن العلم في الصغر كالنقش في الحجر)) لا يزول.

وفيه فائدة ثالثة: وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له، وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشب عليه.

فهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء. فطلب من الملك أن يختار له شاباً غلاماً يعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً، فعلمه ما علمه، ولكن الله تعالي قد أراد بهذا الغلام خيراً‍

مر هذا الغلام يوماً من الأيام براهب، فسمع منه فأعجبه كلامه، لأم هذا الراهب- يعني العابد- عابد لله عز وجل، لا يتكلم إلا بالخير، وقد يكون راهباً عالماً لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية، فصار هذا الغلام إذا خرج من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر، فجعل الساحر يضربه، لماذا تتأخر؟ فشكا الغلام إلي الراهب أمر يتخلص به، قال: إذا ذهبت إلي الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل: عن الساحر أخرني؛ حتى تنجو من هذا ومن هذا.

وكان الراهب- والله أعلم- أمره بذلك- مع أنه كذب - لعله رأي أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب، مع أنه يمكن أن يتأول!!

ففعل، فصار الغلام يأتي إلي الراهب ويسمع منه، ثم يذهب إلي الساحر، فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال: إن أهلي أخروني، وإذا رجع إلي أهله وتأخر عند الراهب قال: إن الساحر أخرني. فمر ذات يوم بدابة عظيمة، ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة، قد حسبت الناس عن التجاوز، فلا يستطيعون أن يتجاوزها، فإذا هذا الغلام أن يخابر: هل الراهب خير له أم الساحر، فأخذ حجراً، ودعا الله سبحانه وتعالي إن كان أمر الراهب خير له أن يقتل هذا الحجر الدابة، فرمي بالحجر، فقتل الدابة، فمشي الناس.

فعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر، وهذا أمر لا شك فيه؛ لأن الساحر إما معتد ظالم، وإما كافر مشرك، فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك. وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد.

أما الراهب، فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد، وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبه، وإن كان عمله سيئاً.

المهم أن الغلام أخبر الراهب بما جري فقال له الراهب: أنت اليوم خير مني، وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له.

وهذا من نعمة الله على العبد، أن الإنسان إذا شك في المر ثم طلب من الله لآية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له، فإن هذا من نعمة الله عليه.

ومن ثم شرعت الاستخارة، للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه: هل

في إقدامه خير أم في إحجامه خير، فإنه يستخير الله، وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله تعالي يعطيه ما يستدل به علي أن الخير في الإقدام أو إحجام. إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا، وإما برؤيا يراها في المنام، وإما بمشورة أحد من الناس، وإما بغير ذلك.

وكان من كرامات هذا الغلام أنه يبرئ الأكمة والأبرص، يعني أنه يدعو لهم فيبرأون، وهذا من كرامات الله له.

وليس كقصة عيسي بن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ، بل هذا يدعو الله فيستجيب الله تعالي دعاءه، فيبرئ بدعائه الأكمة والأبرص.

وقد اخبر الراهب هذا الغلام بأنه سيبتلي يعني سيكون له محنة واختبار، وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء.

وكأن هذا الغلام- والله أعلم- مستجاب الدعوة، إذا دعا الله تعالي قبل منه.

وكان للملك جليس أعمي- لا يبصر- فأتي بهدايا كثيرة لهذا الغلام حينما سمع عنه ما سمع وقال: لك ما هنا أجمع- أي كله- إن أنت شفيتني، فقال، إنما يشفيك الله.

انظر إلي الإيمان! لم يغتر بنفسه وادعي أنه هو الذي يشفي المرضي، بل قال: إنما يشفيك الله عز وجل، وهذا يشبه من بعض الوجوه ما جري لشيخ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله عليه-، حينما جئ إليه برجل مصروع قد صرعه الجني، فقرأ عليه شيخ الإسلام ابن تيمي ولكنه لم يخرج، فجعل شيخ الإسلام يضربه على رقبته ضرباً شديداً، حتى إن يد شيخ

الإسلام أوجعته من الضرب. فتكلم الجني الذي في الرجل وقال له: أخرج كرامة للشيخ، فقال له الشيخ رحمه الله: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعة لله ولرسوله. لا يريد أن يكون له فضل، بل الفضل لله عز وجل أولاً وآخرا. فخرج الجني. فلما خرج الجني استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ لأنه حينما صرع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه، قال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ فقالوا: سبحان الله! ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك؟ قال: ما أحسست به ولا أوجعني. فأخبروه، فبريء الرجل!

الشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم، وإنما ينسبونها إلي موليها عز وجل وهو الله.

وقال له: ((فإن أنت آمنت دعوت الله لك)) فآمن الرجل، فدعا الغلام ربه أن يشفيه، فشفاه الله، فاصبح مبصراً.

فجاء هذا الجليس إلي الملك وجلس عنده على العادة، فسأله الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: وأخبره بالخبر وعذبه تعذيباً شديداً، قال: من الذي علمك بهذا الشيء؟ وكان الراهب قد قال له: إنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تخبر عني. ولكن لعله عجز عن الصبر، فأخبر عن الراهب.

وكان هذا الملك الجبار- والعياذ بالله- لما دلوا على الراهب، جئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك ولكنه أبي أن يرجع عن دينه.

فأتوا بالمنشار فشذبوه من مفرق رأسه- من نصف الجسم- فبدأوا بالرأس، ثم الرقبة، ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين: سقط شق هنا وشق هنا- ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه. أبي أن يرجع، ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه- ما شاء الله-!! ثم جئ بالرجل الأعمى الذي كان جليساً عند الملك وآمن بالله، وكفر بالملك، فدعي أن يرجع عن دينه فأبي، ففعل به كما فعل بالراهب، ولم يرده ذلك عن دينه. وهذا يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يصبر.

ولكن هل يجب على الإنسان ان يصبر على القتل، أو يجوز أن يقول كلمة الكفر دفعا للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وإن شاء أصر وأبي ولو قتل، هذا إذا كان الأمر عائداً إلي الإنسان بنفسه يعني مثلاً قيل له: اسجد للصنم، فلم يسجد، فقتل، أو سجد دفعاً للإكراه ولم يقتل.

أما إذا كان الأمر يتعلق بالدين، بمعني أنه لو كفر الكفر، بل يجب أن يصبر ولو قتل، كالجهاد في سبيل الله. المجاهد يقدم على القتل ولو قتل، لأنه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا كان إماماً للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر، لا سيما في زمن الفتنة، بل عليه أن يصبر ولو قتل.

ومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- حين امتحن

المحنة العظيمة المشهورة، على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فأبي، فأوذي وعزر، حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق-أمام أهل السنة- يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشي عليهن ولكنه كلما أفاق قال: القرآن كلام ربي غير مخلوق.

وإنما لم يجز لنفسه ان يقول كلمة الكفر مع الإكراه، لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فلو قال: القرآن مخلوق، لصار كل الناس يقولون: القرآن مخلوق، وفسد الدين.

ولكنه- رضي الله عنه- جعل نفسه فداء للدين ومع هذا صبر واحتسب، وكانت العاقبة له ولله الحمد. مات الخليفة، ومات الخليفة الثاني الذي بعده، واتي الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكراماً عظيماً، فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عالياً مرتفع الصوت، ويقول الناس الحق معه.

وخذل أعداؤه الذين كانوا يحدثون الخلفاء عليه. ولله الحمد. وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين، وهو كذلك، والله الموفق.

لما قتل الملك الراهب، وقتل جليسه، جئ بالغلام فطلب منه أن يرجع عن دينه إلي دين الملك، ودين الملك دين شرك؛ لأنه- والعياذ بالله - يدعو الناس إلي عبادته وتأليهه.

فأبي الغلام أن يرجع عن دينه، فدفعه الملك إلي نفر من أصحابه٠ - أي جماعة من الناس- وقال لهم: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع، وقال لهم إذا بلغوا ذروته: فاطرحوه، يعني علي

الأرض، ليقع راس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه ان يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.

فلما بلغوا به قمة الجبل طلبوا منه ان يرجع عن دينه فأبي؛ لأن الإيمان قد وقر في قلبه، ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح، فلما هموا أن يطرحوه قال: (( (اللهم اكفنيهم بما شئت)) .

دعوة مضطر مؤمن: ((اللهم اكفينهم بما شئت)) أي: بالذي تشاء، ولم يعين. فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا، وجاء الغلام إلي الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله عز وجل.

ثم دفعه إلي جماعة آخرين، وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور- أي سفينة- فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر. فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه- وهو الإيمان بالله- عز وجل- فقال: لا! أبي، ثن قال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله. ثم جاء إلي الملك فقال له: أين أصحابك؟ فأخبره بالخبر.

ثم قال له: إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني!

فجمع الملك الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام، وأخذ سهما

من كنانته فوضعها في كبد القوس، ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فأصابه السهم من صدغه، فوضع يده عليه ومات، فاصبح الناس يقولون: بسم الله رب الغلام. وآمنوا بالله وكفروا بالملك. وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام.

ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل:

ثانياً: قوة إيمان هذا الغلام، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول.

ثانياً: فيه آية من آيات الله، حيث أكرمه الله عز وجل بقبول دعوته، فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا.

ثالثاً: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقناً أن الله يجيبه، فإن الله تعالي يجيبه، حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله، مع انه يعلم انهم سيرجعون إلي الكفر، إذا غشيهم موج كالظل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا نجاهم أشركوا، فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلي الله عند دعائهم، وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً.

رابعاً: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو ان يأخذ سهماً من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول: باسم الله رب الغلام.

قال شيخ الإسلام: ((لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا، لأنه مات وسيموت إن آجلاً أو عاجلاً)) .

فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلي الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله.

ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، فإن فيها لإسلام كثير من الناس، فكل من حضر في الصعيد اسلموا، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتان من العدو، فهذا لا يقتضي أن يسلم، بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين اشد فتك، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فجرت هذه المتفجرات في صفوفهم.

ولهذا تري ان ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نري أنه قتل

للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وان صحابه ليس بشهيد. لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.

في خاتمة هذا الحديث العظيم الذي فيه العبرة لمن أعتبر، فيها أن الملك الكافر الذي يدعو الناس إلي عبادته، لما آمن الناس وقالوا آمنا بالله رب الغلام، جاءه أهل الشر وأهل الحقد على الإيمان وأهله، وقالوا له: أيها الملك إنه وقع ما كنت تحذر منه، وهو الإيمان بالله، وكان يحذر طاغياً ظالماً، فأمر بالأخدود على أفواه السكك فخدت، الأخدود يعني خفر عميق مثل السواقي على أفواه السكك، يعني على أطراف الأزقة والشوارع، وقال لجنوه: من جاء ولم يرجع عن دينه فأقحموه فيها؛ لأنه اضرم فيها النيران_ والعياذ بالله- فكان الناس يأتون ولكنهم لا يرتدون عن دينهم وإيمانهم، فيقحموهم في النار، فكل من لم يرجع عن دينه الحقيقي- وهو الإيمان بالله- قذفوه في النار، ولكنهم إذا قذفوهم في النار واحترقوا بها فإنهم ينتقلون من دار الغرور والبوار إلي دار النعيم والاستقرار، لأن الملائكة تتوفاهم طيبين يقولون:) سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: من الآية٣٢) ، ولا أعظم من هذا الصبر، أن يري الإنسان النار تتأجح فيقحتم فيها خوفا على إيمان وصرا عليه. فجاءت امرأة ومعها صبي رضيع، فلما رأت النيران كأنها تقاعست أن تقتحتم النار هي وطفلها،

فقال لها الطفل: يا أماه اصبري فإنك على الحق، يقوله وهو صغير لا يتكلم، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، وهو كرامة لهذه الأم، أن الله أنطق ابنها من أجل أن تقوي على أن تقتحم النار وتبقي علي إيمانها، لأن تكلم هذا الصبي في المهد آية عظيمة، وقد شهد هذا الصبي بأن أمه على الحق، فصبرت واقتحمت النار، وهذا من آيات الله، وهو دليل على أن الله تعالي) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الزمر: ٦١) .

ومريم بنت عمران- رضي الله عنها- خرجت من أهلها وذهبت مكانا قصيا وهي حامل بابنها عيسي الذي خلقه الله تعالي بكلمة كن فكان) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) (مريم: من الآية٢٣) ، يعني الطلق، فوضعت تحت جذع النخلة، وجعل الله تحتها نهرا يمشي، فقيل لها:) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) ، رطب يقع من فرع النخلة، جنيا لم يتاثر بسقوطه على الأرض، وهذا من آيات الله، لأن من المعروف أن الرطب لو سقطت من يد الإنسان- ولو كان واقفا فقط- تمزقت، لكن هذه الرطب لم تتمرق، مع أنها تسقط من فرع النخلة. ثم عن هذه المرأة امرأة ضعيفة ماخض، لم تلد إلا الآن، ومع ذلك تهز النخلة من جذعها فتهتز النخلة، فهذا أيضا من آيات الله، لأن العادة أن النخلة لا تهتز من الجذع إلا إذا هزها أحد قوي من فرعها، فقيل لها) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا) (مريم: من الآية٢٦) ، ثم أتت به قومها تحمله، هذا الطفل، فصاحوا بها) ايَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) (مريم: من الآية٢٧) ، يعني شيئا عظيماً، لأنهم أيقنوا بأنها زنت

- والعياذ بالله- كيف يأتيها ولد من دون

زوج؟) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم: ٢٨) ، يعني أن أبك ليس امرأ سوء، وكذلك أمك ليست بغياً، ليست بزانية، فمن آبين جاءك هذا؟ وهذا تعريض لها بالقذف، فأشارت إليه؟ يعني: اسألوه قالوا:) كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) (مريم: من الآية٢٩) فظنوا أنها تسخر بهم، فأنطق الله هذا الصبي) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) - كلام صحيح-) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (مريم: ٣٠-٣٣) .

عشر جمل نتكلم بها هذا الصبي الذي في المهد بأبلغ ما يكون من الفصاحة فأنظر إلي قدرة الله عز وجل-، حيث ينطق هؤلاء الصبيان بكلام من أفصح الكلام، بكلام يصدر من ذي عقل، كل ذلك دلالة على قدرة الله، وفيه أيضاً إنقاذ لمريم- رضي الله عنها- من التهمة التي قد تلحقها بسبب هذا الحمل بدون زوج. وهكذا أيضاً هذا الطفل مع المرأة التي تقاعست أن تقتحم النار، أكرمها الله إنطاق هذا الطفل من أجل أن تقتحم النار وتبقي عاى إيمانها. وفي هذه القصص وأمثالها دليل على أن الله- سبحانه وتعالي- برحمته ينجي كل مؤمن في مفازته، وكل متق في مفازته، يعني في موطن يكون فيه هلاكه ولكن الله تعالي ينقذه لما سبق له من التقوي، وشاهد ذلك قوله صلي الله عليه وسلم ((تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) والله الموفق.

٣١- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((أتقي الله واصبري)) فقالت إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ‍ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((تبكي على صبي لها)) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تحبه حباً شديداً، فلم تملك نفسها أن تخرج إلي قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلي الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر.

قال لها: ((اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي)) إليك عني أي: ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.

وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً، فانصرف النبي صلي الله عليه وسلم عنها.

ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلي رسول الله، إلي بابه، وليس على الباب بوابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه. فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولي أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.

أما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلي البهائم. فالصبر حقيقة أن افنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر ويحتسب، ويحسن ان يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)) .

ففي هذا الحديث عدة فوائد:

أولاً: حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته إلي الحق وإلي الخير، فإنه لما رأي هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر.

ولما قالت: ((إليك عني)) لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها، ولم يقمها بالقوة، لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.

فإن قال قائل: أليس زيارة القبور حراما على النساء؟ قلنا بلي هي حرام على النساء، بل هي من كبائر الذنوب!! لأن النبي عليه الصلاة

والسلام ((لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .

لكن هذه لم تخرج للزيارة، وإنما خرجت لما في قبلها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي؛ ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلي بيتها.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر بالجهل، سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال، فإن هذه المرأة قالت للنبي صلي الله عليه وسلم: إليك عني، أي: ابعد عني، مع أنه يأمرها بالخير والتقوي والصبر. ولكنها لم تعرف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم فلهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام.

ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه. إلا إذا كان الإنسان يخشي من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به.

وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر، ومن أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء.

ومن فوائده: أن الصبر الذي يحمده فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولي ويصبر الإنسان ويحتسب، ويعلم أن الله ما أخذ وله ما أعطي، وأن كل شيء عنده بأجل مسمي.

ومن فوائد هذا الحديث: أن البكاء عند القبر ينافي الصبر؛ ولهذا قال لها الرسول صلي الله عليه وسلم: ((اتقي الله واصبري)) .

ويوجد من الناس من يبتلي، فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده، وهذا ينافي الصبر، بل نقول: إذا شئت ان تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك، ولا حاجة أن تترد على القبر، لأن التردد على القبر يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائما في ذهنه ولا يغيب عنه، وحينئذ لا ينسي المصيبة أبدا، مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسي المصيبة بقدر ما يستطيع. والله الموفق.

* * *

٣٢- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث يرويه النبي صلي الله عليه وسلم عن الله، ويسمي العلماء- رحمهم الله- هذا القسم من الحديث: الحديث القدسي؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رواه عن الله.

قوله: (صفيه) : الصفي: من يصطفيه الإنسان ويختاره ويري أنه ذو صلة منه قوية، من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم، أو صديق، إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة.

ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا، وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب، يجازيه الجنة.

وفيه: دليل على فضل الله سبحانه وتعالي وكرمه على عباده، فإن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل، ومع ذلك فإذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب، فإن له هذا الجزاء العظيم.

وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: الإشارة إلي أفعال الله، من قوله: ((إذا قبضت صفيه)) ولا شك أن الله سبحانه وتعالي فعال لما يريد، ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالي كله خير، لا ينسب الشر إلي الله أبداً،

والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل.

فمثلاً إذا قدر الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر. لكن الشر في هذا المقدر لا في تقدير الله، لأن الله تعالي لا يقدره إلا لحكمة عظيمة، إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق.

أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه، وأحياناً في الخلق على سبيل العموم.

المقدر عليه إذا قدر الله عليه شرا وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، وإذا قدر الله عليه شرا ورجع إلي ربه بسبب هذا الأمر، لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسي شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلي الله، فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلي ربه سبحانه وتعالي، ويكون في ذلك فائدة عظيمة.

أما بالنسبة للآخرين، فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون.

ولنضرب لذلك مثلا برجل عنده بيت من الطين، أرسل الله مطراً غزيراً دائماً، فإن صاحب هذا البيت يتضرر، لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها، فصار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين، ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي، إذا إنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر. فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل، لا ملجأ إلا إليه، فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة.

المهم أن هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصبر، لأن

فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه، أنه ليس له جزاء إلا الجنة. والله الموفق.

* * *

٣٣- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كلن عذابا يبعثه الله تعالي على من يشاء، فجعله الله تعالي رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف رحمه الله تعالي فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أن الطاعون عذاب أرسله الله سبحانه وتعالي على من يشاء من عباده.

والطاعون: قيل: إنه وباء معين. وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب اهلها ويموت الناس منه.

وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها؛ فإن هذه الطاعون عذاب ارسله الله عز وجل. ولكنه رحمة للمؤمنين إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن الله تعالي يكتب له

مثل أجر الشهيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)) .

إذا وقع الطاعون بأرض فإننا لا نقدم عليها، لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلي التهلكة، ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه، لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً، واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. قال بعض العلماء في تفسير الآية: إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها، فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم، ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا الله.

ففي حديث عائشة- رضي الله عنها- دليل على فضل الصبر والاحتساب، وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به، كتب الله له مثل أجر الشهيد.

وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان، سوف يهرب، يخاف من الطاعون. فإذا صبر وبي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله عز وجل.

٣٤- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منها الجنة) ٩ يريد عينيه (رواه البخاري) .

في هذا الحديث أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالي أنه قال: ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه)) يعني عينيه فيعمي، ثم صبر، إلا عوضه الله بهما الجنة. لأن العين محبوبة للإنسان، فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالي وصبر الإنسان واحتسب، فإن الله يعوضه بهما الجنة، والجنة تساوي كل الدنيا، بل قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها)) . أي مقدار متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن ما في الآخرة باق لا يفني ولا يزول، والدنيا كلها فانية زائلة، فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها.

واعلم أن الله سبحانه وتعالي إذا قبض من الإنسان حاسه من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة الني فقدها.

فالأعمى يمن الله عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى إن بعض الناس إذا كان أعمي تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق

مع صاحب السيارة- سيارة الأجرة- يركب معه من أقصي البلد إلي بيته وهو يقول لصاحب السيارة: خذ ذات اليمين، وهكذا حتى يوقفه عند بابه، وصاحب السيارة لا يعرف البيت، لكن هذا يعرف البيت وهو راكب، سبحان الله! فالله عز وجل إذا اقتضت حكمته أن يفقد أحداً من عباده حاسه من الحواس، فالغالب أن الله تعالي يخلف عليه حاسة قوية وإدراكاً قويا يعوض بعض ما فاته مما أخذه الله منه. والله الموفق.

* * *

وعن عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس- رضي الله عنهما- ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلتك بلي، قال: هذه المرأة السوداء. أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فأدع الله تعالي لي قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالي ان يعافيك)) فقالت: اصبر. فقالت: إني انكشف، فادع الله أن لا اتكشف. فدعا لها (متفق عليه) .

قوله: ((ألا أريك امرأة من أهل الجنة)) : يعرض عليه أن يريه امرأة من أهل الجنة. وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون غلي قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم.

أما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن، كل متق، فإننا

نشهد بأنه من

أهل الجنة. كما قال الله سبحانه وتعالي في الجنة) أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: من الآية١٣٣) وقال:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: ٧/٨) فكل مؤمن متق يعمل الصالحات فإننا نشهد بأنه من أهل الجنة. ولكن لا نقول هو فلان وفلان، لأننا لا ندري ما يختم له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فلذلك لا نشهد له بعينه. فإذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، لكن لا نشهد أنه من أهل الجنة.

قسم آخر نشهد له بعينه، وهم الذين شهد لهم النبي صلي الله عليه وسلم بأنهم في

الجنة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم ابوبكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبوعبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام، رضي الله عنهم.

ومثل ثابت بن قيس بن شماس، ومثل سعد بن معاذ، ومثل عبد الله بن سلام، ومثل بلال بن رباح، وغيرهم، رضي الله عنهم، ممن عينهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء نشهد لهم بأعيانهم، نقول: نشهد بأن أبا بكر في الجنة، ونشهد بأن عمر في الجنة، ونشهد بأن عثمان في الجنة، نشهد بأن عليا في الجنة، وهكذا.

ومن ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: ((ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلي! قال: هذه المرأة السوداء)) .

امرأة سوداء لا يؤبه لها في المجتمع، كانت تصرع وتنكشف،

فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام وسألته أن يدعو اله لها، فقال لها ((إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت: اصبر، وإن كانت تتألم وتتأذي من الصرع، لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة. ولكنها قالت: يا رسول الله إني أتكشف، فأدع الله أن لا أتكشف. فدعا الله أن لا تتكشف، فصارت تصرع ولا تتكشف.

والصرع- نعوذ بالله منه- نوعان:

صرع بسبب تشنج الأعصاب: وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل

الأطباء الماديين، بإعطاء العقاقير التي تسكنه أو تزيله تماماً.

وقسم آخر بسبب الشياطين والجن، يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل

فيه، ويضرب به على الأرض، ويغمي عليه من شدة الصرع، ولا يحس، ويتلبس الشيطان أو الجنى بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه، الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي، ولكنه الجني، ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف، لا يكون ككلامه وهو مستيقظ؛ لأنه يتغير بسبب نطق الجني.

هذا النوع من الصرع- نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات - هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير، يقرأون على هذا المصروع.

فأحياناً يخاطبهم الجني ويتكلم معهم، ويبين السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي، وأحياناً يتكلم.

وقد ثبت صرع الجنى للإنسي بالقرآن، والسنة، والواقع.

ففي القرآن قال الله سبحانه:) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: من الآية٢٧٥) ، وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط من المس وهو الصرع.

وفي السنة: روي الإمام أحمد في مسنده ((أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره، فمر بامرأة معها صبي يصرع، فأتت به إلي النبي عليه الصلاة والسلام، وخاطب الجنى وتكلم معه وخرج الجنى. فأعطت أم الصبي الرسول صلي الله عليه وسلم هدية علي ذلك)) .

وكذلك أيضاً كان أهل العلم يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، ذكر ابن القيم - وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية - أنه جئ إلي شيخ الإسلام برجل مصروع، فجعل يقرأ عليه ويخاطبه ويقول لها: اتقي الله أخرجي- لأنها امرأة- فتقول له: أريد هذا الرجل وأحبه، فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك اخرجي، قالت إني أريد أن أحج به. قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي. فأبت، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضربا عظيماً، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب.

فقالت الجنية: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال: لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فما زال بها حتى خرجت، ولما خرجت

استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ قالوا: سبحان الله ‍! أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك اشد ما يكون؟ قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء. والأمثلة علي هذا كثيرة.

هذا النوع من الصرع له علاج يدفعه، وله علاج برفعه.

فهو نوعان:

أما دفعه: فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية. وهي

معروفة في كتب أهل العلم، منها: آية الكرسي، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.

ومنها سورة الإخلاص والفلق والناس، ومنها أحاديث وردت عن النبي عليه الصلاة

والسلام، فليحرص الإنسان عليها صباحاً ومساء، فإن ذلك من أسباب دفع أذية الجن.

وأما الرفع: فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتحذير

وتذكير واستعاذة بالله عز وجل حتى يخرج.

الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلي الله عليه وسلم لهذه المرأة: ((إن شئت

صبرت ولك الجنة، فقالت: اصبر)) ففي هذا دليل على فضيلة الصبر، وأنه سبب لدخول الجنة. واله الموفق.

* * *

٣٦- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر غلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يحكي نبينا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فادموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ((اللهم أغفر

لقومي فإنهم لا يعلمون)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث يحكي النبي صلي الله عليه وسلم فيه شيئا مما جري للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء كلفهم الله تعالي بالرسالة لأنهم اصل لها، كما قال الله تعالي:) اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: من الآية١٢٤) ، فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر علي ذلك، وكان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- يؤذنون بالقول وبالفعل، وربما بلغ الأمر إلي قتلهم، وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه صلي الله عليه وسلم:) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) أي: إن استطعت ذلك فافعل (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك، حتى يتبن الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة) ى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام: من الآية٣٥) .

حكي نبينا صلي الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه، ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وهذا غاية ما يكون من الصبر، لأن الإنسان

لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً، وانتقم ممن ضربه، وهذا يدعو إلي الله، ولا يتخذ على دعوته أجراً، مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) .

وهذا الذي حدثنا به رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثاً أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث، وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ منه عبرة نسير عليها، كما قال سبحانه وتعالي:) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) ، والعبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلي الله، وأن نقول متمثلين:

هل أنت إلا إصبغ دميت وفي سبيل الله ما لقيت

وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقا فينا بسبب الدعوة إلي الله، وأن نري أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا، فعسي أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها، فيكون هذا الأذى الذي نسمع، يكون كفارة لما وقع منا، لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً، إلا أن يشاء الله، فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلي الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته، فليصبر وليحتسب ولا ينكص علي عقبيه، لا يقول

لست بملزم، أنا اصابني الأذي، أنا تعبت، بل الواجب الصبر، والدنيا ليست طويلة! أيام ثم تزول، فاصبر حتى يأتي الله بأمره.

وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((كأني انظر إلي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يحكي لنا)) فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث. وهذا أمر شائع عند الناس، يقول: كأني أنظر إلي فلان وهو يقول لنا كذا وكذا، أي: كأني أنظر إليه الآن، وكأني اسمع كلامه الآن.

فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنهم. والله الموفق.

* * *

٣٧- وعن أبي سعيد وابي هريرة- رضي الله عنهما- عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا صب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)) (متفق عليه) ، ((والوصب)) المرض

٣٨- وعن أبي مسعود- رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله الله، إني توعك وعكا شديداً قال: ((أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: ((أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذي؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته،

وخطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها)) (متفق عليه) .

و ((الوعك)) مغث الحمي، وقيل: الحمي.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان: حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود - رضي الله عنهم- فيهما دليل علي أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي، يبتلي سبحانه وتعالي عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه.

والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقي مسروراً دائماً، بل هو يوماً يسر ويوماً يحزن، ويوماً يأتيه شيء ويوماً لا يأتيه، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه. ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله، ولا تحصي المصائب التي تصيب الإنسان، ولكن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له.

فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة، لا تظن أنه يذهب سدي، بل ستعوض عنه خيراً منه، ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.

وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب، يعني: احتساب

الأجر، كان له مع هذا أجر.

فالمصائب تكون على وجهين:

تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها

فائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.

وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن

نية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته، إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه.

فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينو شيئا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر. وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله عز وجل كما تقدم.

ولهذا ينبغي للإنسان إذا اصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب.

وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته.

فالحمد لله رب العالمين.

* **

٣٩-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يصب منه)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

قوله ((يصب)) قرئت بوجهين: بفتح الصاد (يصب) وكسرها (يصب) وكلاهما صحيح.

أما ((يصب منه)) فالمعني أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها: أيصبر أم يضجر. وأما ((يصب منه)) فهي أعم، أي: يصاب من الله ومن غيره.

ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأخرى التي تدل على أن المراد: من يرد الله به خيراً فيصبر ويحتسب، فيصيب الله منه حتى يبلوه.

أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير، ولم يرد الله به خيراً.

فالكفار يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، وهؤلاء بلا شك لم يرد بهم خيرا.

لكن المراد: من يرد الله به خيراً فيصيب منه فيصبر منه فيصبر علي هذه المصائب، فإن ذلك من الخير له، لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا، ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان، لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام، كما مضت الأيام خفت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باق- والعياذ بالله- فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيراً لك.

* * *

٤٠- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) (متفق عليه) .

في هذا الحديث نهي النبي صلي الله عليه وسلم الإنسان أن يتمني الموت لضر نزل به. وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب؛ فيتمني الموت، يقول: يارب أمتني، سواء قال ذلك بلسانه أو بقبله. فنهي النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)) . فقد يكون هذا خيرا له.

ولكن إذا أصبت بضر فقل: اللهم أعني على الصبر عليه، حتى يعنيك الله فتصبر، ويكون ذلك لك خيراً.

أما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري، ربما يكون الموت شراً عليك لا يحصل به راحة، كما قال الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

الإنسان ربما يموت فيموت إلي عقوبة- والعياذ بالله- وإلي عذاب قبر، وإذا بقي قي الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلي الله فيكون خيراً له؛ فإذا نزل بك ضر فلا تتمن الموت، وإذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان للضر الذي نزل به، فكيف بمن

يقتل نفسه إذا نزل به الضر، كما يوجد من بعض الحمقي الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سما أو ما اشبه ذلك، فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلي أشد منه، لم يستريحوا، لكن- والعياذ بالله- انتقلوا من عذاب إلي أشد. لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، كما جاء ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم، إن قتل نفسه بحديدة- خنجر أو سكين أو مسمار أو غير ذلك - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه.

وإن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم، وإن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتردي من أبد الآبدين وهلم جرا!

فأقول: إذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان الموت للضر الذي نزل به، فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه، نسأل الله العافية.

ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لما نهي عن شيء، كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح كما هي طريقة القرآن، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة: ١٠٤) ، فلما نهي الله عن كلمة ((راعنا)) بين لنا الكلمة المباحة، قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) .

ولما جيء للنبي- عليه الصلاة والسلام- بتمر جيد استنكره وقال: ما

هذا؟ ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قالوا: لا، والله ي رسول الله، إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لا تفعل، لكن بع الجمع بالدراهم، ثم اتبع بالدراهم جنيباً)) يعني تمراً طيبا. فلما منعه بين له الوجه المباح.

هنا قال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نول به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)) .

فتح لك الباب لكنه باب سليم، لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره عل قضاء الله، لكن هذا الدعاء ((اللهم أحيني ما كنت الحياة خيراً وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)) هذا الدعاء وكل الإنسان فيه أمره إلي الله، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فيكل الأمر إلي عالمه عز وجل ((أحيني ما علمت الحياة خير لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)) .

تمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته، وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة، ولهذا جاء في الحديث: ((ما من ميت يموت إلا ندم، فإن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب)) أي: استعتب من ذنبه

وطلب العتبى، وهي المعذرة.

فإن قال قائل: كيف يقول ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي؟)) .

نقول: نعم؛ لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون، أما الإنسان فلا يعلم، كما قال الله) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: من الآية٦٥)) وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان: من الآية٣٤) فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيراً لك، وقد تكون الوفاة خيراً لك.

ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير.

فإن قال قائل: إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت:) يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) (مريم: من الآية٢٣) ، فكيف وقعت فيما فيه النهي؟

فالجواب عن ذلك أن نقول:

أولاً: يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة، لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان.

ثانياً: أن مريم لم تتمن الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة، المهم أن تموت بلا فتنة، ومثله قول يوسف عليه الصلاة والسلام (ِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي

بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: من الآية١٠١) ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه، بل هو يسأل أن يتوفاه الله علي الإسلام، وهذا لا باس به، كأن يقول: اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص، أو توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك.

فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمني الموت من ضيق نزل به، وبين شخص يتمني الموت على صفة معينة يرضاها الله عز وجل!.

فالأول: هو الذي نهي عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.

والثاني: جائز

وإنما نهي النبي - عليه الصلاة والسلام- عن تمني الموت لضر نزل به؛ لأن من تمني الموت لضر نزل به ليس عنده صبر، الواجب أن يصبر الإنسان علي الضر، وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل، فإن الضرر الذي يصيبك من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك. وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم، لابد أن ينتهي، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب. الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه؛ صار خيرا لك، كما ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ((عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له)) ، فالمؤمن على كل حال

هو خير، في ضراء أو في سراء.

* * *

٤١ ـ وعن عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستضر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) (رواه البخاري)

وفي رواية: ((وهو متوسد برده، وقد لقينا من المشركين شدة))

[الشَّرْحُ]

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة، فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة)) صلوات الله وسلامه عليه. فبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء، يحفر له حفرة ثم يلقى فيها، ثم يؤتي بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه، بأمشاط الحديد

يمشط، وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة.

ثم أقسم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر، يعنى سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. أي: فاصبروا وانتظروا الفرج من الله، فإن الله سيتم هذا الأمر. وقد صار الأمر كما أقسم النبي عليه الصلاة والسلام.

ففي هذا الحديث آية من آيات الله، حيث وقع الأمر مطابقا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.

وآية من آيات الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث صدقه الله بما أخبر به، وهذه شهادة له من الله بالرسالة، كما قال الله) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (النساء: ١٦٦) .

وفيه أيضا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين. وإذا صبر الإنسان ظفر!!

فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة، قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم، كما قتل اليهود الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين. فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر، بل يبقى راسيا كالصخرة، والعاقبة للمتقين، والله تعالى مع الصابرين.

فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون

فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة، ولكن بطريق منظمة، لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم.

أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا، فإنه قد يفوتهم شيء كثير، وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا، إن كانوا قد بنوا شيئا.

لكن المؤمن يصبر ويتئد، ويعمل بتودة ويوطن نفسه، ويخطط تخطيطا منظما يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار، ويفوت عليهم الفرص؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير، يريدون أن يثيروهم، حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا: هذا الذي نريد، وحصل بذلك شر كبير.

فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لأصحابه اصبروا، فمن كان قبلكم ـ وأنتم أحق بالصبر منه ـ كان يعمل به هذا العمل ويصبر، فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان، اصبروا حتى يأتي الله بأمره، والعاقبة للمتقين.

فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر، ولكن أعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله، ولا تمل، فالدرب طويل، لا سيما إذا كنت في أول الفتنة، فإن القائمين بها سوف يحاولون ـ ما استطاعوا ـ أن يصلوا إلى قمة ما يريدون، فاقطع عليهم السبيل، وكن أطول منهم نفسا وأشد منهم مكرا، فإن هؤلاء الأعداء يمكرون، ويمكر الله، والله خير

الماكرين، والله الموفق.

٤٢ ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: لما كان يوم حنين، آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يؤمئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن رسول الله النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً (متفق عليه) .

وقوله: ((كالصرف)) هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي نقله المؤلف- رحمه الله- عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه ((لما كان غزوة حنين)) وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة، غزاهم الرسول صلي الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل، وغنم، ودراهم ودنانير، ثم إن النبي صلي الله عليه وسلم نزل بالجعرانة، وهي محل عند

منتهى الحرم من جهة الطائف، نزل بها

وصار صلي الله عليه وسلم يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم-أي ك في كبائر القبائل- يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيراًن حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل.

فقال رجل من القوم: ((والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله)) نعوذ بالله- يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلي الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة. نسأل الله العافية. هذه الكلمة كلمة كفر، أن ينسب الله ورسوله إلي عدم العدل، وإلي أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يرد بها وجه الله، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أراد بهذه القسمة وجه الله، أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام، لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا. ولكن الجهل ـ والعياذ بالله ـ يوقع صاحبه في الهلكة.

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورفعها إليه. أخبره بأن الرجل يقول كذا وكذا، فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف ـ أي كالذهب ـ من صفرته وتغيره، ثم قال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله)) وصدق النبي عليه الصلاة والسلام! إذا كانت قسمة الله ليست عدلا، وقسمة رسوله ليست عدلا، فمن يعدل إذا! ثم قال ((يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) .

والشاهد من الحديث هذه الكلمة، وهي أن الأنبياء ـ عليهم الصلاة

والسلام ـ يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته. يعنى ليس في أول، بل بعد ما مكن الله له، وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم، ومع ذلك يقال: هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله.

فإذا كان هذا قول رجل في صحابة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء: أن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا العلماء، لأنهم إذا قدحوا في العلماء سقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله. ومن يقودهم بكتاب الله إذا لم يثقوا بالعلماء وأقوالهم؟ تقودهم الشياطين وحزب الشيطان، ولذلك كانت غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية، إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية.

فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة، فإن لحوم العلماء ميتة مسمومة، لما فيها من الضرر العظيم، فلا تستغرب إذا سمعت أحدا يسب العلماء! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل، فاصبر، واحتسب الأجر من الله عز وجل، واعلم أن العاقبة للتقوى، فمادام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له.

وكذلك يوجد بعض الناس يكون له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم ـ والعياذ بالله ـ في خطيئة واحدة.

وعلى هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر، وأن الأنبياء قد سبوا وأذوا وكذبوا، وقيل إنهم مجانين، وإنهم شعراء، وإنهم كهنة، وإنهم سحرة) فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: من الآية٣٤) وهكذا يقول الله عز وجل.

ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطى من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام، ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، ولكن إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام وزاد في العطاء، فإن ذلك إليه وهو مسؤول أمام الله، ولا يحل لأحد أن يعترض عليه، فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه.

وفيه: أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعتبر بمن مضى من الرسل، ولهذا قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر، لأن الله تعالي يقول) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب) (يوسف: من الآية١١١) ويقول (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام: ٩٠) ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله.

وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في الصبر على الأذى، وأن نحتسب الأجر على الله، وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب، وتكفير لسيئاتنا. والله الموفق.

٤٣ ـ وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة)) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء،) ٍ وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي الله فله الرضى، ومن سخط فله السخط)) (رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته، لأن الله تعالى يقول عن نفسه) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦) ، ويقول إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: من الآية١٨) ، فكل الأمور بيد الله.

والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب؛ فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا: إما بماله، أو بأهله، أو بنفسه، أو بأحد ممن يتصل به؛ لأن العقوبة تكفر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب، قد طهرته المصائب والبلايا، حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ـ والعياذ بالله ـ ويفرح فرحا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة، نسأل الله العافية. فإذا رأيت شخصا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم، فاعلم إنما أراد به شرا؛ لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة.

ثم ذكر في هذا الحديث: ((إن عظم الجزاء من عظم البلاء)) يعنى أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء. فالبلاء السهل له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير، لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس، إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر.

((وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخطا فله السخط)) .

وهذه ـ أيضا ـ بشرى للمؤمن، إذا ابتلى بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه، بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد، يبتليه سبحانه بالمصائب، فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى، وإن سخط فله السخط.

وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل. والله الموفق.

٤٤- وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان ابن لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم ـ وهي أم الصبي ـ: هو أسكن ما كان. فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال ((أعرستم الليلة؟)) قال: نعم، قال: (٠ اللهم بارك لهما؛ فولدت غلاما، فقال: لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، ((أمعه شيء؟)) قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. (متفق عليه) .

وفي رواية للبخاري: قال ابن عيينه: فقال رجل من الأنصار، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولد.

وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن

قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعهم؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ ! فانطلق حتى أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله: ((بارك الله في ليلتكما)) قال: فحملت، قال: وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله اصلي الله عليه وسلم إذا أتي المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم؟ يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس، لا

يرضعه أحد حتى تغدو به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث.

[الشَّرْحُ]

حديث انس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابن يشتكي، يعني مريضا، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم. وكان هذا الصبي يشتكي، فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته، فقبض الصبي. يعني مات، فلما رجع سأل أمه عنه فقال: كيف ابني؟ قالت: ((هو أسكن ما يكون)) وصدقت في قولها، هو أسكن ما يكون؛ لأنه مات، ولا سكون أعظم من الموت. وأبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ فهم أنه اسكن ما يكون من

المرض، وأنه في عافية، فقدمت له العشاء فتعشى على أن أبنه برئ وطيب. ثم أصاب منها، يعني جامعها، فلما انتهى قالت له: ((واروا الصبي)) أي: ادفنوا الصبي؛ فإنه قد مات، فلما أصبح أبو طلحة رضي الله عنه ووارى الصبي وعلم بذلك النبي صلي الله عليه وسلم، وسأل: ((هل أعرستم الليلة)) فولدت غلاما سماه عبد الله، وكان لهذا الولد تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.

ففي هذا الحديث: دليل على قوة صبر أم سليم ـ رضي الله عنها ـ وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتوري هذه التورية، وقدمت له العشاء، ونال منها، ثم قالت: ادفنوا الولد.

وفي هذا دليل على جواز التورية، يعني أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهرة هذا الكلام. فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب، وله معنى آخر مرجوح، لكن هو المراد في نية المتكلم، فيظهر خلاف ما يريد.

وهذا جائز، ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة، إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليور، وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يوري؛ لأنه إذا ورى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا الموري إلى الكذب وأساء الظن به، لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس.

ومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان: لو أن شخصا ظالما يأخذ أموال الناس بغير حق، وأودع إنسان عندك مالا قال: هذا مالي عندك

وديعة، أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه، فجاء الظالم إليك وسألك: هل عندك مال لفلان؟ فقلت والله ما له عندي شئ.

المخاطب يظن أن هذا نفي، وأن المعني: ما عندي له شيء. لكن أنت تنوي ب (ما) الذي، أي: الذي عندي له شيء، فيكون هذا الكلام مثبتا لا منفيا. هذا من التورية المباحة، بل قد تكون مطلوبة إذا دعت الحاجة إليها، وإلا ففيما عدا ذلك فلا.

وفي هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعه تمرات، فأخذه النبي صلي الله عليه وسلم ومضغ التمرات، ثم جعلها في في الصبي، يعني أدخلها فمه وحنكه، أي: أدخل أصبعه وداره في حنكه؛ وذلك تبركا بريق النبي عليه الصلاة والسلام، ليكون أول ما يصل إلى بطن الصبي ريق الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان الصحابة يفعلون هذا إذا ولد لهم أولاد ـ بنون أو بنات ـ جاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه.

وهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم؟ أو من أجل أن يصل طعم التمرات إلى معدة الصبي قبل كل شئ؟

إن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلا يحنك أحد صبيا؛ لأنه لا أحد يتبرك بريقه وعرقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن قلنا بالثاني: إنه من اجل التمرات ليكون هو أول ما يصل إلى

معدة الصبي؛ لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ، فإننا نقول: كل مولد يحنك.

وفي هذا الحديث: آية من آيات النبي صلي الله عليه وسلم حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه، وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد، كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

وفيه: أنه يستحب تسمية بعبد الله، فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون، قال النبي صلي الله عليه وسلم ((إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن)) .

وأما ما يروى أن ((خير الأسماء ما حمد وعبد)) فلا أصل له، وليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه سلم، الحديث الصحيح: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام)) . وحارث وهمام أصدق الأسماء لأنها مطابقة للواقع، فكل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل، وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة.

قال الله تعالى:) يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦) ، وكل إنسان يعمل، فأصدق الأسماء حارث وهمام؛ لأنه مطابق للواقع، وأحبها إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء؛ لينال بذلك الأجر، وليكون محسنا إلى أبنائه وبناته.

أما أن تأتي بأسماء غريبة على المجتمع، فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل، ويكون كل هم ينال الولد أو الابن أو البنت من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله؛ لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يشار إليه، ويقال، انظر إلى هذا الاسم، أنظر إلى هذا الاسم ‍‍‍‍‍‍!! .

ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء.

ويحرم أن يسمي الإنسان بأسماء من خصائص أسماء الكفار، مثل جورج وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتلقب بها الكفار؛ لأن هذا من باب التشبه بهم وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم ((من تشبه بقوم فهو منهم)) .

ويجب علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نكره الكفار كرها عظيما، وأن نعاديهم، وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزينوا لنا وتقربوا لنا، فهم أعداؤنا حقا، وأعداء الله عز وجل، وأعداء الملائكة، وأعداء الأنبياء، وأعداء الصالحين، فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء، فإنهم والله الأعداء، فيجب أن نعاديهم، ولا فرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن، حتى الخدم والخادمات،

يجب أن نكره أن يكون في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين، ولا سيما وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يقول ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) ويقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما)) ، ويقول في مرض موته، في آخر حياته وهو يودع الأمة: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) .

وبعض الناس الآن ـ نسأل الله العافية ـ يخير بين العامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر! قلوب زائغة ضالة، ليست إلى الحق مائلة، يختارون الكفار!! يزين لهم الشيطان أعمالهم، ويقولون كذبا وزورا وبهتانا: إن الكافر أخلص في عمله من المسلم! أعوذ بالله! .

يقولون: أن الكافر لا يصلى، بل يستغل وقت الصلاة في العمل، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج، ولا يصوم، وهو دائما في عمل.

ولا يهمهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسموات يقول:) وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة: من الآية٢٢١) ، فيجب عليكم أيها الإخوة أن تناصحوا إخوانكم الذين اغتروا وزين لهم الشيطان جلب الكفار إلى بلادنا خدما وعمالا وما أشبه ذلك، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة للكفار

على المسلمين؛ لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين.

والشواهد على هذا كثيرة، فالواجب علينا أن نتجنب الكفار، بقدر ما نستطيع، فلا نتسمى بأسمائهم، ولا نوادهم، ولا نحترمهم، ولا نبدأهم بالسلام، ولا نفسح لهم الطريق، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((لاتبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)) .

أين نحن من هذه التعليمات! ؟ أين نحن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؟ لماذا لا نحذر إذا كثر فينا الخبث من الهلاك؟ استيقظ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذات ليلة محمرا وجهه فقال ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب)) إنذار وتحذير، ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث)) .

الخبث العملي والخبث البشري، فإذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك، وإذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك، والواقع شاهد بهذا، نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين

والباطنين، وأن يكبت المنافقين والكفار، ويجعل كيدهم في نحورهم، إنه جواد كريم.

قول أم سليم ـ رضي الله عنها ـ ((أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، فقالت فاحتسب ابنك)) يعني أن الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله ـ عز وجل ـ متى شاء أخذهم، فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى.

وهذا يدل على ذكائها ـ رضي الله عنها ـ وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة، وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب، وربما تكون أشد حزنا؛ لضعفها وعدم صبرها.

وفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم حيث كان له تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن، ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.

وفيه ـ أيضا ـ كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه؛ لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد ان حملت، فلما رجع النبي صلي الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض، أي: جاءها الطلق قبل أن يصلوا إلى المدينة، وكان النبي صلي الله عليه وسلم: ((لا يحب أن يطرق أهله طروقا)) أي: لا يحب أن يدخل عليهم ليلا دون أن يخبرهم بالقدوم. فدعا أبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ ربه وقال: اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي صلي الله عليه وسلم مخرجا إلا وأنا معه ولا يرجع مرجعا إلا وأنا معه، وقد أصابني ما ترى ـ يناجي ربه سبحانه وتعالى ـ تقول أم سليم: ((فما وجدت الذي كنت أجده من قبل)) يعني هان

عليها الطلق، ولا كأنها تطلق.

قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة: انطلق، فانطلق، ودخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصلوا إلى المدينة وضعت. ففي هذا كرامة لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه، ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك ـ وهو أخو هذا الحمل الذي ولد، أخوه من أمه ـ قالت: احتمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم نمر، فيأخذ النبي صلي الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنك بها الصبي، لأن في ذلك فائدتين:

الفائدة الأولى: بركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتبركون بريق النبي صلي الله عليه وسلم وبعرقه، حتى كان من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلى الفجر أتوا بآنية فيها ماء فغمس النبي صلي الله عليه وسلم يديه في الماء، وعرك يديه في الماء، فيأتي الصبيان بهذا الماء ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلي الله عليه وسلم.

وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إذا توضأ النبي عليه الصلاة والسلام كادوا يقتتلون على وضوئه، أي: فضل الماء، يتبركون به، وكذلك من عرقه وشعره.

حتى كان عند أم سلمة ـ إحدى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين ـ عندها جلجل من فضة، أي مثل ((الطابوق) فيه شعرات النبي صلي الله عليه وسلم يستشفون بها، أي يأتون بشعرتين أو ثلاثة

فيضعونه في الماء ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء، لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام.

الفائدة الثانية من التمر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحنكه الصبيان: أن التمر فيه خير وبركة، وفيه فائدة للمعدة، فإذا كان أول ما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيرا للمعدة.

فحنكه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ودعا له بالبركة.

والشاهد من هذا الحديث: أن أم سليم قالت لأبي طلحة: احتسب ابنك، يعنى: أصبر على ما أصابك من فقده، واحتسب الأجر على الله. والله الموفق.

٤٥ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (متفق عليه)

((والصرعة)) بضم الصاد وفتح الراء، وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرا.

٤٦ ـ وعن سليمان بن صرد ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت جالسا مع النبي صلي الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد أحمر وجهه، وانتفخت أوداجه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من

الشيطان الرجيم، ذهب منه ما يجد)) فقالوا له: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((تعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب، والغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيستشيط غضبا، ويحتمي جسده، وتنتفح أوداجه، ويحمر وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانا، ويتصرف تصرفا لا يعقله أيضا.

ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني قال: ((لا تغضب)) .

وبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الشديد ليس بالصرعة فقال: ((ليس الشديد بالصرعة)) أي: ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي، لكن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ليس هذا الشديد حقيقة، ((إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) أي: القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها، لأن هذه هي القوة الحقيقة، قوة داخلية

معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان، لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب.

ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن لا يسترسل فيه، لأنه يندم بعده، كثيرا ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة!

كثيرا ما يغضب الإنسان فيتلف ماله، إما بالحرق أو بالتكسير. كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه، وربما مات بضربه. وكذلك يغضب على زوجته مثلا فيضربها ضربا مبرحا، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب؛ ولهذا نهي النبي صلي الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق.

وكذلك ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ حديث سليمان ـ رضي الله عنه ـ في رجلين أسبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) أعوذ بالله أي: أعتصم به.

من الشيطان الرجيم: لأن ما أصابه من الشيطان، وعلى هذا فيقول: المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر، وأن يتعوذ بالله من

الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، فإن الوضوء يطفئ الغضب، وإن كان قائما فليقعد، وغن كان قاعدا فليضطجع، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك. والله الموفق.

٤٧ ـ وعن معاذ بن انس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء)) رواه أبو داود، والترميذي وقال: حديث حسن.

٤٨ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ((لا تغضب)) فردد مرارا، قال ((لا تغضب)) ١٥٧) (رواه البخاري) .

٤٩ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة)) (رواه الترميذي وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر.

أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة))

الغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب، ولكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن؛ لأن الحزن نقص، والغضب في محله كمال؛ فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به، ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله، وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ؛ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء.

وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. قال: ((لا تغضب)) فردد مررا فقال: ((لا تغضب)) فقد سبق الكلام عليه.

والحديث الثالث فهو أيضا دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته، وإذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله، ثم صبر على ذلك، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة. ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان، حتى يمشي على الأرض وليس عليه

خطيئة، ولكن هذا إذا صبر.

أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط. والله الموفق.

٥٠ ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدينهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ـ رضي الله عنه ـ ومشاورته، كهولا كانوا أو شبابا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر. فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر ـ رضي الله عنه ـ حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

ما زال المؤلف ـ رحمه الله ـ يأتي بالأحاديث الدالة على الصبر وكظم الغيظ، فذكر هذا الحديث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أمير المؤمنين، وثالث رجل في هذه الأمة

الإسلامية، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وبعد الخليفة الأول، فعمر هو الخليفة الثاني.

وكان قد اشتهر بالعدل بين الرعية، وبالتواضع للحق، حتى أن المرأة ربما تذكره بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها، فقد قدم عليه عيينة بن حصن ـ وكان من كبار قومه ـ فقال له: هيه يا ابن الخطاب. هذه كلمة استنكار وتلوم. وقال له: إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل.

انظر إلى هذا الرجل يتكلم عن هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام، مع أن عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه (٠ كان جلساؤه القراء)) القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم جلساؤه، سواء كانوا شيوخا أو كهولا أو شبابا، يشاورهم ويدينهم، وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين؛ لأنه أن قيض له جلساء غير صالحين؛ هلك وأهلك الأمة، وإن يسر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة. فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان. وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ القراء منهم هم أهل العلم، لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.

لما قال الرجل هذا الكلام لعمر: إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، غضب ـ رضي الله عنه ـ غضبا حتى كاد يوقع به، أي: يضر به أو يبطش به.

ولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له: يا أمير

المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، وإن هذا من الجاهلين.

فوقف عمر ولم يتجاوزها؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فوقف، وما ضرب الرجل وما بطش به؛ لأجل الآية التي تليت عليه.

وانظر إلى أدب الصحابة ـ رضي الله عنهم عند كتاب الله؛ لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا، مهما كان.

فقوله تعالى (خذ العفو) أي: خذ ما عفا من الناس وما تيسر، ولا تطلب حقك كله؛ لأنه لا يحصل لك، فخذ منهم ما عفا وسهل.

وقوله: (وأمر بالعرف) أي: اأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف، لأن الأمور ثلاثة أقسام:

١ ـ منكر يجب النهي عنه.

٢ ـ وعرف يؤمر به.

٣ ـ وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه.

ولكن على سبيل النصيحة ينبغي للإنسان ألا يقول إلا قولا فيه خير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (٠ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت)) .

وأما لقوله: (وأعرض عن الجاهلين) فالمعني: أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه لاسيما إذا كان إعراضك ليس ذلا وخنوعا.

مثل عمر بن الخطاب إعراضه ليس ذلا ولا خنوعا، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكن امتثل هذا الأمر واعرض عن الجاهلين.

والجهل له معنيان:

أحدهما: عدم العلم بالشيء.

والثاني: السفه والتطاول، ومنه قول الشاعر الجاهلي:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

أي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه، لكن هذا شعر جاهلي!! أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالي يقول:) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: ٣٤) ، سبحان الله!! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورا يأتيك الثواب والجزاء: أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، وقوله (ولى حميم) أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والذي يقول هو الله عز وجل مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يصرفه كيف يشاء

فهذا الذي كان عدوا لك ودافعته بالتي هي أحسن، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة (وكأنه ولي حميم) .

فالحاصل أن هذه الآية الكريمة) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وقف ولم يبطش بالرجل، ولم يأخذه على جهله.

فينبغي لنا إذا حصلت مثل هذه الأمور، كالغضب والغيظ، أن نتذكر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نسير على هديهما، حتى لا نضل، فإن من تمسك بهدي الله فإن الله يقول:) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه: من الآية١٢٣) ، والله الموفق.

٥١ ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ‍قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا ‍قال: تودون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)) (متفق عليه) .

((والأثرة)) الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.

٥٢ ـ وعن أبي يحي أسيد بن خضير ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال ((إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (متفق عليه) .

((وأسيد)) بضم الهمزة. ((وحضير)) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان: حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وحديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك.

أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة) والأثرة يعني: الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق.

يريد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سيستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها.

وهذه أثرة وظلم الولاة، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين. ولكن قالوا: ما تأمرنا؟

قال: ((تودون الحق الذي عليكم)) يعني: لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوا الأمر الذي أعطاهم الله ((وتسألون الله الذي لكم)) أي: اسألوا الحق الذي لكم من الله، أي: اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم، وهذا من حكمة النبي صلي الله عليه وسلم؛ فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علم أن النفوس

شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير، وذلك بأن نؤدي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك، ونسأل الله الذي لنا، وذلك إذا قلنا: اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا، كان في هذا خير من جهتين.

وفيه دليل على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر بأمر وقع، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال، فنجدهم يأكلون إسرافا، ويشربون إسرافا، ويلبسون إسرافا، ويسكنون ويركبون إسرافا، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدا من طاعة، أو أن ننابذهم، بل نسأل الله الذي لنا، ونقوم بالحق الذي علينا.

وفيه ـ أيضا ـ استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بالصبر على هذا، وأن نقوم بما يجب علينا، ونسأل الله الذي لنا.

أما حديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلي الله عليه وسلم ((إنها ستكون أثرة)) ولكنه قال: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)) .

يعني: اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيكم من

حوضه، حوض النبي صلي الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا جميعا ممن يرده ويشرب منه.

هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان، في يوم الآخرة، يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء، فيردون حوض النبي صلي الله عليه وسلم، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو نهر في الجنة أعطية النبي صلي الله عليه وسلم، يصبان عليه ماء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدا. اللهم اجعلنا ممن يشرب منه.

فأرشده النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورد على الحوض والشرب منه.

وفي هذين الحديثين: حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) ، فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس.

ـ ويذكر أن رجلا من الخوارج جاء إلى على بن أبي طالب ـ رضي الله

عنه ـ وقال له: يا على، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر؟

فقال له: إن رجال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنا وأمثالي، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك، أي: ممن لا خير فيه؛ فصار سببا في تسلط الناس وتفرقهم على على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخروجهم عليه، حتى قتلوه رضي الله عنه.

ـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وكلمهم ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر؟

وقالوا: نعم! فال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر!! فالله سبحانه وتعالى حكيم، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم، إن أساؤوا فإنه يساء إليهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم.

ولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل، وأنه إذا صلح الراعي صلحت، لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يعدل من مال، وأن يؤدب من عال وجار. والله الموفق.

٥٣ ـ وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام فيهم فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا

الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في بعض غزواته، فانتظر حتى مالت الشمس، أي: زالت الشمس، وذلك من أجل تقبل البرودة ويكثر الظل وينشط الناس، فانتظر حتى مالت الشمس قام فيهم خطيبا.

وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة النبي صلي الله عليه وسلم وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذه كثيرة جدا، فقال في جملة ما قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو)) .

أي: لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول: اللهم ألقني عدوي ‍!

((واسألوا الله العافية)) قل: اللهم عافنا.

((فإذا لقيتموهم)) وابتليتم بذلك ((فاصبروا)) ، هذا هو الشاهد من الحديث، أي: اصبروا على مقاتلتهم واستعينوا بالله عز وجل، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا.

((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) نسأل الله من فضله!

فالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله؛ لأن المجاهد في سبيل الله إذا قتل صار من أهل الجنة النبي صلي الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩ ـ١٧١)

والشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يحس بالطعنة أو بالضربة، كأنها ليست بشيء، ما يحس إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبدا، نسألك اللهم من فضلك.

ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

وكان من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنس بن النصير، قال: ((أني لأجد ريح الجنة دون أحد)) .

انظر كيف فتح الله مشامة حتى شم ريح الجنة حقيقة دون أحد، ثم قاتل حتى قتل ـ رضي الله عنه ـ فوجد فيه بضع وثمانون ضربة ما بين سيف، ورمح، وسهم، وغير ذلك؛ فقتل شهيدا رضي الله عنه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم)) وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو.

فهنا توسل النبي- عليه الصلاة والسلام- بالآيات الشرعية والآيات الكونية.

توسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم، ـو يشمل كل كتاب، ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره.

((ومجري السحاب)) : هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع آلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما يجزيه من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.

((وهازم الأحزاب)) : فإن الله عز وجل وحده هو الذي يهزم الأحزاب.

ومن ذلك: أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب، والتي قد تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالي:) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً) (الأحزاب: من الآية٢٥) ، فأرسل عليهم ريحا وجنوداً زلزلت بهم وكفأت قدروهم وأسقطت خيامهم، وصار لا يستقر لهم قرار، ريح شديدة باردة شرقية حتى ما بقوا وانصرفوا.

قال الله عز وجل: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) (الأحزاب: من الآية٢٥) فالله عز وجل هو هازم الأحزاب، ليست

قوة الإنسان هي التي تهزم، بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع، لكننا مأمورون بفعل السبب المباح، لكن الهازم حقيقة هو الله عز وجل.

ففي هذا الحديث عدة فوائد:

منها: أن لا يتمني الإنسان لفاء العدو، وهذا غير تمني الشهادة! تمني الشهادة جائز وليس منهيا عنه، بل قد يكون مأموراً به، أما تمني لقاء العدو، فلا تتمناه؛ لأن الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو)) .

ومنها: أن يسأل الإنسان الله العافية، لأن العافية والسلامة لا يعدلها شيء، فلا تتمن الحروب ولا المقاتلة، واسأل الله العافية والنصر لدينه، ولكن إذا لقيت العدو، فاصبر.

ومنها: أن الإنسان إذا لقي العدو فإن الواجب عليه أن يصبر، قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال: ٤٥/٤٦) .

ومنها: أنه ينبغي لأمير الجيش أو السرية أن يرفق بهم، وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب، سواء كان مناسباً من الناحية اليومية أو من الناحية الفصلية. فمثلاً في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرى القتال فيه؛ لأن فيه مشقة. وفي أيام البرد الشديد لا يتحر ذلك أيضاً؛ لأن في ذلك مشقة، لكن إذا أمكن أن يكون بين بين، بأن يكون في الربيع أو في الخريف، فهذا أحسن ما يكون.

ومنها - أيضاً- أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم ولنصرنا عليهم)) .

ومنها: الدعاء على الأعداء بالهزيمة؛ لأنهم أعداؤك وأعداء الله، فإن الكافر ليس عدواً لك وحدك، بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن. فالكافر عدو لكل مؤمن. وعدو لكل رسول، وعدو لكل نبي، وعدو لكل ملك، فهو عدو، فينبغي لك أن تسأل الله دائماً أن يخذل الأعداء من الكفار، وأن يهزمهم، وأن ينصرنا عليهم والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

الأولياء وهو مذهب أهل الحق. ولا حجة فيه على جواز بيع الفضولية، لأن ما ذكر في شرع من قبلنا، وفي كونه حجة خلاف، وعلى تقدير الحجة فلعله استأجره بأجرة في الذمة كما أشرنا إليه ولم يسلمها له بل عرضها عليه فلم يقبلها لرداءتها، فبقيت على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه لبقائه على ملكه فصح تصرفه فيه، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه تقرباً به إلى الله تعالى، ولذا توسل به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من القدر الذي استأجره عليه، فلذا حمد فعله، والله أعلم.

٢ - باب التوبة

٢ - باب التوبة

بالرفع خبر مبتدإ محذوف: أي هذا باب، أو مبتدأ خبره محذوف: أي: باب التوبة هذا، ويجوز نصبه على تقدير: خذ باب التوبة. وهي لغة الرجوع يقال تاب وأناب وآب بمعنى رجع فالتائب إلى الله تعالى هو الراجع من شيء إلى شيء، راجع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، راجع عما نهى الله عنه إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكرهه إلى ما يرضاه، رجوع من الأضداد إلى أسباب الوداد، ورجوع إليه تعالى بعد المفارقة، وإلى طاعته بعد المخالفة فمن رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله فهو تائب، ومن رجع حياء فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله سبحانه فهو أوّاب. والتوبة أحسن ما قيل في معناها شرعاً: هو الرجوع من البعد عن الله إلى القرب إليه سبحانه وتعالى اهـ. ذكره الإيجي قال القرطبي: أسدّ العبارات وأجمعها في تعريفها قول بعض المحققين: هي اجتناب ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً.

(قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب) ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد (فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي) عطف بيان على قوله بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى،

وقوله: (فلها ثلاثة شروط) جواب إن الشرطية (أحدها أن يقلع) بضم أوله: أي: يكف وينقطع (عن المعصية) التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وهذا قد يترك اشتراطه ويحمل على من يستحيل منه وقوع مثل تلك المعصية كمن زنى فجبّ، فهذا استحال منه الإقلاع المكتسب، وكذا العزم على ألا يفعله في المستقبل لأن فعله غير ممكن منه.

قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في «أماليه» : لا يجب على الإنسان ترك الشيء إلا إذا كان ممكنه فعله، إذ لا تكليف بترك المستحيل (والثاني) من الشروط (أن يندم على فعلها) من حيث إنها معصية، فلو ندم عليه لا من هذه الحيثية بل لأجل تلك الوجوه الآتية في الكلام على التوبة النصوح لم يعتد بندمه ونازع الغزالي في «منهاج العابدين» له في اشتراط الندم في مفهوم التوبة، ثم قال: وقيل المراد اشتراط ما يؤدي إليه من تذكر الذنب وشؤمه وعذاب الله وعقابه ونحو ذلك، لأن هذا في قدرته ومن كسبه، وهو يترتب عليه الندم الذي هو أمر طبيعي لا قدرة له على اكتسابه، والله أعلم (والثالث أن يعزم ألا يعود إليها) أي: إلى مثلها مطلقاً (أبداً) فلا يعود التائب من الرياء إلى مثله وهو الرياء، وإلا فالمعصية التي كان تلبس بها انقضت وزالت فلا يمكن العود إليها. هذا وزاد بعضهم اشتراط عدم صحبة من ارتكب معه المعصية بعد التوبة، وأن تكون التوبة تعالى خاصة.

قال ابن عبد السلام: استدرك السيف الآمدي على الناس قيداً آخر في التوبة التامة، وهو أن يكون الندم تعالى، احترازاً مما إذا قتل شخص ولده، فإنه يندم على الماضي لأجل كونه ولده. وأجيب بأن هذا ليس استدراكاً إذ الإخلاص شرط في كل عبادة، والناس يعنون بقولهم للتوبة ثلاثة أركان ما عدا الإخلاص اهـ. وأدرج ابن حجر الهيتمي هذا القيد في الشرط الأول وهو الإقلاع فقال: ترك الذنب تعالى، فلو تركه لخوف أو رياء أو غير ذلك من الأغراض التي لغير الله لم يعتد بتركه (فإن فقد أحد هذه الثلاثة) أي: واحد منها (لم تصح توبته) أي: التامة أما الناقصة فتصح مع فقد الإقلاع والعزم على عدم العود كما تقدم تمثيله، قيل: وعلى ذلك يحمل حديث «الندم توبة» وقيل: بل الحديث نظير حديث «الحج عرفة» أي: ركنها الأعظم، والله أعلم (وإن كانت المعصية) التي تريد التوبة منها (تتعلق بحق آدمي فشرطها أربعة) خبر عن قوله شرطها، وجاز الإخبار عنه بذلك لكونه مفرداً مضافاً إلى معرفة.

وهو على الصحيح حيث لا عهد للعموم الصالح للجمعية من حيث مدلول لفظه، إذ هو حينئذٍ المعنى الذي استغرقه لفظه الصالح له من غير حصر، وإن كان مدلوله في التركيب كلياً على الأصح: أي: محكوماً فيه على كل فرد مطابقة، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده، والصحيح فيها بناه على ظاهر كلام النحاة، وليست العبرة في مطابقة المبتدإ للخبر إلا باصطلاحهم أن مدلوله كل: أي: محكوم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع (هذه الثلاثة) المذكورة (و) الرابع (أن يبرأ من حق صاحبها) وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو القول، قال: فيقول القاذف مع إبراء المقذوف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزرو (فإن كانت) أي: المعصية المتعلقة بالآدمي (مالاً أو نحوه) من اختصاص محترم (رده إليه) أي: إلى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدله عند تلفه من قيمة أو مثل (وإن كان) أي: حق الآدمي (حد قذف ونحوه) أي: نحو

القذف كالقتل والقطع قصاصاً (مكنه) أي: صاحب الحق (منه) أي: من الحد أي استيفائه منه (أو طلب عفوه) بإسقاط حقه. وظاهر كلامه توقف صحة التوبة على ما ذكر من الردّ والتمكين أي إن أمكنه ذلك، وإلا نوى ذلك إذا قدر أو طلب العفو، لكن ذهب الإمام وتبعه العز ابن عبد السلام وأقرّه المصنف إلى صحة توبته وإن لم يسلم نفسه بالنسبة لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي وإثم الامتناع، بل قال في «الشامل» وتبعه جمع: إنه حيث ندم صحت توبته وإن لم يردّ المظلمة، وهو ظاهر فيبرأ بالنسبة لحق الله تعالى إن وجد الإقلاع، وإلاّ كردّ المغصوب ما دام باقياً وقدر عليه فلا (وإن كان) أي: حق الآدمي، وفي نسخة «كانت» أي: المعصية (غيبة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية، وسيأتي ما يتعلق بها في باب من الكتاب. قيل: ومثل الغيبة القذف، وقد يقال هو داخل في مفهوم الغيبة.

واعتبر بعضهم في التوبة من القذف كما مر أن يقول القاذف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه. وكذا شاهد الزور (استحله منها) أي: بأن يخبره بما قاله حتى يصح تحليله، لكن محل تعيين الإخبار ما لم يترتب عليه ضرر أعظم، وإلا كأن يخشى قتله بذلك مثلاً فلا. ومحل تعيين الإخبار والاستحلال إن بلغه الاغتياب وإلا كفى الاستغفار (ويجب) جمعاً عندنا معاشر أهل السنة (أن يتوب من جميع الذنوب) أي: ولو صغائر قال تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} (التحريم: ٨)

{توبوا إلى الله جميعاً} (فإن) لم يتب من الجميع بل أصرّ على بعضها (وتاب من بعضها صحبت توبته عند أهل الحق) هم أهل السنة (من ذلك الذنب) الأنسب من ذلك البعض: أي: الذي تاب منه (وبقي عليه الباقي) أي: تبعته ووجوب التوبة منه قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صحّ إسلامه وتوبته لكون حقيقتها ليس إلا الرجوع والندم والعزم، وقد وجدت (وقد تظاهرت) بالظاء المعجمة، من التظاهر وهو التعاون (دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة) إضافة دلائل لما بعدها من المتعاطفات إضافة بيانية (على وجوب التوبة) متعلق بتظاهرت.

(قال الله تعالى) أي: حال كونه متعالياً علوّ مكانة لا علوّ مكان متقدماً عما لا يليق به، ويصح جعلها مستأنفة، والجملة إنشائية معنى سيقت لما ذكر كما تقدم بيانهما أول الكتاب {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث {لعلكم تفلحون} تنجون من ذلك بقبول التوبة منه. ولعل في الأصل للرجاء، وفي كلامه تعالى للتحقيق. قال السيوطي في «التوشيح» : كل وعد في الكتاب أو السنة فواجب الوقوع لوجوب سلامة خبر من ذكر عن الخلف.

(وقال تعالى) : {استغفروا ربكم} من الشرك، ومثله من غيره، والقصر عليه لأنه الذنب المأمور بالخروج عنه (إنه كان غفاراً) المبالغة باعتبار الكمّ، فلا تحصى عدة المغفور لهم، وباعتبار الكيف فيغفر الصغائر والكبائر والفواحش {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر: ٥٣) وقوله: «إنه الخ» علة للأمر قبله.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} اختلفت عبارات السلف

في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمربن الخطاب وأبيّبن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على ألا يعود إليه، وقال الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب: «توبة نصوحا» تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي: قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغشّ. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي: مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في «شرح المنازل» : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن

التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.

١٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: وا) فيه ندب

الحلف لتأكيد الأمر وتقويته ليبادروا إلى الإتيان بذلك (إني لأستغفر ا) أي: أطلب منه مغفرة تليق بمقامي المبرإ عن كل وصمة ذنب أو مخالفة ولو سهوا وقبل النبوة (وأتوب إليه) أي: أرجع إليه متنقلاً من شهود فرق إلى شهود جمع. ثم الجملة جواب القسم (في اليوم) وهو شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. قال السفاقسي: لم يرد ما فاؤه ياء وعينه واو إلا هذا اللفظ قيل: «ويوح» وهو من أسماء الشمس. وقيل: إنه بالموحدة (أكثر من سبعين مرة) إنما لم يحده بعدد مخصوص، لما علمت أن موجب الاستغفار والتوبة اللائقين به لا ينحصر ولأنهما يتكرارن بحسب الشهود والترقي. ثم في هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوماً وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة؛ واستغفاره ليس من الذنب بل من اعتقاده أن نفسه قاصرة في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام (رواه البخاري) وفي كتاب الأطراف بعد إخراجه لكن بلفظ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» وأخرجه البخاري وأبو عبد الرحمن يعني النسائي وأبو عيسى يعني الترمذي، وسيأتي فيه كلام في باب الاستغفار أواخر الكتاب.

١٥٢ - (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (ابن يسار) بفتح التحتية والمهملة (المزني) ويقال الجهني، وفي الصحابة أيضاً الأغر الغفاري وجعلهما بعض الحفاظ إنساناً واحداً. وقال الحافظ نور الدين الداودي: الحق أنهم ثلاثة، وانفرد مسلم بالإخراج للأغر المزني، وكذا أخرج عنه أبو داود والترمذي (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يا أيها الناس توبوا إلى ا) أي: ارجعوا إليه بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ومما أمركم به التوبة، فهي واجبة من كل ذنب ولو صغيرة إجماعاً كما تقدم (فإني أتوب) أي: أرجع رجوعاً يليق بي (إليه) أي: إلى شهوده أو إلى سؤاله أو

الحضور والصغار بين يديه (في اليوم مائة مرة. رواه مسلم) في «أواخر صحيحه» . قال في «السلاح» : ليس للأغر في الكتب الستة إلا هذا الحديث.

١٦٣ - (وعن أبي حمزة) بالحاء المهملة المفتوحة: كنى بذلك ببقلة فيها حموزة: أي: حموضة كان يحبها (أنس) بفتح أوليه (ابن مالك) بن النضر (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني ثم البصري (خادم رسول الله) حضراً وسفراً منذ قدم المدينة إلى أن توفي (رضي الله عنه) قال: قدم النبي إلى المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين سنة، غزا مع النبيّ ثماني غزوات، وروى الكثير، وعدة ما روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في «مسند» بقيّبن مخلد ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعين. روى عن عدة من الصحابة، وروي عنه كثير، وخرّج عنه أصحاب المسانيد. ومن كراماته معه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال: «دخل النبي عند أم سليم: يعني أمه، فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية البيت يصلي غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت خادمك أنس، ادع الله له، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك به، قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً» . وعنه قال: رزقت لصلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر في السنة مرّتين» . وكان ريحان بستانه يشم منه رائحة المسك، وقد ذكرت

زيادة في مناقبه ومآثره في «شرح الأذكار» . توفي على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. ولما مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبيّ (قال: قال رسول الله:) بفتح اللام جواباً للقسم المقدر: أي: وا (أفرح) أي: أشد فرحاً والمراد منه

هنا استحالة قيام حقيقته، إنما هي اعتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بعرض يستكمل به نقصانه أو يسد به خلته: أي حاجته، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً بالباري سبحانهـ غايته من الرضا لأن السرور يقارنه الرضا بالمسرور بهـ أو هو تشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة من المجموع فتكون غايته ونهايته، وفائدة إبرازه في صورة التشبيه تقرير المعنى في ذهن السامع؛ أو تمثيلي بأن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه.

فالحاصل أن المراد بقوله: «أفرح» أرضى (بتوبة عبده من) فرح (أحدكم) حال كونه قد (سقط على بعيره) قال في «النهاية» أي: يعثر على موضعه ويقع عليه كما يسقط الطائر على وكره اهـ. والمراد صادفه من غير قصد (وقد أضله) أي: ضيعه جملة حالية من الضمير في سقط فهي حال متداخلة (في أرض فلاة) من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: في أرض واسعة (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) أي: انفرد بلفظها عن البخاري (أشد فرحاً بتوبة عبده) أي: رجوعه إلى طاعته وامتثال أمره (حين يتوب) أي: يرجع منتهياً (إليه) أي: يخلص في توبته بأن ينوي بها وجه الله لا غير، وبه يعلم أن قوله: (حين يتوب إليه) قيد لا بد منه لا يغني عنه قوله بتوبة عبده (من) فرح (أحدكم إذا كان) وفي نسخة «كان» (على راحلته) أي: التي يركبها من ناقة أو غيرها (بأرض فلاة) قضية كلام فتح الإله أنه بالإضافة وضبط بالقلم في أصل صحيح من الرياض بتنوين أرض (فانفلتت) أي: الراحلة (منه و) الحال أنه (عليها طعامه وشرابه) فله احتياج إليها لوجهين ركوبها، وكون زاده عليها (فأيس منها) لمبالغته في لحوقها أو في التفتيش عنها فلم يقدر عليها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها)

ليستريح مما حصل له من شدة التعب في مزيد الطلب حال (وقد أيس من راحلته) أي: من حصولها وحينئذٍ استسلم للموت لحضور أسبابه (فبينما) أصله بين، وما مزيدة لكفها عن الإضافة إلى المفرد (هو كذلك) أي: أيس، أو المشار إليه مفهوم من سياق الكلام: أي مستسلم (إذ هو بها قائمة عنده) وفيه على كون المشار إليه الأول الإشارة إلى أن الفرج مع الكرب واليسر مع العسر، قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} (الشرح: ٥ - ٦) وقال: «لن يغلب عسر يسرين» وقال: «اشتدي أزمة تنفرجي» وعلى الثاني الإشارة إلى أن الاستسلام والخروج عن الحول والقوّة سبب لحصول المطالب وبلوغ المآرب، وليس المراد ترك مزاولة الأسباب بل ترك الركون إليها والاعتماد عليها، وا ولي

التوفيق (فأخذ بخطامها) فرحاً بها فرحاً لا نهاية له. قال في «النهاية» : وخطام البعير: أي: بكسر المعجمة: أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة. ثم يقلد البعير به ثم يثنى على خطمه قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الغريبين للهروي نقلاً عن الأزهري: فإذا ضفر من الأدم فهو جرير اهـ. قال في «النهاية» : أما الذي يجعل في الأنف دقيقاً فهو الزمام. وقال المؤلف نقلاً عن صاحب «المطالع» : الزمام للإبل ما يشدّ به رءوسها من حبل وسير ونحوه لتنقاد به اهـ. (ثم قال من) أجل (شدة الفرح) لدهشه بل ربما قال (اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك) وقوله: (أخطأ من شدة الفرح) استئناف بياني، كأن قائلاً يقول ما سبب خطئه؟ فقال أخطأ: أي تجاوز الصواب وهو قوله: أنت ربي وأنا عبدك إلى ما قاله من الخطأ، من أجل شدة الفرح، لما تقرر من أنه ربما اشتد حتى منع صاحبه هذا من إدراك البدهيات فضلاً عن غيرها. وجاء في المعنى أحاديث أخر منها: ما أخرجه ابن عساكر في «أماليه» عن

أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، ومن الظمآن الوارد» ومنها ما أخرجه العباسبن تركان الهمداني في كتاب التائبين مرسلاً «أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، فمن تاب توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه» أوردهما السيوطي في «الجامع الصغير» .

١٧٤ - (وعن أبي موسى عبد ابن قيس الأشعري رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب الإخلاص (عن النبي: إن الله تعالى يبسط يده بالليل) في «المفاتيح» : بسط اليد عبارة عن الطلب، لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحد بسط كفه، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو هو عبارة عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب. وقال القرطبي في «المفهم» : هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القويّ القاهر إلى مقتضى اللطيف الرءوف الغافر. وقال الطيبي: لعله تمثيل، وشبه حال إرادته تعالى التوبة من عبده وأنها مما يحبه ويرضاه بحالة من ضاع له شيء نفيس لا غنى له عنه ثم وجده مع غيره، فإنه يمد يده إليه طالباً متضرّعاً، ثم استعمله في جانب المستعار منه وهو بسط اليد مبالغة في تناهي التشبيه وادعاء أن المشبه نوع من المشبه به، وللمؤلف فيه كلام يأتي بما فيه (ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) أي: إنه يوسع جوده وفضله على العصاة بالليل ليلهموا التوبة بالنهار وبالنهار ليلهموا التوبة بالليل، فسق ذلك الكرم والجود علة للتوبة ما دام بابها مفتوحاً. قال في «فتح الإله» لابن حجر الهيتمي عن المشكاة: وقول النووي يبسط يده كناية عن قبول التوبة. قال المازري: لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه فقبض يده عنه، لا يناسب قوله في الحديث «ليتوب مسيء النهار إلخ» لأن المعنى عليه ينحلّ إلى أنه ينقل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار إلخ.

وظاهر أنه ليس مراداً إذ قبوله التوبة بالليل ليس علة لتوبة مسيء النهار وعكسه، لأنه لا معنى لقبول التوبة قبل وجودها، وإنما المعنى أنه تعالى يقبلها بالليل ليتوب مسيئه، وبالنهار ليتوب مسيئه اهـ.

وقبول التوبة مستمرّ ما دام بابها مفتوحاً وإليه الإشارة بقوله: (حتى تطلع الشمس من مغربها) فحينئذٍ يغلق بابها، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية، وكذا لا عبرة بالتوبة حال الغر غرة والمعاينة كما سيأتي قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر: ٨٥) الآية (رواه مسلم) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

١٨٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (قال: قال رسول الله: من تاب) أي: توبة صحيحة جامعة للشروط (قبل أن تطلع) بضم اللام (الشمس من مغربها) وتستمر طالعة إلى كبد السماء وحدّ الاستواء، ثم تعود لعادتها ومن يومئذٍ يغلق باب التوبة. وتردد بعض المحققين في أن هذا عام لمن وجد قبل الطلوع كذلك وبعده أو خاص بالأول لتقصيره بالتأخير دون الثاني (تاب الله عليه) أي: قبل توبته. قال المصنف: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عقلاً عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرماً منه وفضلاً، وقد عرفنا قبولها بالشرع والإجماع؛ ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما سواها من أنواع التوبة هل قبولها مقطوع به أو مظنون؟ فيه خلاف لأهل السنة، اختار إمام الحرمين أنه مظنون وهو الأصح اهـ (رواه مسلم) .

١٩٦ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد ابن عمربن الخطاب رضي الله عنهما) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص أيضاً (عن النبي) في محل الحال أي حال كونه ناقلاً عن النبي (قال) : أي: النبيّ، ويحتمل على بعد عوده لابن عمر بيان للمنقول المرفوع

(إن الله عز) جده (وجلّ) شأنه (يقبل توبة العبد) أي: المذنب المكلف ذكراً أو أنثى كرماً منه وفضلاً كما سبق (ما لم يغرغر) أي: تصل روحه حلقومه من الغرغرة: وهي جعل الشراب في الفم، ثم يديره إلى أصل حلقومه فلا يبلعه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} (النساء: ١٨) وفسر ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت وقال غيره: مراده تيقن الموت لا خصوص رؤية ملكه، لأنّ كثيراً من الناس لا يراه. وردّ بأن قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة: ١١) يدل على أن كل أحد يراه، فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه. قلت: وفي الاستدلال بهذا ما لا يخفى، إذ لا يلزم من توفيه لكل رؤية كل منهم له قيل: السرّ في عدم قبولها حين اليأس أن من شروطها عزمه على ألا يعود، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب وبقاء أوان الاختيار، وقال في «فتح الإله» بعد كلام قدمه: والحاصل أنه متى فرض الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة لا تصح منه حينئذٍ توبة ولا غيرها وهذا مراد الحديث بيغرغر ومتى لم يصل لذلك صحت منه التوبة وغيرها اهـ (رواه) الإمام الحافظ أبو عيسى محمدبن عيسى ابن سورة (الترمذي) بضم المثناة وفتحها وكسرها: نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، كذا في «لبّ اللباب» للنيسابوري، وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها السمعاني فقال بكسر الفوقية والميم وبضمهما وبفتح الفوقية وكسر الميم اهـ.

قال ابن سيد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح الفوقية وكسر الميم، والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً، والذي يقوله المتقنون من أهل المعرفة بضمهما اهـ. وهو الإمام الحافظ أحد الأئمة الستة، قيل كفّ في آخر عمره، وقيل إنه ولد أكمه. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. ولد سنة (٢٠٩) مائتين وتسع. قال المستغفري: وتوفي في شهر رجب سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين، وهذا هو الصحيح. وقول الخليلي إنه مات بعد الثمانين رده العراقي وغيره، بل قال بعضهم

إنه باطل. ومن كمال حفظه ما ذكره المروزي عنه قال: كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزءين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزءين معي وحملت معي جزءين كنت أظنهما إياهما فسألته القراءة فأجابني، فأخذت الجزءين فإذا هما بياض فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليّ من حفظه، ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال: أما تستحي، فقصصت عليه القصة. وقلت له أحفظه كله، فقال اقرأ، فقرأت جميع ما قرأه على الولاء ولم أخطىء في حرف منه؛ فقال: ما مرّ بي مثلك قط. ثم الحديث رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي كما في «الجامع الصغير» (وقال) يعني الترمذي (حديث حسن) إن قلت: قد قال المصنف في «خطبة الكتاب» وألتزم فيه ألاّ أذكر إلا حديثاً صحيحاً. قلت: يحتمل أن يراد من الصحيح في كلامه السابق المقبول كما تقدم فيشمل الحسن. وفي فتاوي الحافظ ابن حجر العسقلاني التي جمعها تلميذه السخاوي: (مسألة) هل يطلق الصحيح على الحسن كما صنع النووي حيث قال في رياض الصالحين وألتزم ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً مع ذكره فيه الحسن. (الجواب) الحسن يصح إطلاق الصحيح عليه بشرط أن يكون حسنه لذاته، بخلاف الذي حسنه لغيره فإنه لا يكون حسناً حتى ينجبر بمجيئه من طريق أخرى فصاعداً، فإن كان فرداً لم ينجبر ولا يصير حسناً، بخلاف الحسن لذاته فإنه إذا جاء من وجه آخر صح إطلاق الصحة عليه بالنظر إلى

المجموع وهو حسن في حد ذاته، ومن أصحاب الحديث من أطلق الصحيح على كل ما يصلح للاحتجاج به سواء أكان من الصحيح أم من الحسن، وهذا ليس بشائع في المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الصلاح في علوم الحديث، فلعل النووي سلك ذلك إن كان في كتابه المذكور ما هو حسن لغيره اهـ. قيل: والأولى حمل قوله السابق: وألتزم الخ على الغالب.

٢٠٧ - (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره معجمة، وزرّ تابعي. قال في «الكشاف» : أدرك الجاهلية، سمع عمر وعلياً قال زرّ: قال لي أُبيّبن كعب: يازر ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها. عاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة اثنتين وثمانين اهـ. (قال: أتيت صفوانبن عسال) بفتح المهملة وسكون الفاء وعسال بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية (رضي الله عنه) قال المصنف في «تهذيب الأسماء واللغات» : صفوان مرادي كوفي، غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. ومن مناقبه أن عبد ابن مسعود روي عنه وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن

الجوزي في «المستخرج المليح من التلقيح» : روي له عن النبي أحد وعشرون حديثاً (أسأله عن المسح على الخفين) استئناف بياني لسبب المجيء إليه أو حال من فاعل أتيت (فقال ما جاء بك) أي: ما حملك على المجيء (يا زرّ، فقلت ابتغاء العلم) مفعول له (فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم) حقيقة وإن لم نشاهده للقاعدة المشهورة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يرد ما يصرفه عنه: أي تكفّ أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظيرـ {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} - أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم، ويحتمل أنهم كلهم. قيل: والأوّل أنسب بالمعنى الحقيقي والثاني بالمعنى المجازي

(رضا) منها (بما يطلب) أي: من العلوم، ورضا مفعول له: أي لأجل الرضا الحاصل منها أو لإرضائها بما يطلب، و «ما» يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية (فقلت إنه قدحك) بفتح المهملة وتشديد الكاف: أي أثر مّا، وفي نسخة حيك (في صدري المسح على الخفين) فاعل حك، وقوله: (بعد الغائط) وهو في الأصل المكان المنخسف من الأرض، سمي به الخارج للمجاورة حال أو صفة (والبول، وكنت) بفتح التاء للمخاطب حال، و (امرأ) بفتح الراء تبعاً لحركة آخره عند الكوفيين، ومنع البصريون ذلك: أي شخصاً (من أصحاب النبي، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟) والمسؤول عنه قدر مدته بدليل قوله في الجواب (قال: نعم) أي: سمعته يذكر فيه ثم بين المسموع بقوله: (

كان يأمرنا إذا كنا سفراً) بفتح المهملة وسكون الفاء جمع سافر، وقيل: اسم جمع له إذ لم ينطقوا به (أو) شك من الراوي (مسافرين) جمع مسافر، شك هل قال سفراً أو قال مسافرين (ألا ننزع) بكسر الزاي مفعول يأمرنا (خفافنا) بكسر المعجمة جمع خف بضمها (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: فإن نزع الخف، والمراد به ظهور شيء من محل

الفرض من القدم، يبل المدة، فإن كان محدثاً توضأ وضوءاً كاملاً، وإن كان بطهر المسح لزمه غسل قدميه فقط على الصحيح، وكالنزع فيما ذكر انقضاء المدة وبطلانها بنحو شك في انقضائها وغيره مما ذكروه في «الفروع» (إلا من جنابة) وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس؛ فيلزمه نزعه، ولو غسل القدم في باطن الخف نزع الخف ولبسه على طهارة كاملة ثم يمسح على قدميه؛ فوجوب النزع لصحة المسح لا لارتفاع الحدث وصحة الصلاة؛ وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكرر تكرره فلا يشق النزع فيه؛ وكذا يلزمه النزع فيما إذا تنجست رجله في الخف وتعذر تطهيرها فيه وبه تبطل المدة؛ و (لكن) مفادها مخالفة ما قبلها نفياً أو إثباتاً مخففاً أو مثقلاً؛ وحينئذٍ فالتقدير أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها (من غائط أو بول أو نوم) وزعم بعضهم رد هذه الرواية لأن ظاهرها ينافي العطف بلكن ليس في محله؛ غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة (فقلت: هل سمعته) أي: النبي (يذكر في الهوى) مقصوراً أي الحب؛ يقال هوى كعلم يهوى هوى (شيئاً؟ قال: نعم كنا مع النبي في سفر، فبينا) قيل: ألفه مزيدة لكفه عن الإضافة إلى المفرد كما تقدم في بينما بل لكفها عن الإضافة للجملة؛ إلا أن رفع ما بعد بينما واجب؛ وبعد بينا جائز؛ بل الأحسن جر المصدر بعدها نظراً إلى أن ألفها ملحقة لإشباع الفتحة. وشذ من قال ألفها للتأنيث وجملة (نحن عنده) في محل الجر على الإضافة على القول الأول

(إذ) وذكر إذ هنا مع بينا يردّ على الحريري زعمه أن بينا لا تتلقى بها ولا بإذا بخلاف بينما. ويرد عليه الحديث الصحيح «بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي» (ناداه أعرابي) بفتح الهمزة اسم جمع؛ وهم سكان البوادي؛ والعرب يعم ذلك وسكان القرى، ونسب إلى الجمع؛ قيل: لأنه أجرى مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى الواحد أعني لفظ عرب فقيل عربيّ اشتبه المعنى؛ إذ العربيّ كل من كان من ولد إسماعيل سواء كان حاضراً أو بادياً، والأعرابيّ يختص بالأخير، وفي هذا المقام بسط أودعته في باب المساجد من «شرح الأذكار» ، وسيأتي في باب الحلم إن شاء الله تعالى (بصوت) متعلق بنادى (له جهورى) بفتح الجيم وإسكان الهاء؛ والياء فيه للنسبة، منسوب إلى جهور بصوته كما

في «النهاية» ، والجهورى الشديد العالي (يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه باسمه، أو لم يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة (فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحواً) مفعول مطلق: أي إجابة نحواً (من صوته) أي: في الرفع (هاؤم) قال أبو حيان في «النهر» : قال الكسائي وابن السكيت: يقال هاء للرجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة بغير ياء وللنساء هاؤنّ، ومعنى هاؤم: خذوا، وقد ذكرنا في «شرح التسهيل» فيها لغات. وهاؤم إن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية للمفعول بواسطة إلى اهـ (فقلت له) أي: للأعرابيّ (ويحك) بفتح الواو والمهملة وإسكان المثناة بينهما: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تستعمل في «المدح» كما في «النهاية» (اغضض) أي: أنقص (من صوتك، فإنك عند النبيّ. وقد نهيت عن هذا) أي: عن رفع الصوت وعلوّه بين يديه (فقال) لما قام عنده من الحال المقتضي للجهر بالصوت (وا لا أغضض) أي: من صوتي، حذف لدلالة الكلام السابق عليه (فقال الأعرابيّ) سائلاً النبي (المرء) لغة في امرىء: أي الشخص، والمراد منه ما يعم المثنى والجمع لتساوي

الكل في الحكم الآتي أو ما يقابلهما، وعلم حكمهما من تساويهما في مثل هذه الأحكام (يحبّ القوم) أي: الأخيار أحياءً وأمواتاً (ولما يلحق بهم) أي: في الأعمال وطرق الكمال: أي لم يعمل بعملهم، إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم ولما لنفي الماضي المستمر فتدل على نفيه في الماضي والحال، بخلاف لم فإنها تدل على الماضي فقط (قال النبي) جواباً عن ذلك (المرء مع من أحبّ) فيه فضل حبّ الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتاً، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتزام الآدب الشرعية، ثم لا يلزم من كونه مع من أحبّ أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه، وقد جاء في «صحيح مسلم» حديث لأنس فيه مثل هذه البشرى، وفيه قال أنس: ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد مما فرحنا بقول النبيّ (المرء مع من أحبّ) .

قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه

أشد من فرحهم بسائر أعمال البرّ لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البرّ ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبيّ والكون معه إلا حبّ الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر والمتأخر بالمتقدم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذا تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين اهـ. (فما زال يحدثنا) إن كان من كلام صفوان كما هو الظاهر فالمحدّث لهم النبيّ، وإن كان من كلام زرّ فهو صفوان، ثم رأيت في «الترغيب» بعد أن روى قوله: «إن من قبل المغرب لباباً» مرفوعاً من طريق الترمذي، وفي رواية للترمذي وصححها أيضاً، قال: يعني زرّبن حبيش: فما برح: يعني: صفوان يحدثني حتى حدثني بأن الله عز وجلّ جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله. وكذلك قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية. وليس في هذه الروايات ولا الأولى تصريح برفعه كما صرّح به البيهقي وإسناده صحيح أيضاً اهـ. (حتى ذكر) في حديثه (باباً من المغرب مسيرة عرضه) أي بين طرفيه (أو يسير الراكب في عرضه) شكّ من الراوي (أربعين أو سبعين عاماً) لكمال سعته (قال سفيان) بتثليث السين وسكون الفاء، وهو ابن عيينة كما صرح به المزّي في أطرافه (أحد الرواة) لهذا الحديث: أي أحد رجال إسناده (قبل الشأم) بالهمز والقصر ويجوز ترك الهمز، والمد مع فتح الشين ضعيف: أي وهي غربي المدينة، وحدّها طولاً ما بين العريش والفرات وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد.

وقال ابن حبان: أوله نابلس وآخره العريش اهـ (خلقه الله تعالى) أي أوجده (يوم خلق) أي أوجد (السموات والأرض مفتوحاً) حال، ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لخلق بتضمينه معنى جعل (للتوبة) أي لقبولها سواء كانت من الكفر أو من الذنب (لا يغلق) ذلك الباب المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أي: من المغرب، ويحتمل من ذلك

الباب.

قال في «المفاتيح» : وإنما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأنه من علامات القيامة، فحينئذٍ كأنها ظهرت الساعة وظهور الساعة: انقضاء التكليف اهـ. (رواه الترمذي) بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما وقيل بفتح ثم كسر ميمها مع إعجام الذال: نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ كما تقدم قريباً في ترجمته. ثم إنه روى الحديث بجملته في الدعوات وفي الزهد من قوله: «جاء أعرابيّ» إلى قوله: «المرء مع من أحبّ» وفي الطهارة: قصة المسح (وغيره) فروى النسائي في التفسير الحديث وليس فيه قصة المسح، وفي الطهارة بقصة المسح، ورواه ابن ماجه في الطهارة بقصة المسح وفي الفتن.

وروى مسلم وغيره قوله: «المرء مع من أحبّ» لكن في قصة أخرى.

وروى البيهقي حديث باب التوبة لكن باللفظ الذي نقلته عن «الترغيب» .

قال المنذري: وإسناده صحيح (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبته: إذا جمع الصحيح والحسن في وصف حديث واحد فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصّل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، بل يقول فيه حسن: أي باعتبار وصف ناقله عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين. وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح، كما حذف منه حرف العطف في الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح، دون ما قيل فيه صحيح، لأن الحزم أقوى من التردد، وهذا حيث حصل التفرد، وإلا، أي: وإن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوى اهـ.

وقال الحافظ السيوطي: أو يكون المراد أنه حسن لذاته صحيح لغيره، أو أن المراد حسن باعتبار إسناده صحيح، أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال أصح ما ورد كذا وإن كان حسناً أو ضعيفاً، والمراد أرجحه وأقله ضعفاً اهـ.

٨ - (وعن أبي سعيد) كنية (سعدبن مالكبن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (الخدريّ) بضم المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خدرة بهذا الضبط وهو الأبجر بالموحدة فالجيم، بطن من الخزرج، وقيل خدرة أو الأبجر. ثم سعد وأبوه صحابيان، استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذٍ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ (رضي الله عنه) : وكان حقه رضي الله عنهما كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن صحابي، روى لأبي سعيد عن النبيّ ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين عن حنظلةبن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل وسبعين، ودفن بالبقيع (أنّ) بفتح الهمزة ويجوز كسرها بتقدير القول (نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) مرغباً في التوبة والإنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم في جنب عفوه سبحانه (كان فيمن كان قبلكم) أي: من الأمم (رجل) اسم كان والظرف قبله حال منه، وقيل: الظرف صلة لمن الموصولة، وقوله: (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفساً) أي: على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الوصول، وآن إبان ساعة الإنابة والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي: عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو «إني» بضمير المتكلم، تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل ذلك مما يكره النطق به فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند موته «فكان آخر ما كلمهم به أنه على ملة عبد المطلب» نبه عليه المؤلف في ذلك المقام من «شرح مسلم» (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة؟) من مزيدة للتأكيد (فقال لا فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى.

قال القرطبي: وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك طريق التحرّز في نفسه مما صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يدارى الأسد الضاري

لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة قتله بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله: (عالم فقال) عطف على مقدر أي فأتاه فقال وحذف لذكره في نطيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) أي: مقبولة (فقال) ناطقاً بالحق والصواب، مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم، ومن) استفهام إنكار أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي يكون حائلاً وفاصلاً (بينه) أي التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً أي لا مانع بينك وبينها من شخص ولا غيره، وأتى بضمير الغائب مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله الزجر والتورية لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا به، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون} - إلى قولهـ {إلا من تاب} (٦٨ - ٧٠) الآية.

وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك. وأما قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} (النساء: ٩٣) فالصواب في معناه أن جزاءه جهنم وقد يجازى بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى بل يعفى عنه. كذا في «شرح مسلم» للمصنف. ثم إن العالم دلّ السائل على ما فيه نفعه بقوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى، واسم القرية التي كان بها كفرة رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه عليه ما داموا كذلك.

قال القرطبي: وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة، لأن الأول

غلبت عليه الرهبانية واغترّ بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره.

والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به اهـ. وقوله: «كذا وكذا» كأن الراوي شك في اللفظ فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه مثل ذا، قاله في «النهاية» . وقوله: (فإن بها أناساً) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر والمقام للضمير استلذاذاً فذكر المحبوب محبوب (ولا ترجع إلى أرضك) أي: التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة أهل الخير والعلم والصلاح والعبادة والورع ومن يقتدى به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى أوبته، فإن كل قرين يقتدي بقرينه (فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة إليه واستمرّ كذلك (حتى إذا نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة: أي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى) قال القرطبي: هذا نصّ صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها. وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى أخبر عنها بقوله: (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي، إذ لو اطلعت على ما فيه قلبه من التوبة لما صح لها أن تقول هذا ولا أن تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائباً الخ، بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الأولون بما تحققوه، ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات وملائكة العذاب على عدم، وشهادة الإثبات مقدمة فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال: (فأتاهم ملك في صورة آدمي) صوّر بصورته إخفاء عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم،

وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي: التي خرج منها والتي ذهب

إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي لذلك الأدنى إليه منهما أي الجنة والعذاب (فقاسوا) أي ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي التائب (أدنى) أي: أقرب (إلى) جهة (الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح.

قال القرطبي: وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده وتعذرت الشهادة مكنة الاستدلال بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفد الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم، واختلافهم فيه أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم، فمرّ الملك في صورة رجل فحكم بذلك اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، ورواه ابن ماجه في «سننه» .

قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه، كنهر جار، أي: الصالح من فيها، وفيه إيماء أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن ما قيل:

بسكانها تغلو الديار وترخص

وقول الآخر:

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار

{أقرب بشبر} أي: بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب فلا تخالف الرواية الآتية (فجعل من أهلها) أي: الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي رواية) أخرى (في الصحيح) هي عندهما واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي: أشار (إلى هذه) إلى أرض الفساد (أن تباعدي) عن ذلك الإنسان بأن ينضام بعضها لبعض (و) أوحى أي أشار (إلى هذه) أي أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط أجزائها وامتدادها (وقال) أي الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي: أرض

الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها وانبساطها والزواء تلك وانقباضها (فغفر له) فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره.

قال القرطبي: يفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية وسبقت له العناية الأزلية فقرّبت البعيد وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة فقد سلك به طريق اللطف والقربة اهـ. (وفي رواية) أي في الصحيح أيضاً رواه مسلم (فناء) بتقديم الألف على الهمزة وفي نسخة من مسلم «نأى» بتقديم الهمزة عليها: أي: نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحبة توبته وصدق رغبته.

٢١٩ - (وعن عبد ابن كعببن مالك) بن كعب الأنصاري السلمي، أي: بفتحتين قال في «أسد الغابة» : ذكره أبو أحمد العسكري فيمن لحق بالنبي اهـ. (وكان قائد كعب رضي الله عنه من) بين (بنيه) وهم: عبد اهذا، وعبد الرحمن، وعبيد الله (حين) أي: زمن (عمي) أي: صار أعمى (قال) بيان للمرويّ عن عبد الله (سمعت كعببن مالك رضي الله عنه) شهد العقبة والمشاهد كلها إلا بدراً وتبوك، وجرح يوم أُحُد، أحد عشر جرحاً في سبيلالله، وهو أحد شعراء النبيّ المجاهدين بألسنتهم وأيديهم، وهم ثلاثة: حسان، وكعب، وابن رواحة. وكان حسان يقع في «الأنساب» ، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم وقائع السيف. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث مسلم بحديثين، توفي بالمدينة سنة خمسين رضي الله عنه (يحدث حديثه) مفعول مطلق أو منصوب بنزع الحافض (حين تخلف عن) الخروج مع (النبيّ) وفي نسخة: «عن رسول الله» (في غزوة تبوك) بفتح الفوقية وضم الموحدة،

يصرف إن أريد به المكان ولا يصرف أن أريد به البقعة، وكانت غزوة تبوك في التاسعة من الهجرة.

قال الفناوى في «شرح الموطأ» من رواية محمدبن الحسن: قيل سميت بتبوك لأنه رأى قوماً من أصحابه يبوكون عين تبوك. أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها تبوكاً اهـ. (قال كعب) : بيان لحديثه (لم أتخلف عن رسول الله) في غزوة غزاها قط وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسعة منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة على القول بأنها فتحت عنوة والصحيح عند أئمتنا خلافه، وحنين، والطائف. وقيل إنه قاتل بني النضير. وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية (إلا في غزوة تبوك) ثم استثنى من قوله: «لم أتخلف» الخ قوله: (غير أني قد تخلفت) أي: عنه (في غزوة بدر) قرية مشهورة تنسب إلى بدربن مخلدبن النضربن كنانة كان نزلها، وقيل: بدربن الحارث حافر بئرها، وقيل: بدر اسم البئر التي فيها سميت به لاستدراتها أو لصفائها ورؤية البدر فيها.

وحكى الواقدي عن غير واحد من شيوخ بني غفار إنكار هذا كله، قال: وإنما هي مالنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. والسبب في ترك استثناء بدر مع تبوك بلفظ واحد كونه تخلف في تبوك مختاراً لذلك مع تقدم الطلب وقوع العتاب على من تخلف بخلاف بدر في ذلك كله فلذا غاير بين التخلفين، قاله الحافظ في «الفتح» (ولم يعاتب أحد) من المسلمين هو بفتح الفوقية مبني للمجهول، وفي رواية: «لم يعاتب أحداً» (تخلف عنه) فيها (إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش) علة لعدم العتاب.

والعير: الإبل التي عليها أحمالها. وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً، منهم: عمروبن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، حتى إذا كان قريباً من بدر بلغ النبي ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة الغدوّ، فلما بلغ النبيّ الروحاء أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم، فكان سبب الحرب المشار إليها بقوله: (حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم) أي: من كفار قريش (على غير ميعاد) أي: موعد (ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم

ـ ليلة العقبة) أي: الليلة التي بايع النبيّ الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤووه وينصروه، وهي العقبة التي في طرف منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي السنة الثانية سبعين كلهم من الأنصار بمسجد يقرب العقبة المذكورة، وإذا أطلق ذكر العقبة فالمراد الأخيرة (حين تواثقنا) بالمثلثة بعد الألف بدل من ليلة وتواثقنا (على الإسلام) أي: تبايعنا عليه وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق، وفي بعض النسخ «توافقنا» بالفاء بدل المثلثة (وما أحبّ أن لي بها) أي بدل الليلة أو العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم أن، أي: ما أحبّ أني شهدت بدراً ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل والإسلام ضعيف (وإن كانت بدر أذكر) بالنصب: أي أشهر ذكراً (في الناس منها) بالفضيلة، وقد قدموا في عدّ طباق الصحابة من شهد العقبة الثانية على من شهد بدراً (فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة) بإسكان الزاي، ويقال: غزاة بفتح المعجمة والزاي وإبدال الواو ألفاً فهما مفرداً غزوات وعن ثعلب الغزوة المرة، والغزاة عمل سنة كاملة. ذكره أو المغازي من الفتح (تبوك أني) بفتح الهمزة هي ومدخولها اسم كان (لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني) فيه تفضيل الشيء على نفسه باعتبار تعدد

الزمان، كما فضل الكحل حال كونه في عين زيد مثلاً على نفسه حال كونه في عين غيره باعتبار تعدد المكان في قولهم: ما رأيت أحداً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (حين) أي: زمن (تخلفت عنه في تلك) الغزوة (وا ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة) بيان لكونه أيسر وكذا لكونه أقوى إن أريد به القوة العارضية الحاصلة بالأسباب، وإن أريد به القوّة في البدن فسكت عن ذكر ما يبينه

(ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) أي أوهم، زاد أبو داود: وكان يقول: «الحرب خدعة» (حتى) غاية للتورية (كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرّ شديد) يخاف منه الهلاك (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) ويقال مفازة: أي برية طويلة قليلة الماء وهو بفتح الميم، قيل: مأخوذ من فاز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ: سليم (واستقبل عدداً كثيراً) وفي بعض نسخ الصحيح: عدواً، وكأن حكمة إعادة العامل أن هذا نوع غير معمول «استقبل» المذكور أولاً (فجلا للمسلمين أمرهم) بتخفيف اللام وتشديدها: أي كشفه وأوضحه وعرفهم ذلك من غير تورية (ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وإسكان الهاء، أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم، ثم هو كذا في نسخ الرياض بالمعجمة فالزاي، وهو كذلك في «صحيح مسلم» ، وفي «صحيح البخاري» «عدوهم» بالمهملتين وتشديد الواو (فأخبرهم بوجههم) أي: بقصده، وهو كذلك بالموحدة أوله، في بعض نسخ مسلم وفي غيره «توجههم» بالفوقية بدل الموحدة: أي مقصدهم (الذي يريد) وفي تلك «الذي يريدون» والعائد محذوف عليهما. وسبب تلك الغزوة أنه بلغه أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل: أي لحربه، فندب الناس إلى الخروج لذلك (والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير) جملة حالية من فاعل غزا، وعدة من كان معه ثلاثون ألفاً، وعن أبي زرعة سبعون ألفاً، وفي رواية عنه أيضاً: أربعون

ألفاً، ووجه الجمع أن من قال كانوا سبعين عدّ التابع والمتبوع ومن قال ثلاثين أو أربعين عدّ المتبوعين أو أهل القتال (ولا يجمعهم كتاب حافظ) حال متداخلة، ثم روي في «صحيح البخاري» بتنوينهما، وفي «صحيح مسلم» بالإضافة.

قال ابن شهاب الزهري: (يريد) أي: كعب (بذلك) أي: بالكتاب الحافظ (الديوان) بكسر الدال على المشهور، وحكي فتحها فارسي معرب، وقيل: عربي (قال كعب: فقلّ رجل) وفي «البخاري» فما رجل (يريد أن يتغيب) أي: يغيب (إلا ظن أن ذلك سيخفى له) وقع في جميع نسخ مسلم بإسقاط «إلا» .

قال

المصنف في «شرحه» : والصواب إثباتها. قال القرطبي: هي لإيجاب ما تضمنته قلّ من معنى النفي، لأن معنى قلّ رجل: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن اهـ (ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ) منبه على تغيبه (وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار) أي: أينعت ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظل (فأنا إليها أصعر) بالمهملتين: أي: أميل، والصعر: الميل (فتجهز رسول الله، و) تجهز (المسلمون معه وطفقت) من أفعال الشروع جعلت يقال: طفق بكسر الفاء وفتحها وبإبدال الفاء بموحدة (أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض) شيئاً من أمري (وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك) أي: على التجهيز (إذا أردت) أي: لسعة الوقت (فلم يزل ذلك) أي التسويف في الأمر (يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد) بكسر الجيم: أي الاجتهاد في أمر السفر وشأنه (فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غادياً و) أصبح (المسلمون معه) أي: مصاحبين له في السفر (ولم أقض من جهازي) بفتح الجيم وكسرها: أي أهبه سفري (شيئاً ثم غدوت) أي: سرت أول النهار (فرجعت) من غدوي (ولم أقض شيئاً) أي: من جهازي (فلم يزل ذلك) أي: الغدو لقضاء الجهاز وعدم قضائه (يتمادى بي حتى أسرعوا) بالمهملات. وصحفه الكشميهني فرواه في «صحيح البخاري» «شرعوا» بحذف الهمزة وإعجام الشين (وتفارط) بفوقية ففاء وراء وطاء مهملتين (الغزو) بإعجام الغين: أي تقدم الغزاة، والفارط والفرط: المتقدم وجمعه أفراط (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا) قوم (ليتني فعلت) وخلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البرّ، والنهي عنه على ما فات محمول على ما فات من الأعراض الفانية (ثم لم يقدر ذلك) أي: الارتحال (لي) وما لم يقدر لا يكون (فكنت إذا خرجت في الناس) أي المتخلفين من مؤمن معذور أو منافق

مغرور (بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني) بفتح التحتية وضم

الزاي من حزن ويجوز ضم التحتية وكسر الزاي من أحزن (أن) وفي نسخة «أنى» (لا أرى لي أسوة) فاعل يحزن. والظرف في محل الحال من أسوة، وهي بضم الهمزة وقد تكسر: القدوة (إلا رجلاً مغموصاً) بإعجام الغين وإهمال الصاد أي مطعوناً (عليه) في دينه محتقراً متهماً (في النفاق) أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. ولا يخفى ما اشتملت عليه هذه الجملة من الاستعارة المكنية وما يتبعها من الاستعارة التخييلية (أو رجلاً ممن عذر ا) أي: عذره الله (من الضعفاء) بيان لمن (ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك) هكذا في «نسخ الرياض» ممنوع الصرف على إرادة البقعة. قال المصنف: وهو في أكثر نسخ «الصحيحين» تبوكاً بالصرف، وكأنه صرفه لإرادة المكان دون البقعة (فقال وهو جالس في القول بتبوك: ما فعل كعببن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة) بكسر اللام: بطن من الأنصار، واسم ذلك الرجل عبد ابن أنيس كما قاله الواقدي في «المغازي» (يا رسول الله حبسه برداه) بضم الباء، يعني: الرداء والإزار أو الرداء والقميص، وسماهما بردين لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً وتسمينهما بردين على طريقة العمرين والقمرين (والنظر في عطفيه) بكسر المهملة الأولى: أي جانبيه، كناية عن العجب.

قال القرطبي: وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد على كعب ولعله كان منافقاً فنسب كعباً إلى الزهوّ والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل ردّ العدل الفاضل معاذبن جبل عليه كما قال: (فقال له معاذبن جبل رضي الله عنه بئسما) أي بئس هو قولاً (قلت، وا يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً) ففيه جواز ذمّ المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد عن عرضه. وما زعمه من احتمال نفاق القائل فيه نظر لأن عبد ابن أنيس لم يتهم بذلك. والأولى حمله على أنه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبه القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال

(فسكت رسول الله) أي عن السؤال عن حال كعب، زاد مسلم على البخاري (فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً) بكسر التحتية اسم فاعل، من البياض: أي لابس البياض، يقال: هم المبيضة والمسودة بالكسر: أي لابسو البياض والسواد (يزول) أي يتحرك وينهض (به السراب) هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (فقال رسول الله: كن أبا خيثمة) لفظهُ لفظ الأمر ومعناه الدعاء، كما يقال أسلم: أي سلمكالله، قاله السهيلي.

وقال المصنف في «شرح مسلم» : قيل معناه أنت أبو خيثمة. قال ثعلب: العرب تقول كن زيداً: أي أنت زيد. قال القاضي عياض: والأشبه عندي أنّ كن هنا للتحقيق والوجود: أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول «صاحب التحرير» : تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة اهـ. (فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) إذا فجائية والجملة بعدها في محل جرّ بالإضافة (و) أبو خيثمة (هو الذي تصدّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) واللمز: الطعن. انتهت زيادة مسلم. واسم أبي خيثمة عبد ابن خيثمة، وقيل: مالكبن قيس، ولهم: أبو خيثمة صحابي آخر اسمه: عبد الرحمنبن أبي سبرة الجعفي (قال كعب: فلما أن بلغني أن رسول الله) بفتح الهمزة هي ومعمولاها فاعل بلغ (قد توجه قافلاً) أي: راجعاً (من تبوك) بالصرف وعدمه على ما تقدم (حضرني بثي) جواب للما.

وعند البخاري: «حضرني همي» والبث أشد الحزن، وبه يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى ا} (يوسف: ٨٦) من عطف العام على الخاص لا المرادف خلافاً لما في شرح «بانت سعاد» لابن هشام (فطفقت) أي: أخذت من باب أفعال المقاربة تقدمت لغاتها (أتذكر الكذب) أي ما يقبله السامع من الآتي به والجملة خبر طفق (وأقول) عطف على خبر طفق (بما) كذا هو إثبات الألف في الأصول المصححة، ومقتضى قاعدة وجوب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت نحو {عم يتساءلون}

أن يكون بحذفها ولعله جاء على الاستعمال القليل: أي أقول بأي شيء من الأعذار مطابقة للواقع أم لا كما يدل عليه السياق (أخرج من سخطه) بفتحتين أو بضم فسكون أي من كراهيته لتخلفي وعدم رضاه به (غداً وأستعين) عطف على أتذكر (على ذلك) أي المخرج لي من سخطه وعدم رضاه (بكل ذي) أي: صاحب (رأي من أهلي) ثم لا يشكل ما ذكره من تذكرة الكذب والاستعانة عليه بما تقرّر من عدالة الصحابة، لأنه رأى جواز فعل ذلك لما فيه من ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما وهو سخطه. على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك (فلما قيل) أي: تحدث وليس المراد منه تضعيف المخبر عنه (أن رسول الله) بكسر الهمزة محكي بالقول، وهو نائب الفاعل لأن الإسناد لفظي: أي قيل هذا اللفظ (قد أظل) بالمعجمة المشالة أي: أقبل ودنا كأنه ألقى عليه ظله (قادماً) حال من فاعل أظل (زاح عني الباطل) أي: زال وذهب، ويقال: أزاح أيضاً والمصدر زوحاً، قاله الأصمعي، وزيحا كما في «المصباح» ، وزيحانا قاله الكسائي، والمراد بالباطل ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه بالإخبار بغير مطابق للواقع (حتى) استئنافية أو عاطفة (عرفت أني لم أنج) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الجيم (منه) أي من سخطه نجاة نافعة (بشيء) أي: من الكذب، وفي نسخة «بشيء فيه كذب» (أبداً) أي لا أنجو به نجاة أبدية وإن نجوت به في الحال،

لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين، والأبد الزمن المستقبل (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه، يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً وكان إذا قدم) بكسر الدال مضارعه يقدم بفتحها (من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته، وليس ذلك في شرعه لأمته. كذا في «المفهم» .

ثم جملة «وكان» تحتمل العطف على جملة أصبح، والحالية من فاعل أصبح، (ثم

جلس للناس) أي ليسلموا عليه ويهنئوه بالسلامة (فلما فعل ذلك) أي: المذكور من صلاة التحية والجلوس للناس معتكفاً كما يومىء إليه علو مقامه فلذا دارت أفعاله بين الوجوب والندب. والاعتكاف يحصل بما زاد على الطمأنينة ولا يتوقف على الصوم (جاءه المخلفون) اسم مفعول: أي عن الخروج معه إلى تبوك.

قال أبو حيان في «النهر» : لفظ المخلفون يقتضي الذم والتحقير، وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك اهـ. فطفقوا (ويعتذرون إليه) من تخلفهم عنه (ويحلفون له) على ما يعتذرون به (وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً) والبضع والبضعة بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. وفي هذا الرد على منع استعماله فيما فوق العشرين، ثم منهم من اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره مما هو كاذب فيه (فقبل منهم علانيتهم) بتخفيف التحتية اسم مصدر من علن الأمر يعلن علوناً كدخل أو من علن يعلن علناً كطرب أي: ما أظهروه إجراء للأحكام على ظاهر (وبايعهم) بالموحدة (واستغفر لهم) أي: سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه (ووكل) بتخفيف الكاف (سرائرهم) جمع سريرة: أي ما أخفوه من النفاق وقصد الإخبار بخلاف الواقع (إلى) علم (ا) وفي الحديث: «إنما أحكم بالظواهر وا يتولى السرائر» (حتى جئت) حتى حرف ابتداء لدخولها على الماضي، وليست حرف جر بعدها أن مضمرة خلافاً لابن مالك فقد رده عليه ابن هشام بأنه لا يعرف له فيه سلفاً، ولا عاطفة لأنها لا تعطف الجمل خلافاً لابن السيد في زعمه إجازة ذلك. قال في «المغني» : وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها أو كجزئه ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات اهـ. وحينئذٍ فالجملة مستأنفة (فلما) الفاء فصيحة أي جئت فسلما فلما (سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح المهملة من الأول فعل ماض جواب لما، وضمها من الثاني مصدر مفعول مطلق، والمغضب اسم مفعول: أي الغضبان، وفي التعبير به دونه إيماء إلى أن الغضب منه إنما يكون عارضاً بسبب أمر يقتضيه، وإلا فخلقه الكريم الرضى والعفو والصفح والتجاوز عما لا معصية فيه من الأمور.

قال أنس: «خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته» (ثم قال: تعال) بفتح اللام (فجئت) أي عقب الأمر من غير تراخ ففيه ما كان عليه الصحابة من البدار

لأداء أوامره (أمشي) جملة حالية (حتى) غاية لما قبله (جلست بين يديه فقال لي: ماذا) أي ما الذي (خلفك) أي ما كان سبب تخلفك عن الخروج معي لتبوك. وإسناد التخليف إليه مجاز عقلي (ألم تكن قد ابتعت) أي اشتريت (ظهرك) الظهر: هي الإبل التي تركب وجمعه ظهران بالضم (قلت: يا رسول الله إني وا لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج سخطه بـ) ـذكر (عذر) أبديه مورياً أو موجهاً (لقد أعطيت) بالبناء للمجهول (جدلاً) بفتح أوليه الجيم فالمهملة: أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، ثم أكد ما قبله بقوله: (ولكني وا لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم حديث كذب) بفتح فكسر (ترضى به عني) لفصاحته وبراعته الموهمة أنه كذلك في الواقع (ليوشكن ا) أن (يسخطك عليّ) يوشك بضم التحتية وكسر المعجمة مضارع أو شك وهو أكثر استعمالاً منه حتى أنكر الأصمعي مجيئه ماضياً، وإن كان مردوداً بمجيئه كذلك في كلامهم، وهو من أفعال المقاربة، ثم اللام في لقد علمت لام جواب القسم، وفي لئن مؤذنة بقسم مقدر أتى به تأكيداً للمقام، وقوله ليوشكن جوابه، واستغنى به عن جواب الشرط، وجملة القسم وجوابه علق عنها فعل العلم والقسم الأول وجوابه ساد مسد خبر لكن علة له، والتقدير: ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يجلي لك الأحوال ويظهر لك الصادق والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي، فإنها وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مرة المجنى منقصة في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته (وإن حدثتك حديث صدق تجد) بكسر الجيم وتخفيف المهملة أي: تغضب (عليّ فيه) أي لأني ملوم بسببه واقع في المخالفة به،

وهذه الجملة الشرطية معطوفة على الأولى الواقعة بعد اللام المؤذنة بالقسم.

فقوله: (إني لأرجو فيه) أي: الصدق (عقبى الله عز وجل) جواب القسم، والعقبى بضم العين المهملة وسكون القاف: أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يعقبني خيراً بتوبته علي وإرضاء نبيه عني، وقد حقق الله له رجاءه (وا ما كان لي من) مزيدة لاستغراق النفي

(عذر) أي: حقيقي في التخلف فأعتذر به (وا ما كنت قط) بفتح القاف وتشديد المهملة المضمومة على الأفصح (أقوى) أي في البدن (ولا أيسر) أي في المال (مني) هو المفضل عليه وتفضيل الشيء على نفسه باختلاف الزمان (حين) أي: وقت (تخلفت عنك فقال رسول الله: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيه معنى الشرط والتفصيل (هذا فقد صدق فقم) الفاء فيه فصيحة: أي حيثما صدقت فقم (حتى يقضي ا) أي: يبدي في عالم الشهادة ما سبق به قضاؤه الأزلي (فيك) أي في شأنك: أي من المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر أو العفو عنه أو التوبة عليه والرضى عنه لما تجرعته من مرارة الصدق الشاق عليك لما ترتب عليه فقمت (وثار) بالمثلثة: أي: وثب (رجال من بني سلمة) بفتح المهملة وكسر اللام: بطن من الأنصار (فاتبعوني فقالوا: وا ما علمناك أذنبت ذنباً) الجملة في محل المفعول الثاني لعلم (قبل هذا) التخلف (لقد عجزت) بفتح الجيم على الأفصح (في) تعليلية نحو: {لمسكم فيما أفضتم} (النور: ١٤) ألا تكون اعتذرت أي: بسبب عدم اعتذارك (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما) أي: بمثل الذي (اعتذر به إليه المخلفون) فإن كان ذنباً لكونه كذباً لم تورّ (فقد كان كافيك) بالنصب خبر كان، و {ذنبك} مفعوله الثاني أو منصوب على نزع الخافض (استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك) اسم كان، وأعربه الحافظ فاعل الوصف، وعليه تكون كان تامة الوصف فاعلها والاستغفار فاعله (قال) كعب: (فوا ما زالوا يؤنبونني) بضم التحتية وفتح الهمزة ثم

نون مشددة مكسورة ثم موحدة، أي يلومونني أشد اللوم (حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكذب نفسي) أي: أقول إنها كاذبة في قول السابق ما كان لي من عذر (ثم قلت لهم: هل لقي هذا) أي الصدق في المقال وذكر الواقع الذي لمتوني به (معي من) مزيدة (أحد) فيهون عليَّ

الأمر وأجد لي مساوياً في ذلك (قالوا نعم، لقيه رجلان قالا مثل ما قلت) أي من الإخبار بانتفاء العذر المانع من الخروج (وقيل لهما مثل ما قيل لك) أي: من انتظار ظهور ما سبق به القضاء في شأنهما (قال) كعب (قلت من هما؟ قالوا) : هما (مرارة) بضم الميم وتكرار الراء (ابن الربيع العامري) هذا لفظ مسلم، قال المصنف في «شرحه» : هكذا هو في جميع نسخ «العامري» وأنكره العلماء وقالوا: هو غلط إنما صوابه «العمرى» بفتح المهملة وإسكان الميم من بني عمروبن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه ابن إسحاق وابن عبد البرّ وغيرهما من الأئمة.

وقال القاضي عياض: هو الصواب، ووقع عند مسلم أيضاً في النسخ «ربيعة» ووقع في البخاري «ابن الربيع» قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين (وهلال) بوزن بلال (بن أمية) بن عامربن قيسبن عبد الأعلمبن عامربن كعببن واقفبن امرىء القيسبن مالكبن الأوس (الواقفي) بقاف ففاء منسوباً إلى بني واقف المذكور في النسب واسمه مالك: بطن من الأنصار (قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً) أي: غزوة بدر الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى، ثم ما ذكره من شهودهما بدراً كذا في الصحيحين.

قال ابن الجوزي في «جامع المسانيد» إنه من أوهام الزهري فلم يذكرهما أحد في البدريين، وقد سئل الشرف الدمياطي عن كلام ابن الجوزي هذا فأقرّه عليه وأيده، نقله عنه ابن السبكي في ترجمته من «الطبقات الكبرى» ، وتعقبه الحافظ في «الفتح» بأن الظاهر من صنيع البخاري أن «قد شهدا بدراً» من كلام كعب، وممن جزم بأنه شهداها الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب. واستدل بعضهم لكونهما لم يشهداها بما لا دليل فيه من هجرانه لهما وترك مثل ذلك في حق حاطب وقد فعل ما فعل فقال في حقه «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر» الحديث، فلو شهداها لصفح عنهما كحاطب وليس ما يومىء إليه كلامه من عدم مؤاخذة البدري بما يعمل كذلك، وإنما صفح عن حاطب لتبين عذره في مكاتبته بخلاف كعب وصاحبيه إذ لا عذر لهما في التخلف انتهى ملخصاً.

(فقلت لي فيهما أسوة) بضم الهمزة وكسرها: أي قدوة وفي العبارة تجريد إذ هما الأسوة (قال) كعب: (فمضيت) أي: مصمماً على ما وقع مني من الإخبار بالصدق (حين ذكروهما لي) بمثل ذلك (ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة) ففيه وجوب هوان من ظهرت منه المعصية فلم يسلم عليه إلى أن يقلع وتظهر توبته. كذا في «المفهم» وأي: بالضم

والثلاثة مرفوع على الصفة لأي تبعاً للفظها ومحلها نصب على الاختصاص.

حكى سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله (من بين) أي دون (من) أي سائر الذي (تخلف عنه) وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا، ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام الشرعية مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر الحديث (قال فاجتنبنا) بفتح الموحدة (الناس) أي: صاروا لنا مجانبين (أو) شك من الراوي (قال) فـ (تغيروا لنا) عما كنا نعهده من الأنس والوداد منهم (حتى تنكرت) غاية لما قبلها وتنكرت تغيرت (لي في نفسي الأرض) فاعل تنكر والظرفان متعلقان به: أي تغيرت لي لا لغيري في نفسي، أي عندهما لا في نفس الأمر.

وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم النفس تغير الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال (فما هي) أي: الأرض الآن (بالأرض التي أعرف) والحاصل أنه لعظم ما اشتدّ عليه الأمر توهم أنه تغير عليه كل شيء حتى الأرض، فإنها توحشت وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك (فلبثنا) أي: أقميها (على ذلك) المذكور من الانتظار لما يبدو في عالم الشهادة مما سبق به القضاء، وهجر الناس لنا (خمسين ليلة) أي: ونهاراً، وحذف اكتفاء بذكر قرينه للعلم به من السياق.

(فأما) بفتح الهمزة تفصيل لبعض حاله وحال صاحبيه (صاحباي) أي: المشاركان لي في هذا الحال (فاستكانا) أي: خضعا (وقعدا في بيوتهما يبكيان) أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإنسان على خطيئته، وفي الحديث: «وابك على خطيئتك وليسعك بيتك» (وأما أنا فكنت أشبّ القوم) بالمعجمة فالموحدة أي: أصغرهم سناً (وأجلدهم) أي: أقواهم (فكنت أخرج) إلى المسجد وغيره (فأشهد الصلاة) أي: المفروضة (مع النبيّ) أي أشهد الجماعة في الصلوات المكتوبات (وأطوف) بفتح الهمزة وبالمهملة أي: أمشي دائراً (في الأسواق) جمع سوق، وتقدم أنها سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على الساق. وتعقب باختلاف المادة، ولعل من حكمة طوفانه في الأسواق أنها من محال كرم الله

وجوده بتيسير تلك الأمور المباعة لطالبها وربح جالبها وصاحبها فتعرض في محل الرحمات والفيوض المعنوية وهي المساجد وشهوده الصلوات، وفي محل الفضل والعطايا الدنيوية وهي الأسواق لنفحات الرحمن لتعود عليه بالتوبة، ويظفر بالمرام في الأوبة، ويتنصل عما وقع فيه من الحوبة (ولا يكلمني أحد) معطوفة على وأطوف ويصح كونها في محل الحال (وآتى رسول الله) تشرفاً برؤيته، واستمطاراً للفيوض الربانية من حضرته، وإراحة القلب من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من الأمر فيه بالتبعيد (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة) فيه الجلوس عقب الصلاة في المصلى للذكر والدعاء ونحوهما، والجملة في محل الحال، وأتردد هل رد عليه الصلاة والسلام بلسانه على السلام (فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه) بفتح المعجمة أي: أقول هل حركهما ناطقاً (برد السلام) عليّ كما هو قضية صفحه وعفوه، والانزجار يحصل بعدوله عن الجهر بذلك إلى الإسرار (أم لا) لقضية ما صدر مني من العصيان المقتضي للهجران.

وأم هنا منقطعة بمعنى بل لعدم تقدم الهمزة عليها (ثم أصلي قريباً منه) للنافلة والرواتب (وأسارقه النظر) بالمهملة والقاف: أي: أنظر إليه في خفية. ففيه أن مسارقة النظر في الصلاة وكذا الالتفات لا يبطلها (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي) لما ورد من إقبال المولى سبحانه على المقبل بقلبه وقالبه على مولاهـ والمصطفى متخلق بأخلاقالله. ففيه أن الإقبال على مرضاة الله سبب لقبول أولياء الله (وإذا التفت نحوه) في صلاتي (أعرض عني) إذ الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان كما ورد في الحديث مع ما ينبىء عنه من الغفلة الشاهد بها خبر «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (حتى إذا طال على ذلك) ابتدائية على الصحيح على ما في المغني أو غاية لمقدر: أي استمررت متصابراً حتى إذا طال عليّ ذلك (من) بيانية لذلك (جفوة) بفتح الجيم وسكون الفاء: أي إعراض (المسلمين) ويجوز أن يكون المشار إليه ما تقدم ومن ابتدائية أو تعليلية (مشيت) واستمررت في المشي (حتى تسورت) بتشديد الواو: أي علوت سور (جدار حائط) هو البستان إذا كان عليه دائر بناء.

وفي «الصحاح» : التسوّر النزول من الارتفاع ولا يكون إلا من فوق ويقال: هو الصعود إلى مكان مرتفع اهـ. وفيه جواز دخول الإنسان دار صديقه وقريبه

الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس هناك نحو زوجة مكشوفة (أبي قتادة) بفتح القاف الحارثبن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة الأنصاري (وهو ابن عمي) أي بحائل، كذا قاله الكرماني. ووجهه أنهما يجتمعان في كعببن سلمة، وهو الجد الخامس لكعب والسادس لأبي قتادة وقيل: بل هو ابن عمه حقيقة وأن ربعياً والد أبي قتادة أخو مالك والد كعب (وأحب الناس إليّ) أي أكثرهم محبوبية إليّ لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب (فسلمت عليه فوا ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام كعب وصاحبيه، ففيه عدم رد السلام على نحو المبتدع، وأن السلام كلام فيحنث به من حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو رده عليه وإن كان واجباً عليه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة الصديق والقريب ونحوهما (فقلت له يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك (با) وأصله من النشيد وهو الصوت (هل تعلمني) أي بما تراه من الشواهد والآيات فلا ينافي ما جاء من إنكاره على سعدبن أبي وقاص في قوله: «مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً» فقال: «أو مسلماً» أي: إن الإيمان لكونه قلبياً لا سبيل إلى علمه والجزم به بخلاف الإسلام لتعلقه بالظاهر، ولذا أجابه أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم (أحب الله ورسوله) محبتهما طاعة أمرهما ومنها الإيمان وفعل الطاعات وترك مخالفتهما، وما أحسن ما قيل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

(فسكت) عن الجواب لما تقدم (فعدت) له (فناشدته) أي: نشدته والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) .

قال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بها تكليمه به لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده با، فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده لا ليسمعه، إذ من حلف لا يكلم فلاناً فسأله عن شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يرد ذلك فلا حنث اهـ.

قال القرطبي في «المفهم» : ويحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهى عنه إنما هو المقتضي

للمباسطة وإفادة المعاني لا مثل هذا المقتضى للإبعاد والمنافرة، ألا ترى أنه لم يرد عليه السلام ولا التفت لحديثه اهـ. (ففاضت عيناي) مجاز عقلي من الإسناد للمكان نحو نهر جار، ومعنى فاضت عيناي أي: كثرت دموع عيني (وتوليت) راجعاً من حيث أتيت (حتى تسورت الجدار فبينا) بألف الإشباع، وقيل: هي كافة لبين عن الإضافة كما تقدم، وقيل أصلها بينما بما الكافة فحذفت الميم تخفيفاً (أنا أمشي في سوق المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته، وسميت بذلك لأنها يطاع الله فيها، والدين الطاعة (إذا نبطي) بفتح النون والموحدة: الفلاح، سمي به لأنه يستنبط الماء أي: يستخرجه، وسيأتي فيه زيادة في باب النهي عن تعذيب العبد والدابة (من نبط) بفتح أوليه أي فلاحي (أهل الشأم) بالهمزة الساكنة ويجوز تخفيفها ويقال: شآم بالهمزة بوزن يمان، وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يجوز تذكيره وتأنيثه، سمي بذلك باسم سامبن نوح واسمه بالسريانية شام.

وعن ابن الكلبي: سمي شاماً بشامات له حمر وسود وبيض. وقيل: سمي به لأنه عن شمال الأرض وقيل: غير ذلك، وتقدم أن حده من العريش إلى الفرات طولاً وقيل إلى باياس، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد، نقله المصنف في «التهذيب» عن الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ممن قدم بالطعام) حال كونه (يبيعه بالمدينة) ويصح كونها استئنافاً بيانياً (يقول) يجوز فيه ما في الذي قبله والثاني أقرب (من يدل) بضم المهملة (على كعببن مالك فطفق) أي: أخذ (الناس يشيرون له إليّ، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة آخره نون واسمه جبلةبن الأيهم وقيل: الحارثبن أبي سمرة (وكنت كاتباً) أي قارئاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (فقرأته فإذا فيه: أما بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه (فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك) أي أعرض عنك (ولم

يجعلك الله بدار هوان) أي منقطعاً بدار تهان فيها (ولا) بدار أو حال (مضيعة) بسكون المعجمة ويجوز كسرها مع فتح الميم فيهما: أي في دار أو حال يضاع فيهما حقك: أي فإذا حصل لك ما عرض حلوله بك (فالحق) بفتح المهملة (بنا نواسك) بضم النون وكسر المهملة من المواساة، وحذفت التحتية لأنه في جواب الطلب، وفي بعض نسخ مسلم إثباتها، وهو كما قال المصنف صحيح: أي ونحن نواسيك قطعه عن جواب الأمر (فقلت حين قرأتها) أي: الكتابة المعبر عنها بالكتاب أو التأنيث باعتبار المعنى إذ هو في المعنى صحيفة (وهذه) الواقعة (أيضاً من البلاء) أي: الابتلاء ليترتب عليه ما يليق مما يصدر عنه من رسوخ قدم يحمد عليه أو أمر يوجب الندم (فتيممت) أي قصدت. ولمسلم: فتأممت وهي لغة (بها التنور) أنث الضمير في بها وفي قوله: (فسجرتها) بمهملة وجيم وراء: أي أوقدت الكتاب لما ذكر آنفاً، والتنور الذي يخبز فيه، قال في «النهاية» : يقال: إنه في جميع اللغات كذلك (حتى إذا مضت

أربعون) غاية لمقدر: أي استمررت على ذلك الأمر المذكور من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة ويوماً (من الخمسين واستلبث) أي: أبطأ وجملة استلبث (الوحي) من زيادة مسلم على البخاري (إذا) فجائية (رسول رسول الله) في رواية الواقدي: أنه خزيمةبن ثابت قال: وهو الرسول إلى هلال ومرارة بذلك (يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك) وفي نسخة من التوشيح للحافظ السيوطي: هي عمرة بنت جبيربن صخر اهـ.

وفي نسخة من «تحفة القاري على البخاري» لشيخ الإسلام زكريا: هي عميرة بنت جبيربن صخر اهـ. وفي الأصلين المذكورين تحريف من الناسخ فليحرر. ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أن اسمها: جبرة، ثم رأيته قال في «الفتح» : هي عمرة بنت جبيربن صخربن أمية الأنصارية أمّ أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت عنده يومئذٍ خيرة بالمعجمة ثم التحتانية اهـ. وراجعت «أسد الغابة» لابن الأثير فلم أجد فيه ذكراً لأحد من هؤلاء الثلاثة والله أعلم.

(فقلت) ما المراد من اعتزالها (أطلقها) بضم همزة الاستفهام مقدرة بدليل قوله (أم ماذا) أي ما الذي

(أفعل؟ قال لا) تطلقها (بل اعتزلها) أمر بترك مخالطتها مخالطة الزوجات من الجماع ومقدماته كما فسره بقوله (فلا تقربنها، وأرسل) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلى صاحبيّ) بتشديد ياء المتكلم المدغم فيها ياء المثنى يأمرهما (بمثل ذلك) أي: الاعتزال المفسر بعدم قرب الزوجة (فقلت لامرأتي: الحقي) بهمزة وصل وفتح المهملة بعدها القاف (بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) وقوله: «الحقي بأهلك» من كنايات الطلاق ولكونه لم ينوّه به لم يقع عليه (فجاءت امرأة هلالبن أمية) هي: خولة بنت عاصم قاله الحافظ ابن حجر، وقيل: اسمها عمرة بنت حبةبن صخر الأنصارية قاله ابن عبد البرّ (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له) اللام للتبليغ (يا رسول الله إن هلالبن أمية شيخ) أي: ذو سنّ (ضائع) بالمعجمة وبعد الألف همزة ثم عين مهملة، وفسرته بقولها (ليس له خادم) أي: من يقوم بما يحتاجه من خدمة، يقع على الذكر والأنثى بلفظ واحد ويقال في المؤنث خادمة: ومنه حديث البخاري عن أبي سهل «أن امرأة أبي أسيد كانت خادمتهم في عرسهم» فإنه بالتاء في معظم الأصول (فهل تكره أن أخدمه) بضم المهملة (قال: لا) أي لا أكره أن تخدميه (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من شمول الخدمة للتمتع بها (لا يقربنك) بضم الراء وفتح الموحدة بعدها نون توكيد، كناية عن الجماع (فقالت) لا حاجة إلى منعه من ذلك (إنه) أي الشأن. أو هلالاً (وا) جملة قسمية أتى بها لتأكيد المقال (ما به حركة) .

وفي نسخة: من حركة بزيادة من، والحركات بفتحات: أي داعية تحركه (إلى شيء) من الجماع ومقدماته لما هو فيه من الكرب، ثم الجملة قسمية وجوابها خبر إن، وفي نسخة بتقديم القسم على إن، وعليه فان، واسمها وخبرها جواب القسم (ووا) يحتمل العطف على جملة القسم السابقة ويحتمل الاستئناف (ما زال يبكي) على تخلفه المتسبب عليه ما آل إليه أمره (منذ كان من أمره) أي: شأنه (ما كان) من تخلفه عن الخروج وما ترتب عليه (إلى الآن) حال الإخبار.

وفي نسخة: إلى يومه هذا، وسكتت عما بعده لأنه يحتمل استمراره عليه وتركه له لما يرد عليه مما يقتضي حالاً من تلك الأحوال. قال كعب: (فقال) أي: أشار (لي بعض أهلي) لما

أمرت امرأتي بالذهاب لأهلها قال الحافظ لم أقف على اسمه (لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك) أي: في خدمتها (فقد أذن لامرأة هلالبن أمية أن تخدمه) وقد استشكل هذا بنهيه عن كلام الثلاثة.

وأجيب كلام الثلاثة، وأجيب بأنه يحتمل أنه عبر عن الإشارة بالقول كما أشرت إليه، أو أن النهي كان خاصاً بالرجال والقائل كان امرأة، أو كان هذا الكلام ممن يخدم المنهيّ عن كلامه فلم يدخل في النهي.

قال الحافظ في «الفتح» : لعله بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو أن الذي كلمه كان منافقاً (فقلت لا أستأذن فيها رسول الله) وأشار إلى الفرق بين حاله وحال هلال بقوله: (وما يدريني) بضم التحتية (ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها) أي: من الإذن في ذلك أو المنع منه (وأنا رجل شاب) جملة حالية من فاعل يقول، وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال لكونه رجلاً شاباً، ويحتمل الإشارة به إلى خوف الوقوع معها لو أذن له في مقامها عنده من حدة الشباب فيقع في المحذور، أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه (فلبثت) أي أقمت (بذلك) أي: من ذلك المذكور من إرسال الزوجة (عشر ليال) أي: مع أيامها (فكمل) بتثليث الميم: أي تمّ بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة (خمسون ليلة) ويوماً واقتصر عليها في جميع ما ذكر لأنها الأصل والنهار تابع لها (من) ابتدائية (حين) بفتح النون لإضافته إلى جملة صدرها مبني (نهى) بالبناء للمفعول: أي وقع النهي للمسلمين غير من تقدم (عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح) منصوب على الظرفية: أي في صباح تلك الليلة المكملة (خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا) الظرف الأول حال من فاعل صلى والثاني وصف لبيت (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر) ها (اعنا) أي: عنا أيها الثلاثة وبينها بقوله: (قد ضاقت عليّ نفسي) أي: قلبي من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس ولا سرور (وضاقت عليّ) بتشديد التحتية.

وعند مسلم: وضاقت بي (الأرض بما رحبت) أي برحبها، فما مصدرية، والرحب بضم الراء وسكون

الحاء المهملتين: السعة (إذ سمعت صوت صارخ) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في «التوشيح» .c وفي «الفتح» أنه كذلك عند الواقدي وأن أبا بكر صاح: قد تاب الله على كعب، وحكاه ابن عائذ بلفظ «زعموا» .

قلت: وما في «الصحيح» مقدم عليه وأنه أسلميّ (أوفى) بالفاء أي: صعد وارتفع (على سلع) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة معروف (يقول) جاهراً (بأعلى صوته) من إضافة الصفة إلى الموصوف، وفيه المذهب للبصريين من التأويل والكوفيين من إبقائه على ظاهره (يا كعببن مالك) بنصب «ابن» وفي «كعب» الضم والفتح (أبشر) حذف المفعول لتذهب النفس في طرف السرور كل مسلك (فخررت ساجداً) سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال وبلوغه إلى نعمة البشرى والإقبال. وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولاً بها فيما بينهم (وعرفت) من هذا التبشير (أنه قد جاء فرج فآذن) بالمد والقصر: أي أعلم (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بتوبة الله علينا) أي: بتوفيقه إيانا لها أو بتبرئته إيانا عن غفلة الذنب (حين صلى صلاة الفجر) ظرف لآذن (فذهب الناس يبشروننا) بالتوبة (فذهب قبل) بكسر ففتح: أي جهة (صاحبيّ) بتشديد الياء (مبشرون) .

قال الفربري في «الإقناع» : وخرج سعيدبن زيدبن عمروبن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حماراً، وبشر مرارةبن الربيع سلكانبن سلامة أو سلمةبن سلامةبن وقش فأقبل حتى توافوا، يعني: الثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهـ. (وركض إليّ رجل) هو الزبيربن العوّام.

وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أبا قتادة لأنه كان فارس النبيّ أي جرى جرياً شديداً (فرساً، وسعى ساع من أسلم) هو: حمزةبن عمر الأسلمي (قبلي، وأوفى) بالفاء مقصوراً. أي أشرف وطلع (على الجبل فكان الصوت) أي وصول الصوت المذكور أي صوت الأسلمي المذكور بقرينة مجيئه له وطلبه شيئاً لبشارته (أسرع من) وصول صاحب (الفرس، فلما جاءني) الأسلمي (الذي سمعت صوته

يبشرني) جملة في محل الحال ويجوز كونها مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً يقول فيم سمعت صوته فقال يبشرني (نزعت له ثوبيّ) بتشديد التحتية (فكسوته إياهما ببشارته) ففيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فيغيرها. والخلعة أحسن وهي المعتادة، وفيه كسوة البشير وإن لم يملك غيره، وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها (وا ما أملك غيرهما) أي: من الثياب كما في رواية ابن أبي شيبة: «فوا ما أملك ثوبين غيرهما» فلا ينافي قوله السابق «إن عندي راحلتين» وقوله الآتي: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة» (يومئذٍ) أي وقت كسوتي له (واستعرت ثوبين) زاذ الواقدي، من أبي قتادة (فلبستهما وانطلقت أتأمم) أي أقصد (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجاً) أي: جماعة (فوجاً) أي تلقوني زمرة بعد زمرة وجماعة بعد جماعة (يهنئونني بالتوبة) أي: بقبولها أو بالتوفيق لها (ويقولون لي لتهنك) بكسر النون.

قال الحافظ: وزعم ابن التين شارح البخاري أنه بفتحها قال لأنه من هنىء، وفيه نظر (توبة الله عليك) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة (حتى دخلت المسجد) غاية لمقدر أي فسرت وحالي ما ذكر أي من تهنئة الناس لي إلى أن دخلت المسجد، والأصح أن نصب المسجد لكونه اسم مكان مختص على التوسع (فإذا) فجائية (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس) في المسجد (حوله الناس) الظرف لغو وحوله الناس خير بعد خبر (فقام إليّ طلحةبن عبيد ا) أحد العشرة المبشرة (رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحاً.

قال كعب: (وا ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره) بالرفع صفة رجل، ويجوز نصبه على الحال لتخصيصه بالوصوف بالظرف (فكان كعب لا ينساها) أي تلك الأفعال الجميلة من القيام له والهرولة والمصافحة والتهنئة (لطلحة) .

قال القرطبي: أي إنها أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته

حتى عدها من الأيدي الجسيمة (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال) أي بعد رد السلام (وهو يبرق) بضم الراء: أي يلمع (وجهه) بالأنوار (من) تعليلية أي بسبب (السرور) بقبول الله تعالى توبتهم، ففيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحبور عند ظفر أحد من أمته بنوع من الخيور حال من فاعل قال، ومقول القول (أبشر) بقطع الهمزة (بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه، وقيل: لا استثناء لأن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى يوم إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها (فقلت أ) هذا المبشر به (من عندك يا رسول الله) أي: قلته اجتهاداً لأنك رأيت حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة (أم) هو وحي (من عند ا؟ قال: لا) أي: ليس من عندي (بل من عند الله عز وجل) قال في «الإقناع» بدل قوله «قال لا» قال من عند الله وتلا عليهم الآيات (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سرّ) من أمر (استنار وجهه) أي: زاد نوراً إلى نوره.

وفي «النهاية» : «كان إذا سر فكأن وجهه المرآة وكان الجدر يرى شخصها في وجهه لشدة نوره وصفائه (حتى كأن وجهه قطعة قمر) غاية لما قبله، آثر ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر وتؤذي. ثم تشبيه بعض صفاته بنحو القمر والشمس جرى على عادة الشعراء والعرب في ذلك أو على سبيل التقريب والتمثيل وإلا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه.

قيل: شبه وجهه في هذا الحديث بقطعة من القمر لا بكله مع أن المعهود في التشبيه الثاني لأن القصد الإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرور فناسب أن يشبه ببعض القمر قالت عائشة: «مسروراً تبرق

أسارير وجهه» ولكون مراد كعب رضي الله عنه تشبيه بعض وجهه وهو جبينه إذا سر لم يشبهه بجميع القمر، وجاء في حديث آخر عنه تشبيه وجهه كله بدارة القمر فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا أحسن مما قيل سبب الاقتصار في التشبيه على بعض القمر الاحتزاز عما فيه من السواد، لأن كون وجه التشبيه بالقمر ما فيه من الإضاءة والملاحة لا يخفى على أحد ولا يتوهم من التشبيه خلافه فلا حاجة للاحتراز (وكنا) معشر الصحابة المراقبين لمحاسن ذاته الملاحظين لأحواله (نعرف ذلك) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه كما سبق من قول عائشة: مسوراً تبرق أسارير وجهه.

وفي «البخاري» : «كان يعرف ذلك (منه) وفي نسخة «فيه» والضمير يعود إلى الوجه (فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من) شكر (توبتي) أي: من شكر الله على توبتي أي التوفيق لها وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي (أن أنخلع) أي أخرج (من مالي) أي: من جميعه (صدقة) مفعول له أو مطلق على تقدير أتصدق، أوفى معنى الحال: أي متصدقاً، أو على تضمين أنخلع معنى أتصدق: أي أتصدق متقرباً بها (إلى الله تعالى وإلى رسوله) أعاد الجار للاهتمام وتنبيهاً على أن التقرب إليه مطلوب على سبيل الاستقلال. قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ا} (النساء: ٨٠) ، وقال القرطبي: أي إن على ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرجت مخرج الشكر وابتغاء الثواب وأقرّه عليه النبي فكان ذلك جائزاً ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه، وعلى مقتضى هذا اللفظ قد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً وربما أفضى به إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد، أمره بإمساك البعض كما قال كعب: (فقال رسول الله: أمسك عليك بعض مالك) أي دفعاً لضرر التصدق بكله (فهو خير لك) .

قال القرطبي: البعض المأمور بإمساكه من ماله هو الأكثر والمتصدق به هو الأقل كما قال في حديث سعد: «الثلث والثلث كثير» وفيما ذكره نظر فإنه متوقف على نص يشهد به، ولا دليل في حديث سعد لما ذكره لأن ما فيه إنما هو لمن كان في حال المرض مراعاة لمصلحة الورثة، والقصد هنا دفع ضرر الحاجة والفقر، وهو قد يحصل بإبقاء الأقل من ماله أو الشطر كما وقع من عمر رضي الله تعالى عنه لما تصدق بشطر ماله وأبقى الشطر الآخر لنفسه وأهله، والحديث في مسلم وغيره.

ثم رأيت في «الفتح» للحافظ أن عند أبي داود عن كعب: «إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: لا، قلت: نصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم» ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن الزهري «فقال النبي: ويجزي عنك من ذلك الثلث» اهـ. وهو شاهد للقرطبي.

قال المصنف في «شرح مسلم» : ولا يخالف هذا: أي قوله أمسك عليك بعض مالك تصدق أبي بكر بجميع ماله أي وقبوله له فإنه كان صابراً راضياً اهـ. (فقلت: يا رسول الله إني

أمسك سهمي الذي بخيبر) بفتح المعجمة وسكون التحتية وفتح الموحدة آخره راء مهملة غير مصروف في أكثر الأصول مراداً به البقعة (وقلت يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني) من وصمة إثم التخلف عن المأمور به (بالصدق) أي بإخباري بالخبر المطابق للواقع وإن ترتب ما ترتب (وإن من) شكر أو صدق (توبتي ألا أحدث) أي إنسان حديثاً ما في أي شأن كان (إلا صدقاً ما بقيت) أي مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع. وإلا كأن كان فيه إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب التوبة (فوا ما علمت أحداً من المسلمين) عند مسلم «ما أعلم أحداً» (أبلاه ا) أي: أنعم عليه ومنه قوله تعالى: {وفي ذلكم} (البقرة: ٤٩) - أي الإنجاء من فرعونـ {بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظمى، والبلاء يستعمل أيضاً في الشرّ كما قيل به في الآية بناء على أن المشار إليه ما فعله بهم آل فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء، ولكن إذا أطلق كان غالباً للشر فإذا أريد به الخير قيد كما قال في الحديث: «أحسن مما أبلاني ا» (في) ملازمة (صدق الحديث) مصدر مضاف إلى مفعوله (منذ ذكرت ذلك) الالتزام بملازمة الصدق (لرسول الله) إبلاء (أحسن مما أبلاني الله تعالى) به أي بتيسير الدوام على ذلك والوفاء بالالتزام.

قال الحافظ: فيه وفي قوله الآتي: «فوا ما أنعم» والحديث إلى قوله: «أعظم من صدقي رسول الله» شاهد على أن هذا السياق يورد ويراد به نفي الأفضلية لا المساواة لأن كعباً شاركه في ذلك رفيقاه، وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له وهو كذلك لكنه لم ينف المساواة (وا ما تعمدت كذبة) قال المصنف: بفتح الكاف وكسرها كل ذلك مع إسكان الذال، وفي «المشارق» كذبة بكسر الفاء ويقال: بفتحها وأنكر بعضها الكسر إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وليس هذا موضعها اهـ. وهو في البخاري «كذباً» بحذف الهاء (منذ) أي من حين (قلت ذلك) الالتزام (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا) فيه أن الخطأ

والنسيان المحترز عنهما بالعمد غير مؤاخذ به الإنسان، وهما لا ينقصان الالتزام (وإني لأرجو) من فضله تعالى (أن يحفظني الله تعالى) من الكذب (فيما بقي) لأنه تعالى كريم يستحي أن ينزع السر من أهله، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: ١١) (قال) أي كعب مبيناً للآية التي نزلت فيها التوبة عليه وعلى صاحبيه (فأنزل الله تعالى) على نبيه وهو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الأخير من الليل كما جاء في كتاب «التفسير من صحيح البخاري» {لقد تاب ا} أدام توبته، وهي بالنسبة إلى النبي تشريف مكانته في إعلاء رتبته، لا أنه عن ذنب صدر من حضرته لعصمته.

وقال بعضهم: تاب الله {على النبي} أي تجاوز عنه {والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} بالعين المضمومة والسين الساكنة بعدها راء مهملات أو وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك وكان الرجلان يقتسمان التمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث (حتى بلغ) أي: كعب في قراءته {وكونوا مع الصادقين} أي في الآيات الثلاث، وتمامها قوله تعالى {من بعد ما كاد تزيغ} (التوبة: ١١٧) بالمثناة الفوقية والتحتية: أي تميل وتذهب {قلوب فريق منهم} عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة {ثم تاب عليهم} بالثبات {إنهم بهم رؤوف رحيم} ، وتاب {على الثلاثة الذي خلفوا} (التوبة: ١١٨) عن التوبة عليهم بقرينة {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي مع رحبها وسعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} قلوبهم للغمة والوحشة لتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن لا ملجأ} يلجئون إليه {من

الله إلا إليه} (التوبة: ١١٨) .

قال في «الكشاف» : لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثم تاب عليهم} ألهمهم أسباب التوبة ووفقهم لها «ليتوبوا» / أي ليقبلها، وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم و «ليتوبوا» أي: يداوموا عليها، وفي تفسير سورة البقرة من البيضاوي: أصل التوبة الرجوع فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية إلى الطاعة وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ. {إن اهو التواب} على من تاب أي: يقبل توبته الصحيحة فضلاً منه وهو الرحيم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا} بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} في الأيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.

(قال كعب) صرح بذكره للفصل بين سياق أحواله بذكر الآي القرآنية المنزلة في التوبة (وا ما أنعم الله عليّ من) زائدة للاستغراق (نعمة قط) أي في الزمن الماضي (بعد أن هداني للإسلام) أي دلني عليه وأوصلني له. وفي نسخة: هداني الله (أعظم) وصف لنعمة فتجوز قراءته منصوباً باعتبار محلها لزيادة من، ومجروراً باعتبار لفظها، ويجوز رفعه بتقدير هي أعظم (في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أكون كذبته) كذا في «الصحيحين» عند جميع رواتهما إلا الأصيلي من رواة البخاري فقال: «أن أكون» وليس بشيء، والصواب الأول وتخريجه أن لا زائدة كما قال عياض وتبعه المصنف وغيره، ومعناه: أن أكون كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} (الأعراف: ١٢) اهـ. وهذا بناء على أنه مستأنف عما قبله وأظهر منه ما ذكره الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري المسماة «بتحفة القارىء» من أنه بدل من صدقي: أي أن لا نافية، قال: والمعنى ما أنعم الله عليّ نعمة هي أعظم من عدم كذبي فعدم هلاكي اهـ. وكذبته بفتح الذال المخففة: أي قلت له قولاً كذباً (فأهلك) بالنصب عطف على منصوب أن، وأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور، وحكي فتحها وهو شاذ وضعيف (كما هلك الذين كذبوا) أي: هلاكاً كهلاك الذين كذبوا الله القول في إدعاء الإيمان من المنافقين فالمفعول الثاني محذوف.

قال الراغب في «مفرداته» : يقال كذبته حديثاً، ومنهـ كذبوا الله ورسولهـ أي: القول الذي قاله فيتعدى إلى مفعولين نحو صدق في قوله تعالى:

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا} (التوبة: ٩٥) اهـ (فإن الله تعالى قال للذين كذبوا) أي: عنهم (حين أنزل) على النبي (الوحي شرّ ما قال) أيّ: قول، قال: ويجوز أن يكون موصولاً اسمياً (لأحد) أي: عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله: (فقال ا) تبارك و {تعالى سيحلفون با لكم إذا انقلبتم} رجعتم {إليهم لتعرضوا عنهم} بترك المعاتبة {فأعرضوا عنهم} فأعطوهم طلبتهم {إنهم رجس} قذر لخبث باطنهم فلا يؤثر فيهم العقاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها والاستغفار {ومأواهم جهنم} يعني تكفيهم النار عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم ( {جزاء بما كانوا يكسبون بحلفون} ) أي: با ( {لكم لترضوا عنهم} ) أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم ( {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين} ) أي: عنهم، وأتى بالظاهر موضعه نداء عليهم بسوء وصفهم المقتضي لعدم رضاه عنهم: أي ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخطالله، بل يكونون عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، في «الكشاف» قيل: إنما قيل لهم ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضاء الله عنهم (قال كعب: كنا خلفنا) بالبناء للمجهول، أخص (أيخا الثلاثة) بتأخير أمرنا وبيان شأننا فلم يقض فينا بشيء (عن أمر أولئك) المعتذرين (الذين) كذبوا الله ورسوله و (قبل منهم رسول الله) عذرهم في التخلف (حين حلفوا له) إنهم صادقون فيما اعتذروا به (فبايعهم) أي: عاقدهم على الإسلام وعاهدهم عنيه (واستغفر لهم) أي بنحو: غفر الله لكم (وأرجأ) أخر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا) فلم يقض فيه بشيء (حتى قضى الله تعالى) أي: أبرز ما سبق قضاؤه (فيه) وأنزل فيه الآية فـ (بذلك) أي: فعن ذلك التخليف (قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ) هو معنى ما

تقدم في تفسير الآية من قولنا خلفوا عن التوبة: أي

عن قبولها حالاً كما قبلت المعذرين وأرجأ أمر هؤلاء الثلاثة (وليس الذي ذكر) بالبناء للمجهول (مما خلفنا) أي: من تخليفنا المخبر عنه بقوله: «خلفوا» (تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا) عمن قبله من أولئك المعتذورين (وإرجاؤه) تأخيره (أمرنا) أي: بيانه وإيضاحه (عن) أي: عن أمر (من حلف له واعتذر إليه) من المعذين (فقبل منه) أفرد الضمير باعتبار لفظ من (متفق عليه) أي: رواه الشيخان وإن وقع بينهما اختلاف يسير في زيادة كلمة أو نقصها أو تقديم أو تأخير، وكذا أخرج الحديث أبو داود والترمذي والنسائي كما في «جامع الأصول» في كتاب الجهاد.

(وفي رواية: أن النبيّ خرج) من المدينة (في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحبّ أن يخرج) لسفره (يوم الخميس) في «الصحيحين» من حديث كعب «قلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلا يوم الخميس» ورواه النسائي.

(وفي رواية) للبخاري من حديث كعب (كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً) ونهى عن طروق المسافر أهله ليلاً ما لم يشع خبر قدومه كأن كان في قفل ووصلوا لقرب البلد نهاراً وعلم ذلك الخبر لأهل البلد فلا بأس بالقدوم ليلاً حينئذٍ (في الضحى) لأنه أطيب ما في النهار لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء: وخروج الناس للاجتماع واللقاء، وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا ويلهو بإخوانه عن إصلاح شأنه (فإذا قدم) بكسر الدال (بدأ بالمسجد) قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً لشعائر الله تعالى، وتقديماً لحق الله تعالى على حق نفسه وأهله، وشكراً لنعمته عليه بسلامته من وعثاء السفر (فصل فيه ركعتين) تحية (ثم جلس فيه) ليسلم عليه الناس.

وفي الحديث فوائد أربعون بل أكثر: منها إباحة الغنيمة لهذه الأمة إذ قال يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، وردّ الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، وترك من تاب الزوجة، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أوّلاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام/ وجواز دخول بستان صديقه بدون إذنه، وأن الكناية لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه إذ كعب لم يستأذن في خدمته امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة البشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية: وجواز العارية، ومصافحة القادم، والقيام، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.

٢٢١٠ - (وعن أبي نجيد) بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية آخره دال مهملة، كنى باسم ابنه نجيد (عمران) بكسر العين المهملة (ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وإسكان التحتية بعدها نون ابن عبيدبن خلفبن عبدنهمبن حذيفةبن جهيمة بن عاضرةبن حبيشةبن كعببن عمرو، كذا قاله ابن منده وأبو نعيم. وقال أبو عمر: عبدنهمبن سالمبن عاضرة (الخزاعي) الكعبي (رضي الله عنهما) أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوات، وبعثه عمربن الخطاب رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها. قال محمدبن سيرين: لم نر في البصرة أحداً من أصحاب النبيّ يفضل على عمرانبن الحصين، وكان مجاب الدعوة ولم يشهد الفتنة. وروى له عن النبي مائة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة: وكان تسلم عليه الملائكة في مرضه فاكتوى ففقد ذلك ثم عادت إليه، وكان به استسقاء طال به سنين وهو صابر عليه وشق بطنه وأخذ منه شحم وشق له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، ودخل

عليه رجل فقال، يا أبا نجيد وا إنه ليمنعي من عبادتك ما أرى بك، فقال: يا أخي فلا تجلس فوا إن أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى، توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن امرأة من جهينة) وفي رواية أخرى لمسلم «جاءت امرأة من غامد» بغين معجمة وميم ودال مهملة.

قال المصنف: وهي بطن من جهينة. وقال الحافظ وليّ الدين العراقي في «مبهماته» : اسمها خولة بنت خويلد وفيها نزلت آية الظهار. وفي كلام بعضهم أن آية الظهار نزلت في خولة بنت ثعلبه انتهى ملخصاً. وقال ابن النحوي في «البدر المنير» : اسم الغامدية سبيعة، وقيل أبية بنت فرج، حكاهما الخطيب في «مبهماته» . وعدها أبو موسى الأصفهاني في الصحابة (أتت رسول الله: وهي حبلى من الزنى) من تعليلية ويصح كونه ابتدائية (فقالت: يا رسول الله أصبت حدا) أي: ما يلزم به الحد فيكون مجازاً مرسلاً (فأقمه عليّ) أي: لأطهر من تبعته في الآخرة. وفي مسلم أيضاً في حديث الغامدية «قالت طهرني» قال المصنف: فيه دليل على أن الحدّ يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عبادةبن الصامت، وهو قوله: «ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته» ولا نعلم فيه خلافاً، وإنما لم تقنع بالتوبة مع أنها محصلة لغرضها من سقوط الإثم، بل اختارت الرجم لأن حصول البراءة به وسقوط الإثم متيقن على حال، لاسيما وإقامته الحدّ بأمره. وأما التوبة فتخشى ألا تكون نصوحاً أو يختل بعض شروطها فأرادت حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يطرقه الاحتمال انتهى ملخصاً (فدعا نبيّ الله) عبر عنها بنبيّ الله أولاً برسول الله تفننا في التعبير (وليها فقال: أحسن إليها) أمره بذلك خوفاً عليها من أن تحمل أقاربها الغيرة ولحوق العار بهم على أن يؤذوها، ورحمة لها إذ تابت ولحملها، فحرص عليها معها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن ذلك كله لذلك (فإذا وضعت) حملها (فائتنى بها) ففيه تأخير حدّ الزنى عن الحامل إلى أن تضع وتسقيه اللِّبَأ لئلا يموت الجنين وهو مجمع عليه. واختلف في اعتبار استغنائه عنها بلبن غيرها فالجمهور على اعتباره، فإن كان حدها الجلد لم تجلد حتى تضع بالإجماع (ففعل) أي: ما أمره به (فأمر بها نبيّ الله) أي: بأن

تهيأ للرجم لأنها كانت محصنة (فشدت عليها ثيابها) بالدال المهملة كذا في نسخ الرياض.

قال المصنف في «شرح مسلم» : فشكت عليها ثيابها، كذا هو في معظم النسخ «فشكت» وفي بعضها/ «فشدت» بالدال بدل الكاف وهو بمعنى الأول اهـ. ولم يذكر عياض في مشارقه

غير الكاف قال: أي جمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان اهـ. وقيل معناه: أرسلت عليها ثيابها، والشك الاتصال واللصوق، وإنما فعلت ذلك لئلا ينكشف ثوبها في تقلبها وتكرر اضطرابها (ثم) بعد أن شدت ثيابها (أمر بها فرجمت) في عدم تعرضه لحضوره دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لا يلزم الشهود إذا ثبت بشهادتهم. وقال أبو حنيفة وأحمد، يحضر الإمام مطلقاً ويبدأ بالرجم إن ثبت بالإقرار وجاء عند النسائي: أنه رجم الغامدية ورماها بحجر. قالا: وتحضر للشهود إن ثبت بشهادتهم ويبدءون بالرجم (ثم) بعد غسلها وتكفينها (صلى) النبي (عليها) فيه دليل لمذهب الشافعي وآخرين من أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وما قيل من أن ذكر صلاته ضعيف لكون أكثر الرواة لم يذكرها، أو من إن صلى فيه مؤول بأنه أمر بها، أو أنه أريد به المعنى الغوي: أي دعا ففاسد، لأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة، والتأويل خلاف الأصل لا يصار إليه إليه إلا إذا اضطرت الأدلة لارتكابه وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره (فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟) أي: أتصلي وهو استكشاف لحكمة صلاته عليها مع أنه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار (فقال) مبديا لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه فإنه نظر إلى ما صدر منها من الفعل القبيح وهو الزنى وغفل عما ختمت به أمرها وهو التوبة النصوح فنبهه بقوله: (لقد تابت توبة) صحيحة نصوحا (لو قسمت) بكمالها (بين سبعين) عاصياً (من أهل المدينة) أي: المنافقين

الذين بها: أي لو تاب المنافقون الذين بها يومئذٍ توبة صحيحة من نفاقهم كتوبتها (لوسعتهم) أي: لكفتهم في رفع آثامهم، فإذا رفعت ذنب الكفر فما دونه أولى، ولعل هذا حكمة قوله من أهل المدينة. قال في «البدر المنير» : وعند الطبراني «لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (وهل وجدت) شيئاً تبذله في مرضاة الله (أفضل) أي: أعظم (من أن جادت بنفسها) ببذلها () أي: لمرضاته (عزّ وجلّ. رواه مسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي الحديث بيان عظم التوبة وأنها تحبّ

الذثبّ وتلحقي التائب بمن لم يقترب شيئاً من الذنب، وتكون سبباً لحوزه أنواع الفضل.

٢٣١١ - (وعن ابن عباس وأنسبن مالك) تقدمت ترجمتهما في باب الإخلاص (رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو) ثبت (أن لابن آدم وادياً) مملوءاً (من ذهب أحبّ) وفي نسخة: لأحبّ: أي من حرصه الذي هو طبعه (أن يكون له واديان) أي: آخران كما هو الأنسب بحرصه، ويحتمل أن يراد واديان بما كان له أو لا فيكون المطلوب وادياً آخر. والأول أظهر (ولن يملأ جوفه إلا التراب) أي: إنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره، وهذا حكم غالب النوع الإنساني الحرص على الدنيا، أما من لطف به وحفظ من ذلك ابتداء أو بالتوبة منه فمستثنى كما قال (ويتوب الله على من تاب) أي: إن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات (متفق عليه) وفي «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي بعد ذكر الحديث بنحوه أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس وأحمد، والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن الزبير، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، والبزار عن بريدة. وأخرج أحمد وابن حيان عن جابر مرفوعاً «لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم لتمنى مثله حتى يتمنى أودية، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» اهـ. وفي «الديباج» للحافظ السيوطي: ورد في حديث أن الحديث المذكور كان في آخر سورة «لم يكن» فأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أُبيّبن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} (البينة: ١) ، فال فرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» اهـ.

٢٤١٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يضحك الله سبحانه إلى رجلين) قال القاضي عياض: الضحك في حقه تعالى: - لاستحالة قيام حقيقته بذاته سبحانه لكون من أوصاف الحادث - مجاز عن الرضى بفعلهما والثواب عليه، وحمد فعلهما ومحبته وتلقي رسله له بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره بمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد ضحك الملائكة الذين يوجهون لقبض روحهما وإدخالهما الجنة كما يقال قتل السلطان فلاناً: أي أمر به اهـ. (يقتل أحدهما) أي: الواحد منهما (الآخر) أي: صاحبه (ثم يدخلان الجنة) ثم بين ذلك الإجمال بقوله: (يقاتل هذا) يعني المسلم (في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (فيقتل) أي: يقتله كافر (ثم) للترتيب في الإخبار، أو يراد بها مجرد الترتيب من غير اعتبار انضمام التراخي إليه، فلا يعتبر تراخي إسلام الكافر عن قتله ذلك المسلم بل يحصل بإسلامه عقبه (يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد) عطف الفعلين بالفاء إشارة إلى حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ إذ لا مانع لما أراد سبحانه، وإلى أنه لا يمكث بعد إسلامه زمناً يقترف فيه شيئاً من موبقات الذنوب بل عقب إسلامه استشهد فعمل قليلاً وحاز خيراً جليلاً ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في دخول الجنة تساويهما في المنزلة، فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب الأعمال (متفق عليه) . وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن اهو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثرة عدده إذا قوبل

بفضل الله وعفوه كان حقيراً يسيراً/ قال تعالى: {إن ربك واسع المغفرة} (النجم: ٣٢) قال الأبوصيري:

يا نفس لا تقنطى من زلة عظمت

إن الكبائر في الغفران كاللمم

٣ - باب الصبر

أي: هذا باب بيان فضائل الصبر من الآيات والأحاديث. قال الراغب في «مفرداته» : الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، أو على العبد عما يقتضيان حبسها عنه اهـ. وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات والسكوت من تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى عند حلول الفقر بساحة المعيشة. قال الراغب: وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبراً لا غير ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الهذر، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً، قال تعالى: {اصبروا وصابروا} أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا هواكم اهـ.

(قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} ) على الطاعات والمصائب وعن المعاصي (وصابروا) الكفار، أي: غالبوهم بالصبر فلا يكونوا أشد منكم (ورابطوا) أي: أقيموا على الجهاد. وفي تفسير الكواشي: قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» قال أبو سلمة: لم يكن في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.

(وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون} ) على الطاعة وما يبتلون به، وترك ذكر الفاعل

للعلم به سبحانه (أجرهم بغير حساب) أي: بغير مكيال ولا وزن. قال أبو عثمان المغربي: لا جزاء فوق جزاء الصبر. قال الكواشي في «التفسير الكبير» : المراد كل صابر على ترك أهل ووطن وعلى كل مكروه يعرض له لأجلالله. قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلا الصابرون فإنه يحثى لهم حثياً.

(وقال تعالى: {ولمن صبر} ) فلم ينتصر لنفسه بعد ظلمها ( {وغفر} ) تجاوز عن ظالمه ( {إن ذلك} ) المذكور من الصبر والغفر ( {لمن عزم الأمور} ) أي: منه فحذف للعلم به كحذفه من قولهم: السمن منوان بدرهم، والمعنى: من الأمور التي أمر الله تعالى بها. وقال بعضهم: الصبر على المكاره من علامات الأنبياء، فمن صبر على مكروه أو مصيبة ولم يجزع أورثة الله حالة الرضى، وهي من أجلّ الأحوال، ومن جزع من المصائب وشكا وكله الله إلى نفسه ولم تنفعه شكواه.

(وقال تعالى: {واستعينوا} ) أي: اطلبوا المعونة على أموركم (بالصبر) أي: الحبس للنفس على ما تكره (والصلاة) أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث «كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة» وقيل الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسه أمروا بالصبر وهو مصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر.

(وقال تعالى: {ولنبلونكم} ) اللام فيه مؤذنة بقسم قلبه، أي وا لنختبرنكم بأن نأمركم

بالجهاد ومشاق الدين فيظهر لنا منكم الطائع والعاصي (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) المراد بالعلم هنا لازمه من الوجود، والمعنى حتى نتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره/ أو حتى نعلم علم ظهور.

(والآيات) القرآنية (في الأمر بالصبر، و) في (بيان فضله كثيرة) اهتماماً بشأنه (معروفة) .

٢٥١ - (وعن أبي مالك الحارثبن عاصم) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه، وقيل: كعب ابن عاصم وقيل كعببن كعب، وقيل عبيد، وقيل عبيد الله، وقيل عمرو. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «أمالي الأذكار» : التحقيق أن أبا مالك الأشعري ثلاثة: الحارثبن الحارث وكعبابن عاصم وهما مشهوران باسمهما. والثالث هو المختلف في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته وهو راوي الحديث اهـ (الأشعري) نسبة إلى الأشعر: قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبتبن أددبن زيدبن يشجب، وقيل: له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قدم أبو مالك (رضي الله عنه) مع الأشعريين على النبي ويعد في «الشاميين» ، توفي في خلاقة عمر بالطاعون، وطعن هو ومعاذ وأبو عبيدة وشرحبيل ابن عتبة في يوم أحد، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة وعشرون حديثاً روى عنه مسلم حديثين: هذا الحديث وبدأ به كتاب الطهارة من صحيحه، وحديث «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» وروى له البخاري على الشك فقال: عن أبي مالك أو أبي عامر، وروى عنه أصحاب السنن الأربع (قال: قال رسول الله: الطهور) قال المصنف: بالضم على المختار وهو قول الأكثر اهـ. والمراد به بالضم الفعل: وبالفتح الاسم، كالسحور بالفتح اسم لما يتسحر به. وقال الخليل والأزهري: بالفتح فيهما، بل أنكر الخليل الضم، وحكى صاحب «المطالع» الضم فيهما. وقال القرطبي: إنما روي بالفتح إما على قول الخليل أو على تقدير مضاف: أي استعمال الطهور. واشتقاقه من الطهارة، وهي لغة النظافة حسية كانت أو معنوية. قال جماعة من أهل اللغة: هي حقيقة في الصورية مجاز في المعنوية، وقيل يمكن أن يقال: إنها حقيقة في القدر المشترك لرجحانه على المجاز والاشتراك. وشرعاً: فعل ما يترتب عليه إباحة أو ثواب مجرد (شطر) أي نصف

(الإيمان) أن ينتهي تضعيف أجره إلى نصف أجر الإيمان فالمراد بالإيمان حقيقته. واعترض بأن الصلاة أفضل من الوضوء ولم يرد فيها ذلك. وأجيب

بالتزامه وإن لم يرد، ومفهوم الاسم ضعيف، وقيل: المراد من الإيمان الصلاة مثل (

{وما كان الله ليضيع إيمانكم} ) (البقرة: ١٤٣) وهي لا تصح إلا بطهر فكان كالشطر، ورجحه المصنف بأنه أقرب الأقوال، وأيده بعض محققي المتأخرين. وأجاب عما اعترض به عليه بكلام ذكرته في «شرح الأذكار» (والحمد) أي: هذه الجملة بخصوصها لأنها أفضل صيغ الحمد، ولذا بدىء بها الكتاب الغزيز أو هي وما يؤدي مؤداها من الثناء على الله سبحانه وتعالى بصفات كماله، ورجح بعضهم الأخير (تملأ) بالفوقية: أي هذه الكلمة بالمعنى اللغوي أو الجملة لو جسمت، أو بالتحتية: أي يملأ هذا المبنى وكذا ما أفاد مفاده لو كان جسماً (الميزان) باعتبار ثواب التلفظ بذلك مع استحضار معناه: أي الثناء على الله بالجميل الاختياري والإذعان له، والميزان المراد منه حقيقته أي ما توزن به الأعمال: إما بأن تجسم أو توزن صحائفها فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة؛ وإنما ملأ ثواب هذه الجملة كفة الميزان مع سعتها المفرطة لأن معاني الباقيات الصالحات في ضمنها، ذكره العلائي في الجزء الذي ألفه في شرح هذا الحديث ولذلك قال رضي الله عنه: لو شئت أن أوقر بعيراً منها لفعلت، وذلك لأن الثناء تارة يكون بإثبات الكمال/ وتارة بنفي النقص، وتارة بالاعتراف بالعجز عن الإدراك، وتارة بالتفرد بأعلى المراتب، والألف واللام في الحمد لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه، وإنما يستحق الإلهية من اتصف بذلك، فاندرج الجميع تحت الحمد، ذكره العلائي في أثناء كلام له (وسبحان ا) منصوب على المصدر، وقيل: اسم مصدر. وقال الزمخشري، هو علم على التسبيح وانتصب بفعل مضمر: أي أسبحه سبحان ثم نزل منزلة الفعل فسد مسده اهـ وظاهره أنه علم أضيف أو قطع عنها وأن إضافته للبيان لا للتعريف كزيد الخيل، وهذا ظاهر قول الأخفش إنه معرفة وضع لهذا المعنى، ولذا امتنع صرفه للعملية وزيادة الألف والنون،

والمحققون على أن تعريفه بالإضافة. والتسبيح تنزيه الله عن السوء والنقائص وتبعيده منها (والحمد) معطوف على ما قبله: أي هاتان الكلمتان (تملآن) بالفوقية «أو» شك من الراوي «يملأ» بالتحتية: أي المذكور منهما أو

أجرهما قيل: ويحتمل أن يراد أحدهما فيكون المشكوك فيه أنهما معاً يملآن ما بين السموات والأرض أو أحدهما، أو بالفوقية، أي الكلمة الشاملة لهما. وقال العاقولي في «شرح المصابيح» : يروى بالمثناة الفوقية (ما بين) طبقات (السموات) السبع، وفي السلاح «السماء» بالإفراد وعزاه لمسلم، وكأنه باعتبار أصله، وإلا فالذي عندي بأصل مصحح «السموات» بالجمع وكذا هو في الكتب الحديثية (والأرض) أفرده، والمراد به الجمع: أي الأرضون ولعل ذلك لأن طباق الأرض متلاصقة لاخلاء بينها بخلاف طباق السموات» .

قال البيضاوي في «التفسير» إنما جمع السموات وأفرد الأرض لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة في الحقيقة، بخلاف الأرضين اهـ وإنما ملأ ثواب ما ذكر ما بين المذكورات التي لا يحيط بسعتها إلا خالقها سبحانه لأن العالم كله شاهد بأن اهو خالقه والقائم بتدبيره، وبأنه لا يجوز أن يكون له فيه شريك ولا معين، وبأنه واجب الإتصاف بصفات الكمال منزه عن مشابهة المحدثات إذ الأهلية إنما تتم بذلك. قيل: وإلى هذه الشهادة يشير قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء: ٤٤) فسبحان اللَّه والحمد يتضمنان إثبات الرب والواحد وجميع صفات الجلال والكمال له ونفي جميع النقائص عنه، فكأنه قائلها شاهد بذلك، وعلى جميع العالم بأنه مربوب مخلوق في قهره وتدبيره لا منعم عليه ولا قادر ولا مالك بالحقيقة سواه، فله من الأجر بقدر ما شهد به من الحق فملأ أجرهما ما بين السموات والأرض، نقله العلائي عن ابن برجان في الكلام على لا إله إلاالله.

قال العلائي: ويصح نقله إلى هنا (والصلاة) سيأتي معناها لغة وشرعاً إن شاء الله تعالى (نور) أي: محسوس: أي إن الصلاة نفسها تضيء لصاحبها في ظلمات الموقف بين يديه، ولم يجيء في فعل متعبد به أنه نور في نفسه سوى الصلاة، فالظاهر أن هذا النور خاص بها، وأصرح منه ما لأحمد بسند صالح عن ابن عمر، قال: «من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، وكان مع قارون وفرعون وهامان وأبيّبن خلف» وقيل: النور أجرها لا هي فتكون على تقدير مضاف، وقيل نور ظاهر على وجه المؤمن يوم القيامة، فالمراد بها: أي بسببها يعلو النور وجه المؤمن، فالإسناد مجازي من

الإسناد للسبب. وقيل: النور معنوي لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب، فتصد عن المهالك وتوصل إلى طريق السلامة كما يستضاء بالنور. وقيل: نور القلب بسببها لاشتمالها على ما لم يجتمع في غيرها من أعمال القلوب والألسن والجوارح فرضاً ونفلاً، فالصلاة الكاملة يحصل بها من النور الإلهي في القلب ما لا يعبر عنه. قيل: ويمكن حمل النور على جميع ما تقدم من حقيقة اللفظ ومجازه على قاعدة الشافعي (والصدقة برهان) أي: حجة على إيمان مؤديها، وقيل: على أنه لبس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، وقيل: على حبه ورسوله فإنه آثر رضاهما على المال الذي جبل على حبه، وقيل: برهان له يوم القيامة إذا سئل عن ماله فيم أنفقه؟ يقول تصدقت به وقال صاحب «التحرير» : يجوز أن المتصدق يوسم يوم القيامة بسيمى يعرف بها فتكون برهاناً له على حال ولا يسأل عن مصرف ماله، وأيد بحديث أبي داود عن عقبةبن عامر مرفوعاً «كل امرىء في ظلّ صدقته يوم القيامة حتى يقضي بين الناس» فيكون هذا الظل برهاناً على صدق إيمانه أو على إخلاصه (والصبر ضياء) قيل: المراد هنا بالصبر الأعم من الصبر على طاعة الله وعن معصيته

وعلى المكاره ومنه الصوم، وقيل: المراد به صبر خاص وهو الصوم ورجحه صاحب «مطالع الأنوار» بأنه صرح به في رواية ورجحه غيره باقترانه بالصلاة والصدقة فكشفها وبين خصوصياتها وأن من استجمعها حصل له نور في (بياض) انتشر له ضياء وهو من الإضاءة انتشار النور، وهذا أكمل أحوال النور قال تعالى:

{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} (يونس: ٥) وقال القرطبي، إن فسر الصبر بالصوم فالضياء النور وإن اختلف لفظهما. وإن فسر بالأعمّ فهو إضاءة عواقب الأحوال وحسنها في المآل اهـ.

قال الفاكهاني، ولم أر من فرق بين الضياء والنور، وقد فسر صاحب الصحاح النور بالضياء والضياء بالنور وردّ بأن كون الضياء هو النور، لأنه خصوصية في النور وزائد عليه وأبلغ منه. قال والحاصل أن النور الحادث قد يخلق كامل الضياء كالشمس ودون ذلك كالقمر، وإنما سوّى القرطبي بينهما لئلا يلزم تفضيل الصوم على الصلاة، وليس بلازم لأن مناط الفضل ليس منحصراً بل له أسباب كثيرة واعتبارات متنوعة، فيكون المفضول فاضلاً في وقت وبالعكس اهـ (وللقرآن) أي:

كلام الله المنزل على حبيبه بقصد الإعجاز المتعبد بتلاوته (حجة لك) إن امتثلث أوامره واجتنبت نواهيه فتحتج به في المواقف التي تسأل فيها عنه كمسائل الملكين في القبر وكالمسألة عند الميزان وعند الصراط (أو) حجة (عليك) إن لم تمتثل أوامره ولم تجتنب نواهيه، وقيل: حجة لك في الدنيا وعلى المطالب الشرعية والأحكام، أو حجة عليك لخصمك المحق، فالمرجع إليه عند التنازع، وهو دال على اتباع السنة وهي على حجية القياس والكتاب والسنة دالان على حجية الإجماع فصار القرآن مرجع جميع الأحكام لكن بواسطة تارة، وبغيرها أخرى.

قال الفاكهاني: والأول أظهر. وقال العلائي: والآثار شاهدة به، ثم ساق أحاديث: منها للبيهقي بسند غريب عن جابر مرفوعاً «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعلة خلفه ساقه إلى النار» ومنها عن أبي أمامة مرفوعاً «أقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة. قال العلائي بعد إيراده حملة من الأحاديث: ورجح الزملكاني القول بذلك لهذه الآثار/ والحمل على مقتضى القولين أولى تكثيراً للفائدة. ثم لما بين فضل هذه القربات ورغب فيها وكان إعمال النفس لها يقتضي سعياً أتبع ذلك بأن أحداً لا يترك نفسه هملاً باطلة بل لا بد له من عمل يغدو له فقال: (كل الناس يغدو) أي: يبكر في مصالحه (فبائع نفسه) من الله (فمعتقها) من العذاب، وناهيك بها صفة اغتنام، إذ كان الثمن فيها دار السلام، والنظر إلى وجه الملك العلام. قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة: ١١١) الآية.

وهؤلاء سعوا في خلاص نفوسهم وتوجهوا بقلبهم إلى ربهم وطلب ما عنده (أو) بائع نفسه لغير ربه من هواه أو الشيطان، فهو (موبقها) أي: مهلكها بالطرد عن ساحة الرضوان، وبالبعد والحرمان، نعوذ با من سخطه وأليم عقابه، ويحتمل أن يكون المراد ببائع مشتر: أي كلهم يسعى، فمنهم من يشتري نفسه بالأعمال الصالحة فيعتقها من العذاب، ومنهم من يعرضها للعذاب باكتساب المآثم فيوبقها. ورجح بأن نفسه ليست ملكه فيبيعها بل مملوكة مرتهنة بأعمالها حتى يخلصها. واختار القاضي عياض حمله على المعنيين: أي: من اشتراها بالأعمال الصالحة أعتقها، ومن باعها في الأعمال السيئة أوبقها، كما قيل في {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} (البقرة: ١٠٢) وهذا على قاعدة الشافعي في حمل

المشترك على معنييه، ورد كل جملة إلى معنى، وهو نوع من الإيجاز بديع عند أرباب البيان لخصت معظم ما ذكرته في هذا الحديث من شرحه فقط للعلامة العلائي (رواه مسلم) ورواه أحمد والدارمي في «مسنده» وأبو عوانة في «صحيحه» والترمذي في «الدعوات» من جامعه، وقال إنه حسن صحيح، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وسها ابن عساكر وتبعه المزي فأغفلا في أطرافهما عن عزو هذا الحديث للترمذي، وأخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» . ووقع في رواية أبي سلام عن أبي مالك الأشعري اختلاف. فمن ذكرناهم رووه عنه أبي مالك بلا واسطة، ورواه ابن ماجه وآخرون عنه عن عبد الرحمنبن غنم عن أبي مالك.

قال الحافظ السخاوي في «تخريج الأربعين» للمصنف بعد كلام طويل نقله في ذلك عن شيخه الحافظ: وبالجملة فالطريق الأولى: أعني كون أبي سلام سمعه من كل منهما، وكون الصحابي في الطريقين واحداً أولى.

٢٦٢ - (وعن أبي سعيد سعدبن مالكبن سنان الخدري رضي الله عنه) الأولى عنهما لما سبق في ترجمته في باب التوبة من أنه وأباه كانا صحابيين (أن ناساً) في «تفسير البيضاوي» أصله أناس لقولهم إنسان وإنس وأناسي، فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذا لا يكاد يجمع بينهما، مأخوذ من أنس بوزن فرح لأنهم يستأنسون بأمثالهم، أو من آنس لأنهم ظاهرون مبصرون اهـ. وقيل: مقلوب نسي، وقيل مأخوذ من ناس ينوس إذا اضطرب وتحرك. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن النسائي روي عن أبي سعيد ما يدل على أنه منهم، وذلك أنه قال: «سرحتني أمي إلى النبي، يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه ا» الحديث. وزاد فيه «من سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت:

ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله» اهـ (من الأنصار) بفتح الهمزة اسم إسلامي علم بالغلبة على أولاد الأوس والخزرج سموا به لنصرتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (سألوا رسول الله) حذف المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض به (فأعطاهم) أي: عقب سؤالهم ولم يتوان لما جبل عليه من مكارم الأخلاق والسماحة (ثم سألوه فأعطاهم) فتكرر منهم السؤال مرتين ومنه الإعطاء عقب كل مرة (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة، ففي الصحاح نفد الشيء ينفد نفاداً: فنى (ما عنده) أي: ذهب بالإنفاق جميع ما عنده (فقال) عقب نفاده تنفيراً لهم من الاستكثار مما زاد على الحاجة من الدنيا، وتحريضاً على القناعة، وحثاً على الاستعفاف. واللام في (لهم) هي لام المبالغة (حين أنفق) هو مختص بإخراج الشيء في الخير (كل شيء) معدّ للإنفاق كائن (بيده: ما يكن) كذا هو بالجزم فيما وقفت عليه من نسخ مصححة من الرياض وهو كذلك في أصل مصحح عندي من «صحيح مسلم» فتكون ما شرطية، وفي البخاري «ما يكون» بالرفع، قال الشيخ زكريا: فما موصول متضمن معنى الشرط، وجوابه على الوجهين قوله:

«فلن أدخره» (عندي من) بيانية (خير فلن أدخره) بتشديد الدال المهملة، وجاء إعجامها مدغماً وغير مدغم، وأصله ادتخر فقلبت التاء دالاً على اللغة الأولى وذالاً على اللغة الثانية، والمعنى: لا أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً (عنكم) أو فلا أخبؤه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفك الإدغام فالفعل مجزوم بالسكون لفظاً: أي من طلب العفة عن سؤال الناس والاستشراف إلى ما في أيديهم (يعفه ا) أي: يرزقه العفة فيصير عفيفاً قنوعاً. وفي «النهاية» : وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء، يقال عفّ يعف عفة فهو عفيف، وهو بفتح الفاء لأنها أخف الحركات، أو بكسرها لأنها اوصل في التخلص من التقاء الساكنين (ومن يستغن) أي: يظهر الغناء بالتعفف عما في أيدي الناس (يغنه ا) أي: يجعله غنيّ النفس ولا غناء لا غناؤها (ومن يتصبر) أي: يتكلف الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا بأن يتجرّع مرارة ذلك ولا يشكو لغير مولاه (يصبره ا) أي: يعطه من حقائق الصبر الموصلة للرضى ما يهوّن عليه كل مشق ومكدّر؛ ولشرف مقام الصبر وعلوه، لأنه جامع لمكارم الأخلاق ومعالي الصفات فلا ينال شيئاً منها إلا من تحلى به، عقبه بقوله: (وما أعطي أحد عطاء) مفعول ثان لأعطى: أي ما أعطي أحد من

خلق ولا مقام (خيراً) كذا هو بالنصب في النسخ، وفي البخاري: هو خير، وفي مسلم: خير، بحذف هو في رواية، وفي رواية بنصب خير (وأوسع من الصبر) .

قال الشيخ زكريا: خيراً هنا ليس بأفعل تفضيل بل هو كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقرّاً} (الفرقان: ٢٤) اهـ. ومعنى كونه أوسع: أن به تتسع المعارف والمشاهد والمقاصد. فإن قلت: مقام الرضى أفضل منه كما صرحوا به. قلت: هو غايته لأنه لا يعتد به إلا معه فليس أجنبياً عنه، إذ الصبر من غير رضى مقام ناقص جداً (متفق عليه) وكذا أخرجه أصحاب «السنن الأربع» ، وزاد رزين «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه» وهذه الزيادة أخرجها مسلم والترمذي من رواية عمروبن العاص كذا في «التيسير» للديبع.

٢٧٣ - (وعن أبي يحيى صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة فموحدة (ابن سنان) بكسر المهملة ونونين بينهما ألف ابن مالكبن عمروبن عقيلبن عامربن جندلةبن جذيمةبن كعببن سعدبن أسلمبن أوس مناةبن النمربن قاسطبن هنساءبن أفصىبن دعمى ابن جديلةبن أسدبن ربيعةبن نزار الربعي النمري. كذا نسبه الكلبي وأبو نعيم، وصدّر به ابن الأثير في «أسد الغابة» ثم حكى في نسبه قولين آخرين. كناه بأبي يحيى، وإنما قيل له الرومي لأن الروم سبوه صغيراً فابتاعه منهم كلبي، ثم قدموا به مكة فشراه عبد الله ابن جدعان منهم فأعتقه وأقام معه إلى أن هلك عبد الله. وقيل: إنه هرب من الروم لما كبر وعقل فقدم مكة وحالف ابن جدعان، ولما بعث النبيّ أسلم، وكان من السابقين إلى الإسلام. قال الواقدي: أسلم هو وعمار في يوم واحد وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا، وقدم المدينة مع عليّبن أبي طالب في النصف من ربيع الأول، والنبيّ في قباء لم يرم: أي لم يبرح من مكانه بعد، وآخى النبيّ بينه وبين الحارثبن الصمة، شهد المشاهد كلها مع النبي. وعن أنس مرفوعاً «السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق

فارس، وبلال سابق الحبش «وكان عمر محباً لصهيب حسن الظن به، حتى إنه لما ضرب أوصى أن يصلي عليه صهيب وأن يصلي بالمسلمين حتى يتفق أهل الثوري على شخص، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون حديثاً، أخرج له مسلم ثلاثة أحاديث، ولم يخرّج له البخاري شيئاً. توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين ودفن بالمدينة (رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: عجباً) مفعول مطلق: أي أعجب عجباً وتعجب ابن آدم من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه كما في «النهاية» (لأمر المؤمن) أي: الكامل، وهو العالم با الراضي بأحكامه العامل على تصديق موعوده (إن أمره) أي: شأنه (كله) بالنصب

تأكيد، وبالرفع مبتدأ خبره (له خير) والجملة خبر إن (وليس ذلك) الخبر في كل شأن (لأحد إلا المؤمن) الكامل، ووضع الظاهر موضع المضمر دفعاً للوهم وليشعر بالعلية: أي إن إيمانه الكامل سبب خيريته في كل حال (إن أصابته سرّاء) بفتح السين وتشديد الراء المهملتين: أي ما يسرّه (شكر) أي: عرف قدر نعمة مولاه فشكره (فكان) شكره (خيراً له) من السراء التي نالها لكونه ثواباً أخرويا (وإن أصابته ضرّاء) أي: ما يضرّه في بدنه أو ما يتعلق به من أهل أو ولد أو مال (صبر) واحتسب ذلك عند الله رجاء ثوابه ورضي به نظراً لكونه فعل مولاه الذي هو أرحم به (فكان) صبره في الضراء (خيراً له) لأنه حصل له بذلك خير الدارين، أما غير كامل الإيمان فإنه يتضجر ويتسخط من المصيبة فيجتمع عليه نصبها ووزر سخطه، ولا يعرف للنعمة قدرها فلا يقوم بحقها ولا يشكرها، فتنقلب النعمة في حقه نقمة وينعكس عليه الحال، نعوذ با من النقصان بعد الزيادة، ومن الحور بعد الكور (رواه مسلم) وكذا رواه الإمام أحمد من حديث صهيب أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

٢٨٤ - (وعن أنس رضي الله عنه) تقدمت ترجمته (قال: لما ثقل النبيّ) بضم القاف من شدة المرض، ورواه الديبع في «التيسير» بلفظ «لما احتضر» بالبناء للمجهول من الاختصار، لكن في أصله «جامع الأصول» كما هنا، ولعل ما عند الديبع لفظ النسائي (جعل) من أفعال الشروع (يتغشاه) أي: يغشاه (الكرب) على وزن الضرب، أي: الشدة من سكرات الموت لعلو درجته وشرف رتبته. وفي الحديث «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وقد أفرد بعض العارفين في هذا المعنى مؤلفاً سماه (القول الأجلّ، في حكمة كرب المصطقى عند حلول الأجل) وقد أوردته بجملته في «شرح الأذكار» (فقالت فاطمة رضي الله عنها: وا) للندبة (كرب أبتاه) قالته لما رأته حل به فتألم قلبها وباح بما فيه لسانها مع كمال صبرها ورضاها يفعل ربها/ ومثل ذلك لا يقدح في الكمال.

ففي الحديث «العين تدمع، والقلب يجزع، ولا نقول إلا ما يرضي الرّب» وهذا محمول على أنها لم ترفع صوتها بذلك، وإلا لكان ينهاها، ثم عند النسائي عن ثابت بدل «واكرب أبتاه» واكرباه، والأوّل أصوب لقوله في نفس الخبر (فقال) أي: النبي (ليس على أبيك) أي: بالمظهر إيماء إلى أن سبب صدور ما تقدم من السيدة فاطمة هو البعضية، وكونه أصلاً لها (كرب بعد اليوم) أي: لا يصيبه نصب ولا وصب يجد له ألماً بعد اليوم لأنه ينتقل من دار الأكدار إلى دار الآخرة والسلامة الدائمة، إلى ما لا يعلم بأدناه من العطايا السنية والمراتب العلية فضلاً عن أعلاه، إلا من منحه وأولاه، وقد ورد «لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه» فكيف بسيد السادات. فقد انتقل لمحل قرة عينه وراحة نفسه ودوام أنسه (فلما مات قالت) فاطمة (يا) حرف ندبة (أبتاه) بإسكان الهاء وأصله يا أبي فأبدلت الفوقية من التحتية لأنهما من الحروف الزوائد، والألف هي التي تلحق آخر الاسم عند الندبة وكذا الهاء وتسمى هاء السكت لحقت آخر المندوب للموقف عليها، ورأيته بضم الهاء في نسخ الرياض ولم يظهر لي وجهه لأن الهاء تلحق المندوب إلا في الوقف وهي فيه ساكنة وتحذف وصلاً، فالظاهر أن

الضبط المذكور من بعض الكتاب (أجاب رباً دعاه إلى لقاه يا أبتاه من) أي: الذي، وحكى الطيبي عن نسخة من المصابيح كسر الميم على أنها حرف جر، والأول أولى، وفي نسخة من الرياض حذف من (جنة الفردوس) مبتدأ. والفردوس بستان يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات، قيل: وهي رومية معربة، كذا في «تحفة القارىء» . وفي «الجامع الصغير» حديث «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سرّ الجنة» رواه الطبراني عن العرباض مرفوعاً.l والسرّ بالضم: الوسط، بمعنى الخيار لما في حديث آخر عند البخاري في كتاب الجهاد «إنه وسط الجنة، وإنه أعلى الجنة، وإن سقفه عرش الرحمن» وخبر المبتدإ قوله: (مأواه) أي: منزله، وعلى كسر الميم فهو مبتدأ خبره الظرف

قبله (يا أبتاه إلى جبريل) بكسر الجيم والراء وإسكان الموحدة والتحتية بعدها لام. وهو اسم عبراني، قيل: معناه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله. وفي جبريل أحد عشر لغة ذكرتها في أوائل «شرح الأذكار» . والظرف متعلق بقوله: (ننعاه) أي: نرفع خبره إليه لأن الإنسان يذكر ما ينزل به من الأحوال لأصحابه على وجه الإخبار عما نزل. ولا يضر في الكمال إذا لم يكن فيه تسخط من القدر الإلهي ولا تجزع بحال.

قال العلقمي نقلاً عن الحافظ: زاد الطبراني في هذا الحديث «يا أبتاه من ربه ما أدناه» . ويأخذ من الحديث جواز التوجع للميت عند احتضاره مثل قول فاطمة «واكرب أبتاه» وأنه ليس من النياحة، لأنه أقرها على ذلك. وأما قولها بعد أن قبض «وا أبتاه» إلخ، فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفاً بها لا يمنع ذكره بها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهراً وهو في الباطن بخلاف ذلك، أو لا يتحقق اتصافه بها فيدخل المنع اهـ. (فلما دفن) بالبناء للمجهول (قالت فاطمة رضي الله عنها) جملة دعائية مستأنفة، وعبر عنه بالماضي تفاؤلاً بتحققه، وأعاد ذكرها لطول الكلام بينه وبين ذكرها أو لا،. ونظيره قوله تعالى: {أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون} (المؤمنون: ٣٥) (يا أنس أطابت أنفسكم) وعند الديبع: كيف طابت أنفسكم (أن تحثوا) أي: بأن تحثوا (على) قبر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب) قال الحافظ: أشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك لأنه يدل على خلاف ما عرفته فيهم من رقة قلوبهم وشدة محبتهم له، وسكت أنس عن جوابها

رعاية لها، ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا أنا قهرنا على فعله امتثالاً لأمره اهـ. وروي أنها أنشدت:

ماذا على من شم تربة أحمد

ألا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علىّ مصائب لو أنها

صبت على الأيام عدن لياليا

(رواه البخاري) في آخر «المغازي» من صحيحه، وكذا رواه النسائي وابن ماجه في «الجنائز» ، وأخرجه ابن ماجه أيضاً والترمذي في «الشمائل» بلفظ «لما وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة: واكرب أبتاه» الحديث كذا في الأطراف. ومناسبة إيراده في باب الصبر صبره على ما هو فيه من سكرات الموت وشدائده، ورضاه بذلك وتسكين ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: لا كرب على أبيك بعد اليوم: أي: أي فهذا التعب الشديد يحتمل لقصر زمانه، بل هو محبوب لكونه فعل الله سبحانه ولما يترتب عليه من الوصول إلى منازل الأحباب ونزل الكريم التي أعدها لنبيه، فلا يعلم أدناها فضلاً عن أعلاها غير من أولاه إياها.

٢٩٥ - (وعن أبي زيد) وقيل: كنيته أبو محمد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة (أسامة) بضم الهمزة بعدها سين مهملة (ابن زيدبن حارثة) بمهملتين بينهما ألف وبعد الثانية مثلثة ابن شراحيلبن كعببن عبد العزيزبن زيدبن امرىء القيسبن عامربن النعمانبن عامربن عبدودّبن كنانةبن بكربن عوفبن عذرةبن زيد اللاتبن رفيدةبن ثوربن كلب، الكلبي نسباً، الهاشمي ولاء كما قال المصنف (مولى رسول الله) ولاء عتاقة منه على أبيه، وسرى منه لابنه (وحبه وابن حبه) بكسر الحاء فيهما: أي حبيبه. في «الصحاح» الحب: الحبيب مثل خدن وخدين اهـ. روى ابن عبد البرّ أن النبي قال: «إن أسامة لأحبّ الناس إليّ، أو من أحبّ الناس إليّ، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيراً» وفي «أسد الغابة» أن عمر رضي الله عنه لما فرض للعطاء جعل لابنه عبد الله ألفين ولأسامة خمسة آلاف، فقال له في ذلك عبد الله، فقال عمر: فضلته لأنه كان أحبّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، وكان أبوه أحب إليه من أبيك، زاد صاحب «الشفاء» : فقدمت حبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رضي الله عنهما)

الأولى رضي الله عنه لأن حارثة والد زيد صحابي أيضاً. وفي «أسد الغابة» : روى أسامةبن زيدبن حارثة «أن النبي دعا حارثة إلى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» أخرجه ابن منده وأبو نعيم اهـ. وأم أسامة هي بركة الحبشية أم أيمن مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاضنته، فأيمن أخو أسامة لأمه، وأمرّ أسامة على جيش فيهم عمربن الخطاب وأمره بالمسير إلى الشام فلما اشتد المرض بالنبي أوصى أن يسير جيش أسامة، فساروا بعد موته وقول ابن منده: إن النبي أمر أسامة في غزوة مؤتة غلط. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة وثمانية وعشرون حديثاً، أخرج له منها في «الصحيحين» سبعة عشرة حديثاً اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين. توفي بالجرف بعد قتل عثمان وحمل إلى

المدينة. قال أبو عمر: الأصح عندي أنه توفي في سنة أربع وخمسين/ وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين (قال) أسامة (أرسلت بنت رسول الله) هي زينب، عن أبي العاص الربيع، كما قال في مصنف ابن أبي شيبة إليه (أن ابني) الذي استظهره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وقال إنه الصواب أن المراد منه أمامة بنت زينب، كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند الحديث المذكور عند البخاري ولفظه: أتى النبيّ بأمامة بنت زينب. ولا يشكل عليه أن أمامة عاشت بعده حتى تزوجها عليّبن أبي طالب وقتل معها، لأنه ليس في حديث الباب ما يدل على أنها قبضت حينئذٍ.

قال الحافظ ابن حجر: ولعل الله أكرم نبيه لامتثاله لأمر ربه وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته في ذلك الوقت فعاشت تلك المدة، وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوّة اهـ. وعلى كونه صبياً ذكراً فيحتمل أنه ولد زينب، واسمه عليّ، أبو عبد اابن عثمانبن رقية، أو محسنابن عليبن فاطمة. قال الحافظ: وهذا أعني تقدير كونه ذكراً أقرب (قد احتضر) بالبناء للمجهول: أي حضرته مقدمات الموت (فأشهدنا) أي: أحضرنا (فأرسل يقرىء السلام) بضم أوله وهو مهموز والجملة المضارعية حال من فاعل أرسل (ويقول: إن ما أخذ) فلا ينبغي الجزع من أخذه لأن صاحب الحق إذا أخذ حقه لا يجزع منه، وقدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخراً في الواقع اهتماماً بما يقتضيه المقام (وله ما أعطى) يعني أن الله تعالى إذا أعطى عباده شيئاً فلا يخرج بذلك الإعطاء عن ملكه بل هو باق عليه، بخلاف إعطاء المخلوق لمثله. قيل: ويحتمل أن يراد بقوله: «ما أعطى» ما أعطاه من الثواب على المصيبة أو الحياة لمن بقي بعد الموت، أو ما هو أعم

من ذلك، و «ما» في الموضعين مصدرية: أي: الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولاً اسمياً فيكون العائد محذوفاً: أي: ما أخذه وما أعطاه (وكل شيء) بالرفع جملة ابتدائية معطوفة على الجملة قبلها، ويجوز النصب عطفاً على اسم إن فيستحب التأكيد عليه، وقوله كل شيء: أي: من الأخذ والإعطاء أو الأنفس أو ما هو أعم من ذلك (عنده) والراد منه عندية العلم مجازاً للملازمة بينهما (بأجل مسمى) أي: معلوم مقدر فمحال أن يتقدم عليه أو يتأخر عنه. والأجل يطلق على الجزء الأخير، وعلى مجموع العمر (فلتصبر) على مقادير الله (ولتحتسب) أي: تنو بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح (فأرسلت إليه) أي: عقب مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها كما يدل عليه العطف بالفاء التعقيبية (تقسم عليه ليأتينها) جاء في حديث عبد الرحمنبن

عوف: أنها راجعته مرتين وأنه قام في ثالث مرة وكأنها ألحت في ذلك لما ترجوه من دفع ما تجده من الألم عند حضوره بركة حضوره، وقد حقق الله رجاءها، وكان امتناعه أولاً للمبالغة في إظهار التسليم لأمرالله، ولبيان الجواز في أن من دعي لمثل ذلك لا تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة (فقام ومعه سعدبن عبادة ومعاذبن جبل وأُبيّبن كعب وزيدبن ثابت ورجال رضي الله عنهم) الجملة حال من فاعل قام، وجملة رضي الله عنهم مستأنفة، وقد سمي منهم غير من ذكر في غير هذه الرواية: عبادةبن الصامت وأسامة راوي الحديث وعبد الرحمنبن عوف (فرفع) بالراء مبني للمجهول، وفي الكلام حذف دلّ عليه المقام، إذ تقدير الكلام: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها واستأذنوا فأذن لهم فدخلوا فرفع (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبيّ فأقعده) أي: وضعه (في حجره) بفتح الحاء وكسرها وسكون الجيم: الحضن (ونفسه تقعقع) بفتح التاء والقافين/ أي: تضطرب وتتحرّك زاد في رواية للبخاري «كأنها شنّ» وفي لفظ آخر «كأنها في شنة» (ففاضت عيناه) أي: النبيّ، وجاء التصريح في رواية شعبة (فقال سعد) أي: ابن عبادة مستبعداً ما رآه منه

لما يعلمه من عادته من مقاومة المصيبة بالصبر عليها ووقع عند ابن ماجه «فقال عبادةبن الصامت» والصواب ما في «الصحيح» إن ما أخذ بالترجيح وإلا فلا منافاة، لإمكان صدوره من كل منهما (يا رسول الله ما هذا) أي: فيض الدمع، وجاء في رواية «قال سعدبن عبادة أتبكي؟» زاد أبو نعيم في «المستخرج» : «وتنهي عن البكاء» (فقال) (هذه) أي: الدمعة أثر (رحمة جعلها الله في قلوب عباده) أي: بعض عباده بدليل قوله: وفي رواية «قلوب من شاء من عباده» أي: ومثل هذا الفيضان الناشيء عن حزن القلب من غير تعمد من صاحبه ولا استدعاء لا مؤاخذة عليه فيه، إنما النهي عن الجزع وعدم الصبر، أو عما كان مع نوح أو ندب (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) بالنصب على أن «ما» في إنما كافة وبالرفع على

أنها موصولة، والرحماء جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، وقضيته أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة الكاملة، بخلاف من فيه رحمة ما، لكن قضية خبر أبي داود وغيره «الراحمون يرحمهم الرحمن» أنها تشمل كل من فيه رحمة ما، إذا الراحمون جمع راحم، وهذا هو الأوجه، وإنما بولغ في الأول لأن القصد به الرد على من استبعد جواز فيض الدمع، ولأن لفظ الجلالة فيه دلّ على العظمة فناسب فيه التعظيم والمبالغة، ولما كان الرحمن يدل على المبالغة في العفو ذكر مع كل ذي رحمة وإن قلت، قاله ابن الجوفي (متفق عليه) في الديبع بعد إخراج الحديث إلى قوله: «ولتحتسب» ما لفظه أخرجه الخمسة إلا الترمذي (ومعنى تقعقع) بفتح الفوقية والقافين، مضارع حذفت إحدى تاءية تخفيفاً (تتحرك وتضطرب) والقعقعة: حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك.

٣٠٦ - (وعن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية مصغر، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في الحديث الثاني من أحاديث الباب (أن) بفتح الهمزة، هي ومدخولها في

تأويل مصدر مبتدأ خبره الظرف قبله: أي: عن صهيب قول رسولالله، ويجوز الكسر على إضمار القول: أي أروي عن صهيب حال كونه قائلاً إن (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كان ملك) بكسر اللام، أي: ذو ملك بضم الميم (فيمن كان قبلكم) من الأمم السابقة (وكان له ساحر) وعند الترمذي «كان لبعض الملوك كاهن يتكهن له» أي: والروايات يفسر بعضها بعضا (فلما كبر) بكسر الموحدة: أي كبرت سنه، أما كبر بضم الموحدة ففي القدر قال تعالى: {كَبُرَت كلمة} (الكهف: ٥) (قال للملك إني قد كبرت فابعث) أي: أرسل (إليّ غلاماً) زاد في رواية الترمذي «فهماً» أو قال: «فطناً» نعتان. والغلام لغة: الصبي من الفطام إلى البلوغ (أعلمه السحر) جملة مستأنفة جواباً للسؤال المقدر، وهو: ما تفعل به؟ وعند الترمذي «أعلمه علمي فإني أخاف أن أموت وينقطع عنكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه، قال: فنظروا له على ما وصف» (فبعث إليه غلاماً يعلمه) ذكر القرطبي في «التفسير» أنّ الضحاك روى عن ابن عباس كان ملك بنجران وفي رعيته رجل له ابن/ واسم الغلام عبد ابن تامر، ثم ساق القصة بنحو ما عند مسلم (وكان في طريقه) أي: الغلام (إذا سلك) إلى الساحر (راهب) هو المتعبد من النصارى المتخلي من أشغال الدنيا التارك لملاذها بالزهد فيها الصابر على مشاقها المعتزل عن أهلها (فقعد) الغلام (إليه) أي: إلى الراهب (وسمع كلامه فأعجبه) زاد الضحاك في روايته «فدخل في دين الراهب» .

وعند الترمذي «فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب عن معبوده كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال إني أعبد ا» (وكان) الغلام (إذا أتى) أي: أراد أن يصل (إلى الساحر مر بالراهب) لكونه في طريقه (وقعد إليه) لمحبته لنهجه (فإذا أتى الساحر) ووصل إليه (ضربه) وعند الترمذي «أن الكاهن أرسل إلى أهل

الغلام إنه لا يكاد يحضرني» (فشكا ذلك إلى الراهب فقال) أي: الراهب (إذا خشيت الساحر) لتخلفك عندي في الذهاب إليه (فقل حبسني) أي: منعني (أهلي) أي: شغلهم، وجوّز ذلك إن قيل بإسلامه واستقامته، لأنه رأى أن مصلحة تخلفه عنده تزيد على مفسدة تلك الكذبة، فهو نظير الكذب لإصلاح الخصمين، أو أنه من باب الكذب لإنقاذ المحترم من التعدي عليه بالضرب (وإذا خشيت أهلك) لتخلفك عندي في العودة من عند الساحر (فقل حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك) المذكور من التردد بين الرجلين (إذ أتى على دابة عظيمة) عند الترمذي قال بعضهم إن تلك الدابة كانت أسداً (قد حبست الناس) أي: منعتهم من المرور لخوفهم من صولتها (فقال) الغلام (اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟) أي: ينكشف لي ذلك (فأخذ) الغلام (حجراً فقال اللهم إن كان أمر الراهب) أي: ما هو فيه من الشئون والأمور (أحب إليك من أمر) أي: حال وشأن (الساحر فاقتل هذه الدابة) أي: عقب وصول الحجر إليها، ليكون ذلك آية على أحبية الراهب عندك، وقوله: (حتى يمضي الناس) يصح أن يكون غاية مترتبة على السؤال وأن يكون علة له (فرماها) الغلام (فقتلها) بتلك الرمية، وإسناد القتل إليه مجاز عقلي لكونه السبب الصوري في ذلك والفاعل حقيقة هو الله سبحانه وتعالى.

وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء، وإهانة أعداء الله الأغبياء (ومضى الناس) أي: انطلقت ألسنتهم بالثناء عليه بالعلم. وعند الترمذي «ففزع الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد» . ويحتمل أن يكون المراد فمضي الناس في تلك السبيل لزوال المانع من سلوكها (فأتى) الغلام (الراهب فأخبره) فيه وفيما بعده من جهة حكايته له وعدم إنكاره أنه لا بأس بذكر الإنسان مفاخره وحمد الناس له والثناء عليه بحضوره إذا لم يترتب عليه فتنة من نحو عجب (فقال له الراهب أي نبيّ أنت اليوم) المراد منه الحين كما في يومئذٍ (أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى) أي: من كمال اليقين وصدق الاعتقاد، وقوله: «قد بلغ إلخ» كالتعليل لما قبله (وإنك ستبتلى) بالبناء للمجهول، ثم يحتمل أن يكون هذا منه بطريق الكشف فيكون كرامة، أو بطريق الفراسة، أو بطريق العادة والتجربة، إذ من خالف الناس في منهجهم ابتلوه وآذوه (فإن

ابتليت) بالبناء للمجهول، وأتى بحرف الشك ثانياً مع تحقيقه ذلك أوّلاً وتأكيده لأن ذلك بحسب ما قام عنده مما يقتضي وقوع ذلك حتى جزم به وأخبر عما عنده منه، وما هنا باعتبار الواقع وما يبرز في عالم الشهادة: فإن الفراسة قد تخطىء، والتجربة قد تتخلف، والكشف قد يعارض، أو قصد به التخفيف عن الغلام فلا يخاطبه بجملتين تدلان يقيناً على الابتلاء لئلا يصير في الكرب قبل حلول البلاء (فلا تدل) بضم المهملة (عليّ) بتشديد الياء (وكان) أي: صار (الغلام يبرىء الأكمه) أي: يحصل البرء عقب علاجه فالإسناد إليه مجاز عقلي، والأكمه بفتح الهمزة وسكون الكاف: هو الذي ولد أعمى (والأبرص) أي: من وقع به البرص داء معروف (ويداوي الناس من سائر) أي: جميع (الأدواء) أي: الأمراض والأسقام جمع داء والجملة معطوفة على «يبرىء» الخ، عطف عام على خاص، وخصا بالذكر لأنهما داءا إعياء (فسمع) أي: به وهي ثابتة في الحديث في نسخة مصححة من التيسير للدبيع غير أني لم أر ذلك في أصله

«جامع الأصول» فلعله من الكتاب (جليس للملك كان قد عمي فأتاه) أي: فأتى الجليس الغلام (بهدايا كثيرة، فقال) الجليس (ما) أي: الذي (هاهنا) أي: في هذا المكان من الهدايا كائن (لك أجمع) تأكيداً لما أو للضمير المنتقل للظرف المستقرّ، وما مبتدأ خبره لك، وهاهنا صلة الموصول، ورواه الديبع بلفظ «هي لك» ولعل نسخته من مسلم كانت كذلك (إن أنت شفيتني) أي: إن شفيتني أنت لا غيرك كما يؤذن به المقام، فإن شرطية وفعل الشرط محذوف ولما حذف انفصل الضمير المتصل به، وقوله: «شفيتني» تفسير لفعل الشرط المحذوف وجواب الشرط محذوف لدلالة سابق الكلام عليه، أي: إن شفيتني فلك جميع ما هاهنا (فقال) الغلام (إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى) بفتح حرف المضارعة فيهما، والجملة الثانية مؤكدة لمضمون ما قبلها: أي إذا كان لا يشفي أحد إلا الله فلا أشفي أحداً، إذ لا شفاء إلا شفاؤه سبحانه وحذف المفعول من يشفي لعدم تعلق الغرض به نحو: زيد يعطي ويمنع، لبيان أنه يقع منه هذان الصنفان من غير تعرض لبيان المعطي والممنوع، أو للتعميم (فإن آمنت با دعوت الله فشفاك) من عماك الحسي كما شفاك بالإيمان من عماك المعنوي (فآمن) أي: الجليس (با تعالى) عقب قول

الغلام لسبق العناية به، وليترتب عليه ما سبق ترتبه عليه في علم الله سبحانه (فشفاه ا) أي: حصل له الشفاء الموعود بترتبه على الإيمان ليزداد يقينه.

وزاد الترمذي «أنه أخذ عليه العهد إن رجع إليه بصره أن يؤمن بالذي رده عليه، فقال نعم، فدعا الله تعالى فردّ عليه بصره؛ فآمن الأعمى» وما في «الصحيح» مقدم على ما في غيره عند التعارض (فأتى) الجليس (الملك) بكسر اللام (فجلس) مفضياً (إليه) جلوساً (كما كان يجلس) أي: إن جلوسه بعد شفائه مماثل لجلوسه قبل حلول دائه (فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك) أي: إدراكك للمبصرات (قال ربي) أي: ردّه ربي، أو ربي ردّه، فالأول مراعاة للخبر، والثاني للمبتدإ (قال) يعني الملك (أو لك ربّ غيري؟) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري قبل العاطف: أي أو لك ربّ غيري (قال) يعني الجليس (ربي) أي: مالكي ومربيّ بألطافه (وربك) كذلك (ا) خبر عن قوله ربي، لأن المختلف فيه بينهما تعيينه ففيه قصر قلب (فأخذه فلم يزل) الملك (يعذبه) بتشديد الذال والتضعيف: إما باعتبار أنواع العذاب، أو باعتبار شدته وغلظه، ليدل على من علمه ما هو فيه (حتى) غائية (دل على الغلام فجيء بالغلام) أي: فأمر بالغلام فجيء به، وضع الظاهر موضع المضمر دفعاً لإيهامه أن المراد فأتي بالجليس (فقال له الملك أي بُنيّ) بضم الموحدة وفتح النون وكسر التحتية المشددة ويجوز فتحها أصله «بنيو» اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت في مثلها ثم أضيف للياء فاجتمعت ثلاثة ياءات فحذفت الثالثة تخفيفاً؛ وكسرت الثانية في لغة للدلالة على المحذوفة/ وفتحت وسكنت في أخرى تخفيفاً، قاله على سبيل التلطف به أو على ما جرت به العادة من مخاطبة الكبير للصغير (قد بلغ من سحرك ما) موصول اسمي أو نكرة موصوفة (تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل) كناية عن كثرة تصرفاته ومزيد أعماله، وفي نسخة: وتفعل ما تفعل (فقال: إني لا أشفي أحداً) رد لما يفهم من كلام الملك حيث نسب إليه إبراء المريض دون الله عز وجل، ثم أثبت الغلام ذلك وحده بقوله: (إنما يشفي الله تعالى) فهو قصر قلب وما كافة وإنما أداة

حصر على الصحيح كما تقرر في

«الأصول» (فأخذه) أي: أخذ الملك الصبيّ (فلم يزل يعذبه) ليدل على من علمه ما هو فيه (حتى) غائبة أي كان غاية تعذيبه أن (دله على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك) حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض، ودينه هو ما دل عليه كلامه وصرح به من عبادة الله عزّ وجلّ (فأبى) أي: امتنع أشد

الامتناع (فدعي بالمئشار) بالهمزة في رواية الأكثرين وهو الأفصح ويجوز تخفيف الهمزة وقلبها ياء، وروي «بالمنشار» بالنون لغتان صحيحتان، إذ يقال أشرت الخشبة ونشرتها (فوضع المنشار) بالبناء للمجهول (في مفرق رأسه) بكسر الراء: وسطه (فشقه حتى وقع شقه) على الأرض (ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى) أي: امتنع أشد امتناع (فوضع المئشار) بالهمزة وبالنون (في مفرق) بفتح الميم وكسر الراء: أي مكان فرق الشعر (رأسه فشقه) مستعيناً (به) أي: المنشار، واستمرّ يشقه (حتى وقع شقاه) بكسر الشين المعجمة: أي: جانباه على الأرض (ثم جيء بالغلام) ولعل تأخيره حتى يرى ما فعل بصاحبه فيرجع عما هو عليه (فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر) بفتح أوليه اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة: ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه (من أصحابه) أي: الملك: أي أتباعه وخدمه أو من أصحاب الغلام، ويؤيده قوله فيما يأتي: ما فعل أصحابك فقصد به زجرهم عن أن يقعوا فيما تسبب عنه عذابه (فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا) من ألفاظ الكنايات يكنى بها عن المجهول وعما لا يراد التصريح به قاله في «النهاية» (فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه) فاتركوه، بدليل (وإلا فاطرحوه) أي: وإلا يرجع فاطرحوه، فحذف فعل الشرط لدلالة سابق الكلام عليه (فذهبوا به فصعدوا) بكسر العين المهملة (به) أي: جعلوه صاعداً أو صعدوا بسببه أو معه (الجبل فقال) الغلام (اللهم اكفنيهم بما

شئت) أي: بمشيئتك، فما مصدرية أو

موصولة، أي: بالذي شئت من أنواع الكفاية إما بإهلاكهم أو بغيره (فرجف) بفتح أوليه الراء فالجيم: أي تحرك واضطرب (بهم الجبل) فسقطوا أي: بسبب اضطرابه: وفيه نصر من توكل على الله سبحانه وانتصر به وخرج عن حول نفسه وقواها (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه آية الله تعالى بنصر أهل دينه لينكشف عن قلبه حجب الغواية فيرجع إلى الإيمان (فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى) وحاق سوء فعلهم بهم (فدفعه إلى نفر) آخرين (من أصحابه، فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور) في النهاية هي السفينة العظيمة وجمعها قراقير (وتوسطوا به البحر) أي: ليبعد الغور فيتعذر الخلاص (فإن رجع عن دينه) فاتركوه (وإلا) أي: وإلا يرجع عنه (فاقذفوه) بكسر الذال المعجمة، أي: ارموه بقوّة (فذهبوا به) حتى بلغوا وسط البحر (فقال) الغلام (اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة) أي: انقلبت بهم (فغرقوا) يحتمل أنه كان معهم في القرقور فنجاته دونهم آية وهذا هو الأقرب/ ويحتمل أنه كان في قرقور آخر فغرق قرقورهم ونجا ما كان هو فيه (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه الآيات الكبرى المرّة بعد الأخرى ليبصر ضياء الإيمان، ولكن لا تبصر أعين العميان (فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فقال) الغلام (للملك: إنك لست بقاتلي) أي: في أي حال من الأحوال كما يقتضيه تأكيد النفي بزيادة الباء في الخبر (حتى تفعل) أي: إلا في حال أن تفعل (ما آمرك به، قال) الملك (ما هو) أي: أيّ شيء الأمر الذي تأمرني به (قال أن تجمع الناس في صعيد واحد) أي: أرض واحدة ومقام واحد (وتصلبني) بضم اللام من الصلب وهو تعليق الإنسان للقتل، وقيل: شد صلبه على خشبة، كذا في «مفردات الراغب» (على جذع) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: أي عود من أعواد النخل

وجمعه جذوع (ثم خذ سهماً من كنانتي) بكسر الكاف وبنونين بينهما ألف: بيت السهام (ثم ضع السهم في كبد) بفتح

فكسر، أو بفتح، أو كسر مع سكون للثاني فيهما: أي وسط (القوس ثم قل) أتى بثم لتفاوت منزلة ما بعدها وما قبلها، وهي قد تستعار لذلك كما في «الكشاف» في قوله تعالى:

{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} (البقرة: ١٩٩) وإلا فمقتضى المقام الإتيان بالفاء، لأن ذلك الذكر مطلوب منه عقب وضع السهم في كبد القوس بلا مهلة (باسم ا) .

قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الكتاب إنها تكتب في هذا وأمثاله بإثبات الألف بعد الموحدة. قال: وإنما تحذف إذا كانت البسملة بجملتها لكثرته كذلك فخفف بحذفها (ربّ الغلام) تمم به الغلام لئلا يوهم الملك الحاضرين أن الغلام أراد بقوله باسم الله معبود ذلك الملك أو الملك وإن كان لفظ الجلالة لم يسم به غير الله تعالى، ونظيره ما حكي عن السحرة {قالوا آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهرون} (الأعراف: ١٢١ - ١٢٢) وإلا فالجلالة أعرف الأسماء ومتعلق الأوصاف الحسنى (ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك) المذكور (قتلتني) إسناد القتل إليه مجاز عقلي: أتيت بما جعله الله سبباً لقتلي، وقصد الغلام من هذا الكلام إفشاء توحيد الله تعالى بين الناس وإظهار أن لا مؤثر في شيء سواه، ولم يفطن الملك لذلك لفرط غباوته (فجمع) الملك (الناس في صعيد) مقام (واحد وصلبه) الضمير المستكن يعود للملك والبارز للغلام (على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته) أي: كنانة الغلام (ثم وضع السهم في كبد) وتر (القوس، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام) أي: أرميه لأقتله (ثم رماه فوقع السهم في صدغه) بضم الصاد وسكون الدال المهملتين: هو ما بين العين إلى شحمة الأذن (فوضع) الغلام (يده في) أي على (صدغه) لتألمه من السهم (فمات، فقال الناس) لما رأوا الآية العظمى الشاهدة تعالى بالوحدانية وأنه الفاعل المختار ولا فاعل سواه وأنه هو الإله (آمنا برب الغلام، فأتى) بصيغة المجهول (الملك) أي: حين وقع

فيما حذر منه من توحيد الله تعالى والإيمان به (فقيل له

أرأيت) بفتح التاء: أي أخبرني (ما كنت تحذر) ما مبتدأ والجملة صلته والعائد محذوف أي تحذيره، والخبر (قد وا نزل بك حذرُك) أو ما كنت تحذر منه من إيمان الناس وقع بك، والفضل بين قد ومدخولها بالقسم للتأكيد والاهتمام الذي يقتضيه المقام (قد آمن الناس) تفسير للذي كان يحذر منه (فأمر) بالبناء للفاعل: أي الملك أو بالبناء للمفعول (بالأخدود) بضم الهمزة والدال المهملة الأولى وسكون المعجمة بينهما واو وبين الدالين (بأفواه السكك) الأفواه جمع فوه/ والسكك بكسر أوله المهمل وفتح ثانيه جمع سكة: وهي الطرق، والمراد من أفواهها أبوابها (فخدت) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة أي شقت الأخاديد (وأضرم) بالبناء للمجهول (فيها) أي: في الأخدود (النيران) جمع نار (وقال) أي: الملك (من لم يرجع عن دينه) أي: الإيمان الذي صار إليه (فأقحموه) بهمزة القطع: أي ألقوه كرهاً (فيها أو) شك من الراوي (قيل له) أي: لمن لم يرجع عن دينه (اقتحم) أي: النار فالمفعول محذوف، والمراد أنه شك هل أمرهم بإلقاء من أبى، أو بأمره أن يلقى نفسه فيها (ففعلوا) أي: ما أمروا به من الأخدود وما بعده، واستمروا كذلك (حتى جاءت امرأة ومعها صبيّ لها) أي: في غير أوان الكلام كما أشار إليه المصنف، وزاد أنه كان سنه أكبر من سن صاحب المهد وإن كان صغيراً.

قلت: جاء في رواية عند أبي قتيبة: أنه كان ابن سبعة أشهر، ولم يذكره صاحب «الابتهاج» .

وفي «المعراج» : ذكر ابن المشاطة وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم. وقال غيره: وقد تكلم في الصغر جماعة وبلغ عدّه لهم عشرة. ولا ينافي خبر «الصحيحين» لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة وذكر عيسى وصاحب جريج وابن المرأة التي مر عليها بامرأة يقال لها: زنت، لاحتمال أنه قاله قبل أن يعلم الزيادة، أو أن المراد من بني إسرائيل، وقد نظم الحافظ جلال الدين السيوطي أسماءهم فقال:

تكلم في المهد النبيّ محمد

ويحيى وعيسى والخليل ومريم

ومبري جريج ثم شاهد يوسف

وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم

وطفل عليه مر بالأمة التي

يقال لها تزني ولا تتكلم

وماشطة في عهد فرعون طفلها

وفي زمن الهادي المبارك يختم

قلت: وقد نظمت أسماءهم في أبيات ستأتي إن شاء الله تعالى في باب فضل ضعفة المسلمين (فتقاعست) أي توقفت ولزمت موضعها وكرهت (أن تقع فيها) أي: في النار (فقال لها الغلام) بلسانه (يا أماه) بسكون الهاء وهي الوقف لحقت آخر المندوب المتفجع عليه (اصبري) أي: على هذا العذاب فإنه يئول إلى جزيل الثواب (فإنك على) الدين (الحق) أي: الإيمان، وفي «الكشاف» : وقيل: قال لها قعي ولا تقاعسي، وقيل ما هي إلا غميضة. فصبرت (رواه مسلم) ، وكذا رواه الترمذي، وفيه بعض اختلاف وزيادة ونقص، وقوله في الحديث: (ذروته) أي: (أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها) وجمعها ذرى بضم ففتح (والقرقور بضم القافين) وإسكان الراء المهملة بينهما (نوع من السفن) تقدم عن «النهاية» أنه السفينة العظيمة (وانكفأت) السفينة (أي انقلبت، وتقاعست) بالقاف والعين والسين المهملتين (توقفت وجبنت) عن ولوج الأخدود، وقضية مراعاة سياق الحديث ذكر هذه المادة آخر ما يذكر من غريب الحديث، وقد وجد كذلك في أصل قديم (والصعيد هنا) أي: في قوله: «في صعيد واحد» (الأرض البارزة) ومن هذه المادة قوله في الحديث القدسي «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد» الحديث، وقيده بقوله هنا احترازاً عنه في نحو قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} (النساء: ٤٣) فإن المراد منه التراب (والأخدود) بضم الهمزة (الشقوق) بضم أولِه جمع شق (في الأرض كالنهر الصغير، وأضرم) بالضاد

المعجمة (أوقد) وفي الحديث بيان شرف الصبر، وأنه وإن عظم في الألم وتحمل الشائد فهو سهل في جنب ما أعد لصاحبه من الثواب. وفيه فضل الثبات على الدين وإن عذب بأنواع العذاب كما وقع من بلال في أول الإسلام، وإن كان يجوز في مثل هذه الحالة

الإتيان بألفاظ الكفر مع الإيمان القلبي لعذر الإكراه كما وقع من عماربن ياسر، إلا أن ما وقع من بلال أفضل لما في الحديث: «إن مسيلمة أخذ أسيرين من أصحاب النبي، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله فقال: ما تقول فيّ؟ فقال: وأنت: فأرسله، وقال للآخر ما تقول في محمد؟ فقال: رسولالله، فقال: وما تقول فيّ؟ فقال: لا أدري فلم يزل يسأله وهو يجيبه بذلك حتى قطعه إرباً إرباً، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما أحدهما فقد أخذ برخصةالله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» وأورد الحديث ابن كثير وغيره في تفاسيرهم.

٣١٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: مرّ النبيّ بامرأة تبكي عند قبر) قال في «فتح الباري» : لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم صاحب القبر.

وفي رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها، وصرح به في مرسل يحيىبن أبي كثير عن عبد الرزاق فقال: قد أصيبت بولدها (فقال لها اتقي الله واصبري) .

وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج» «فقال: يا أمة الله اتقي ا» .

قال القرطبي: الظاهر أنها كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى.

قال في «فتح الباري» : ويؤيده أن في مرسل يحيىبن أبي كثير المذكور «فسمع منها ما يكره، فوقف عليها» .

وقال الطيبي: قوله اتقي الله توطئة لقوله: واصبري، كأنه قال لها: خافي غضب الله إن لم تصبري واصبري ليحصل لك الثواب (فقالت إليك) اسم فعل بمعنى تنحّ وأبعد (عني فإنك لم تصب) بالبناء للمجهول (بمصيبتي) .

وفي رواية للبخاري: «فإنك خلو من مصيبتي» وهو بكسر الخاء وسكون اللام. ولمسلم «ما تبالي بمصيبتي» . ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة «أنها قالت: يا عبد الله إني الحراء الثكلى، ولو كنت مصاباً لعذرتني» (ولم تعرفه) جملة حالية أي خاطبته بذلك غير عارفة أنه النبيّ (فقيل لها: إنه النبيّ) .

وفي رواية لأبي يعلى: «فمر بها رجل فقال لها: هل تعرفينه؟ قالت: لا» وللطبراني في

«الأوسط» من طريق عطية عن أنس: أن الذي سألها هو الفضلبن العباس. زاد مسلم في رواية له «فأخذها مثل الموت» أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياء منه ومهابة (فأتت) للاعتذار (باب النبي فلم تجد عنده بوابين) .

قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبي، استشعرت خوفاً وهيبة في نفسها وتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته (فقالت لم أعرفك) في حديث أبي هريرة: «وا ما عرفتك» (فقال) (إنما الصبر) أي الذي يحمد عليه صاحبه كل الحمد ما كان (عند الصدمة الأولى) أو عند مفاجأة المصيبة. بخلاف ما بعدها فإنه على عود الأيام يسلو، قاله الخطابي.

وقال الطيبي: صدر الجواب منه بهذا عن قولها لم أعرفك على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغيرالله، وانظري إلى نفسك في تفويتك الثواب الجزيل بعدم الصبر عند مفاجأة المصيبة.

وقال ابن المنير: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر معتذرة من قولها الصادر عن الحزن، بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال فهو الذي يترتب عليه الثواب: أي كماله اهـ. (متفق عليه) وكذا أخرجه الترمذي والنسائي كما في «أمالي الأذكار» للحافظ ابن حجر، لكن في تيسير الوصول للديبع: أخرجه الخمسة إلا النسائي، يعني: الشيخين وأبا داود والترمذي فليحرر ذلك، (وفي رواية) أي أخرى (لمسلم تبكي على صبيّ لها) وهذه الرواية هي المشار إليها في كلام «فتح الباري» السابق المشعرة بأن صاحب القبر كان ابناً للباكية.

٣٢٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى) هذا من الأحاديث القدسية وهي أكثر من مائة حديث جمعها بعضها في جزء كبير، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن اللفظ المنزل للإعجاز، والقدسي ما أخبر الله به نبيه بالإلهام أو رؤيا المنام أو غيره من كيفيات الوحي، فعبر عنه بعبارته، فلا يكون معجزاً ولا متواتراً

كالقرآن، ولذا لم يثبت له شيء من أحكامه: من حرمة حمله ومسه على المحدث، وقراءته على الجنب، وبيعه في رواية عن أحمد، وكراهته عندنا، وحصول الثواب على كل حرف منه لقارئه بعشر حسنات وغير ذلك. ثم لروايته صيغتان تقدم ذكرهما في باب الإخلاص. وما عبر به في هذه الرواية فهو قريب من العبارة الأولى وهي عبارة السلف التي عبر بها المصنف ثمة، والله أعلم (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت) بفتح الموحدة (صفية) أي: حبيبه لأنه يصافيه وده ويخلصه محبته، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول (من أهل الدنيا) بيان للواقع (ثم احتسبه) بأن يرجو ثوابه ويدخره عند الله تعالى وذلك ينبىء عن الصبر والتسليم (إلا الجنة) أي دخولها مع الناجين، وذلك لا ينافي الورود تحلة القسم (رواه البخاري) في كتاب الرقاق من «صحيحه» .

٣٣٩ــ (وعن عائشة رضي الله عنها) جملة دعائية مستأنفة أو خبرية في محل الحال ونظيره فيهما جملة «» وينبغي أن يراد بهما الأول منهما لإحراز ثواب الدعاء به (أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن) شأن (الطاعون) وحقيقته كما يؤخذ من الأحاديث بثر مؤلم يخرج غالباً في الآباط مع لهب واسوداد حواليه وخفقان القلب والقيء، وهو كما قال الحافظ ابن حجر: أخصّ من الوباء لأنه وخز الجنّ، والوباء المرض العام (فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء) في نسخة من البخاري (على من شاء) أي من كافر أو عاص بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة (وجعله رحمة للمؤمنين) قال الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري: أي غير مرتكبي الكبائر. والتخصيص يحتاج للتوقيف (فليس من عبد يقع في الطاعون) أي به أو في بلده، أو هو من قبيل التجريد نحو: {لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب: ٢١) .

وفي رواية بحذف في (فيمكث في بلده) التي وقع بها الطاعون (صابراً) على

ما نزل به أو ببلده (محتسباً) أي راجياً للأجر والثواب من الله (يعلم أنه لا يصيبه) شيء (إلا ما كتب له) العائد على ما محذوف (إلا كان له مثل أجر الشهيد) وإن مات بغير الطاعون، فإنه حيث كان موصوفاً بما أشار إليه الحديث من قصده ثواب الله ورجائه موعوده، عارفاً أنه لو وقع به فبتقديرالله. وإن صرف عنه فكذلك، وهو غير متضجر لو وقع به معتمداً على ربه في حال صحته وسقمه كان له أجر الشهيد وإن مات بغير الطاعون كما هو ظاهر الحديث، ويؤيده رواية «من مات في الطاعون فهو شهيد» ولم يقل بالطاعون/ وكذا لو وجد من اتصف بهذه الصفات ثم مات بعد انقضاء زمن الطاعون، فإن ظاهر الحديث أنه شهيد، ونية المؤمن أبلغ من عمله، أما من لم يتصف بالصفات المذكورة فإن مفهوم الحديث أنه لا يكون شهيداً وإن مات بالطاعون. ومما يستفاد من هذا الحديث أن الصابر في الطاعون المتصف بالصفات المذكورة يأمن من فتان القبر لأنه نظير المرابطة في سبيلالله، وقد صح ذلك في المرابط كما في حديث مسلم وغيره اهـ ملخصاً من «فتح الباري» (رواه البخاري) وكذا أحمد والنسائي.

٣٤١٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ يقول) جملة حالية عن مفعول سمعت، وأتى بها مضارعة بعد سمع: حكاية للحال الماضية (إن الله عز وجل) أي: عزّ شأنه وجل برهانه، وأتى بهما وإن كانا في المعنى متقاربين لأن مقام الثناء مقام إطناب، وهذا حديث قدسي لأنه روى عن ربه سبحانه أنه (قال) أي: بكلامه النفسي الذي هو صفة ذاته (إذا ابتليت عبدي) أي عاملته معاملة المبتلي: أي المختبر، فإن الابتلاء إنما يكون من الجاهل بعواقب الأحوال وا بكل شيء عليم، وهو يستعمل في الخير والشر (بحبيبتيه فصبر) على فقدهما محتسباً لأجرهما مدخراً له عند الله تعالى (عوّضته منهما) أي بدلهما فهو كقوله تعالى: {أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة} (التوبة: ٣٨) (الجنة) أي: مع الفائزين أو منازل مخصوصة منهما (يريد) أي: النبي بحبيبتيه (عينيه) محضهما بذلك لأنهما أحبّ

أعضاء الإنسان إليه (رواه البخاري) وأخرج الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة» ووجه هذا الجزاء أن فاقدهما حبيس، فالدنيا سجنه حتى يدخل الجنة على ما ورد في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» .

٣٥١١ــ (وعن عطاء) بالمهملتين المفتوحتين والمد (ابن أبي رباح) بالراء المفتوحة وبالموحدة وبالمهملة. وفي «الكاشف» للذهبي: عطاءبن أبي رباح هو أبو محمد القرشي مولاهم المكي أحد الأعلام، روى عن عائشة وأبي هريرة، وعنه الأوزاعي وابن جريج وأبو حنيفة والليث، خرّج عنه الستة أي وغيرهم، عاش ثمانين سنة ومات سنة مائة وأربع عشرة، وقيل: خمس عشرة اهـ. وسأذكر زيادة على هذا في الكلام على ترجمته في «رجال الشمائل» أعانني الله على إتمامه (قال) عطاء (قال لي) اللام لام التبليغ (ابن عباس رضي الله عنهما: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض بدىء بها ليتوجه السامع لما بعدها (أريك امرأة) من الإراءة البصرية ولذا تعدت لمفعول فقط (من أهل الجنة) في محل الصفة لامرأة (فقلت بلى، قال: هذه المرأة السوداء) اسمها: سعيرة بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية الأسدية، وكنيتها: أم زفر بضم الزاي وفتح الفاء والراء آخره (أتت النبي فقالت) مخبرة عما نزل بها من غير تبرم ولا تضجر، لأن البرّ يهدي إلى البرّ، طالبة منه الدعاء برفع دائها (إني أصرع) بضم الهمزة من الصرع: علة معروفة (وإني أتكشف) من التفعل.

وفي نسخة من الانفعال: أي ينكشف بعض بدني من الصرع (فادع الله لي) أي: بردع الصرع الناشىء عنه التكشف (قال إن شئت صبرت) بكسر تاء الخطاب فيهما وصبرت مفعول شاء: أي الصبر على هذا الدعاء محتسبة (ولك الجنة) .

وفي نسخة: «الأجر» ، جملة حالية أفادت فضل الصبر وجواب الشرط محذوف: أي فاصبري،

ويجوز أن تكون صبرت جواب الشرط ومفعول شاء محذوف: أي إن شئت جزيل الأجر صبرت، ومثل هذا الإعراب يجري في قوله: (وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك، فقالت) مختارة للبلاء والصبر عليه لجزيل الثواب المرتب عليه (أصبر) أي على الصرع لأنه يرجع إلى النفس، ولما كان التكشف راجعاً لحق الله تعالى: إذ هي مأمورة بستر جميع البدن لكونه عورة (قالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها) فهي من أهل الجنة بوعد الصادق المصدوق (متفق عليه) .

قيل: أحاديث الباب تشعر أن نفس المصائب لا ثواب فيها إنما الثواب على الصبر عليها والاحتساب، وقد بسطت الكلام على ذلك في باب أذكار المريض من «شرح الأذكار» .

٣٦١٢ــ (وعن أبي عبد الرحمن) كنية (عبد ابن مسعود رضي الله عنه) ابن غافل بمعجمة وفاء ابن حبيب الهذلي. وكان ابن مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارثبن زهرية. أسلم عبد الله قديماً بمكة سادس ستة لما مر به وهو يرعى غنماً لعقبةبن أبي معيط فأراه معجزة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وبيعة الرضوان والمشاهد كلها؛ وصلى للقبلتين، وكان يكرمه ويدنيه ولا يحجبه، وكان مشهوراً بين الصحابة بأنه صاحب سرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وبشره بالجنة وقال: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد» وكان يشبه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هديه وسمته، ولي قضاء الكوفة ومالها في خلافة عمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها، وقيل: بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة، وصلى عليه الزبير ليلاً ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك لكونه كان قد آخى بينهما. روي له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً، أخرجا منها أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين (قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

يحكي نبياً من الأنبياء) جملة حالية أتى بها بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، وبقوله: كأني أنظر إلخ. إشارة لكمال استحضاره لها.

قال مجاهد: وذلك النبيّ المحكيّ هو نوع عليه السلام، لكن تعقبه الحافظ في «الفتح» بأن ظاهر صنيع البخاري إذ أورد الحديث في أحاديث ترجمة ذكر بني إسرائيل أن النبيّ من أنبيائهم فيحمل عليه (صلوات الله وسلامه عليهم) وقوله: (ضربه قومه فأدموه) بيان للمحكيّ، ويحتمل على بعد كونه بياناً للحكاية فتكون الحكاية للفعل: أي أتى بفعل مثل فعل ذلك النبي المحكي فعله، والمحكي به ما وقع له بأحد من شج رأسه وكسر رباعيته (وهو) أي: ذلك النبيّ المحكيّ عنه، أو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وفي هذه الجملة أنواع من الصبر والحكم:

الأول: أنه مسح دمه لئلا يصيب الأرض فيحل بهم البلاء.

الثاني: أنه قابل جهلهم بفضله فدعا لهم بغفران ذنب تلك الجريمة منهم إن كان الدعاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مطلقاً وإلا لآمنوا عن آخرهم إذهو مجاب الدعوة.

الثالث: أنه اعتذر عن سوء فعلهم بعدم علمهم. ولا تنافي بين الدعاء بما ذكر إن كان من نوح، قوله: {لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} (نوح: ٢٦) لإمكان حمل ما في حديث الباب على ما قبل إياسه من إيمانهم وما في الآية على ما بعده (متفق عليه) وينبغي للسالك التحلي بما فيه كما روي أن جندياً ضرب بعض العارفين وهو لا يعرفه/ فقيل إنه فلان، فعاد إليه معتذراً، فقال: إبي أبرأت ذمتك ودعوت لك لما ضربتني، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنك كنت سبباً لدخولي الجنة فلا أكون سبباً لعذابك، فأكب على الشيخ وتاب.

٣٧١٣ - (وعن أبي سعيد) الخدري سعدبن مالكبن سنان (وأبي هريرة) الدوسي عبد الرحمنبن صخر (رضي الله عنهما) حال كونهما راويين (عن النبي قال:) بيان

للمرويّ (ما يصيب) بضم أوله (المسلم) حقيقة، وخص لأن الثواب الأخروي خاص به وهو مفعول الفعل (من نصب) بفتحتين: التعب، ومن صلة، ونصب فاعله (ولا وصب) بفتحتين: وجع دائم، خاص بعد عام، لما في الوجع كذلك من الشدة المؤدية إلى التضجر والسخر بالقضاء المحبط للثواب أو الإسلام والعياذ با، أو تأكيد بعطف مترادفات أو قريبة من الترادف اهتماماً بهذا المقام الخطير، ليكون العلم بعظم الثواب مانعاً من الوقوع في ورطة خطر الضجر (ولا همّ ولا حزن) فرق بينهما بأن الأول للمستقبل والثاني للماضي، وقيل غير ذلك مما بينته في باب «أذكار المساء والصباح من شرح الأذكار» .

قال وكيع: لم يسمع في الهمّ أنه كفارة إلا في هذا الحديث (ولا أذى) هو كل ما لا يلائم النفس فهو أعمّ الكل (ولا غمّ) هو أبلغ من الحزن لأنه حزن يشتد بمن قام به حتى يصير بحيث يغمى عليه (حتى) ابتدائية أو عاطفة أو بمعنى إلى الغائية بيان وتقريب لأدنى مراتب الأذى (الشوكة) بالرفع أو الجر (يشاكها) خبر أو حال، والضمير البارز هو المفعول الثاني على تقدير الجار، والنصب كذلك سماعي وهذا منه، أو على تضمين فعل متعد لاثنين: أي يذاقها، والأول مضمر نائب الفاعل يعود على المسلم من أشكته أدخلت في جسده شوكة (إلا كفر ا) استثناء من أعم الأحوال المقدرة: أي ما حصل لإنسان في حال المصيبة حال من الأحوال إلا الحالة التي يكفر الله (بها) أي: بسببها (من خطاياه) ابتدائية أو تبعيضية. قيل: وهو أولى لأن بعض الذنوب لا تكفر بذلك كحق الآدمي والكبائر (متفق عليه) وأخرجه الترمذي. وفيه أن الأمراض وغيرها من المؤذيات التي تصيب المؤمن مطهرة له من الذنوب، وأنه ينبغي للإنسان ألا يجمع على نفسه بين ضررين عظيمين: الأذى الحاصل وتفويت ثوابه، وقد ورد مرفوعاً «المصاب من حرم الثواب» (والوصب: المرض) أي: الدائم كما تقدم أو الشديد الكثير الأوجاع. قال في «الصحاح» : قد وصب الرجل يوصب فهو وصب وأوصبه الله فهو موصب. والوصب: المرض الشديد الكثير الأوجاع اهـ.

٣٨١٤ - (وعن) عبد الله (ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي) عائداً، وهو يوعك (بالبناء للمجهول) من الوعك، وسيأتي تفسيره في الأصل (فقلت: يا رسول الله إنك توعك) بالفوقية مبني للمفعول (وعكاً شديداً) يحتمل أنه عرف ذلك من لمس بعض أعضائه أو من ظهور الآثار عليه (قال أجل) بفتحتين وثانيه جيم وآخره لام ساكنة وتبدل الهمزة وموحدة فيقال بجل.

في «الصحاح» : أجل جواب مثل نعم. قال الأخفش إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه الاستفهام اهـ. (إني) بيان للإجمال في قوله أجل (أوعك) بالبناء للمجهول (كما يوعك رجلان منكم) فالكاف مفعول مطلق، واحترز بقوله منكم عن نحو الأنبياء، فإنه يحتمل أنه وإن وعك أشد من وعكهم، زيادة في علوّ درجته المقتضية لمزيد الابتلاء الشاهد به «أشدكم بلاء الأنبياء» الحديث إلا أنه لا يكون وعكه كوعك اثنين منهم اهـ. والله أعلم (قلت: ذلك) أي زيادة الوعك (أن لك) بفتح الهمزة أي لأن لك (أجرين/ قال أجل ذلك) أي تضاعف الأجر (كذلك) أي كتضاعف المرض، ثم ذكر الدليل على ترتب الثواب على أنواع البلاء عند حصول الصبر فقال (ما من مسلم) من مزيدة للاستغراق فيدخل فيه الكامل وغيره (يصيبه) بضم أوله (أذى) أي: ما يتأذى به (شوكة) بدل من أذى وذكرها لأنها أخف أنواعه، ولما كان ما فوقها تعجز العبارة عن تفصيل جميعه أجمله بقوله: (فما فوقها إلا كفّر الله به سيئاته) أي الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (كما تحط الشجرة ورقها. متفق عليه) وكذا رواه أحمد كما قال الحافظ، وكذا رواه النسائي. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» ، والبخاري في «الأدب المفرد» ، وابن ماجه والحاكم وصححه، والبيهقي في «الشعب» عن أبي سعيد قال: «دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محموم، فوضعت يدي فوق القطيفة، فوجدت حرارة الحمّى فوق القطيفة، فقلت: «ما أشد حمّاك يا رسول الله» قال: «إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع فيضاعف الأجر» الحديث. ذكره صاحب «المرقاة في شرح المشكاة» (والوعك) بإسكان المهملة (مغث الحمى) أي حرارتها ووهنها للبدن وإضعافها إياه.

وفي «مختصر النهاية»

للسيوطي: أنه ألم الحمى (وقيل الحمى) وهذا الحديث يشهد للقول المختار من حصول الأجر على الأمراض والأعراض: أي بشرط الصبر وعدم التبرم من القدر والسخط منه، وقد بسطت هذا المقام في «شرح الأذكار» .

٣٩١٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من يرد الله به خيراً) حالاً ومآلاً (يصب منه) إما في بدنه أو ماله أو محبوبه. وفي الحديث: «المؤمن لا يخلو من علة أو قلة أو ذلة» وإنما كان خيراً حالاً لما فيه من اللجإ إلى المولى، ومآلاً لما فيه من تكفير السيئات أو كتب الحسنات أو هما جميعاً (رواه البخاري) في صحيحه ورواه الإمام أحمد (وضبطوا) أي شراح الحديث الصحيح (يصب) المذكور في الحديث (بفتح الصاد) أي المهملة على البناء للمفعول ولم يذكر الفاعل للعلم به وأنه الله سبحانه (وكسرها) على البناء للفاعل.

٤٠١٦ - (وعن أنس) بن مالك رضي الله عنه (قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتمنينّ) بتشديد النون (أحدكم) أي الواحد منكم (الموت) وفي التعبير بيتمنى دون يسأل إيماء إلى أنه قد يكون من المستحيل لعدم مجيء حينه، فحصوله حينئذٍ محال وإن كان بأنواع السؤال. فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والمنهي عنه على وجه التنزيه تمني الموت (لضرّ) بفتح الضاء المعجمة وتضم، وضبط هنا بذلك ضد النفع (أصابه) في نفسه أو ماله أو من يلوذ به أو نحوه، لما يدل عليه من الجزع في البلاء وعدم الرضا بالقضاء، أما تمنيه شوقاً

للقاء ربّ العالمين أو شهادة في سبيل الله أو ليدفن ببلد شريف أو لخوف فتنة في الدين فلا كراهية فيه، وعليه يحمل ما جاء عن كثيرين (فإن كان) من أصابه الضرّ (لا بد) أي لا فرق ولا محالة كما في «القاموس» (فاعلاً) لتمني الموت لما قاساه من المحن الدنيوية التي لو كشف له عن حقائق اللطف فيها لرآها من «المنح الإلهية» ، ولو لم يكن فيها إلا رجوع العبد إلى مولاه، وخروجه عن حوله وقواه لكفاه، فكيف وهي سبب لتكفير الخطايا ورفع الدرجات (فليقل: اللهم) يا أ، فالميم عوض من حرف النداء؛ ولذا امتنع جمعهما إلا في ضرورة كقوله:

أقول يا اللهم يا اللهما

وقد بسطت الكلام فيما يتعلق بها في باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد من «شرح الأذكار» (أحينى) بقطع الهمزة: أي أدم لي الحياة الحسية (ما كانت الحياة) المسؤولة بقوله أحيني، وما مصدرية ظرفية أي مدة كون الحياة (خيراً لي) بأن أوفق لمراضاة الله تعالى وأداء عبادته وأسلم من الخذلان والغفلة والنسيان (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة خيراً لي) بأن أنعكس الأمر (متفق عليه) وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حيان في «صحيحه» من طرق، وزاد في بعضها: «لضرّ نزل به في الدنيا» واختلف الصوفية في الأفضل: من طلب الحياة لما ورد من حديث: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله» ولرجاء التوبة وحسن العمل وحصول الأمل أو يطلب الموت نظراً إلى الشوق إلى الله وحصول لقياه، وقد ورد «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه» وخوفاً من التغير ولقاء المحن والوقوع في الفتن. والمختار التفويض والتسليم كما دل عليه الحديث الشريف.

٤١١٧ - (وعن أبي عبد ا) كنية (خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، وقيل: كنيته أبو محمد، وقيل أبو يحيى (ابن الأرتّ) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية آخره، ابن جندلةبن سعدبن خزيمةبن كعببن زيد مناةبن تميم، فهو (رضي الله عنه) تميميّ في قول الأكثر، وقيل: خزاعي، وقال بعضهم: إنه تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف

لأن مولاته أم أنمار بنت سباع الخزاعية من حلفاء عوفبن عبد ابن عوفبن عبد الحارثبن زهرة. وهو من السابقين إلى الإسلام كان سادس ستة فيه، وعذّب في الله تعالى.

قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأم عمار، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون: فألبسوهم أدرع الحديد ثم أصبروهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله من حرّ الحديد والشمس.

قال الشعبي: سأل عمربن الخطاب خباباً عما لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل.

قال خباب: لقد أوقدت نار وسجيت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري. شهد بدراً والمشاهد كلها، ولما هاجر آخى بينه وبين تميم مولى حراشبن الصمة، وقيل: آخى بينه وبين جبربن عتيك. مرض خباب مرضاً شديداً.

روى عن قيسبن أبي حازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات فقال: لو ما أن رسول الله نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ونزل الكوفة ومات بها، وهو أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين.

وقال علي رضي الله عنه لما نعى له «رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً وابتلي في جسمه، ولم يضيع الله أجر من أحسن عملاً» وكان سنه حين موته ثلاثاً وسبعين سنة. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وثلاثون حديثاً اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري باثنين ومسلم بواحد، وخرّج عنه أصحاب السنن (قال: شكونا إلى رسول الله) أي ما بنا من أذى الكفار وعذابهم بدليل قوله في الرواية الثانية «وقد لقينا من المشركين شدة» (وهو متوسد بردة له) أي: جاعلها تحت رأسه. والبرد بضم الموحدة: الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صور، والبردة واحد البرد وجمعه أبراد وأبرد وبرود كما في «القاموس» ، والجملة حالية من رسول الله / وكذا قوله: (في ظل الكعبة) ، ويصح أن تكون الثانية حالاً من الضمير في متوسد فتكون متداخلة (فقلنا) بيان لشكواهم إليه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة استفتاح أو عرض (تستنصر) أي تسأل الله النصر (لنا؟ ألا تدعو لنا) أي: بذلك أو نحوه من كفهم عنا ومنعهم من أذانا (فقال) محرّضاً لهم على الصبر (قد كان من) بفتح الميم: أي الذين (قبلكم) من الأمم (يؤخذ الرجل) أي المؤمن منهم فالجملة خبر والرابط محذوف: أي

كان الذين قبلكم يؤخذ الرجل الذي آمن منهم ليعذب فيرجع عن إيمانه فما يرجع (فيحفر له في الأرض) بالبناء للمفعول والظرف نائب الفاعل وحذف الفاعل لعدم تعلق الغرض بعينه ويحتمل أنه مبني للفاعل: أي يحفر الآخذ، والظرف الثاني حال أو صلة يحفر (فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار) روى بالنون من نشرت الخشبة قال الحافظ في «الفتح» وهي أشهر في الاستعمال وبالهمزة من أشرت الخشبة بالمنشار، وبإبدالها ياء إما تخفيفاً أو من وشرت، ذكره ابن التين (فيوضع) أي المئشار (على رأسه) فيؤشر (فيجعل) أي يصير (نصفين ويمشط) أي يعذب (بأمشاط) جمع مشط، معروف (الحديد) أي يعذب بها (ما دون لحمه وعظمه) زيادة في تعذيبه

ليرجع عن إيمانه.

وفي نسخة من «البخاري» «ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب» و (ما يصده) أي: يمنعه أو يصرفه (ذلك) المذكور من أنواع العذاب. واستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع للبعيد مع قربه، لأن الملفوظ به لكونه عرضاً لا يلقى زمانين كالبعيد، فأشار إليه بما يشار به للبعيد (عن دينه) والثبات عليه، وفيه مدح الصبر على العذاب على الدين، وعدم إقرار عين الكافر باللفظ بكلمة الكفر وإن كانت جائزة حينئذٍ للإكراه كما تقدم (وا) فيه الحلف من غير استحلاف، وهو مندوب لتأكيد ما يحتاج لتأكيده (ليتمن) بفتح التحتية (هذا الأمر) بالرفع فاعل يتم، وفي نسخة بضم التحتية ونصب الأمر على أنه مفعول يتم: أي ليتمنّ اهذا الأمر: أي دين الإسلام (حتى يسير) بالنصب لأنه مستقبل بالنسبة لما قبل زمن التكلم به (الراكب) التقييد به جرى على الغالب من أن المسافر يكون راكباً فلا مفهوم له، والمراد الجنس فيشمل ما فوق الواحد، أو يفهم ما فوقه من باب أولى لأنه إذا أمن الواحد مع انفراده فالعدد الأولى (من صنعاء) بالمد: مدينة عظيمة باليمن، وقيل إنها مدينة بالشام (إلى حضرموت) مدينة بقرب اليمن؛ وهو مركب مزجيّ غير مصروف لذلك وللعلمية (لا يخاف) أحداً (إلا ا) جملة حالية من فاعل يسير، والمعنى أن الإسلام يعم النواحي فيسير المسافر لا يخشى أحداً يعذبه على إيمانه ولا يفتنه في دينه فلا يخاف إلا الله سبحانه (و) لا يخاف إلا من الأسباب العادية على أموره والدنيوية فيخاف (الذئب) بكسر المعجمة بعدها تحتية بهمزة على الأصل وقد لا تهمز: سبع معروف أن يعدو (على غنمه) والسارق أن يغير على ماله ونعمه (و) تمام هذا الأمر: أي الإسلام وظهوره على سائر الأديان كائن

البتة (لكنكم تستعجلون) أي: تطلبون العجلة في الأمور ولكل شيء في علم الله أوان وإذا جاء الأوان يجيء.

وقد وقع ما أخبر به المصطفى كما أخبر، فعم الإسلام وظهر وصار الراكب لا يخشى من يفتنه ويصده عن دينه: إنما يخشى بوائق الحدثان وبا المستعان، فهو من جملة علامات نبوّته، ولا يخالف هذا الحديث ما نقله ابن الأثير في «أسد الغابة» عن أبي صالح قال: «كان خباب قيناً يصنع السيوف؛ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يألفه ويأتيه/ فأخبرت ملاوته بذلك فكانت تأخذ الحديدة الممحاة فتضعها على رأسه، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اللهمّ انصر خباباً؛ فاشتكت مولاته أم أنمار رأسها، فكانت تعوي مثل الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها» اهـ. لتعدد الوقعات، واختلاف الأقوال لاختلاف الأحوال، والله أعلم. (رواه البخاري) في علامات النبوّة وفيما يأتي وفي كتاب الإكراه، ورواه أبو داود والنسائي.

(وفي رواية) أي: للبخاري في باب ما لقي النبيّ وأصحابه من المشركين بمكة (وهو متوسد بردة) وفي نسخة «ببرد» أتى بها مع أنها في الرواية السابقة ليبين بها محل قوله: (وقد لقينا) أي معشر ضعفاء المسلمين (من المشركين شدة) أي: عظيمة كما يؤذن به التنوين، فكانوا يلقون بلالاً على قفاه في وقت الظهيرة ويجعلون على صدره الصخرة العظيمة، وكانوا يلقون خباباً على ظهره على النار وجعلوا سمية أم عمار بين جملين وأدخلوا في قلبها رمحاً فماتت رضي الله عنهم أجمعين، ثم هذه الشدائد التي حلت بأولئك الأماجد لكمال استعدادهم زيادة في علو درجاتهم ورفع شأنهم، وفي الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» وعلى قدر المقام يكون الابتلاء. وقد كانت قلوبهم راضية وأنفسهم بذلك مطمئنة، حتى لقد رد بعضهم جوار أقاربه للكفار، ورضي أن يعذب في الله ويبتلى فيه مع الأخيار، وشكواهم ليست عن تطجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلام من ذلك

تفرغاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى إلى أن غاية الأدب الصبر على مراد الله والرضا بقضاءالله.c

لا ينعم المرء بمحبوبه

حتى يرى الراحة فيما قضى

٢٤١٨ - (وعن) عبد الله (بن مسعود) الهذلي وهو المراد إذا أطلق ابن مسعود (رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين) أي: زمن غزوتها: وهي واد بين مكة والطائف وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً وهو معروف، وكانت وقعة حنين في شوال سنة ثمان من الهجرة عقب فتح مكة (آثر) بالمد أي: أعطى (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناساً) من المؤلفة ومن الطلقاء ومن رؤساء العرب يتألفهم (في القسمة) لغنائم هوازن (فأعطى الأقرع) بالقاف الساكنة بعدها مهملتان، لقب به لقرع كان في رأسه (ابن حابس) بالمهملة أوله وآخره وبعد الألف موحدة، وهو من سادات تميم، كان شريفاً في الجاهلية والإسلام (مائة من الإبل وأعطى عيينة) بضم المهملة وفتح التحتية الأولى (ابن حصن) بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية بعدها نون، ابن بدر الفزاري (مثل ذلك) مفعول ثان. ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً، أي: إعطاء مثل ذلك الإعطاء، والأول أقرب (وأعطى ناساً من أشراف العرب) والطلقاء وضعفاء الإيمان (وآثرهم) أي أعطاهم عطايا نفيسة (يومئذٍ) أي: يوم حنين (في القسمة) لغنائمها تألفاً لهم، وترك أقواماً اعتماداً على ما وقر في قلوبهم من نور الإيمان وشمس العرفان.

وفي الحديث الصحيح عن سعد مرفوعاً: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه» .

والناس قال الراغب في «مفرداته» : قيل أصله أناس فحذف فاؤه لما أدخل عليه أل. قلت وتقدم مثله عن البيضاوي، والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوّزاً، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم وصفه المختص به لا يكاد يستحق اسمه اهـ. (فقال رجل) هذا لفظ مسلم.

وعند البخاري «فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجهالله، فقال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصير» .

قال ابن الملقن: وقوله في البخاري: «إنه من الأنصار» غريب. قلت: قال الشيخ زكريا في «تحفة القارىء» : اسمه: معتببن قشير اهـ. وهو بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الفوقية آخره موحدة وهو من الأنصار: أي من قبيلتهم، وهو الذي روى

عنه الزبير أنه قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. أما الذي قال: اعدل يا رسول الله فاسمه ذو الخويصرة وهو أبو الخوارج، وظاهر كلام عياض في «شرح مسلم» أنه هو القائل عن النبي ما ذكر في هذا الخبر والله أعلم. فإن صح ذلك فيكون معنى قوله: إنه من الأنصار: أي حلفاً أو ولاء (وا إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه ا) الأوجه أنه إنما ترك قتل قاتل هذا الكلام مع أن سبه كفر يقتل به فاعله، لئلا يتحدث الناس بأنه يقتل أصحابه فينفروا عن الإسلام فعامله معاملة غيره من المنافقين.

قال القاضي عياض: وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم، قال ابن مسعود (فقلت: وا لأخبرنّ رسول الله) ليحذر منه وليعلم ما أخفاه من حاله، وليس هذا من باب نقل المجالس وهي بالأمانة، لأن ذاك في غير نحو هذا، أما هذا فمن النصيحة ولرسوله وللمؤمنين (فأتيته فأخبرته بما قال) مما يدل على حجب بصيره قائله عن مشكاة أنواره وإلا فلو أشرق فيه بعض ذلك النور لامتلأ قلبه من الخيور وعلم أنه الطبيب الحاذق الذي يداوي كل سقيم ويذهب كل ضير وألم {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} .

قال ابن مسعود: (فتغير وجهه) كما هو قضية طبع البشر عند حصول مؤذ للنفس (حتى كان) أي: صار (كالصرف) هذا لفظ رواية مسلم.

وفي رواية البخاري في باب بدء الخلق «فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه» (ثم قال) راداً عليه ما نسبه إليه من عدم العدل (فمن يعدل) استفهام إنكار فهو في معنى ما يعدل أحد (إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال) مبيناً أن الصفح عن عثرات اللئام سنة قديمة في الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام (يرحم الله موسى) أتى به مع أن الأكثر من هديه في الدعاء: أي عند ذكر أحد من الأنبياء كما قيده به الدمير في الديباجة، أن يبدأ بنفسه فيقول مثلاً غفر الله لنا ولفلان، اهتماماً بشأنه لأنه ذكر في مقام المدحة له والتأسي به (قد أوذي بأكثر من هذا) أي: من أذى السفهاء والجهال له فقالوا إنه آدر: وذلك منهم غاية العتوّ ونهاية الاختلاق؛ قال العراقي في «شرح التقريب» : (فصبر) على أذاهم وقابل جهلهم بحلمه، وهو المقتبس من مشكاته كل خلق

حسن (فقلت لأجرم) مذهب الخليل وسيبونه أنهما ركبا من لا وجرم وبنيا، والمعنى: حق، وما بعدها رفع به على الفاعلية.

وقال الكسائي: معناها لا صدّ ولا منع، فيكون جرام اسم لا وهو مبني على الفتح، وقيل غير ذلك، وعلى القول الأول فالتقدير: حق أن (لا أرفع إليه بعدها) أي هذه المرة (حديثاً) يقع من أولئك فيه نفثات ألسنتهم بما تخفيه صدورّهم: أي مما لا يعود بضرر على النبيّ ولا على الإسلام وإنما رأى ذلك لأنه رأى أن كلامه حصل منه بعض التعب للنبي حتى رأى أثر الغضب من تلك الحمرة في بشرته الشريفة، ومع ذلك صفح عن ذلك القائل كيلا يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه (متفق عليه) رواه البخاري في أبواب الخمس وفي الأنبياء وفي الدعوات وفي الأدب. ورواه مسلم في الزكاة (وقوله) في الحديث: (كالصرف هو بكسر الصاد المهملة) وسكون الراء أخوه فاء (وهو صبغ أحمر) زاد في «شرح مسلم» يصبغ به الجلود، قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضاً صرفاً اهـ.

١٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إذا أراد الله يعبده) المراد عقابه (الخير عجل له) في جزاء سيئاته (العقوبة في الدنيا) ببلاء في نفسه أو بموت صديقه أو بفقد ماله ونحوه، فيكون ذلك إذا سلم من التبرّم من الأقدار كفازة لجناياته فيوافي القيامة وقد خلص من تبعة الذنب ودركه، فإن لم يكن من أرباب المخالفات ونزل به بلاء كان زيادة في درجاته، وعليه يحمل حديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمتل فالأمثل» (وإذا أراد الله بعبده) المذكور (الشر) من للعقاب والعذاب (أمسك عنه) الأذى (بذنبه) الباء بمعنى فيه، أو سببية ٤ يعني أن تأخير ما ذكر عنه وبقاءه في تبعات ذنبه من أسباب ذنبه، ففيه استدراجه من حيث لا يشعر (حتى يوافي به) أي: يذنبه حاملاً له على كاهله (يوم القيامة) فيجازى به، وأين جميع أهوال الدنيا ومضايقها من ساعة من عذاب النار وما فيها

من الأغلال والأنكال؟ وفي الحديث الحثّ على الصبر على ما تجري به الأقدار، وأنه خير للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز: ومن تبرّم بالأقدار فقدر الله لا يرد، وفات المتبرّم أعالي الدرجات وتكفير السيئات وا وليّ التوفيق.

(و) عن أنس (قال النبيّ) مؤكداً لما دل عليه ما قبله مبيناً له (إن عظم) بكسر المهملة وفتح المعجمة في المعاني (الجزاء) أي الثواب في الآخرة كائن (مع عظم البلاء) فمن حلّ به خلاف ما يهواه الإنسان بالطبع من الشدائد فليفرح بها، لما فيها من التخصيص وإجزال العطاء، فإن لم يكن من أهل مقام الرضا فلا أقل من أهل مقام الصبر (وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم) لأنه لو تركهم وزهرات الدنيا ربما استغرقت فيها قلوبهم: فاستغلوا بها عن مربوبهم كما وقع ذلك للكفار وأرباب الغفلات، فمن أراد الله إقباله عليه قطع عنه العلائق وأنزل به أنواع البلايا لتقوده إلى الرجوع إلى مولاه في كل ساعة، وأي نعيم يوازي نعيم الشهود، وأي جحيم يساوي الغفلة والتبعيد (فمن رضي) بما جرى به القدر ولم يتبرم ولم يتضجر (فله الرضا) بالاختصاص الإلهي والفيض الرباني والثواب الجزيل والأجر الجميل، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن: ٦٠) (ومن سخط) من ذلك وتبرم من تلك المقادير (جرى المقدور) إذ لا مانع لما أراد سبحانه (وله) أي الساخط (السخط) بفتحين أو بضم فسكون: الانتقام أو إرادته، لما فيه من معارضة الأقدار الإلهية والاعتراض على الأحكام الربانية، وليس ذلك من شأن العبيد، وا يفعل ما يريد (رواه الترمذي) في «جامعه» (وقال حديث حسن) هو ما رواه العدل الضابط غير تامهما، أو المستور وانجبر وقد سلم من الشذوذ والعلة، وفي معنى حديث الباب ما أخرجه الترمذي أيضاً عن جابر قال: قال رسول الله «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب أن لو كانت جلودهم قرضت في الدنيا بالمقاريض» .

٤٤٢٠ - (وعن أنس) الأخضر: وعنه (رضي الله عنه قال: كان ابن) هو الذي قال له: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» وحديثه ذلك عند الترمذي في «شمائله» . قيل كناه بما ذكر إشارة إلى قصر عمره. وعند ابن ماجه حديث في قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم/ وقال فيه: «فكلمت فولدت غلاماً صبيحاً، فكان أبو طلحة يحبه حباً شديداً، فعاش حتى تحرّك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزناً شديداً حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراح روحة فمات الصبيّ» (لأبي طلحة) اسمه زيدبن سهل الأنصاري، والابن أخ لأنس من أمه أم سليم (رضي الله عنه) الأولى رضي الله عنهما لأنه ذكر صحابيان الابن وأبوه (يشتكي) أي: مريض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مريض (فخرج أبو طلحة) أي إلى النبي (فقبض) بالبناء للمجهول (الصبي) زاد الإسماعيلي في روايته: «فأمرت أمه أنساً أن يدعو أبا طلحة وألا يخبره بموت ابنه» (فلما رجع أبو طلحة) إلى بيته، جاء في رواية الإسماعيلي «وكان أبو طلحة صائماً» (قال ما فعل ابني) أي ما قام به من صحة أو زيادة مرض (فقالت أم سليم) بضم المهملة مصغراً. واختلف في اسمها، فقيل سهلة، وقيل رميثة ومليكة والغميصاء والرميصاء (وهي أم الصبي) جملة معترضة (هو أسكن ما كان) أي أسكن أكوانه فإنه كان في القلق والاضطراب للنزع فذهب ذلك حينئذٍ، وظن أبو طلحة أنها أرادت هو أسكن من الألم لحصول العافية وفي عبارتها التوجيه (فقربت له العشاء) بفتح المهملة ممدوداً، الطعام الذي يؤكل عند العشاء، وهو ما بين المغرب والعتمة (فتعشى ثم أصاب منها) أي جامعها.

وفي رواية تأتي: «أنها تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها» (فلما فرغ) من حاجته (قالت: واروا) أي: استروا (الصبي) بالدفن (فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره) أي بما عدا الجماع بدليل قوله: (فقال:

أعرستم الليلة) المراد منه هنا الوطء وسماه: إعراساً لأنه من توابع الإعراس، ولا يقال فيه بالتشديد كذا في «النهاية» : وهمزة الاستفهام مقدرة (قال: نعم) بفتح أوليه وسكون ثالثه، وبكسر ثانيه في لغة كنانة، وقد تبدل عينه حاء، حكاه النضربن شميل، وهي من حروف الجواب لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب (قال: اللهم) أي يا أ (بارك لهما) دعا لهما بالبركة وهي النماء والزيادة (فولدت) من ذلك الوطء المدعو بالبركة فيه (غلاماً) هو عبد الله.

قال أنس: (فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبيّ) ليحلّ نظره الشريف عليه (وبعث معه بتمرات) بفتح الميم ليحنكه بها، والتحنيك بالتمر تفاؤل بالإيمان، لأنها ثمرة الشجرة التي شبهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمن ولحلاوتها أيضاً: (فقال) أي النبيّ، وفي الكلام حذف تقديره: فحملته حتى أتيت به النبيّ فقال (أمعه شيء؟) أي: يحنك به (قال) أنس: (نعم) بفتحتين فسكون (تمرات) مبتدأ خبره محذوف اكتفاء بذكره في السؤال: أي معه تمرات (فأخذها النبي فمضغها) لتختلط بريقه الشريف ويقدر الصبي على إساغتها، فيكون أول ما يدخل جوفه الممتضغ بريق المصطفى فيسعد ويبارك فيه (ثم أخذها) أي: التمرات الممضوغات (من فيه فجعلها في فيّ الصبيّ) أي في فمه، ولا يخفى ما فيه من الجناس التام (ثم حنكه) في «الصحاح» : حنكت الصبي وحنكته إذا مضغت تمراً أو غيره ثم دلكته بحنكه، والصبيّ محنوك ومحنك اهـ. (وسماه عبد ا) أي: وضع له هذا الاسم، ففيه فضل التسمية بذلك (متفق عليه) في «فتح الباري» : وأخرجه ابن حبان والطيالسي هذا ما اتفقا عليه.

(و) زاد (في رواية للبخاري قال) سفيان (ابن عيينة) بضم المهملة وبكسرها اتباعاً للياء بعدها وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية/ الهلالي قرين الإمام مالك من تابعي التابعين (فقال رجل من الأنصار) هو: عبايةبن رفاعة كما أخرجه سعد بن

منصور ومسددبن سعد وغيرهم، وسبق أن الأنصار لفظ إسلامي صار علماً على أولاد الأوس والخزرج الذين نصروا النبي والإسلام (فرأيت تسعة أولاد كلهم) بالرفع مبتدأ خبره جملة (قد قرءوا القرآن) ويجوز أن يكون كل تأكيد تسعة، وأتى بها لئلا يتوهم أنه رأى بعضاً دون بعض وحينئذٍ فجملة قرءوا القرآن حالية (يعني) هذا لفظ أحد الرواة عن سفيان لبيان أن الأولاد المرئيين (من أولاد عبد ا) بن أبي طلحة (المولود) من تلك الإصابة المدعو لها بالبركة. ووقع في رواية عن سفيان أنهم سبعة بتقديم السين.

قال في «فتح الباري» وقيل إن في إحدهما تصحيفاً، أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله وبالتسعة من قرأ معظمه، وله من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من علماء الأنساب إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد، وأربع من البنات، ويؤخذ من قول سفيان المذكور أن في قوله: «لكما» تجوّز لأن ظاهره أنها في ولدهما من غير واسطة وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة وهو عبد الله اهـ.

(وفي رواية) أخرى (لمسلم) في «صحيحه» (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم) الظرف الأول صفة لابن والثاني محتمل لها والحالية (فقالت لأهلها) أي: لقرابتها الذين عندها وشعروا بوفاة ابنها (لا تحدثوا أبا طلحة) عند مجيئه المنزل (بـ) وفاة (ـابنه) لئلا يتنغص عيشه وهو صائم فلا ينال حاجته من الطعام (حتى) تعليلية أو غائية (أكون أنا) تأكيد للضمير المستكن (أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء) عبر هنا بإلى لأنه منتهى التقريب، وفيما تقدم باللام إشارة إلى أنه مقصود بذلك العشاء مهيأ له كما أشار البيضاوي إلى نحوه في سورة يونس في تعدية يهدي بإلى تارة وباللام أخرى (فأكل وشرب ثم تصنعت له) بتحسين الهيئة بالحلي ونحوه (أحسن ما كانت تصنع) بنصب أحسن مفعول مطلق وأصل تصنع تتصنع فأدغمت إحدى التاءين في الصاد المهملة هذا إن قرىء بتشديدها، فإن كانت مخففة فإحدى التاءين محذوفة دفعاً للثقل (قبل ذلك) الوقت، وهذا يدل على كمال يقينها وقوة صبرها (فوقع بها) أي: جامعها (فلما أن) زائدة (رأت أنه قد شبع) من الطعام (وأصاب منها) بالجماع (قالت) منبهة له على أنه لا ينبغي له الحزن على موت ولده، عند اطلاعه

عليه لأنه وديعة بصدد الاسترداد (يا أبا طلحة أرأيت) أخبرني (لو) ثبت (أن قوماً) هو في الأصل جماعة الرجال، والأكثر في استعمال الشرع أن يراد به ما يشملهم والنساء، قاله الراغب في «مفرداته» (أعاروا عاريتهم) مفعول ثان لأعار (أهل بيت) مفعوله الأول (فطلبوا عاريتهم ألهم) أي: لأهل البيت المستعيرين والظرف خبر مقدم مبتدؤه (أن يمنعوهم) أي: منعهم، ويصح أن تعرب أن ومدخولها فاعلاً للظرف لاعتماده على الاستفهام (قال: لا) أي: ليس لهم منعهم لأن الإعارة إباحة منافع المعار، والمعار باق على ملك المعير فله استرداده متى شاء (قالت: فاحتسب ابنك) أي: اطلب ثواب ابنك وأجر مصيبتك فيه من الله ولا تدنسها بما يحبط الثواب فإنه كان عندك عارية استرده مالكه (قال) أنس:

(فغضب) أبو طلحة (وقال) لأم سليم: (تركتني) بكسر التاء للمخاطبة (حتى إذا) وقتية (تلطخت) بفتح الفوقية واللام وتشديد الطاء المهملة وسكون المعجمة، أي تقذرت بالجماع، يقال رجل لطخ أي قذر (ثم أخبرتني) بكسر التاء (بابني) أي: بموته (فانطلق) يمشي (حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك) أي المذكور من فعل أم سليم الدال على كمال يقينها وحسن صبرها مما يعجز عنه كثير من الرجال (فقال النبيّ) داعياً لهما بما يعود نفعه عليهما الجميل فعلهما (بارك الله لكما في ليلتكما) أي فيما فعلتماه فيها من الإعراس بأن يجعله نتاجاً طيباً وثمرة حسنة (قال) أنس: (فحملت) أم سليم إجابة لدعائه بالبركة بما كان منه قوم صالحون كما تقدم عن ابن عيينة (قال) أنس: (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وهي معه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى المدينة من سفر) بفتح أوليه، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وسفره من المدينة إنما كان لأداء النسك أو الجهاد (لا يطرقها) بضم الراء (طروقاً) بضم أوليه المهملين أي لا يأتيها ليلاً، وكل آت بالليل طارق، ونهي عن طروق المسافر أهله ليلاً لئلا يرى منهم ما قد يكرهه. وأيضاً فإذا وصلوا البلد نهاراً وسمع بهم أهلهم تصنعت المرأة لبعلها فيراها بمنظر حسن، بخلاف ما إذا فجأها وهي

شعثة ربما كان رؤياها كذلك سبباً لفراقه لها، وهذا إذا لم يترقب أهله قدومه عليهم ليلاً، وإلا كأن بلغهم خبر قدومه من أول النهار فلا بأس بالطروق حينئذٍ (فدنوا) قربوا (من المدينة فضربها المخاض) بفتح الميم وقرىء بكسرها في «الشواذ» : وهو وجع الولادة (فاحتبس عليها أبو طلحة) أي: حبس نفسه عليها لاشتغاله بشأنها (وانطلق رسول الله) في مسيره إلى المدينة.

(

قال) أنس: (يقول أبو طلحة) أتى بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية إشارة لكمال استحضاره للقصة وإتقانه لها (إنك لتعلم يا رب) بكسر الباء دليلاً على التحتية، ويجوز فتحها على أن المحذوفة الألف المنقلبة عن الياء وضمها بناء على قطعه عن الإضافة، وجملة النداء معترضة بين الفعل، وما سد مسد مفعوليه وهو قوله: (إنه يعجبني) بضم التحتية (أن أخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج) من المدينة لسفر (وأدخل معه) المدينة، وهو بالنصف عطف على أخرج (إذا دخل) أي: دخلها، فالمفعول محذوف لدلالة السياق عليه (وقد احتبست) أي منعت من الدخول (بما ترى) مما نزل بأم سليم، فأجاب الله دعوته وكشف كربته (قال) (قال) أنس مخبراً عن ذلك (تقول أم سليم) أي قالت أم سليم، وعدل عنه إلى المضارع لما ذكر آنفاً (يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد) العائد محذوف التقدير أجده: أي ما أجد ألم الوضع الذي كنت أجده قبل (انطلق) أمر له لأن سبب التخفيف زال.g

(قال) أنس: (فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما) بكسر الدال: أي وقت قدوم أبي طلحة وأم سليم المدينة مع المصطفى (فولدت غلاماً) هو المسمى بعبد الله (فقالت لي أمي) أم سليم أم عبد الله المذكور فهو أخو أنس لأمه كما تقدم (يا أنس لا يرضعه) بضم التحتية وسكون المهملة على أنّ لا ناهية (أحد) أي: ليكون أول شيء يشق جوفه ويدخل أمعاءه الممزوج بريق المصطفى، فيعود عليه بخير الدارين كما ظهر أثره في هذا الغلام بتكثير بنيه الصالحين الأتقياء الفالحين قال الشاعر:

نعم الإله على العباد كثيرة

وأجلهن نجابة الأولاد

(حتى تغدو به) وتعرضه (على رسول الله) والغدوّ: سير أول النهار، والرواح: السير بعد الزوال، هذا هو الأصل فيهما وقد يتجوز في ذلك، ومنه حديث: «من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى» على أحد الأقوال فيه، وعدي بعلى إشارة إلى أن القصد من الوصول به إليه عرضه ليحل عليه نظره السعيد فيفوز بالخير المديد وقد حقق الله ما أرادت (فلما أصبح) أي دخل وقت الصباح ومنه قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} (الروم: ١٧) (احتملته فانطلقت) أمشي (به) منتهياً (إلى رسولالله. وذكر تمام الحديث) وفيه نحو مما في حديث السابق أنه حنكه بالتمر وسماه عبد الله.

قال في «فتح الباري» : وفي الحديث فوائد: جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية عن المصائب، وتزين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها ولم يترتب عليها إبطال حق مسلم. والحامل لأم سليم عليه المبالغة في الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته ولم تبلغ الغرض الذي أرادته، فلما علم الله تعالى صدق نيتها بلغها مناها وأصلح لها ذريتها، وفيه إجابة دعوة النبيّ وأن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه. وكان لأم سليم من قوّة القلب وثبات الجنان الغاية القصوى، فكانت تشهد الحرب وتداوي الجرحى اهـ.

٤٥٢١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس الشديد) المحمودة شديديته شرعاً (بالصرعة، إنما الشديد) الممدوحة شديديته شرعاً (الذي يملك نفسه) من الوقوع في المنهيات (عند) وجود (الغضب) وقيامه به وذلك إنما يكون لمن راض نفسه بسياسة الاتباع واقتدى بالمصطفى في سائر الأحوال، فلم يحمله الغضب على الوقوع في أسباب الهلاك في دينه. والغضب بالتحريك لغة: ضد الرضا. وسببه حصول مخالف لمراد الإنسان ممن هو دونه وتحت يده فيحصل منه تلك الحالة المقتضية لفعل ما لا يجوز من

قتل أو ضرب أو سب. فمن حفظ نفسه عن ذلك وقادها بزمام الشريعة وكظم غيظه وعفا فاز بالدرجة العليا وكان محموداً شرعاً، وإن انتقم بقدر ما أذن فيه الشرع من التأديب فلا بأس (متفق عليه) ورواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أيضاً (الصرعة بضم الصاد وفتح الراء) المهملتين بعدهما مهملة مفتوحة (وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً) فإن «فعلة» بضم ففتح لمن يكثر منه الفعل «وفعلة» بضم فسكون لمن يعتاد فعل ذلك الشيء به. فضحكة بوزن همزة بمعنى الفاعل: لمن يكثر الضحك من الناس، وضحكة بوزن ركبة بمعنى المفعول: لمن يكثر ضحك الناس عليه وسخريتهم به ذكره الكرماني. وقد بسطت ذلك في «شرح الأذكار» .

وفي الحديث: أن مجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة العدو. وقد ورد أن الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه لما عادوا من بعض الغزوات: «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .

٤٦٢٢ - (وعن سليمانبن صرد) زاد في الأذكار فقال «الصحابي» (رضي الله عنه) وصرد بضم ففتح لأوليه وجميع حروفه مهملة، وهو خزاعي. كان اسم سليمان في الجاهلية «يسار» فسماه «سليمان» وكان خيراً ديناً فاضلاً ذا دين وعبادة وشرف في قومه.

نزل للكوفة أول ما كوّفها سعد: وقتل في حرب بينت سببه في «شرح الأذكار» ، وحمل رأسه إلى مروانبن الحكم بالشام. وكان عمره حين قتل ثلاثة وتسعين سنة. روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر حديثاً، اتفقا منها على هذا الحديث، وانفرد البخاري عنه بحديث واحد هو قوله: «اليوم نغزوهم ولا يغزونا» فليس له في «الصحيحين» سوى حديثين/ وخرّج عنه أصحاب السنن الأربع (قال: كنت جالساً مع النبي ورجلان يستبان) بفتح التحتية وسكون المهملة. وفتح الفوقية وتشديد الموحدة افتعال من السب: أي يسبّ كل منهما صاحبه (وأحدهما) .

قال ابن حجر الهيثمي: قيل إنه معاذ، فإن صح وأنه ابن جبل تعين تأويل ما وقع منه من قوله: «هل بي من جنون» على أنه قاله من سورة الغضب من غير تأمل، قيل وهو الذي قال للنبي: «أوصني» الحديث الآتي، ففيه أن معاذاً كان عنده سورة من الغضب (قد أحمرّ)

بتشديد الراء (وجهه وانتفخت أوداجه) في «النهاية» : الأوداج ما أحاط بالعتق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج، وقيل الودجان: عرفان غليظان على جانبي ثغرة النحر، ومنه الحديث اهـ.

(فقال رسول الله: إني لأعلم كلمة) المراد منها معناها اللغوي وهي الجمل المفيدة (لو قالها) بصدق ويقين، ويحتمل أنه علم أن ذلك الرجل لو قالها مطلقاً (لذهب عنه ما يجد) من شدة الغضب ببركة الكلمات وتأثير همته الشريفة في ذلك عنه. ثم هذا الحديث الشريف مستمد من قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ با إنه سميع عليم} (الأعراف: ٢٠٠) (لو قال أعوذ با من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) من شدة الغضب وشره، والجملة بيان لما قبلها، وأعوذ: معناه ألجأ وأعتصم، والشيطان: العاتي المتمرّد، من شاط احترق، أو من شطن بعد، والرجيم فعيل بمعنى مفعول: أي المبعد من رحمةالله، واللام محذوفة من «لذهب» تفننا في التعبير (فقالوا له) أي قال الصحابة لذلك الرجل المغضب (إن النبي قال: تعوّذ با من الشيطان الرجيم) هذا منهم رواية للحديث بالمعنى، لا بخصوص اللفظ والمبنى، ففيه نص على جواز ذلك للعارف به.

وفي الحديث: تتمة سكت عنها المصنف هنا وهي أنه لما قيل له ذلك قال: «وهل بي من جنون؟» وفيه أن الغضب إنما يثير ناره، ويشعل لهبة الشيطان لما يترتب عليه من الضرائر في الدين والدنيا، فلذا كان دواؤه قطع سبب مادته وهو وسواس الشيطان الرجيم بالاستعاذة منه (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية لأبي داود والترمذي والنسائي من حديث معاذ «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم» كذا في (سلاح المؤمن) .

٤٧٢٣ - (وعن معاذ) بضم الميم بعدها مهملة (ابن أنس رضي الله عنه) هو الجهني؛ سكن

مصر روى عنه ابنه سهل، له نسخة كبيرة عند ابنه سهل أورد منها أحمدبن حنبل في مسنده وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والأئمة بعدهم في كتبهم، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون حديثاً (أن النبي قال: من كظم غيظاً) تجرعه واحتمل سببه وصبر عليه.

والغيظ: تغير الإنسان عند احتداده، وظاهر عموم تنكير غيظاً حصول الثواب على كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذة وإن قلّ (وهو قادر على أن ينفذه) بضم التحتية: أي يقضي ويعمل بما يدعوه إليه: من ضرب المغتاظ منه، أو قتله أو نحوه لسطوته على المغتاظ منه بملك أو نحوه وهو قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور (دعاه الله سبحانه) تنزيهاً له عما لا يليق بشأنه (وتعالى) عن ذلك فهو كالإطناب كما سبق (على رؤوس الخلائق) تنويهاً بشأنه وإعلاماً بعلوّ مكانه (يوم القيامة) ظرف لدعاه (حتى يخيره) بضم التحتية الأولى وتشديد الثانية (من الحور) بضم المهملة وسكون الواو آخره راء: أي شديدات سواد العيون وبياضها (العين) ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء/ مفرده عيناء كحمراء (ما شاء) مفعول ثان ليخير (رواه أبو داود والترمذي) ورواه ابن ماجه (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن) وعند ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» وعنده أيضاً من حديث ابن عمر «من كفّ غضبه ستر الله عورته» اهـ.

وقد روي أن الحسينبن علي رضي الله عنهما كان له عبد يقوم بخدمته ويقرب إليه طهره فقرب إليه طهره ذات يوم في كوز، فلما فرغ الحسين من طهوره رفع العبد الكوز من بين يديه فأصاب فم الكوز رباعية الحسين فكسرها فنظر إليه الحسين، فقال العبد: «والكاظمين الغيظ» قال: قد كظمت غيظي فقال: «والعافين عن الناس» قال: قد عفوت عنك، قال: «وا يحب المحسنين قال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى، قال: وما جواز عتقي، قال: السيف والدرقة فإني لا أعلم في البيت غيرهما.

٤٨٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) قال الشيخ زكريا في «تحفة القارىء» هو جارية بالجيم ابن قدامة ومنه أخذ جمع أنه صحابي واعتمده الحافظ ابن حجر، وقيل: إنه تابعي. وأن ما جاء في رواية خرّجها أحمد عنه أنه سأل النبي وهم. وقيل: إنه سفيانبن عبد الله الثقفي، فقد ورد عنة أنه سأل النبي فأجابه بذلك، فرد عليه مراراً يسأله عن ذلك يقول له نبيّ الله: لا تغضب. رواه العراقي في «أماليه» وقال: إنه حسن من هذا الوجه، قال: والحديث صحيح من وجه آخر يعني به حديث البخاري هذا. قال: وإنما أوردته من حديث سفيان لفائدة كونه هو السائل، قال: وقد روينا في أحاديث عن ابن عمر وعبد ابن عمرو وأبي الدرداء وجاريةبن قدامة أن كلاً منهم سأل النبيّ عن ذلك فقال له: لا تغضب اهـ. وجاء عن جابر وجارية كذلك، وتقدم عن «شرح المشكاة» لابن حجر أنه معاذبن جبل فلعله صدر من كل منهم (قال للنبيّ: أوصني) توصية جامعة لخير الدارين كما يدل عليه التعميم بحذف المفعول.

وجاء في رواية عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ولا تكثر عليّ لعلي أعقله» (قال لا تغضب) لما كان الغضب من نزغات الشيطان ولذا يخرج الإنسان عن اعتداله فيتكلم بالباطل ويفعل المذموم قال له لما قال أوصني: لا تغضب (فردد) السائل قوله: أوصني (مراراً قال) له في جواب كل مرة (لا تغضب) ولم يزد عليه، ففيه دليل على عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه، وعند الخرائطي زيادة «قال الرجل السائل: ففكرت حين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فإذا الغضب يجمع الشرّ كله» .

(رواه البخاري) في «صحيحه» عن حديث أبي هريرة وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه: ورواه المحاملي عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه ابن حبان في «روضة العقلاء» له عن أبي هريرة أو جابر، ورواية البخاري المذكور رافعة للشك. ورواه مسدد في «مسنده» عن أبي سعيد من غير تردد، وحديث أبي هريرة صحيح، وهو من أفراد البخاري: أي بالنسبة لمسلم، وأصح من حديث أبي سعيد، وروى من حديث جابر وابن عمر وابن عمرو وأبي الدرداء وجاريةبن قدامة، وطرق الحديث استوعب جملة منها السخاوي في تخريج الأربعين التي جمعها المؤلف نفع الله به يأتي نقلها عنه ملخصاً في باب الحلم.

٤٩٢٥ - (وعن أبي هريرة) الأخصر وعنه (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ما يزال البلاء) بالمصائب والمتاعب نازلاً (بالمؤمن والمؤمنة في نفسه) بالمرض والفقر، والغربة، التي هي في الظاهر كربة، وإن نظرت إليها وأنها واردة إليك من أرحم الراحمين انقلبت من كونها محنة إلى كونها منحة (وولده) بالموت والمرض أو عدم الاستقامة أو نحوه مما يؤلم الوالد بحسب الطبع البشري (وماله) بالتلف ببعض الأسباب من حرق أو سرقة أو نحو ذلك (حتى) غاية لنزول البلاء بأرباب الإيمان، أي إن البلاء لا يزال بالإنسان، أي: الصابر كما يدل عليه لفظ المؤمن والمؤمنة المحمول عن الفرد الكاملـ إلى أن يغفر الله له به الخطايا فـ (ـيلقى) أي المبتلي ليشمل كلاً منهما (اتعالى) ولقاء الله كناية عن الموت (وما عليه خطيئة) أي ذنب جملة حالية، وقوله خطيئة ظاهر عمومه شمول الكبائر والتبعات، فإن ثبت ذلك وأنه مراد فذلك من محض فضل الكريم الجواد، إذ صالح العمل ومنه الصبر والاحتساب إنما يكفر الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) يحتمل أن يكون على تقدير واو العطف إن كان له إسنادان أحدهما صحيح والآخر حسن، وأن يكون على تقدير «أو» إن كان سنده فرداً. واختلف في حاله وقد تقدم بسط هذا المقام في باب التوبة، والحديث رواه أيضاً مالك.

٥٠٢٦ - (وعن) عبد الله (بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم) بكسر الدال (عيينة) بضم أوله المهمل وفتح التحتية الأولى ووسكون الثانية بعدها نون فهاء (ابن حصين) بكسر فسكون للأوليه المهملتين الفزاري. أسلم يوم الفتح وقيل قبله، وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، ارتدّ وأتي به أسيراً إلى الصديق فأسلم فأطلقه، فقدم ابن حصين المدينة (فنزل على ابن أخيه الحرّ) بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين (ابن قيس) بن حصن الفزاري

صحابي، وهو الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه، فقال ابن عباس: هو الخضر، فسأل عنه أبياً فذكر فيه خبراً مرفوعاً كما قال ابن عباس، وقد أخرجه كذلك البخاري في كتاب العلم من «صحيحه» (وكان) الحرّ (من النفر) بفتح أوليه: الناس كلهم أو ما دون العشرة من الرجال وجمعه أنفار كذا في «مختصر القاموس» (الذين يدنيهم) بضم أوله: أي يقربهم (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) لكونه من الفقهاء القراء (وكان القراء) جمع قارىء، والمراد منهم القارىء للقرآن المتفهم لمعانيه. فإن عبادتهم حينئذٍ كانت كذلك حتى لقد قرأ عمر رضي الله عنه البقرة في سبع سنين لذلك (أصحاب) أي ملازمي (مجلس عمر رضي الله عنه) لينبهوه إذا سها ويذكروه إذا نسي (ومشاوريه) يحتمل أن يكون بالفوقية بعد الراء المهملة فيكون معطوفاً على مجلس، ويحتمل أن يكون بالتحتية جمع مذكر سالم فيكون معطوفاً على أصحاب (كهولاً كانوا أو شباناً) الكهل: الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب.

قال ابن فارس: قال المبرّد: هو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وفي «تحفة القارىء» : سن الشباب خمس وثلاثون سنة، وسن الكهولة خمسون سنة، وسن الشيخوخة ستون سنة اهـ، وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة وتستمرّ إلى الخمسين وما قبل ذلك من بعد البلوغ فسن الشباب. والشبان بضم المعجمة وتشديد الموحدة آخره نون جمع شاب، وفي نسخة بفتح أوليه وآخره موحدة أيضاً (فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه) أي: جاه (عند هذا الأمير) أي: عمربن الخطاب رضي الله عنه (فاستأذن لي) أمر: أي اسأل لي الإذن في الدخول (عليه، فاستأذن) أي الحر لعيينة (فأذن له عمر) أي: لعيينة في الوصول إليه (فلما دخل) معطوف على مقدر: أي فدخل فلما دخل (قال هي) بكسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد، وقيل: هي ضمير وثم محذوف: أي: هي داهية.

وفي البخاري هيه بهاء السكت في آخره، وفي أخرى منه: إيه بالهمز بدل الهاء وهما بمعنى كما قال ابن الأثير، فمعناهما بلا تنوين زدني من الحديث المعهود وبالتنوين من أيّ حديث كان (يا ابن الخطاب فوا ما تعطينا الجزل) بالنصب مفعول به أو مطلق: أي ما تعطينا الشيء الكثير أو العطاء الكثير وأصل الجزل ما عظم من الخطب. وكأنه أراد أنه

يستأثر به عن مستحقيه (ولا تحكم فينا بالعدل) وهو ما جاء به الكتاب والسنة نصاً أو استنباطاً (فغضب عمر رضي الله عنه) أي: لما رماه به من منع المال عن مستحقه من الأنام وعدم العدل في الأحكام (حتى هم) بتشديد الميم: أي أراد (أن يوقع به) بضم التحتية وكسر القاف والمفعول محذوف: أي شيئاً من العقوبة وذلك لجفائه وسوء أدبه معه (فقال له) : أي لعمر، وقدمه على الفاعل اهتماماً به (الحر: يا أمير المؤمنين) تقدم أوّل الكتاب أنه أوّل من لقب به من الخلفاء (إن الله تعالى قال لنبيه) محرّضاً له على الحلم والصفح: أي ولكم في رسول الله أسوة حسنة (خذ العفو) التيسير من أخلاق الناس ولا تبحث عنها.

وفي البخاري: عن عبد ابن الزبير «ما نزلت {خذ العفو وأمر بالعرف} (الأعراف: ١٩٩) إلا في أخلاق الناس» .

وفي رواية قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس» وكذا في «جامع الأصول» ( {وأمر بالعرف} ) أي المعروف ( {وأعرض عن الجاهلين} ) فلا تقابلهم بسفههم. روي أنه «لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل: ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل؛ ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» ذكره البغوي في تفسيره بلا سند.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه (وإن هذا من الجاهلين) المأمور بالصفح عنهم والتجاوز عن سوء فعلهم، والخطاب له يدخل في حكمه أمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به (وا ما جاوزها) أي الآية (عمر) أي ما خرج عما تضمنته من الصفح والتجاوز (حين تلاها) الحر (عليه) (وكان وقافاً عند) حدود (كتاب ا) كناية عن امتثاله لها والاهتمام بأمرها وعدم تجاوز ذلك، والوقاف بالتشديد للثاني من الوقوف كذا في «النهاية» (رواه البخاري) في التفسير وفي الاعتصام.

٥١٢٧ - (وعن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ستكون)

تحصل (بعدي) أي: بعد وفاتي بمدة كما يومىء إليه السين (أثرة) بالمثلثة والراء اسم مصدر استأثر، أو اسم مصدر آثر يؤثر: أي يستأثر عليكم: أي يفضل غيركم في نصيبه من الفيء، والاستئثار الانفراد بالشيء (وأمور تنكرونها) كما وقع من تأخير الصلوات وبعض المنكرات (قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟) نفعله حينئذٍ (قال: تؤدون) بضم الفوقية وفتح الهمزة وتشديد المهملة: أي تعطون (الحق الذي) كتب (عليكم) من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم (وتسألون الله الذي لكم) من الحق في بيت مال المسملين: أي تطلبون منه ذلك وهو يسخر قلوبهم لأداء ذلك أو يعوّضكم عنه/ ولا يجوز لكم الخروج عليهم لمنع أداء الحق الواجب عليهم وما نقل عن بعض السلف من الخروج على ولاة زمنه فذاك اجتهاد له. وفي الحديث الصبر على المقدور، والرضا بالقضاء حلوه ومرّه، والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم (متفق عليه) رواه البخاري في علامات النبوّة وفي الفتن، ورواه مسلم في المغازي، ورواه الترمذي في «جامعه» وقال: حسن صحيح (والأثرة) بفتح أوليه ويقال الأثرة بضم الهمزة وبالكسر وسكون المثلثة، وكالحسنى. كذا في «مختصر القاموس» (الانفراد بالشيء) أي: الاختصاص به أو ببعضه (عمن له فيه حق) فهو منع المستحق من نصيبه مثلاً أو من بعضه.

٥٢٢٨ - (وعن أبي يحيى) كني بابنه يحيى، وقيل: كنيته أبو عيسى كناه بها النبيّ، وقيل: أبو عتيك، وقيل: أبو حضير وقيل: أبو عمرو (أسيدبن حضير) وسيأتي ضبط هذين الاسمين. وأسيدبن حضير (رضي الله عنه) أنصاري أوسي أشهلي، أسلم قبل سعدبن معاذ على يد مصعببن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى وقيل الثانية، وكان الصديق يكرمه ولا يقدم عليه أحداً ويقول إنه لا خلاف عنده، وشهد العقبة الثانية وكان نقيباً لبني عبد الأشهل، واختلف في شهوده بدراً، وشهد أحداً وما بعدها. آخى بينه وبين زيد بن

حارثة، وكان من أحسن الصحابة صوتاً بالقرآن، وكان أحد العقلاء الكمل أصحاب الرأي. وأخرج في «أسد الغابة» عن أبي هريرة أن النبي قال: «نعم الرجل أسيدبن حضير» روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر حديثاً؛ قاله ابن حزم في «سيرته» ، اتفقا منها على حديث واحد وهو هذا، وانفرد البخاري عنه بحديث آخر أخرجه تعليقاً. توفي أسيد في شعبان سنة عشرين، وحمل عمر رضي الله عنه السرير حتى وضعه بالبقيع وصلى عليه، وكان قد أوصى إلى عمر في وفاء دينه فوجد عليه أربعة آلاف دينار فسده من ثمر نخله، باعه بذلك أربع سنين (أن رجلاً من الأنصار) .

قال الشيخ زكريا: قيل هو أسيدبن حضير الراوي اهـ.

قال السيوطي: ولا بد أن الراوي يبهم نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بالفاتحة (قال: يا رسول الله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (تستعملني) أي تصيرني عاملاً في بلاد ونحوها (كما استعملت فلاناً) هو: عمروبن العاص (وفلاناً) أي: استعمالاً كاستعمال فلان وفلان.

قال ابن السراج: لفظ فلان يكنى به عن اسم سمي به المحدّث عنه خاص بالناس غالباً، يقال في النداء يافل بحذف الألف والنون وقد يحذفان في غير النداء ضرورة، ويقال في غير الناس الفلان والفلانة بأن هذا ما ذكره الجوهري.

قال المصنف في «التهذيب» : ورد عن أبي يعلى في «مسنده» بإسناد على شرط مسلم عن ابن عباس قال: «ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، تعني: الشاة» الحديث. قال: كذا هو في النسخ المعتمدة فلانة من غير أل، وهذا تصريح بجوازه فهما لغتان اهـ. (فقال إنكم) أي: يا معشر الأنصار (ستلقون بعدي أثرة) تقدم ما فيه من اللغات والمعنى المراد منه (فاصبروا) على استئثارهم عليكم بما تستحقونه (حتى تلقوني على الحوض) أي: إلى الموت الكائن بعد البعث منه لقاؤهم له على الحوض. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين قوله: «إنكم ستلقون الخ» وما سأله من العمل. قلت: لعله أن من شأن العامل الاستئثار إلا من عصمالله، فأشفق عليه من أن يقع فيما يقع فيه بعض من يأتي بعده من الملوك/ فيستأثر على ذوي الحقوق ويمنعهم منه، وهذا من جملة معجزاته فقد وقع كما أخبر.

وفي الحديث إيماء إلى أن الخلافة بعده لا تكون فيهم؛ وقد أوصى عليهم (متفق عليه وأسيد بضم الهمزة) وفتح السين المهملة وسكون التحتية آخره دال مهملة (وحضير بالحاء المهملة المضمومة فضاد معجمة مفتوحة) عرف

الحاء ونكر الضاد تفننا في التعبير، وبعد الضاد تحتية ساكنة فراء مهملة.

٥٣٢٩ - (وعن أبي إبراهيم) وقيل: أبو معاوية، وقيل: أبو محمد (عبد ابن أبي أوفى) واسم أبي أوفى علقمةبن خالدبن الحارثبن أبي أسيدبن رفاعةبن ثعلبةبن هوازنبن أسلم الأسلمي، هو وأبوه صحابيان (رضي الله عنهما) بايع عبد الله بيعة الرضوان وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد. ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله، ثم تحوّل إلى الكوفة وهو آخر من توفي بها من أصحاب النبيّ. أخرج ابن الأثير في «أسد الغابة» عنه «أنه سئل عن أكل الجراد فقال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات نأكل الجراد» روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وتسعون حديثاً، اتفقا منها على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد.

توفي عبد الله بالكوفة سنة ستّ وقيل: سبع وثمانين بعد ما كفّ بصره رضي الله عنه (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه) أي أيام غزواته وحروبه وهو متعلق بقوله الآتي «انتظر» (التي لقي فيها العدو) وتقدم في باب التوبة أن عدد المغازي التي خرج لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسع منها بنفسه تقدم بيانها ثمة. والعدوّ بفتح العين فضم الدال المهملتين وتشديد الواو: يطلق على الواحد والجمع، والمراد منه الكفار (انتظر) أي أخر قتالهم (حتى إذا مالت الشمس) عن كبد السماء إلى جهة المغرب هو وقت الزوال، أي كان يؤخر القتال إلى ميل الشمس ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخفّ عليهم حمل السلاح التي يؤلم حملها في شدّة الهاجرة، وقيل بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نصر بها، وفي حديث عند أبي داود «كان ينتظر حتى تزول الشمس وتهب رياح النصر» (قام فيهم) وحتى لبيان غاية الانتظار: أي ما زال منتظراً إلى ميل الشمس وقام جواب إذا والظرف حال من الضمير في قام أي قام فيهم منبهاً لهم

على ما فيه صلاحهم (فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ) زاد في رواية «فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم» وحكمة النهي كما قاله ابن بطال أن المرء لا يعلم مآل أمره وهو نظير سؤال العافية في الفتن. وقال للصديق «لأن أعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر» وقيل: إنما نهي عنه لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على القوّة والوثوق بها وقلة الاهتمام بأمر العدو، وكل ذلك مباين للاحتياط والأخذ بالحزم.

زاد المصنف: وهو نوع بغى وقد وعد الله من بغى عليه بالنصر. وقيل: إن ذلك للخوف من إدالة العدوّ على المسلمين وظفره بهم، وقد جاء في هذا الحديث: «فإنهم ينصرون كما تنصرون» وفي هذا المحل بسط تام في «شرح الأذكار» فراجعه (واسألوا الله العافية) قال المصنف: كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الظاهر والباطن في الدين والدنيا والآخرة (فإذا لقيتموهم) أي: العدو (فاصبروا) على قتالهم ولا تجبنو عن حربهم فإنه تعالى مع الصابرين بالمعونة وقد وعد جنده بالظفر فقال: {وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات: ١٧٣) ففيه الحثّ على الصبر وهو من أهم المطلوب في الجهاد (واعلموا أن الجنة تحت ظلال) بكسر الظاء المعجمة جمع ظل (السيوف) أي حاصلة بها.

قال التوربشتي: معناه ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف ومشي المجاهد في سبيل الله فاحضروا بصدق نية واثبتوا.

وقال القرطبي: هذا من الكلام النفيس البديع الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته وحسن استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المقبولة الوجيزة بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله وأن يأتوا بنظيره وشكله. فإنه استفيد منه مع وجازته الحضّ على الجهاد والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف بعضهم ببعض حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو ويرتفع عليهم حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب بالسيف في سبيل الله يدخل الجنة بذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: «الجنة تحت أقدام الأمهات» ويعني: أن من بر أمه وقام بحقها دخل الجنة (ثم قال) : داعياً بالنصر، وقدم الثناء عليه تعليماً للأدب فيه، وهو أن يقدم الداعي أمام دعائه ذكر بعض أسمائه تعالى وأوصافه مما يناسب حاجته ومطلوبه،

لأنه () مطلوبه هنا النصرة وهي من آثار القدرة، والمذكور يناسبها: أي مناسبة (اللهم) يا (منزل الكتاب) أل فيه للجنس والكتب المنزلة إلى الدنيا بتخفيف الزاي ويجوز تشديدها مائة وأربعة: ستون صحف شيث، وثلاثون صحف إبراهيم، وعشر صحف موسى قبل التوراة، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان.

ويجوز أن تكون أل للعهد؛ والمراد به القرآن، وفي ذكره إيماء إلى وعده بنحو قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء: ١٠٥) ولذا جاء عنه «لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده» (ومجرى السحاب) بإثبات واو العطف، ووقع في بعض نسخ الحصن حذفها، والذي في الصحيح إثباتها (وهازم الأحزاب) الطوائف من الكفار الذين تحزّبوا على رسول الله، واحده حزب بالكسر.

وكانت وقعة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل في الرابعة منها، وإنما خصت بالذكر لأن هزمهم فيها مع كثرة عددهم وعددهم إنما كان بحض القدرة الإلهية، لا دخل فيه لمباشرة الأسباب، بخلاف باقي الحروب فإنه كان عقب مقابلتهم، بل وأعجب من ذلك أن هزمهم كان بما يستراح به الشيء عادة، وهي ريح الصبا التي تستريح بها النفوس ويرتاح بها المأنوس، فكان ذلك لهم دافعاً ولكيدهم مانعاًـ {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً} (الأحزاب: ٢٥) ، (اهزمهم) أي: القوم المحاربين حينئذٍ، أي اغلبهم (وانصرنا عليهم) أي: عجل به، وإلا فرسل اهم المنصورون، وجند اهم الغالبون، وخص الدعاء عليهم بما ذكر دون الإهلاك لأن فيه سلامة نفوسهم، وقد يكون فيها رجاء لإسلامهم بخلاف الإهلاك.

وفي الحديث استعمال السجع في الدعاء. وقال المصنف وغيره: والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ لأنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب. أما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال فصاحة الداعي ونحو ذلك، أو لكونه محفوظاً فلا بأس به، بل هو حسن اهـ.

وفي الحديث الدعاء حال الشدائد والخروج من الحول والقوّة وذلك من أعظم الأسباب لبلوغ المآرب ونيل المطالب.

وفي الحديث: «لا حول ولا قوّة إلا با دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم» والله أعلم. وفي فعله جمع بين الحقيقة والشريعة، فالشريعة أخذه العدة من السلاح وغيره والخروج للقتال وتحريض الصحابة على ذلك، والحقيقة هي دعاؤه وإظهاره للافتقار وتعلقه بربه، وكذا كان عليه الصلاة والسلام يفعل

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

في هذا الحديث: فضل الإخلاص في العمل، وأنه ينجي صاحبه عند الكرب.

وفيه: فضل بر الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمُّل المشقة لأجلهما.

وفيه: العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة.

وفيه: فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.

[٢- باب التوبة]

قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لا تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط:

أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.

والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.

والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.

وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ، وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالاً أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ.

التوبة: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وطلب الاستحلال مِنَ المقذوف ونحوه إن بلغه ذلك، وإلا كفى الاستغفار، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارةُ

من اغتبته أن تسغفر له»

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور (٣١) ] .

(لعل) في الأصل للترجي، وفي كلام الله تعالى للتحقيق؛ لأنَّ وعده واقع والآية تدل على وجوب التوبة من الصغائر والكبائر.

وَقالَ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح (١٠) ] .

وهذه الآية أيضًا تدل على وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.

وَقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا} [التحريم (٨) ] .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع.

[١٣] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تحريض للأمة على التوبة والاستغفار.

قال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.

[١٤] وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث أيضًا: وجوب التوبة والاستغفار، واستمرار ذلك في كل وقت، وعلى كل حال.

[١٥] وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية لمُسْلمٍ: «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» .

في هذا الحديث: محبة الله تعالى لتوبة عبده حين يتوب إليه، وأنه يفرح بذلك فرحًا شديدًا يليق بجلاله.

وفيه: أنَّ ما قاله الإنسان في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.

وفيه: ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.

وفيه: بركة الاستسلام لأمر الله تعالى.

[١٦] وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا، ليتوب عليهم.

[١٧] وعن أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» . رواه مسلم.

قبول التوبة مستمر ما دام بابها مفتوحًا، فإذا أغلق لم تقبل. قال الله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام (١٥٨) ] ، يعني: إذا طلعت الشمس من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه، ولا العاصي توبته.

[١٨] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِنَّ الله - عز وجل - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

الغرغرة: وصول الروح الحلقوم. قال الله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء (١٨) ] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر (٨٤، ٨٥) ] .

[١٩] وعن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - رضي الله عنه - أسْألُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: ما جاءَ بكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاء العِلْمِ، فقالَ: إنَّ المَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطَالبِ العِلْمِ رِضىً بِمَا يطْلُبُ. فقلتُ:

إنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْري المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَولِ، وكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفراً - أَوْ مُسَافِرينَ - أنْ لا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ... ونَوْمٍ. فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكرُ في الهَوَى شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاه أَعرابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحْواً مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لا أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ» . فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عاماً - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحاً للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله: «حك» ، أي: أثَّر. والهوى: الحب.

وفي الحديث: فضل حب الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتًا.

وفيه: فضل العلم وأهله، وفي صحيح مسلم، قال أنس: «ما فرحنا فرحًا أشد ما فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب» . وقال أنس: «

أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم» .

[٢٠] وعن أبي سَعيد سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - أنّ نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» .

وفي رواية في الصحيح: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي،

وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وفي رواية: «فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا» .

في هذا الحديث: فضل العلم على العبادة.

وفيه: والهجرة من دار العصيان، ومقاطعة إخوان السوء، واستبدالهم بصحبة أهل الخير والصلاح.

وفيه: دليل على أنَّ القاضي إذا تعارضت الأقوال عنده، يحكم بالقرائن.

وفيه: أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها. وأن من صدق في توبته، تاب الله عليه، ولو لم يعمل خيرًا إذا عزم على فعله.

[٢١] وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - رضي الله عنه - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ

الغَزْوَةِ،

وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاستَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَادياً والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصَاً عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى ... مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ

تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه -: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرَاً،

فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ ... سَخَطِهِ ... غَدَاً؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قّدْ أظَلَّ قَادِمَاً، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وَثَمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» ، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ،

وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - عز وجل -، والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ

اللهُ فيكَ» . وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَكَ. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلَالُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي،

حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي

أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ ... أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتباً. فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلَالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ

كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلَال بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنا

خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - عز وجل - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ ... إِلَيَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً ... فَوْجاً يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى ... دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ -.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ

مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - عز وجل -» ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله،

إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ... لَكَ» . فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ... [التوبة (١١٧: ١١٩) ] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة (٩٥، ٩٦) ]

قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

أمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.

وفي رواية: وكانَ لا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نَهَاراً في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.

في هذا الحديث: أكثر من أربعين فائدة، منها: فضيلة الصدق، والحكم بالظاهر، وأنَّ القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ ضعيف الدين.

وفيه: جواز هجران المذنب أكثر من ثلاث إذا ظهرت فائدته، ولم يترتب عليه مفسدة، واستحباب الصدقة عند التوبة. وبالله التوفيق.

[٢٢] وَعَنْ أبي نُجَيد - بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيم - عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني» فَفَعَلَ فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ

زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ

تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بنفْسِها لله - عز وجل -؟!» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الحد يكفر الذنب، وأنه يصلي على المرجوم.

وفيه: بيان عظم التوبة، وأنها تَجُبُّ الذنب وإن عظم.

وفي رواية: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت» .

قال النووي: فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، تكرار ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. انتهى والله المستعان.

[٢٣] وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:

{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الآيات [المعارج (١٩: ٢٥) ] .

[٢٤] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتلُ أَحَدهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا في سَبيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتلِ فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ» . مُتَّفَقٌ عليه.

ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أنَّ الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرًا، ولا يؤيسه ذلك من رحمة الله، فإن الله واسع المغفرة. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر (٥٣) ] .

[٣- باب الصبر]

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران (٢٠٠) ] .

الصبر ثلاثةُ أَنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله. وقد أَمر الله تعالى بالصبر على ذلك كله.

وقوله تعالى: {وَصَابِرُوا} أي: غالبوا الكفار بالصبر فلا يكونوا أَشدَّ صبرًا منكم، فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون.

وقوله تعالى: {وَرَابِطُوا} أي: أقيموا على الجهاد. قال - صلى الله عليه وسلم -: «رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: ... «أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إِسباغ الوضوء على المكاره، وكَثْرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط، فذالكم الرباط» .

وقال تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٥) ] ،

على البلايا والرزايا بالذكر الجميل والثَواب الجزيل.

وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر (١٠) ] .

أي: بغيرِ مكْيالٍ، ولا وزن، فلا جزاء فوق جزاء الصبر.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

أي: مَنْ صبر فلم ينتصر لنفسه وتجاوز عن ظالمه، فإِن ذلك من الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة.

وَقالَ تَعَالَى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٣) ]

أي: استعينوا على طلب الآخرة بحبس النَّفْس عن المعاصي، والصبر على أداء الفرائض، فإنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: ثقيلة {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} أي: المؤمنين حقًّا.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} ... [محمد (٣١) ] ، وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.

أي: ولنختبرنكم بالتكاليف حتى يتميز الصادق في دينه من الكاذب. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج (١١) ] .

وَالآيَاتُ في الأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَبَيَانِ فَضْلهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفةٌ.

قيل: إنَّ الصبر ذُكِرَ في مئة موضع من القرآن.

[٢٥] وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصم الأشعريِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ ... رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان، والحَمدُ لله تَمْلأُ الميزَانَ،

وَسُبْحَانَ الله والحَمدُ لله تَملآن - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَينَ السَّماوات وَالأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدقةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرْآنُ حُجةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُها» . رواه مسلم.

قوله: «الطُّهُور شَطْرُ الإِيمان» ، أي: نصفه؛ لأَن خِصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة. قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أَحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أَن لا إِله إِلا الله، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله، إِلا فتحت له أَبواب الجنة الثمانية يدخل في أَيِّها شاء» .

قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» أي: أَجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى. وفي الحديث الآخر: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إِله إِلا الله ليس لها دون الله حجابٌ حتى تصل إِليه» .

وسببُ عظم فضل هذه الكلمات: ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى، وتوحيده، والافتقار إِليه.

قوله: «والصلاة نورٌ» أي: لصاحبها في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة. «والصدقة برهان» أي: دليلٌ واضح على صحة الإِيمان. ... «والصبر ضياء» ، وهو النور الذي يحصل فيه نوعُ حرارة؛ لأَنَّ الصبر لا يحصل إِلا بمجاهدة النفس.

«والقرآن حجةٌ لك أَو عليك» أي: إِن عملت به فهو حجة لك، وإلا فهو حجة عليك. قوله: «كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقُها»

أي: كل إِنسان يسعى، فمنهم من يبيع نفسه لله بطاعته فيعتقها من النار، ومنهم مَنْ يبيعها للشيطان والهوى فيهلكها.

قال الحسن: «يا ابن آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأَرباح، فليكن هَمُّك نفسك، فإِنك لن تربح مثلها أَبدًا» .

[٢٦] وعن أبي سَعيد سعدِ بن مالكِ بنِ سنانٍ الخدري رضي الله عنهما: أَنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ سَألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أنْفْقَ كُلَّ شَيءٍ بِيَدِهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: الحثُّ على الاستعفاف، وأَنَّ مَنْ رزقه الله الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا، فقد أعطاه خيرًا كثيرًا.

[٢٧] وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

«عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلا للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فَضْلُ الشكر على السّرّاء والصبر على الضرّاء، فمن فعل ذلك حصل له خيرُ الدارين، ومَنْ لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأَجر، وحصل له الوِزْر.

[٢٨] وعن أنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَعلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: وَاكَربَ أَبَتَاهُ. فقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ» فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبّاً دَعَاهُ! يَا أَبتَاهُ، جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْريلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضي الله عنها: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - التُّرَابَ؟! رواه البخاري.

في هذا الحديث: جوازُ التوجع للميِّت عند احتضاره، وأَنه ليس من النياحة. ومناسبة إِيراده في باب الصبر: صبرُهُ - صلى الله عليه وسلم - على ما هو فيه من سكرات الموت، وشدائده، ورضاه بذلك، وتسكين ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: «لا كرب عَلَى أَبيكِ بَعْدَ اليَوْمِ» .

[٢٩] وعن أبي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حارثةَ مَوْلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحِبِّه وابنِ حبِّه رضي اللهُ عنهما، قَالَ: أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرئُ السَّلامَ، ويقُولُ: «إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ - رضي الله عنهم -، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ... الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: «هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ

عِبَادِهِ» وفي رواية: «فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَمَعنَى «تَقَعْقَعُ» : تَتَحرَّكُ وتَضْطَربُ.

في هذا الحديث: جوازُ استحضار أهل الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، واستحباب إبرار القسم، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضا مقاومًّا للحزن بالصبر , وفيه: جواز البكاء من غير نوح ونحوه.

[٣٠] وعن صهيب - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلاماً يُعَلِّمُهُ، وَكانَ في طرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعدَ إِلَيْه وسَمِعَ كَلامَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ، مَرَّ بالرَّاهبِ وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِب، فَقَالَ: إِذَا خَشيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا خَشِيتَ أهلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.

فَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَقَالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ السَّاحرُ أفْضَلُ أم الرَّاهبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدّابَّةَ حَتَّى يَمضِي النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها ومَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهبَ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَومَ أفْضَل منِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى،

وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإن ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ وَكانَ الغُلامُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرصَ، ويداوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاء. فَسَمِعَ جَليسٌ لِلملِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فأتاه بَهَدَايا كَثيرَةٍ، فَقَالَ:

مَا ها هُنَا لَكَ أَجْمعُ إنْ أنتَ شَفَيتَنِي، فَقَالَ: إنّي لا أشْفِي أحَداً إِنَّمَا يَشفِي اللهُ تَعَالَى، فَإنْ آمَنْتَ بالله تَعَالَى دَعَوتُ اللهَ فَشفَاكَ، فَآمَنَ بالله تَعَالَى فَشفَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَما كَانَ يَجلِسُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَنْ رَدّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيري؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجيء بالغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرئ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! فَقَالَ: إنِّي لا أَشْفي أحَداً، إِنَّمَا يَشفِي الله تَعَالَى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهبِ؛ فَجِيء بالرَّاهبِ فَقيلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِنْشَارِ فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَليسِ المَلِكِ فقيل لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلَامِ فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَل، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلا فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفنيهمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمُ الجَبلُ فَسَقَطُوا، وَجاءَ يَمشي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ الله تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ

رَجعَ عَنْ دِينِهِ وإِلا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفِنيهمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفينةُ فَغَرِقُوا، وَجَاء يَمْشي إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فعلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانيهمُ الله تَعَالَى. فَقَالَ لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعيدٍ وَاحدٍ وتَصْلُبُني عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ

خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بسْم الله ربِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلتَني، فَجَمَعَ النَّاسَ في صَعيد واحدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوقَعَ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ والله نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأفْواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرانُ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينهِ فَأقْحموهُ فيهَا، أَوْ قيلَ لَهُ: اقتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُمهْ اصْبِري فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ!» . رواه مسلم.

«ذِروَةُ الجَبَلِ» : أعْلاهُ، وَهيَ - بكَسْر الذَّال المُعْجَمَة وَضَمِّهَا - و «القُرْقُورُ» : بضَمِّ القَافَينِ نَوعٌ مِنَ السُّفُن وَ «الصَّعيدُ» هُنَا: الأَرضُ البَارِزَةُ وَ «الأُخْدُودُ» الشُّقُوقُ في الأَرضِ كَالنَّهْرِ الصَّغير، وَ «أُضْرِمَ» : أوْقدَ، وَ «انْكَفَأتْ» أَي: انْقَلَبَتْ، وَ «تَقَاعَسَتْ» : تَوَقفت وجبنت.

قال القُرطبي: اسم الغلام عبد الله بن ثامر. وذُكر عن ابن عباس أَن الملك كان بنجران.

وفي هذا الحديث: إِثبات كرامة الأَولياء. وفيه: نصرُ مَنْ توكل على الله سبحانه، وانتصر وخرج عن حَوْل نفسه وقواها. وفيه: أَنَّ أَعمى القلب لا يبصر الحق. وفيه: بيان شرف الصبر والثبات على الدِّين.

[٣١] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بامرأةٍ تَبكي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتّقِي الله واصْبِري» فَقَالَتْ: إِليْكَ عَنِّي؛ فإِنَّكَ لم تُصَبْ بمُصِيبَتي وَلَمْ تَعرِفْهُ، فَقيلَ لَهَا: إنَّه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَتْ بَابَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فقالتْ: لَمْ أعْرِفكَ، فَقَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ ... الأُولى» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم: «تبكي عَلَى صَبيٍّ لَهَا» .

في هذا الحديث: أَن ثواب الصبر إِنَّما يحصل عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعدها، فإن صاحبها يسلو كما تسلو البهائم.

[٣٢] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.

هذا من الأحاديث القدسية، وفيه: أَنَّ مَنْ صبر على المصيبة واحتسب

ثوابها عند الله تعالى، فإنَّ جزاءه الجنَّة.

[٣٣] وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الطّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على الأَقدار والاحتساب لثوابها.

قال بعض العلماء: إِنَّ الصابر في الطاعون يأمن من فَتَّان القبر؛ لأَنه نظير المرابطة في سبيل الله. وقد صحَّ ذلك في المرابط كما في (مسلم) وغيره.

[٣٤] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله - عز وجل -، قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يريد عينيه، رواه البخاري.

في هذا الحديث القدسي: أَن من صبر على فقد بصره واحتسب أجره عند الله تعالى: عَوَّضه عن ذلك الجنة.

[٣٥] وعن عطَاء بن أبي رَباحٍ قَالَ: قَالَ لي ابنُ عَباسٍ رضي اللهُ عنهما: ألا أُريكَ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوداءُ أتتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: إنّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ الله تَعَالَى لي. قَالَ: «إنْ شئْتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإنْ شئْتِ دَعَوتُ الله تَعَالَى أنْ

يُعَافِيكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فَادعُ الله أنْ لا أَتَكَشَّف، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على البلاء، وعظم ثواب مَنْ فَوَّض أَمره إلى الله تعالى.

[٣٦] وعن أبي عبد الرحمنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِياءِ، صَلَواتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهمْ، ضَرَبه قَوْمُهُ فَأدْمَوهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومي، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ» . مُتَّفَقٌ علَيهِ.

في هذا الحديث: فضلُ الصبر على الأَذي، ومقابلة الإِساءة والجهل بالإحسان والحِلْم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ٣٥} [فُصِّلت (٣٥) ] .

[٣٧] وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذَىً، وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

و «الوَصَبُ» : المرض.

في هذا الحديث: أَنَّ الأمراض وغيرها من المؤذيات مُطهرةٌ للمؤمن من الذنوب، فَيَنْبَغِي الصَّبرُ على ذلك ليحصل له الأَجرُ، والمصاب مَنْ حُرِم الثواب.

[٣٨] وعن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دخلتُ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يُوعَكُ، فقلت: يَا رسُولَ الله، إنَّكَ تُوْعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ: «أجَلْ، إنِّي أوعَكُ كمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ» . قلْتُ: ذلِكَ أن لَكَ أجْرينِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، ذلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَ (الوَعْكُ) : مَغْثُ الحُمَّى، وَقيلَ: الحُمَّى.

أَجَلْ: جوابٌ مثل نعم، إِلا أَنَّه أَحسن من نعم في التصديق، ونعم، أَحسن في الاستفهام.

وفي هذا الحديث: فضل الصبر على الأَمراض والأَعراض، وأَنها تُكَفِّر السيِّئات، وتحط الذنوب.

وفي الحديث الآخر: «أّشدُّ الناس بلاءً الأَنبياء، ثم الأَمثل، فالأَمثل» .

[٣٩] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ» . رواه البخاري.

وَضَبَطُوا «يُصِبْ» بفَتْح الصَّاد وكَسْرها.

في هذا الحديث: أَنَّ المؤمن لا يخلو من عِلَّة أَو قلة، أَو ذلّة، وذلك خير له حالاً ومآلاً. قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٥) ] .

[٤٠] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ لضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فاعلاً، فَليَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيراً لِي، وَتَوفّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيراً لي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: النهي عن تمنِّي الموت جزعًا من البلاء الدنيوي، بل يصبر على قدر الله ويسأَله العافية، ويفوِّض أَمره إِلى الله.

[٤١] وعن أبي عبد الله خَبَّاب بنِ الأَرتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الكَعْبَةِ، فقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ألا تَدْعُو لَنا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ

نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ ... لا يَخَافُ إلا اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ» . رواه البخاري.

وفي رواية: «وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شدَّةً» .

في هذا الحديث: مَدْحُ الصبر على العذاب في الدين، وكراهة الاستعجال. قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ

الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة (٢١٤) ] .

[٤٢] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَاساً في القسْمَةِ، فَأعْطَى الأقْرَعَ بْنَ حَابسٍ مئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَة بْنَ حصن مِثْلَ ذلِكَ، وَأَعطَى نَاساً مِنْ أشْرافِ العَرَبِ وآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ في القسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: واللهِ إنَّ هذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُريدَ فيهَا وَجْهُ اللهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَتَيْتُهُ فَأخْبَرتُهُ بمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لم يَعْدِلِ ... اللهُ وَرسولُهُ؟» ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبر» . فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْه بَعدَهَا حَدِيثاً. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَقَوْلُهُ: «كالصِّرْفِ» هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.

في هذا الحديث: استحبابُ الإِعراض عن الجاهل والصفح عن الأَذى والتأَسِّي بمن مضى من الصالحين، قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان (٦٣) ] .

[٤٣] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَرَادَ الله بعبدِهِ الخَيرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ الشَّرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يومَ القِيَامَةِ» .

وَقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

في هذا الحديث: الحثُّ على الصبر على ما تجري به الأَقدار، وأَنه خيرٌ للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز، ومن سخط فاته الأَجر وثبت عليه الوِزْر، ومضى فيه القدر.

[٤٤] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ - رضي الله عنه - يَشتَكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أمُّ سُلَيم وَهِيَ أمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إليه العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ منْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَتْ: وَارُوا الصَّبيَّ فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أعَرَّسْتُمُ اللَّيلَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا» ، فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَقَالَ لي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَراتٍ، فَقَالَ: «أَمَعَهُ شَيءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَراتٌ، فَأخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ الله. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية للبُخَارِيِّ: قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ:

فَرَأيْتُ تِسعَةَ أوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا القُرْآنَ، يَعْنِي: مِنْ أوْلادِ عَبدِ الله المَولُودِ.

وَفي رواية لمسلمٍ: مَاتَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْه عَشَاءً

فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا. فَلَمَّا أَنْ رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيتَ لو أنَّ قَوماً أعارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أن يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ، ثُمَّ أخْبَرتني بِابْنِي؟! فانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ... رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُمَا» ، قَالَ: فَحَمَلَتْ. قَالَ: وَكانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ وَهيَ مَعَهُ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَتَى المَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً فَدَنَوا مِنَ المَدِينَة، فَضَرَبَهَا المَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وانْطَلَقَ ... رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ: يَقُولَ أَبُو طَلْحَةَ: إنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أَنَّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أجدُ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلدَت غُلامَاً. فَقَالَتْ لِي أمِّي: يَا أنَسُ، لا يُرْضِعْهُ أحَدٌ حَتَّى تَغْدُو بِهِ عَلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وَذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيثِ.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر والتسليم لأَمر الله تعالى، وأَنِّ مَنْ فعل ذلك رجي له الإِخلاف في الدنيا، والأَجر في الآخرة كما في الدُّعاء المأثور: « (اللهم أَجرني في مصيبتي، واخلف لِي خيرًا منها» .

وفيه: التسلية عن المصائب، وتزين المرأَة لزوجها، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورةُ إليها، ولم يترتب عليها إِبطالُ حق.

وفيه: أَنَّ مَنْ ترك شيئًا لله عوضه اللهُ خيرًا منه.

[٤٥] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالصُّرَعَةُ» : بضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وأَصْلُهُ عِنْدَ العَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثيراً.

في هذا الحديث: مَدْح من يملك نفسه عند الغضب. قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران (١٣٤) ] .

والغضب: جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير، وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصني. قال: «لا تغضب» ، فردَّد مرارًا. قال: «لا تغضب» .

وقال عمر بن عبد العزيز: قد أَفْلح مَنْ عُصِم من الهوى، والغضب، والطمع.

[٤٦] وعن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ:

أعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ» . فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: أن الشيطان هو الذي يثير الغضب ويشعل النار، وأن دواءه الاستعاذة. قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الاعراف (٢٠٠) ] .

[٤٧] وعن معاذِ بنِ أَنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيظاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ» . رواه أَبو داود والترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .

رُوى أنَّ الحسين بن علي رضي الله عنهما كان له عبدٌ يقوم بخدمته ويقرب إليه طهره، فقرب إليه طهره ذات يوم في كُوز، فلما فَرَغ الحسين من طهوره رفع العبدُ الكوز من بين يديه، فأصاب فم الكوز رباعية الحسين فكسرها، فنظر إليه الحسين، فقال العبد: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} قال: قد كظمتُ غيظي. فقال: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} . قال: قد عفوت عنك. قال: {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.

[٤٨] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِراراً، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.

هذه وصيةٌ وجيزة نافعة؛ لأَنَّ الغضب يجمع الشرَّ كله، وهو باب من من مداخل الشيطان. وفي الحديث دليلٌ على عظم مفسدة الغضب، وما

ينشأ منه؛ لأَنه يُخرج الإِنسان عن اعتداله فيتكلم بالباطل، ويفعل المذموم والقبيح.

[٤٩] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن صحيح) .

في هذا الحديث: أنَّ المصائبَ والمتاعب النازلة بالمؤمن الصابر من المرض، والفقر، وموت الحبيب، وتلف المال، ونقصه: مكفَّرات لخطاياه كلها.

[٥٠] وعن ابْنِ عباسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - رضي الله عنه -، وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِس عُمَرَ - رضي الله عنه - وَمُشاوَرَتِهِ كُهُولاً كانُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ

وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف (١٩٩) ] وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.

في هذا الحديث: أَنَّه ينبغي لولي الأَمر مجالسة القراء والفقهاء ليذكروه إذا نسي، ويعينوه إذا ذكر. وفيه: الحِلْم والصفح عن الجهال.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آيةٌ أَجمع لمكارم الأخلاق من هذه. ورُوي أَنَّ جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ ربَّك يأمرك أن تصل مَنْ قطعك، وتُعطي مَنْ حرمك، وتعفوَ عَمَّن ظلمك» .

والخطاب له - صلى الله عليه وسلم - يدخل في حكمه أُمَّته.

[٥١] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّهَا سَتَكونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها!» قَالُوا: يَا رَسُول الله، فَمَّا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسأَلُونَ الله الَّذِي لَكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالأَثَرَةُ» : الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.

في هذا الحديث: الصَّبْر على جَور الولاة، وإِن استأثروا بالأَموال، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.

[٥٢] وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير - رضي الله عنه -: أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ قَالَ:

يَا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً، فَقَالَ:

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٢- باب التوبة]

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالي، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط.

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ منحق صاحبها، فإن كانت مالاً او نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة:

قال الله تعالي:) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقال تعالي:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم: من الآية٨) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي - باب التوبة:

التوبة لغة: من تاب يتوب، إذا رجع.

وشرعاً: الرجوع من معصية الله تعالي إلي طاعته.

وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلي الإيمان، قال الله تعالي:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨) ، ثم يليها التوبة من الكبائر؛ كبائر الذنوب.

ثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب.

والواجب علي المرء، أن يتوب إلي الله - سبحانه وتعالي- من كل ذنب.

وللتوبة شروط ثلاثة: كما قال المؤلف - رحمه الله-، ولكنها بالتتبع تبلغ إلي خمسة:

الشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله- عز وجل- وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية. لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.

وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وأن يعفو الله عن ذنوبه.

الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل علي انه صادق في التوبة؛ بمعني أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله، ولا يري أنه في حل منه حتى يتوب منه إلي الله.

الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه، وهذا من أهم شروطه. والإقلاع عن الذنب: إن كان الذنب ترك واجب؛ فالإقلاع عنه بفعله؛ مثل أن يكون شخص لا يزكي، فأراد أن يتوب إلي الله، فلابد من ان

يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها. وإذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين؛ فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما، وإذا كان مقصراً في صلة الرحم؛ فإنه يجب عليه أن يصل الرحم.

وإن كانت المعصية بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فوراً، ولا يبقي فيه ولا لحظة.

فإذا كانت من أكل الربا مثلاً، فالواجب أن يتخلص من الربا فوراً، بتركه والبعد عنه، وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا، إذا كانت المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب عليه أن يرده إلي صاحبه، أو يستحله منه، وإذا كانت غيبة، فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أن يقول إنه تائب إلي الله وهو مصر على ترك الواجب، أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة. بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلي الله- عز وجل- وأنت مصر علي معصيته؟!

لو أنك تعامل بشرا من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود، ثم في نيتك وفي قلبك أنك ستعود، وعدت، فإن هذه سخرية بالرجل، فكيف بالله رب العالمين؟!

فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب.

ومن الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا، وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله، أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم

الناس؛ وهو من أكثر الناس غيبة- نسأل الله العافية-، أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة في الناس؛ وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة!!

على كل حال، الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه، فإن لم يقلع فتوبته مردودة لا تنفعه عند الله عز وجل. والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق في حق الله- عز وجل- فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك، ولا ينبغي- بل قد نقول: لا يجوز- أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب. لأن هذا بينك وبين الله، فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إي الله.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين))

ومن المجاهرة، كما جاء في الحديث: ((أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا...إلي آخره))

إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنباً فيه حد، فإنه لا باس أن يذهب إلي الإمام الذي يقيم الحدود- مثل الأمير- ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه، هذا

هو الأفضل.

يعني يباح له أن يذهب إلي ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا، فيقول إنه فعل كذا وكذا؛ يطلب إقامة الحد عليه؛ لأن الحد كفارة للذنب.

أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله، وكذلك الزنا وشبهه، استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر- لا تفضح نفسك.

ما دمت أنك قد تبت فيما بينك وبين الله تعالي، فإن الله تعالي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالاً فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون قد سرقت مالاً من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.

أو جحدت حقاً لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه. فإن كان قد مات، فإنك تعطيه ورثته، فإن لم تعرفهم، أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً، فتصدق به عنه تخلصاً منه، والله- سبحانه وتعالي- يعلمه ويعطيه إياه.

أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبهه، فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته؛ إن كان على الظهر فعلي الظهر، وإن كان علي الرأس فعلي الرأس، أو في أي مكان ضربته فليقتص منك؛ لقول الله تعالي سبحانه:) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: من الآية٤٠) ولقوله:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: من الآية١٩٤) .

وإذا كان بقول؛ أي: أذية بالقول، مثل ان تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته، فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه. حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه.

الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته، وقدحت فيه عند الناس وهو غائب.

فهذه اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: لا بد أن تذهب إليه، وتقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني.

وقال فيها بعض العلماء؛ لا تذهب إليه، بل فيع التفصيل! فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله. وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه، واستغفر له، وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها؛ فإن الحسنات يهذبن السيئات. وهذا القول أصح؛ وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، تقول: ((اللهم اغفر له)) كما جاء في الحديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له)) فلابد في التوبة من أن تصل الحقوق إلي أهلها.

أما الشرط الرابع: فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل؛ بأنك لن

تعود إلي هذا العمل في المستقبل، فإن كنت تنوي ان تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح؛ مثل: رجل كان- والعياذ بالله- يستعين بالمال على معصية الله، يشتري به المسكرات، يذهب إلي البلاد يزني- والعياذ بالله- ويسكر. فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك، وهو كاذب، يقول: تبت إليك، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلي مجاريها الأولي فعل فعله الأول.

فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تبت لست بقادر على فعل المعصية، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر، فيقول: تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه عاد إليه ما افتقده لعاد إلي المعصية مرة ثانية، فهذه توبة غير مقبولة؛ لأنها توبة عاجز، وتوبة العاجز لا تنفعه.

الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة. وذلك علي نوعين:

النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه.

النوع الثاني: باعتبار العموم.

أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل- يعني الموت-، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب؛ لقول الله تعالي) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية١٨) هؤلاء ليس لهم توبة!

وقال تعالي:) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (فَلَمْ يَكُ

يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي

عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: ٨٤/٨٥) فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل؛ فهذا يعني أنه أيس من الحياة، فتكون توبته في غير محلها! بعد أن أيس من الحياة، وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب! هذه توبة اضطرار، فلا تنفعه ولا تقبل منه، لابد أن تكون التوبة سابقة.

أما النوع الثاني: وهو العموم، فإن الرسول - عليه الصلاة والسلام- أخبر بأن: ((الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

فإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحداً من توبة. قال الله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) (الأنعام: من الآية١٥٨) وهذا البعض: هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.

إذا فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان.

ثم أختلف العلماء - رحمهم الله- هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا، في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم ‍‍!!

منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب، ويبقي الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال.

ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر.

ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإلا قبلت.

مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه- والعياذ بالله- يشرب الخمر ومصر على شرب

الخمر.

فهنا من العلماء من قال: إن توبته من الربا لا تقبل، كيف يكون تائبا إلي الله وهو

مصر علي معصيته؟

وقال بعض العلماء: بل تقبل؛ لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر، وهذا هو

الذي مشي عليه المؤلف- رحمه الله- وقال: إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق.

فهذا فيه الخلاف: بعضهم يقول: وبعضهم يقول: لا تقبل. أما إذا كان من الجنس؛ مثل أن يكون الإنسان- والعياذ بالله مبتلي بالزنا، ومبتلي أيضاً بالإطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة وما أشبه ذلك، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلي النساء شهوة؟ أو بالعكس؟

هذا فيه أيضاً خلاف؛ فمنهم من يقول: تصح.

ومنهم من يقول: لا تصح التوبة.

ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يعطي الإنسان اسم التائب علي سبيل الإطلاق، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون؛ لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب لكنه لا يستحق

أن يوصف بالتوبة علي سبيل الإطلاق، بل يقال: هذا توبته ناقصة وقاصرة؛ فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ أنه لا يعطي الوصف علي سبيل الإطلاق، ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب.

قال المؤلف- رحمه الله- إن النصوص من الكتاب والسنه تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي، وصدق-رحمه الله- فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها، وكذلك الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم.

وقد بين الله تعالي في كتابه أنه - سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون: الذين يكثرون التوبة إلي الله- عز وجل -؛ كلما أذنبوا ذنباً تابوا إلي الله.

ثم ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالي: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (النور: من الآية٣١) هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر، وهي قوله:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا) إلي) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣٠/٣١) .

ففي هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه، ولأن ترك غض البصر

وحفظ الفرج؛ كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء، وأسباب البلاء. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)) ، ((وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))

ولهذا كان أعداؤنا- أعداء الإسلام- بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء - يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء، يدعون إلي التبرج، يدعون إلي اختلاط المرأة بالرجل، يدعون إلي التفسخ في الأخلاق، يدعون إلي ذلك بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، - والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسي بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء.

النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) .

هل تريد شيئاً أبين من هذا.

أذهب للب الرجل - لعقله - الحازم، فيما بالك بالرجل المهيمن؛ الذي ليس عنده حزم، ولا عزم، ولا دين، ولا رجولة؛ يكون أشد والعياذ بالله.

لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله- نسأل اله العافية-، وهذا هو الواقع لذلك قال الله تعالي عقب الأمر بغض البصر، قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقوله عز وجل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) يدل على أنه ينبغي لنا- بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة، وأن يتفقد بعضنا بعضاً، هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصراً عليه؛ لأنه وجه الخطاب للجميع:: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور: من الآية٣١) وفي قوله تعالي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح، والفلاح- كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة- الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب، فهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.

وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة. ما تجد إنساناً- حتى الكافر يريد الخير. لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق.

الكافر يريد الخير؛ لكنه يريد خير الدنيا؛ لأنه رجل بهيمي؛ هو شر الدواب عند الله:) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (لأنفال: من الآية٥٥) شر من كل دابة تدب على الأرض؛ ومع ذلك هو يريد الخير، ويريد الرفاهية، ويريد التنعم بهذا الدنيا، لكنها- أي الدنيا- جنته، والآخرة - والعياذ بالله-

عذابه وناره.

المهم أن كل إنسان يريد الفلاح، لكن على حسب الهمة، المؤمن يريد الفلاح في الدنيا والآخرة، والكافر لا يؤمن بالآخرة؛ فهو يريد الفلاح في الدنيا.

من أسباب الفلاح التوبة إلي الله - عز وجل- كما في الآية: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) أي لتنالوا الفلاح؛ وذلك بحصول المطلوب وزوال المرهوب. والله الموفق.

* * *

١٣- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) (رواه البخاري) .

١٤- وعن الأعز بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلي الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

تقدم الكلام علي ما ذكره المؤلف- رحمه الله- من وجوب التوبة

وشروطها، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها.

وهذان الحديثان ذكرهما المؤلف- رحمه الله- ليستدل على ذلك بالسنة.

لأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي، وصار أوكد، وصار أوجب، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة.

وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.

وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلي الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة)) .

ففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله)) فإذا تاب الإنسان إلي ربه حصل بذلك فائدتين:

الفائدة الأولي: امتثال أمر الله ورسوله؛ وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير. فعلي امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة.

والفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم. حيث كان صلي الله عليه وسلم يتوب إلي الله في اليوم مائة مرة؛ يعني: يقول: أتوب إلي الله، أتوب إلي الله ...

والتوبة لابد فيها من صدق، بحيث إذا تاب الإنسان إلي الله أقلع عن الذنب. أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية، أو على ترك الواجب. أو يتوب إلي الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل

المعصية؛ فإن توبته لا تنفعه، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل!

كيف تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت مصر عليها، أو تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت عازم علي فعلها؟

الإنسان لو عامل بشرا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي، ويستهزئ بي!! كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به؟ ما هذا إلا هزو ولعب، فكيف برب العالمين؟

إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا، ولكنه- والعياذ بالله مصر عليه!! يمارس الربا صريحا، ويمارس الربا مخادعة، وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا مخادعة أعظم إثما وجرما من الذي يمارس الربا بالصراحة. لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى علة نفسه مرتين:

أولاً: الوقوع في الربا.

وثانياً: مخادعة الله- عز وجل - وكان الله- سبحانه وتعالي- لا يعلم. وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً، أمرهم واضح، لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة؛ تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في الدكان، فيأتي الغني بشخص فقير يوقده للمذبحة والعياذ بالله!! فيأتي إلي صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة، ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً. وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً؛ لأن هذا المشتري - المدين- لا يقلب المال، ولا ينظر إليه، ولا يهمه، بل لو كان أكياساً من الرمل ويبعث عليه علي أنها رز أو سكر أخذها؛ لأنه لا يهمه؛ الذي يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه - مثلاً-

بعشرة آلاف لمدة سنة، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها، ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف- مثلاً- فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان، ويقولون: إن هذا صحيح. بل يسمونه التصحيح، يقول قائلهم: تعال أصحح عليك، أو أصحح لك كذا وكذا. سبحان الله، هل هذا تصحيح؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله!!

ولهذا يجب علينا - إذا كنا صادقين مع الله - سبحانه وتعالي- في التوبة- أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً، ونكرها، ونندم علي فعلها؛ حتى تكون التوبة توبة نصوحاً.

وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمداً صلي الله عليه وسلم اشد الناس عبادة لله، وهو كذلك، فإنه أخشانا لله، وأتقانا لله، وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه.

وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بمقاله وفعاله.

فكان يستغفر الله، ويأمر الناس بالاستغفار؛ حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعا للفعل.

وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته. فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسي به، إذا امرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلي الله، بل هذا حقيقة الدعوة غلي الله عز وجل؛ أن تفعل ما تؤمر به، وتترك ما تنهي عنه. كما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمرنا التوبة وهو -عليه

الصلاة والسلام- يتوب أكثر منا. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيماً. والله الموفق.

* * *

١٥- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري- خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم _ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) .

[الشَّرْحُ]

قوله- رحمه الله- ((خادم النبي صلي الله عليه وسلم)) وذلك أن أنساً - رضي الله عنه- حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أتت به أمة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقالت له: هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وصار أنس من خدام النبي عليه الصلاة والسلام.

ذكر أنس- رضي الله عنه- أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه)) من هذا الرجل الذي سقط على راحلته بعد أن أضلها،

وذكر القصة: رجل كان في أرض فلاة، ليس حوله أحد، لا ماء ولا طعام ولا أناس.. ضل بعيره: أي ضاع، فجعل يطلبه فلم يجده، فذهب إلي شجرة ونام تحتها ينتظر الموت! قد أيس من بعيره، وأيس من حياته؛ لأن طعامه وشرابه على بعيره، والبعير قد ضاع، فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها. فبأي شيء يقدر هذا الفرح؟ هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال!! لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت، ولهذا أخذ بالخطام فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) !! أراد أن يثني على الله فيقول: ((اللهم أنت ربي وأنا عبدك)) لكن من شدة فرحه أخطأ..فقلب القضية.. وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.

في هذا الحديث من الفوائد: دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالي- محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلي أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب - سبحانه وتعالي- يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول:) ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) بل هو

فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبه فرح المخلوقين.

وفيه: دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ فهذا الرجل قال كلمة كفر؛ لأن قول سبق اللسان لربه: أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك، لكن لما صدر عن خطأ من شدة الفرح _ أخطأ ولم يعرف أن يتكلم-صار غير مؤاخذ به، فإذا أخطأ الإنسان في كلمة؛ كلمة كفر؛ فإنه لا يؤاخذ بها، وكذلك غيرها من الكلمات؛ لو سب أحدا على وجه الخطأ بدون قصد، أو طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد، أو أعتق عبده على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن الإنسان لم يقصده، فهو كاللغو في اليمين، وقد قال الله تعالي:) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢٥) بخلاف المستهزئ فإن المستهزئ يكفر إذا قال كلمة الكفر، ولو كان مستهزئا؛ لقول الله سبحانه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية٦٥/٦٦) ، فالمستهزئ قصد الكلام، وقصد

معناه؛ لكن على سبيل السخرية والهزء؛ فلذلك كان كافراً، بخلاف الإنسان الذي لم يقصده؛ فإنه لا يعتبر قوله شيئاً.

وهذا من رحمة الله - عز وجل- والله الموفق.

* * *

١٦- وعن أبي موسى عبد الله قيس الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار،

ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم.

١٧- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)) (رواه مسلم) .

١٨- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله - عز وجل - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) . (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله- كلها تتعلق بالتوبة.

أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسي النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

وهذا من كرمه- عز وجل- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار، فإن الله- تعالي- يقبل توبته ولو تاب في

الليل. إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالي- يقبل توبته بل إنه - تعالي- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن.

وفي هذا الحديث: دليل على محبة الله- سبحانه وتعالي- للتوبة، وقد سبق في الحديث السابق - في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها-: أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه اشد فرحاً من هذا براحلته.

ومن فوائد حديث أبي موسي: إثبات أن الله -تعالي- له يده، وهو كذلك، بل له يدان جل وعلا- كما قال تعالي:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية٦٤) ، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه- بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله.

ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله- عز وجل- لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته عز وجل.

وفي هذا الحديث: أن الله- سبحانه وتعالي- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب. فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.

وفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهي قبول التوبة. وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟!

فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطرد منذ خلق الله الشمس إلي يومنا هذا. لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار اليهود، والنصارى، والبوذيون، والشيوعيون، وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.

كل يتوب أيضاً، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان!

أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن الله -سبحانه وتعالي- يقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها فهو كحديث أبي موسى.

وأما حديث عبد الله بن عمر: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)) أي: ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة، وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت توبة؛ لقوله تعالي:) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) (النساء: من الآية١٨) .

فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.

* * *

١٩- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال- رضي الله عنه-اسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا- أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فأجابه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحوا من صوته: ((هاؤم)) فقلت له: ويحك أغضض، قال الإعرابي: المرء يحب القوم ولما يحلق بهم؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة)) فما زال يحثنا حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة سفيان- أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله - تعالي- يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه)) (رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في بيان متي تنقطع التوبة. لكنه يشتمل على فوائد:

منها: أن زر بن حبيش أتي إلي صفوان بن عسال- رضي الله عنه- من أجل العلم- يبتغي العلم- فقال له صفوان بن عسال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب)) .

وهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وطلب العلم؛ والمراد به العلم الشرعي، أي: علم ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا، لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح، والحث عليه في القرآن والسنة. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله، لأن هذا الدين قام بأمرين:

قام بالعلم والبيان، وبالسلاح: بالسيف والسنان.

حتى إن بعض العلماء قال: ((إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح)) لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح في سبيل الله مبني على العلم، لا يسير المجاهد، ولا يقاتل، ولا يحجم، ولا يقسم الغنيمة، ولا يحكم بالأسري؛ إلا عن طريق العلم، فالعلم هو كل شيء.

ولهذا قال الله عز وجل:) ايَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: من الآية١١) ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب واحتراماً له، وتعظيماً له، ولا يرد على هذا أن يقول القائل: أنا لا

أحس بذلك؟ لأنه إذا صح بذلك؟ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عيانا.

أرأيت قوله صلي الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا- تبارك وتعالي- كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له)) .

نحن لا نسمع هذا الكلام من الله- عز وجل- لكن لما صح عن نبينا صلي الله علي وسلم صار كأننا نسمعه، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلي الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب، وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا.

ثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال إنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول والغائط.

يعني أن الله تعالي ذكر في القرآن قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦) فيقول إنه حك في صدري؛ أي: صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا؟

فبين له صفوان بن عسال- رضي الله عنه- أن ذلك جائز لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفراً أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن

من غائط وبول ونوم، فدل هذا على جواز المسح على الخفين، بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابسا لهما.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلي الله عليه وسلم فأهوي المغيرة لينزع خفيه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما))

ففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب، أو عليه خفان؛ أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه.

ومنها: أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء؛ حتى لا يبقي في قلبه حرج مما سمع، لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج، ويبقي متشككاً متردداً، لا يسأل أحداً يزيل عنه هذه الشبهة، وهذا خطأ، بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلي أمر يطمئن إليه ولا يبقي عنده قلق.

فهذا زر بن حبيش- رحمه الله- سأل صفوان بن عسال- رضي الله عنه- عن المسح على الخفين؛ وهل عنده شيء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك، فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.

فهذا الحديث فيه دليل علي ثبوت المسح على الخفين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك، وأخذ بهذا أهل السنة، حتى إن بعض

أهل العلم، الذين صنفوا في كتب العقائد، ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد؛ وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك؛ فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه، والعجب أن ممن روي المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومع ذلك هم ينكرونه ولا يقولون به، فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة ومن الأمور المتوترة عندهم؛ التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد: ((ليس في قلبي من المسح شك)) ، أو قال: ((شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه)) ولكن لابد من شروط لجواز المسح علي الخفين:

الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما)) .

ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق.

فمثلاً: لو توضأ وضوءاً كاملاً، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني الشراب أو الخفين، فهما لبسهما على طهارة.

كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما، ثم احتاج إلي

زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه- وهو علي طهارة-، فإنه يمسح علي الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفا على خف ممسوح فإنه يمسح علي الأعلى، لكن يبني على مدة المسح علي الأول.

ولابد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما علي طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم ولبس الخفين علي طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لابد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال، لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط؛ وهما الوجه والكفان.

الشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: ((إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)) فإذا صار علي الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لابد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لابد من غسل الرأس - مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد وحدثها أكبر، فلابد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعني والقياس يقتضي ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلي الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضاً من

حديث على بن أبى طالب_ رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: ((جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) يعني: في المسح علي الخفين:

فإذا انتهت المدة فلا مسح، لابد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة فلابد من غسل القدمين.

ثم إن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي صلي الله عليه وسلم يقول في الهوي شيئاً؟

الهوي: المحبة والميل، فقال: نعم، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي: يا محمد؛ بصوت مرتفع.

فقيل له: ويحك أتنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع؟ والله - عز وجل- يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) ، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيراً؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.

فأجابه النبي صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أكمل الناس هدياً، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي

صلي الله عليه وسلم بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: ((المرء يحب القوم ولما يلحق بهم)) يعني: يحب القوم ولكن عمله دون علمهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب يوم القيامة)) نعمة عظيمة - ولله الحمد- وقد روي أنس بن مالك- رضي الله عنه- هذه القطعة من الحديث، أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: ((إنك مع من أحببت)) قال أنس: ((فأنا أحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبابكر عمر وأرجو أن أكون معهم)) .

وهكذا أيضاً نحن نشهد الله - عز وجل- على محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدي من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.

هذه بشري للإنسان؛ أنه إذا احب قوما صار معهم وإن قصر به عمله؛ يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول صلي الله عليه وسلم جميعاً، وهكذا.. كما أن من أحب الكفرة فإنه ربما يكون معهم _ والعياذ بالله- لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد. إن كان

يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالي سماهم أعداء قال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) وقال عز وجل:) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) .

فكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر.

ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كاف مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدؤك. قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) ، إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي - عليه الصلاة والسلام- ألا وهي: ((المرء مع من أحب)) فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالي، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم.

نسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق.

* *

٢٠- وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن نبي الله صلي

الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن اعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين

نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله - تعالي- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلي الله تعالي، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أدني فهو له، فقاسوا فوجدوه أدني إلي الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) (متفق عليه) .

وفي رواية في الصحيح: ((فكان إلي القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها)) وفي رواية في الصحيح: ((فاوحي الله تعالي إلي هذه أن تباعدي، وإلي هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) وفي رواية: ((فنأي بصدره نحوها)) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف- رحمه الله- عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم إنه ندم وسال عن أعلم أهل الأرض

يسأله: هل له من توبة؟ فدل على رجل، فإذا هو راهب -يعني عابداً- ولكن ليس عنده علم، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال: ليس لك توبة! فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب؛ فأتم به مائة نفس، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقط له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم! ومن الذي يحول بينه وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ولكن اذهب إلي القرية الفلانية؛ فإن فيها قوماً يعبدون الله. والأرض التي كان فيها كأنها- والله أعلم- دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلي هذه القرية التي يعبد فيها الله- سبحانه وتعالي-، فخرج تائبا نادماً مهاجراً بدينه إلي الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل. وفي منتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة العذاب، والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة، فاختصموا؛ ملائكة العذاب تقول: إنه تاب وجاء نادماً تائباً، فحصل بينهما

خصومة، فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أقرب فهو له؛ يعني فهو من أهلها. إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه، وإن كان إلي بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه.

فقاسوا ما بينهما؛ فإذا البلد التي اتجه إليها- وهي بلد الإيمان -أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة.

ففي هذا دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن القاتل إذا قتل إنساناً عمداً ثم تاب فإن الله - تعالي- يقبل توبته، ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨) ، يعني ما دون الشرك، فإن الله تعالي يغفره إذا شاء.

وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

وذكر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أن القاتل ليس له توبة؛ لأن الله يقول:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) .

ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس توبة بالنسبة للمقتول؛ وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق:

الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.

أما حق الله؛ فلا شك أن الله تعالي يغفره بالتوبة، لقول الله تعالي:) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ) (الزمر: من الآية٥٣) .

ولقوله تعالي: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ و) (الفرقان: من الآية٦٨/٧٠) .

وأما حق المقتول؛ فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤدي إليه حقه؛ لأنه مات، ولا يمكن الوصول إلي استحلاله، أو التبرؤ من دمه، فهذا هو الذي يبقي مطالباً به القاتل ولو تاب، وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهما.

وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل؛ حتى يسلم نفسه إلي أولياء المقتول، ويقر بالقتل، ويقول: أنا القاتل، وأنا بين أيديكم، إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذو الدية، وإن شئتم اسمحوا، فإذا تاب إلي الله، وسلم نفسه لأولياء المقتول- يعني لورثته - فإن توبته تصح، وما بينه وبين المقتول يكون الحكم فيه إلي الله يوم القيامة.

٢١- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب- رضي الله عنه- من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك - رضي الله عنه- يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك: قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله - تعالي- بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب حين تخلفت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم

يريد غزوة إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازاً واستقبل عدداً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ

(يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر علي ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمأدي بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم يحزنني أني لا أري لي أسوة، إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالي من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم حبسه

برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - رضي الله عنه-: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما

علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأي رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو ابو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصلع من التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم قادماً، وكأن إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله تعالي حتى جئت، فلما سلمت تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي، ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعن ظهرك؟ لرأيت أتي سأخرج من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلاً، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني ليوشكن الله

يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عل فيه إني لأرجو فيه عقبي الله عز وجل، والله ما كأن لي من عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)) وسار رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: حين ذكرؤهما لي، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس- أو قال: تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا علي ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه

برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت

نحوه أعرض عني، حتى إذا حال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة؟ إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد؛ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلي الله عليه وسلم ياتيني، فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها

فلا تقربنها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجأءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا

يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلي شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلي يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: استأذنته فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبث بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عنن كلامنا.

ثم صليت صلاة الفجر صباح ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالي منا، قد ضاقت علة نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فحخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج. فأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس بتوبة الله- عز وجل- علينا حين صلي صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعي ساع من أسلم قبلي وأوفي على الجبل، وكان الصوت أسرع النبي صلي الله عليه وسلم الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى

دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه- يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرة، فكأن كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر

بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله- عز وجل- وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منهن فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن نخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمسك عليك بغض مالك فهو خير لك، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إن الله تعالي إنما أنجاني بالصدق، وإن توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله- تعالي-في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم إلي يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله- تعالي- فيما بقي، قال: فنزل الله تعالي:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حتى بلغ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت) حتى بلغ:) وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية١١٧/١١٩) قال

كعب: والله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله

صلي الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا: إن الله تعالي قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لأحد، فقال الله تعالي:) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٥/٩٦) .

قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أؤلئك الذين قبل منهم رسول الله صلي الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا حتى قضي الله- تعالي- فيه بذلك؟ قال الله تعالي:) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفق عليه.

وفي رواية: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.

وفي رواية: وكان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي ركعتين ثم جلس فيه.

[الشَّرْحُ]

هذا حديث كعب بن مالك، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.

غزا النبي صلي الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيداً ولم ير عدوا فرجع. وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلي الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله.

أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي- عليه الصلاة والسلام- ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار.

إلا أن كعب بن مالك- رضي الله عنه- تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: ((إنه ما تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط)) كل غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب- رضي الله عنه- فهو من المجاهدين في سبيل الله ((إلا في غزوة بدر)) ، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي صلي الله عليه وسلم - عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيرا لقريش، أي إبل محملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر بالمدينة.

فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام_ من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها، وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم؛ فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي- عليه الصلاة والسلام- ويحل له أن يخرج ليأخذها، وليس في ذلك عدوان من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه،

بل هذا أخذ لبعض حقهم.

خرج الرسول صلي الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط؛ وليس معهم عدة والعدد قليل، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينقذ الله ما أراد عز وجل.

فسمع ابو سفيان - وهو قائد العير- أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير؛ فعدل عن سيره إلي الساحل وأرسل إلي قريش صارخاً يستنجدهم - أي يستغيثهم- ويقول: هلموا أنقذوا العير.

خرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا من ديارهم) ْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (لأنفال: من الآية٤٧)

ولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا: العير نجت، فلما لنا وللقتال؟ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونسقي الخمور، ونطعم الطعام، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا!.

هكذا قالوا، بطرا واستكبارا وفخرا، ولكن- الحمد لله- صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالنبي- عليه الصلاة والسلام- وزكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في اليوم السابع عشر منه، التقوا فأوحي الله عز وجل إلي الملائكة:) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا

الرُّعْبَ) (الأنفال: من الآية١٢) ، انظر! في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فما أقرب النصر في هذه الحال؟! رعب في قلوب الأعداء، وثبات في قلوب المؤمنين.

فثبت الله المؤمنين ثباتاً عظيماً، وأنزل في قلوبهم الذين كفروا الرعب.

قال الله سبحانه) َ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) ، أي: كل مفصل، واضربوا فالأمر ميسر لكم.

فجعل المسلمون- ولله الحمد- يجلدون فيهم؛ فقتلوا سبعين رجلاً واسروا سبعين رجلاً، والذين قتلوا ليسوا من أطرفهم، الذين قتلوا كلهم من صناديهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرون رجلاً يسحبون سحباً وألقوا في قليب من قلب بدر، سحبوا حتى ألقوا في القليب جثثاً هامدة، ووقف عليهم النبي - عليه الصلاة والسلام_ وقال لهم: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناساً قد جيفوا؟ قال: ((والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون)) ؛ لأنهم موتي، وهذه - ولله الحمد- نعمة، علينا أن نشكر الله عز وجل عليها كلما ذكرناها.

نصر الله نبيه، وسمي الله هذا اليوم) عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) (لأنفال: من الآية٤١) .

هذا اليوم فرق الله فيه الحق والباطل تفريقاً عظيماً. وانظر إلي قدرة الله عز وجل في هذا اليوم، انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوي، وهؤلاء ليس معهم إلا عد قليل من الإبل والخيل، لكن نصر الله عز وجل إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد، وإلي هذا أشار الله بقوله) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية١٢٣) ، ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفاً وأمامهم هوزان وثقيف؛ فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل. غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم، لنهم أعجبوا بكثرتهم، قالوا: لن نغلب اليوم عن قله، فأراهم الله عز وجل أن كثرتهم لن تنفعهم.

قال الله تعالي:) وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة: من الآية٢٥) .

أترون ماذا حصل لأهل بدر؟

اطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.

كل معصية تقع منهم فإنها مغفورة، لأن الثمن مقدم.

فهذه الغزوة صارت سبباً لكل خير، حتى إن حاطب بن أبي بلتعة

- رضي الله عنه- لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو- رضي الله عنه- إلي أهل مكة يخبرهم، ولكن الله أطلع نبيه علي ذلكز أرسل حاطب بن أبي بلتعة بن علي أبي طالب وواحداً معه حتى لحقوها في روضة تسمي روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فقالوا لها: أين الكتاب؟ والله ما كبنا ولا كبنا، أين الكتاب؟ لتخرجنه أو لننزعن ثيابك؟ فلما رأت ذلك لأخرجته، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلي قريش، فأخذوه.

والحمد لله أنه لم يصل إلي قريش، فصار في هذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب، لأن الذي أراد ما حصل من نعمة الله.

فلما ردوا الكتاب إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ((يا حاطب، ما هذا)) ؟ فاعتذر.

فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) .

وكان حاطب من أهل بدر رضي الله عنه.

فالمهم أن هذه تخلف عنها كعب، لكنها ليست في أول الأمر، إلا في ثاني الحال؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، ولكن الله جمع بيته وبين عدوه على غير ميعاد، وكانت غزاة مباركة ولله الحمد. ثم ذكر بيعته النبي صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة في مني، حيث بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها بدر.

يعني هي أحب إليه من غزوة؛ لأنها بيعة عظيمة.

لكن يقول: كانت بدر أذكر في الناس منها، أي أكثر ذكراً، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.

علي كل حال- رضي الله عنه- يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة، فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة.

يقول رضي الله عنه: ((إني لم أكن قط اقوي ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)) - أي: غزوة تبوك- كان قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبداً، وقد استعد وتجهز- رضي الله عنه- وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وري بغيرها، أي: أظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأن لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانة الذي قصده النبي صلي الله عليه وسلم فيه.

فكان مثلاً إذا أراد أن يخرج إلي الجنوب وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الشمال، أو لا أراد أن يخرج إلي الشرق وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره. إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم

بين امرها ووضحها وجلاها لأصحابه؛ وذلك لأمور:

أولاً: إنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار، والنفوس مجبولة عللا الركون إلي الكسل وإلي الرخاء.

ثانيا: أن المدى بعيد من المدينة إلي تبوك، ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس.

ثالثاً: أن العدو كثير وهم الروم، اجتمعوا في عدد هائل حسب نا بلغ النبي صلي الله عليه وسلم، فلذلك جلي امرها وأوضح أمر الغزاة، وأخبر أنه خارج إلي المسلمون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم. هؤلاء من المؤمنين الخلص، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل. أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية. فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام- بأصحابه- وهم كثير- إلي جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالي لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف علي غير حرب.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: ((إن الرسول صلي الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة.

أما هو - رضي الله عنه- فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول: ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئاً، ثم يفعل كل يوم، حتى تمادي به الأمر ولم يدرك.

وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه- حري أن يحرم إياه، كما قال الله سبحانه) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: ١١٠) فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبله ويذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه- والعياذ بالله- كما أن الإنسان إذا لم يصبر علي المصيبة من أول الأمر فإنه يحرم أجرها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

فعليك- يا أخي - أن تبادر بالأعمال الصالحة، ولا تتأخر فتتمادي بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر، فها هو- رضي الله عنه- كل يوم يقول: أخرج، ولكن تمادي به الأمر ولم يخرج.

يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلي سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصارن إلا رجل مغموس في النفاق- والعياذ بالله- قد غمسه نفاقة فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب علي نفسه: كيف لا يبقي في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.

فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله أين

كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمه وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ ابن جبل - رضي الله عنه- فسكت النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.

فبينما هو كذلك إذ رأي رجلاً مبيضاً، يعنني بياضاً يزول به السراب من بعيد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((كن ابا خيثمة الأنصاري)) فكان ابا خيثمة.

وهذا إما من فراسة النبي - عليه الصلاة والسلام- وإما من قوة نظره صلي الله عليه وسلم.

ولا شك انه من أقوي الرجال نظرا وسمعا ونطقا وفي كل شيء.

وأعطي قوة ثلاثين رجلاً بالنسبة للنساء- عليه الصلاة والسلام- وكذلك أعطي قوة في غير ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه.

وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مراء ما أكثر الصداقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غني عن صاع هذا.

انظر- والعياذ بالله- يلمزون المؤمنين من هنا ومن هنا، كما قال الله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: من الآية٧٩) أي: إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا: إن الله غني عن صاعك.

وهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأي أهل البخير لمزهمن وإن رأي المقصرين لمزهم، وهو أخبث عباد الله، فهو في الدرك السفل من النار. والمنافقون في زمننا هذا إذا أرادوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: هؤلاء متزمتون، هؤلاء متشددون، وهؤلاء أصوليون، هؤلاء رجعيون، وما أشبه ذلك من الكلام.

فكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام- إلي يومنا هذا.

لا تقولوا ليس عندنا منافقون ‍بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة‍‍!!

وقد ذكر ابن القيم- رحمه اله- في كتابه ((مدارج السالكين)) في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين، كلها مبينة في كتاب الله عز وجل متزمت، هذا بخيل، لله غني عن صدقته. وإذا رأيت رجلاً يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا، فاعلم أنه منافق والعياذ بالله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩) فاستفدنا من الحديث فائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل.

وأذكر حديثاً قاله النبي- عليه الصلاة والسلام- في الذين يتقدمون إلي المسجد ولكن لا يتقدمون إلي الصف الأول، بل يكونون في مؤخره. قال ((لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم

الله) .

إذا عود الإنسان نفسه على التأخير آخره الله عز وجل. فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله عز وجل.

الفائدة الثانية: أن المنافقين يلمزون المؤمنين، إن تصدق المسلمون بكثير قالوا: هؤلاء مراؤون، وإن قللوا بحسب طاقتهم قالوا: إن الله غني عن عملك وغني عن صاعك، كما سبق.

وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه- أي: بما يعادل تمرة- كما يربي أحدكم فلوه- أي مهره: الحصان الصغير - حتى تكون مثل الجبل، وهي تمرة أو ما يعادلها.

بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ، أي: نصف تمرة، بل قال الله عز وجل:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧/٨) ، والله سبحانه وتعالي لا يضيع أجر المحسنين.

يقول رضي الله عنه: إنه لما بلغه أن النبي صلي الله عليه وسلم رجع قافلاً من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذباَ، من أجل أن يعذره النبي صلي الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه: فلما بلغ من الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلي الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام، وهكذا أمر جابراً-رضي الله عنه- كما سأذكره إن شاء الله، فدخل المسجد وصلي وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله قال:) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية٨٠) ، فيقول: أما أنا فعزمت أن اصدق النبي - عليه الصلاة والسلام_ وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب- أي:

الذي غير راض عني- ثم قال: ((تعال)) فلما دنوت منه قال لي: ((ما خلفك؟)) .

فقال رضي الله عنه: يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلاً- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلاً- ولكني لا

أحدثك اليوم حديثا ترضي به عني فيوشك أن يسخط الله على في ذلك. رضي الله عنه.

انظر إلي الإيمان! قال: لا يمكن أن أحدثك بالكذب، ولو حدثتك بالكذب، ورضيت عني اليوم، فإنه يوشك أن يسخط الله علي.

فأخبر النبي صلي الله عليه وسلم بالصدق، فأجله.

وفي هذا من الفوائد:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالي قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية.

فإن كعبا- رضي الله عنه- لما هم أن يزور على الرسول - عليه الصلاة والسلام- جلي الله ذلك عن قلبه وأزاحه عن قلبه، وعزم على ان يصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده، أن يعمد إلي المسجد قبل أن يدخل إلي بيته فيصلي فيه ركعتين، لأن هذه سنة النبي- عليه الصلاة والسلام- القولية والفعلية. أما الفعلية: فكما في حديث كعب بن مالك.

وأما القولية: فإن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- حين باع علي النبي صلي الله عليه وسلم جملة في أثناء الطريق واستثني أن يركبه إلي المدينة وأعطاه النبي صلي الله عليه وسلم شرطه، فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم قبله فجاء إلي رسول الله

فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين.

وما أظن أحداً من الناس اليوم- إلا قليلاً - يعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا، وإلا فهو سهل والحمد لله.

وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك، أو صليت في أدني مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه حصلت السنة.

ثالثاً: أن كعب بن مالك- رضي الله عنه - رجل قوي الحجة فصيح، ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم الحق.

رابعاً: أن الإنسان المغضب قد يتسم، فإذا قال قائل: كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط؟

قلنا: إن هذا يعرف بالقرائن، كتلون الوجه وتغيره.

فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطاً عليه.

خامساً: أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائماً علي القاعد؛ لأن كعبا سلم وهو قائم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((تعال)) .

سادساً: أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد، فإنه كان بإمكان الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيداً عنه، لكنه أمره أن يدنو

منه؛ لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلذلك قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ادن)) .

سابعاً: كمال يقين كعب بن مالك- رضي الله عنه- حيث أنه قال: أنني أستطيع أن اخرج بعذر من الرسول - عليه الصلاة والسلام- ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غداً.

ثامناً: إن الله يعلم السر وأخفي، فإن كعباً خاف أن يسمع الله قوله ومحاورته للرسول- عليه الصلاة والسلام- فينزل الله فيه قرآناً، كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلي الرسول - عليه الصلاة والسلام- تشكو زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله فيها آية من القرآن:) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) .

يقول كعب: إنه أتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق)) ويكفي له فخراً أن وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام- بالصدق: ((أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء)) . فذهب الرجل مستسلماً لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

فلحقه قوم من بني سلمه من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنباً قبل هذا، يعني مما تخلفت به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويكفيك أن ستغفر لك رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا استغفر لك

الرسول صلي الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول - عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه. فهم أن يفعل رضي الله عنه، ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلي في كتاب الله إلي يوم القيامة.

فسال قونه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك.

يقول: ((فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً لي فيهما أسوة)) .

أحياناً يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسياً به.

فهو- رضي الله عنه- لما ذكر له هذان الرجلان- وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدراً - فقال: ((لي فيهما أسوة فمضيت)) أي: لم يرجع إلي النبي عليه الصلاة والسلام.

فأمر النبي - عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.

فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً- لا يسلم عليهم السلام العادي.

يقول كعب: كنت أحضر واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.

هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وما ظنك برجل يهجر في هذا

المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون؟ إنها ستضيق عليه الأرض، وفعلاً ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا علي هذه الحال مدة خمسين يوماً، أي: شهراً كاملاً وعشرين يوماً. والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم. ولا يردون السلام إذا سلموا. وكأنهم في الناس لإبل جرب لا يقربهم أحد.

فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلي الله عز وجل، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.

فكان يحضر ويسلم على تانبي - عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلي قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبداً، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب، فتركوهم بالكلية، فضاقت عليهم الأرض، وبقوا علي هذه الحالة خمسين ليلة تامة، ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم. إلي هذا الحد، فرق بينهم وبين نسائهم.

وما ظنك برجل مثل كعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته؟ أمر عظيم،: ((إن النبي صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك)) قال: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة الله ورسوله، فسأل قال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول - عليه الصلاة والسلام- يأمرك ان تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ. حتى الصحابي الذي أرسل ما

حرف النص، لا معني ولا لفظاً، قال هكذا، قال: ولا أدري.

وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم، ما قال: أظن أنه يريد أن تطلقها، ولا: أظن انه يريد أن لا تطلقها! ما قال شيئاً، بل قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا. فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك. فلحقت بأهلها.

((فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان)) لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في السواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.

يقول: ((وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم)) اشبهم: أقواهم واجلدهم: أصبرهم. لأنه أشب منهم أصغر منهم سناً، فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد، لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- أطوع الناس لرسول الله صلي الله عليه وسلم.

يقول: ((وكنت آتي المسجد فاصلي واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا)) .

أي: ما يرد عليه رداً يسمع، هذا مع أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، ولكن امتثالاً لما أوحي الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم.

ويقول: كنت اصلي واسارق النبي صلي الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحياناً وأنا اصلي، فإذا قبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني.

كل هذا من شدة الهجر.

يقول: ((فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال على جفوة الناس، تسورت حائطاً لأبي قتادة رضي الله عنه)) تسوره: دخله من فوق الجدار من دون الباب، وكأن الباب مغلق. والعلم عند الله.

يقول: ((فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام)) وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذاً، لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة.

كل هذا طاعة لله ورسوله؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم- لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحداً في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم، فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه.

مرتين يناشده مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا؟ وأبوقتادة يدري، ويعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله.

فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

فقال: الله ورسوله أعلم.

لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا.

يقول: ففاضت عيناي، أي: بكي- رضي الله عنه- أن رجلاً- ابن عمه- أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة.

مع أنها- أيضاً- مسالة تعبديه، لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب

الله ورسوله؟ طلب شهادة، ومع ذلك لم يشهد له، مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله؛ ففاضت عيناه.

وتسور البستان أي: خرج إلي السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام- والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء- يقول: من يدلني على كعب بن مالك!

انظر إلي أهل الشر ينتهزون الفرص!

فعندما قال: من يدلني علي كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جداً.

يقول: ((فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك- يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافراً-وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، يعني: تعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا.

ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالي ورسوله، ومحب لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

قال: وهذه من البلاء، يعني: هذا من الامتحان. وصد رضي الله عنه، رجل مجفو لا يكلم، مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، لو كان في قلبه ضعف إيمان لا نتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه، لكن عنده إيمان راسخ.

يقول: قلت: هذه من البلاء. ثم ذهب إلي التنور فسجره فيه: يعني أوقدها بالتنور.

وإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد لك ان يذهب إلي هذا الملك، فأتلفها حتى ييأس منها ولا يحاول ان يجعلها حجة يذهب بها إلي هذا الملك. ثم بقي علي ذلك مدة.

ففي هذه القطعة من الحديث: دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجوراً منبوذا وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنهم.

لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلي المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه، ولا يرد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعاً ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.

ومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جري لأبي قتادة - رضي الله عنه- مع كعب بن مالك رضي الله عنه.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.

فإن هذا الملك- ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك- رضي الله عنه- يدعوه إلي الضلال لعله يرجع عن دينه إلي دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.

ومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك- رضي الله عنه- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ

آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية١٠) ، فبعض الناس- والعياذ بالله- يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد- والعياذ بالله- وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله إيذاء أيما أيما أيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجاً لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلي إلي يوم القيامة.

نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم النبي صلي الله عليه وسلم قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرا وعلنا.

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا رأي فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنة.

فإن كعباً لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلي هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها رضي الله عنه.

ومن ذلك: - أيضاً ما جري لسيلمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عرض عليه- عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها، يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقاماً من نفسه لنفسه، لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٢/٣٣) . فالمهم أنك إذا رأيت شيئاً من

مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سبباً لإلهائك عن ذكر الله.

فإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة، كما قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) .

يقول رضي الله عنه: ((فلما تمت لنا أربعون ليلة)) يعني شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وهذا من حكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس غلي الوحي ويتشوفوا إليه: ماذا سينزل رب العالمين عز وجل؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إلي كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم- أن يعتزلوا نساءهم.

وجاءت زوجة هلال بن أمية إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلي الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: ((إنه والله ما به من حركة إلي شيء)) يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي- رضي الله عنه- منذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يوماً يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.

يقول رضي الله عنه: ((فلما مضي عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم اصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا)) لأنه كما مر كانوا- رضي الله عنهم-

قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلي المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلم عليهم، ضاقت عليهم الأرض. فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه. يقول: ((فسمعت صارخاً يقول وهو على سلع- وهو جبل معروف في المدينة- أوفي عليه وصاح بأعلى صوته يقول: ((يا كعب بن مالك أشر يا كعب بن مالك)) !

يقول: ((فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج)) وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون غلي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونها بتوبة الله عليهما. فأنظر إلي فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كل يذهب يسعي ويركض من جهة.

يقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشري للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطي ثوبيه هذا الذي بشره.

أعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين. لكنها والله بشري عظيمة، بشري من الله سبحانه وتعالي عظيمة، أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.

ثم نزل متوجها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم وجزاه الله عن أمته خيراً- قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته

علي هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلي الله.

يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجاً، يعني جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه. رضي الله عنه.

هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم اله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.

وفي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: شدة هجر النبي - عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.

ثانياً: وفيه أن أقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- فرق بين قوله: ألحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.

أما إذا نوي الطلاق فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (٠ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي...)) الحديث.

فإذا نوي الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوي.

ثالثاً: شدة امتثال الصحابة- رضي الله عنهم- لأمر النبي صلي الله عليه وسلم لأنه- رضي الله عنه- ما تردد، ولا قال: لعلي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلي الله عليه وسلم: ارجع إليه لعله يسمح،

بل وافق بكل شيء.

رابعاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رحيما بأمته، فإنه بعد ان أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية، لأنه يحتاج لخدمة امرأته.

خامساً: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلي شيء من النساء.

سادساً: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذي من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلي المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشاً غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلي كعب بن مالك- رضي الله عنه- صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.

سابعاً: حرص الصحابة - رضي الله عنهم- علي التسابق إلي لبشرى؛ لأن البشري فيها إدخال السرور على المسلم. وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلي الله عز وجل؛ لأنه إحسان والله- سبحانه وتعالي- يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم.

فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئا يسره، كأن يكون خبراً ساراً أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك، لأنك تدخل السرور عليه.

ثامناً: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهديه تكون مناسبة للحال، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أعطي الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح

به الخبر عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلي الحج، يعني ان يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينهي عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائماً معموراً بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فعل هذا اجتهاداً منه- رضي الله عنه- وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أولي.

المهم أن رجلاً استفتي عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.

فرأي هذا الرجل في المنام شخصا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه، يعني يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الريا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حالة.

يقول رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي كعب طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه- فصاحفه وهناه بتوبة الله عليه.

يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا

ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي صلي الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جري من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يوماً، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.

ثم قال له النبي صلي الله عليه وسلم: ((أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك)) .

وصدق النبي صلي الله عليه وسلم خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلي صاحبيه في قرآن يتلي، تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلي الله عليه وسلم محفوظاً بواسطة جبريل، ومحفوظا إلي يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.

بقيت هذه القصة تتلي في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.

فقال كعب: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله، أي: يتخلي عنه ويجعله صدقة إلي الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) فأمسكه رضي

الله عنه.

ففي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: فيها دليل على أن من السنة إذا أتي الإنسان ما يسره ان يهنأ به ويبشره به، سواء كان خير دين أو خير دنيا.

ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وبغلام عليم، الغلام الحليم: إسماعيل. والغلام العليم: إسحاق. بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين.

ثانياً: إنه لا بأس بالقيام إلي الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسره.

والقيام إلي الرجل لا باس به قد جاءت به السنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضاً لا بأس به إذا أعتاده الناس، لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم، فإن من يقام له قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوا مقعده من النار)) .

قال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:

الأول: قيام إلي الرجل.

الثاني: قيام للرجل.

والثالث: قيام على الرجل.

فالقيام إلي الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرا وإقراراً وفعلاً أيضاً.

أما الأمر: فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه عند تحكيمه في بني قريظة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله، والأكحل عرق في الإبهام إذا انفجر مات الإنسان، أصيب به-رضي الله عنه- فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، وكانوا حلفاء للأوس، وخانوا عهد النبي - عليه الصلاة والسلام- وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلي الله عليه وسلم. فلما طعن سعد قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وكان من علو منزلته عند رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد- أي خيمة صغيرة- لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب.

ولما حصلت غزوة بني قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلي بني قريظة، فجاء راكبا على حمار؛ لأنه قد أنهكه الجرح، فلما أقبل قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) فقاموا فأنزلوه، فقال النبي- عليه الصلاة والسلام - له: إن هؤلاء

- يعني اليهود- من بني قريظة حكموك. فقال رضي الله عنه: حكمي نافذ فيهم؟

قال نعم! وأقروا هم به، وقالوا: نعم حكمك نافذ، قال: وفيمن ها هنا - يشير إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- والصحابة - قالوا: نعم، فقال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، حكم صارم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)) رضي الله عنه.

فنفذ النبي صلي الله عليه وسلم حكمه، وقتل منهم سبعمائة رجل، وسبي نساءهم وذرياتهم، وغنم أموالهم.

الشاهد قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) هذا فعل أمر، ولما دخل كعب ابن مالك المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلي الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه.

ولما قدم وفد ثقيف إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- بالجعرانة بعد الغزوة قام لهم- أو قام إليهم - عليه الصلاة والسلام، فالقيام إلي الجل لا بأس به.

الثاني: القيام للرجل: وهذا أيضا لا بأس به، لا سيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهاناً له، فإن ذلك لا بأس به، وإن كان الأولي تركه كما في السنة، لكن إذا عتاده الناس فلا حرج فيه.

الثالث: القيام عليه: كأن يكون جالساً، ويقوم واحد على رأسه تعظيما له، فهذا منهي عنه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا)) .

حتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلي جالسا فإن المأموين يصلون جلوسا، ولو كانوا يقدرون على القيام، لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم)) .

فالقيام على الرجل منهي عنه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يخاف على الرجل أن يتعدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة.

وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا- نحن المسلمين- أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل؛ لأنا هكذا أمرنا، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية٧٣) وقال الله تعالي:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: من الآية١٢٠) ، ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح، وربما يشاركهم في أعيادهم الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها، والتي يخشي أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد. يوجد من الناس - والعياذ بالله من لا قدر للدين عنده، كما قال ابن القيم-رحمه الله- في كتابه ((أحكام أهل الذمة)) : ((من ليس عنده قدر للدين يشاركهم في الأعياد ويهنئهم)) . وكيف يدخل السرور على أعداء الله وأعدائك؟! ادخل عليهم ما يحزنهم ويغيظهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق، هكذا أمرنا؛ لأنهم أعداء لنا وأعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

المهم أن المغيرة بن شعبة وقف على رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً له حتى إنه في أثناء تلك المراسلة فعل الصحابة شيئا لا يفعلونه في العادة، كان عليه الصلاة والسلام إذا تنخم نخامته تلقوا نخامته بأيديهم بالراحة، ثم يمسحون بها وجوههم وصدوره مع إنهم ما كانوا يفعلون هذا، لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار بين لهم حال الصحابة- رضي الله عنهم- مع نبيهم عليه الصلاة والسلام.

ولذلك لما رجع رسول قريش إلي قريش قال: والله لقد دخلت على

الملوك وكسري وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً، رضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم الله عنا خيراً.

المهم أن القيام على الرجل إذا كان المقصود به حفظ الرجل، أو كان المقصود به إغاظة العدو، فإن هذا لا باس به ولا حرج فيهن وإلا فهو منهي عنه.

ثالثاً: إن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي صلي الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلي الله عز وجل لما حصل له من الأمر العظيم الذي كان فخراً له إلي يوم القيامة.

ثم ذكر كعب بن مالك ان من توبته ان لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالي بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبداً بعد أن تاب الله عليه، فكان - رضي الله عنه- مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) ، أنزل الله تعالي الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالي: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية١١٧) ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالي توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، أكدها بقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّه) .

فأما النبي فهو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من

مكة إلي المدينة، هاجروا إلي الله، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما هاجروا إلي الله ورسوله، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة.

أما الأنصار فهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أهل المدينة- رضي الله عنهم- الذين أووا النبي صلي الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار، لجمعهم بين الهجرة والنصرة.

وقوله: (ِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وذلك في الخروج معه إلي غزوة تبوك، إلي بلاد بعيدة، والناس في اشد ما يكونون من الحر، والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم، لأن الوقت وقت قيظ، والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال، ولكنهم - رضي الله عنهم- خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة) ِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه، ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلي الله عليه وسلم.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أكد ذلك مرة أخري (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) شملهم بالرأفة والرحمة، والرأفة أرق من الرحمة؛ لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة.

ثم قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) .

والثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم، وخلفوا: أي خلف البت

في أمرهم، وليس المراد عن الغزوة، بل خلفهم الرسول- عليه الصلاة والسلام- لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالي فيهم.

وقوله: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضاقت عليهم الأرض مع سعتها، والرحب هو السعة، والمعني ان الأرض علي سعتها ضاقت بهم. حتى قال كعب بن مالك: ((لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت: لا أدري، هل أنا في المدينة أو غيرها)) من شدة الضيق عليهم، رضي الله عنهم.

(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُم) نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقي النبي صلي الله عليه وسلم ولكنهم صبروا- رضي الله عنهم- حتى فرج الله عليهم.

وقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) (التوبة: من الآية١١٨) ، الظن هنا بمعني اليقين، أي أيقنوا انه لا ملجأ من الله، أي: أنه لا أحد ينفعهم، ولا ملجأ من الله إلا إلي الله، فالله بيده كل شي عز وجل.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: من الآية١١٨)) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق، لا ينالها إلا أحباب الله، كما قال الله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) .

أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلي الله، فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تلومونهم (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس) نعوذ بالله رجس، الخمر رجس، القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس، روث الحمير رجس، هؤلاء مثلهم. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: من الآية٩٥) ،

بئس المأوى، والعياذ بالله، إنهم ينقلون من الدنيا إلي جهنم، نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة، مؤصدة عليهم في عمد ممددة.

(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لو رضي الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك إلا رضا الله عز وجل؛ لأن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس وأمال قلوبهم إليك، كما جاء في الحديث: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: أني أحب فلاناً فأحبه)) يعين الله الرجل له فيحبه جبريل، ((ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)) فيكون مقبولاً لدي أهل الأرض.

كما قال الله عز وجل:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم: ٩٦) .

لكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.

ولهذا لما تولي معاوية- رضي الله عنه- الخلافة كتبت له عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله

الله إلي الناس)) وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق عز وجل- والعياذ بالله_.

هؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس، فلا ينفعهم رضا الناس قال الله تعالي هنا: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: من الآية٩٦) ، حتى لو رضي عنهم النبي صلي الله عليه وسلم _ اشرف الخلق_ ما نفعهم؛ لأن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين.

وفي هذه الآية تحذير من الفسق، وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، ويقوي بقوته ويضعف بضعفه. والفسق سبب من أسباب عدم رضا الله (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) والفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة. فعقوق الوالدين من الفسوق، وقطيعة الرحم من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق.

لكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا اصلح الإنسان الحسنات، كما قال الله

تعالي:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء: ٧٨) .

وقال عز وجل:) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية١١٤) ، فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة.

علي كل حال: الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا، فالتزم طاعة الله إن كنت تريد رضاه، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله، إذا رضي الله عنك كفاك مؤنة الناس وأرضي الناس عنك، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله، والعياذ بالله. وذكر- رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس، ولكن ذلك ليس بدائم، أحياناً يخرج يوم السبت، كما خرج في آخر سفره سافرها في حجة الوداع، وربما يخرج في أيام أخر، لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس.

وذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم عاد إلي المدينة ضحي، وأنه دخل المسجد فصلي فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلي الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

وهاتان الركعتان تشمل كل الوقت، حتى أوقات النهي؛ لأنها صلاة سببية، فليس عنها نهي، في أي وقت وجد سببها حل فعلها.

فينبغي إذا قدم الإنسان إلي بلده أن يبدأ قبل كل شي بالمسجد. وقد تقدم ذكر ذلك.

٢٢- وعن أبي نجيد- بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي- رضي الله عنهما - أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلي الله عليه وسلم وهي حبلي من الزني، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلي الله عليه وسلم وليها فقال: ((أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني)) ففعل، فأمر بها نبي الله صلي الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلي عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالي؟!)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنه: إن امرأة جاءت إلي النبي صلي الله عليه وسلم ((وهي حبلي من الزنا)) يعني حاملاً قد زنت، رضي الله عنها.

((فقالت: يا رسول الله إني قد أصبت حدا فاقمه علي)) أي: أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأت بها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما وضعت أتي بها وليها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، ((فأمر بها فشدت عليها ثيابها)) أي: لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ((ثم أمر بها فرجمت)) أي: بالحجارة: وهي ليست كبيرة ولا صغيرة، حتى ماتت، ثم صلي عليها النبي صلي الله عليه وسلم ودعا لها دعاء الميت: ((فال له عمر:

تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت)) أي: والزنى من كبائر الذنوب، فقال: ((لقد تأبت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)) يعيني: توبة واسعة لو قسمت علي سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم، ((وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل)) أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، امرأة جاءت فجادت بنفسها؛ يعني: سلمت نفسها من أجل التقرب إلي الله - عز وجل- والخلوص من إثم الزنى. ما هناك أفضل من هذا؟!

ففي هذا الحديث دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن الزاني إذا زني وهو محصن- يعني قد تزوج- فإنه يجب أن يرجم وجوباً؛ وقد كان هذا في كتاب الله- عز وجل- آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها، رجم النبي صلي الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده، ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقي حكمها في هذه الأمة. فإذا زني المحصن- وهو الذي د تزوج - فإنه يرجم حتى يموت. يوقف في مكان واسع، ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصي يرمونه به حتى يموت.

وهذه من حكمه الله عز وجل، أي: أنه لم يأمر الشرع بأن يقتل بالسيف وينتهي أمرهن بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام؛ لأن هذا الزني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.

ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة؛ لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح، ولا

بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته، ولكن بحصي متوسط حتى يذوق اللم ثم يموت.

فإذا قال قائل: أليس قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح)) ، والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة؟

قلنا: بلي قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع، فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع، ولذلك لو أن رجلاً جانيا جنى على شخص فقتله عمداً وعزر به قبل ان يقتله فإننا نعزر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله.

مثلاً: لو أن رجلاً جانيا قتل شخصاً فقطع- مثلاً- يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم رأسه. فإننا لا نقتل الجاني بالسيف!! بل نقطع يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم نقطع رأسه مثلما فعل، ويعتبر هذا إحساناً في القتلة، لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع علي أي وجه كان.

وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.

فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زني، عند الإمام أو نائبه؛ من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم.

وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه بأنه زني، يخبر بذلك عامة الناس؛ فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين. قالوا: من المجاهرون؟ قال: الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به)) .

إذا قام قائل هل الأفضل للإنسان إذا زني أن يذهب إلي القاضي ليقر عنده، فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالجواب عن هذا أن في ذلك تفصيلاً.

قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً، وندم، وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يجعل الأمر سرا بينه وبين الله، ومن تاب تاب الله عليه.

واما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود ويرجع إلي الذنب مرة أخري؛ فهذا الأفضل في حقه ان يذهب إلي ولي الأمر، أو إلي القاضي أو غيره، ليقر عنده فيقام عليه الحد.

* * *

٢٣- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((لو أن لابن آدم ملء واد مالاً: لأحب أن له إليه مثله ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)) . (متفق عليه) .

٢٤-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ((يضحك الله- سبحانه وتعالي-إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان في بيان التوبة، وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه؛ لأن الله تعالي قال في كتابه:) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان: ٦٨/٧٠) .

فالحديث الأول عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- ومعناه: أن ابن آدم لن يشبع من المال، ولو كان له واد واحد ((لا بتغي)) أي طلب أن يكون ل وديان، ولا يملأ غلا التراب؛ وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها؛ حينئذ يقتنع؛ لأنها فاتنة، ولكن مع ذلك حث الرسول صلي الله عليه وسلم على التوبة؛ لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال؛ أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم.

ولكن دواء ذلك بالتوبة إلي الله ولهذا قال: ((ويتوب الله علي من تاب)) فمن تاب من سيئاته- ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال -فإن الله يتوب عليه.

أما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((يضحك الله إلي رجلين.. الحديث)) .

فضحك الله إلي هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا؛ حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأوال ما في نفوسهما من الغل، لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله-تعالي- في وصفهم) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .

فهذه وجه العجب من الله- عز وجل- لهذين الرجلين أنه كان بينهما تمام العداوة، ثم إن الله-تعالي- من على هذا القاتل الذي كان كافراً فتاب، فتاب الله عليه.

ففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره-ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين-فإن الله- تعالي- يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.

[٣- باب الصبر]

قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠)) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: من الآية٢٠٠) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥) وقال تعالي:) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠)) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) وقال تعالي:) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٣) وقال تعالي:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.

[الشَّرْحُ]

الصبر في اللغة: الحبس.

والمراد به في الشرع: حبس النفس على أمور ثلاثة:

الأول: على طاعة الله.

الثاني: عن محارم الله.

الثالث: على أقدار الله المؤلفة. هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم.

الأمر الأول: أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس، وتصعب على الإنسان، وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب، وكذلك أيضا يكون فيها مشقة من الناحية المالية؛ كمسألة الزكاة ومسالة الحج، فالطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن، فتحتاج إلي صبر، وإلي معاناة قال الله

تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) .

الأمر الثاني: الصبر عن محارم الله بكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه، لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلي السوء، فيصبر الإنسان نفسه, مثل الكذب، والغش في المعاملات، وأكل المال بالباطل بالرب أو غيره، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة.

فيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها، وهذا يحتاج أيضاً إلي معاناة، ويحتاج إلي كف النفس والهوى.

أما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن أقدار الله- عز وجل-على الإنسان ملائمة ومؤلمة.

الملاءمة: تحتاج إلي الشكر، والشكر من الطاعات؛ فالصبر عليه من النوع الأول.

ومؤلمة: بحيث لا تلائم الإنسان تكون مؤلمة؛ فيبتلي الإنسان في بدنه، ويبتلي في ماله بفقده. ويبتلي في أهله، ويبتلي في مجتمعه، وأنواع البلايا كثيرة تحتاج إلي صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان، أو بالقلب، أو بالجوارح لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:

الحالة الأولي: أن يتسخط.

والحالة الثانية: أن يصبر.

والحالة الثالثة: أن يرضي.

والحالة الرابعة: أن يشكر.

هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.

أما الحال الأولي: أن يتسخط إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه.

التسخط بالقلب: أن يكون في قلبه- والعياذ بالله- شيء على ربه من السخط والشره على الله- والعياذ بالله- وما أشبه. ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.

وأما السخط باللسان: فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه ويا ثبوراه، وأن يسب الدهر فيؤذي الله- عز وجل- وما أشبه ذلك.

وأما التسخط بالجوارح: مثل أن يلطم خده، أو يصقع راسه، أو ينتف شعره، أو

يشق ثوبه وما أشبه هذا.

هذه حال السخط، حال الهلعين الذين حرموا الثواب، ولم ينجوا من المصيبة، بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان، مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم.

أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه، هو يكره المصيبة، ولا يحبها، ولا يحب أن وقعت، لكن يصبر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله، ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا، فهو صابر لكنه كاره لها.

والحال الثالثة: الرضا؛ بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة، ويرضي بها رضاء تاماً وكأنه لم يصب بها.

والحالة الرابعة: الشكر؛ فيشكر الله عليها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأي ما يكره قال: ((الحمد لله على كل

حال)) .

فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المعصية أكثر مما أصابه.

ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها، فحمدت الله على ذلك، فقالوا لها: كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه، قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. والله الموفق.

ثم ساق المؤلف- رحمه الله تعالي- الآيات التي فيها الحث على الصبر والثناء على فاعليه، فقال: وقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) ، فأمر الله المؤمنين بمتضي إيمانهم، وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الأربعة: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: من الآية٢٠٠) .

فالصبر عن المعصية، والمصابرة على الطاعة، والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير، والتقوي تعم ذلك كله. (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها، تجنبوها ولا تقربوها.

ومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس، أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها، ولكن إذا دعتك نفسك إلي المعصية فاصبر، واحبس النفس.

وأما المصابرة فهي على الطاعة؛ لأن الطاعة فيها أمران:

الأمر الأول: فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به.

والأمر الثاني: ثقل على النفس، لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيل على النفوس الأمارة بالسوء.

فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ ولهذا قال الله تعالي: (وَصَابِرُوا) كان أحدا يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد.

وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) . لأن فيه استمرار في الطاعة وكثرة لفعلها.

وأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله، لأن التقوى اتخاذ ما بقي من عقاب الله، وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

وعلي هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، ثم بين الله- سبحانه وتعالي- أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سبب للفلاح فقال: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئئن: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب. فمن اتقي الله- عز وجل- حصل له مطلوبة ونجا من مرهوبه.

وأما الآية الثانية فقال- رحمه الله- وقوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٥) ، هذه الآية فيها قسم من الله- عز وجل - أن يختبر العباد بهذه الأمور.

فقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي: لنختبرنكم.

(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) لا الخوف كله بل شيء منه؛ لأن الخوف كله مهلك ومدمر. لكن بشيء منه.

((الخوف)) هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع، ولهذا قدمه الله عليه، لكن الخائف- والعياذ بالله- لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، والخائف أعظم من الجائع؛ ولهذا بدأ الله به فقال: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا؛ لأن الذنوب سبب لكل الويلات، وسبب للمخاطر، والمخاوف، والعقوبات الدينية، والعقوبات الدنيوية.

(وَالْجُوعِ) يبتلي بالجوع.

والجوع يحمل معنيين:

المعني الأول: أن يحدث الله- سبحانه- في العباد وباء؛ هو وباء الجوع، بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا يمر على الناس، وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمي سنة الجوع. يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع- والعياذ بالله- نحدث أن الإنسان يأكل من التمر مخفراً كاملاً في آن واحد ولا يشبع-والعياذ بالله- ويأكل الخبز الكثير ولا

يشبع لمرض فيه. هذا نوع من الجوع.

النوع الثاني من الجوع: الجدب والسنون الممحلة لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع، هذا من الجوع.

وقوله (ِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يعيني: نقص الاقتصاد، بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر، ويتأخر اقتصادها، وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله -عز وجل- ابتلاء وامتحاناً.

وقوله: (وَالْأَنْفُسِ) أي: الموت؛ بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم. وهذا أيضاً يحدث كثيراً ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد- أي البلاد النجدية- حدث فيها وباء عظيم تسمي سنته عند العامة (سنة الرحمة) إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن- والعياذ بالله_، يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر، فيصاب هذا بمرض، ومن غد الثاني والثالث والرابع، حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم هذا المسجد، مسجد الجامع الكبير بعنيزة- وكان الناس بالأول في قرية صغيرة، ليس فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم، يقدم أحياناً في فرض الصلاة الواحد سبع إلي ثمان جنائز، نعوذ بالله من الأوبئة. هذا أيضاً نقص من الأنفس.

وقوله: (وَالثَّمَرَاتِ) أيك أن لا يكون هناك جوع، ولكن تنقص الثمرات، تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخري، والله - عز وجل- يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

فيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة، بالتسخط، أو بالصبر أو بالرضا، او بالشكر كما قلناه فيما سبق. والله الموفق.

الآية الثالثة: قوله تعالي: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية١٠) (يُوَفَّى الصَّابِرُون) أي يعطي الصابرون (أَجْرَهُمْ) أي ثوابهم.

وقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وذلك أن الأعمال الصالحة مضاعفة؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.

أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله- عز وجل- وهذا لم يقابل بعدد، بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب فيه، لا يقال مثلاً الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف، بل يقال إنه يوفي أجره بغير حساب. وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر. ثم قال المؤلف:

الآية الرابعة: قوله تعالي: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) أي: أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من مغزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلي مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله- عز وجل- وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله- عز وجل -، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له.

والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها.

وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذية الناس، ومغفرته لهم ما أساؤوا إليه فيه. ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق؛ فإن الله تعالي قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠) ، أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر.

مثال ذلك: لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره.

ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: من الآية٤٠) ، وإذا كان أجرك على الله لكان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعارضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة.

الآية الخامسة: قوله تعالي: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: من الآية١٥٣) أمر الله - سبحانه وتعالي- أن نستعين على الأمور بالصبر عليها، لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور.

فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلي الصبر فاصبر وتحمل ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)) .

وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية، حتى إن الرسول

- عليه الصلاة والسلام- ذكر عنه: ((أنه إذا حز به أمر فزع إلي الصلاة)) .

وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا استعان الإنسان بالصلاة عل أموره يسر الله له ذلك، لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، فيقف الإنسان فيها بين يدي الله، ويناجيه، ويدعوه، ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة؛ فكانت سبباً للمعونة.

قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) يعني ذلك المعية الخاصة، لأن معية الله- سبحانه وتعالي- تنقسم إلي قسمين:

معية عامة شاملة لكل أحد، وهي المذكورة في قوله تعالي: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا

كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) ، وفي قوله تعالي: (ِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة: من الآية٧) .

وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق، فما من مخلوق إلا والله - تعالي- معه يعلمه، ويحيط به سلطاناً وقدرة وسمعا وبصرا وغير ذلك.

أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد؛ وهذه خاصة بالرسل

وأتباعهم، ليست لكل أحد، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وما أشبه ذلك من

الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة.

ولكن المعيتين كلتيهما لا تدلان على أن الله - سبحانه وتعالي- فوق سماواته على

عرشه، أمكنتهم، بل هو مع الناس وهو- عز وجل-فوق وهو معك. والعرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا. وكل يعلم أن القمر في السماء. فما بلك بالخالق - عز وجل- هو وفق كل شيء استوي على عرشه، ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد. مهما انفردت فإن الله- تعالي- محيط بك؛ علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وغير ذلك.

وفي قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) دليل على أن الله يعين الصابر ويؤيده ويكأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله - عز وجل-.

الآية السادسة: قوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١) .

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) : لنختبركم: فالابتلاء بمعني الاختيار، أو البلوي بمعني الاختيار.

يعني: أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم؛ ليعلم من يصبر ومن لا يصبر؛ ولهذا قال الله- تعالي- في آية أخري: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: من الآية٤) (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (محمد: ٥) (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد: ٤/٦) .

وقوله عز وجل: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) قد يتوهم بعض من قصر علمه

أن الله - سبحانه - لا يعلم الشيء حتى قع؛ وهذا غير صحيح؛ فالله - تعالي- يعلم الأشياء قبل وقوعها، كما قال تعالي:) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) .

ومن أدعي أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه؛ فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله- تعالي- قد علم الأشياء قبل أن تقع!!

لكن العلم الذي في هذه الآية (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علما يترتب عليه الجزاء.

وقال بعض أهل العلم: المراد بقوله: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) أي: علم ظهور، يعني حتى يظهر الشيء؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، وعلمه بعد كونه علم بأنه كان. وفرق بين العلمين.

فالعلم الأول علم بأنه سيكون، والثاني علم بأنه كان.

ويظهر لك الفرق لو أن شخصاً قال لك: سوف أفعل كذا وكذا غداً فالآن حصل عندك علم بما أخبر به، ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر؛ أي: علم بأن الشيء الذي حدثك انه سيفعله قد فعله فعلاً. فهذان وجهان في تخريج قوله تعالي (حَتَّى نَعْلَمَ) .

الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، وهذا لا يكون إلا بعد البلوي، بعد أن يبتلي الله العبد ويختبره.

الوجه الثاني: أن المراد به علم الظهور؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، فإذا صار علمه تعالي به علماً بما كان.

وقوله: (الْمُجَاهِدِينَ) المجاهد: صار هو الذي بذل جهده جهده إعلاء كلمة الله، فيشمل المجاهد بعلمه، والمجاهد بعلمه: الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس، ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله، هذا مجاهد. والذي يحمل السلاح لقتال الأعداء هو أيضاً مجاهد في سبيل الله، إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا.

وقوله: (وَالصَّابِرِينَ) أي: يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويتحملونه ويقومون به.

وقوله: (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهوراً يترتب عليه الثواب والعقاب.

لما ذكر الله هذا الابتلاء قال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، والخطاب للنبي صلي الله عليه وسلم، ولك من يبلغه هذا الخطاب، يعني: بشر يا محمد، وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر. وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا، وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالشكر. كما مر علينا أن المصاب بالمصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات: تسخط، وصبر، ورضاً، وشكر، وهنا قال:) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: ١٥٥/١٥٦) .

وقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله - عز وجل- بعموم ملكه، وأنهم ملك لله، ولله أن يفعل في ملكه ما شاء؛ ولهذا قال النبي- عليه الصلاة والسلام- لإحدى بناته، قال لها: ((إن الله ما أخذ وله ما أعطي)) فأنت ملك لربك- عز وجل- يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالي.

ثم قال: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلي الله فيجازيهم. أن تسخطوا جازاهم علي سخطهم، وإن صبروا - كما هو شأن هؤلاء القوم- فإن الله تعالي يجازيهم على صبرهم علي هذه المصائب. فيبتلي - عز وجل- بالبلاء ويثيب الصابر عليه.

قال تعالي: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: من الآية١٥٧) ، أولئك يعين الصابرين (عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى، يثني الله عليهم عند ملائكته.

وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) الذين هداهم الله- عز وجل- عند حلول المصائب فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم. وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله- عز وجل- ليست هي رحمته، بل هي أخص وأكمل وأفضل، ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة، ومن

الملائكة الدعاء، ومن الآدميين الاستغفار؛ فإن هذا لا وجه له، بل الصلاة غير الرحمة؛ لأن الله تعالي عطف الرحمة علي الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة. ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين: اللهم ارحم فلاناً.

واختلفوا؛ هل يجوز أن تقول: اللهم صل عليه. أو لا يجوز؛ على أقوال ثلاثة:

-فمنهم من أجازها مطلقاًً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من أجازها إذا كانت تبعاً.

والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعاً، كما في قوله ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) ، أو لم تكن ولكن لها سبب؛ كما قال الله) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية١٠٣) ، فإذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعاراً، فإن ذلك لا بأس به. فلا بأس أن تقول: اللهم صل على فلان، فلو جاءك رجل بزكاته وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء، فلك أن تقول: صلي الله عليك، تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه بذلك.

* * *

٢٥- وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن - أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك.

كل الناس يغدو، فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

سبق لنا الكلام علي الآيات التي ساقها المؤلف- رحمه الله تعالي- في الصبر وثوابه والحث عليه، وبيان محله، ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك.

فذكر حديث أبي مالك الشعري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الطهور شطر الإيمان)) الحديث، غلي قوله ((والصبر ضياء)) فبين النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء؛ يعني أن يضيء للإنسان، عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات، فإذا صبر؛ فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلي الحق.

ولهذا ذكر الله- عز وجل- أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه؛ لأنه كلما سار إلي الله - عز وجل- علي طريق الصبر؛ فإن الله تعالي- يزيده هدي وضياء في قلبه ويبصره؛ فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الصبر ضياء)) .

أما بقية الحديث؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((الطهور شطر الإيمان)) .

الطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان.

شطر الإيمان: أي نصف الإيمان.

وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية.

أي: تبرؤ من الشرك والفسوق، تبرؤ من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخل.

وهذا هو الطهور؛ أن يتطهر الإنسان طهارة حسيه ومعنوية من كل ما فيه أذي فلهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان، ((وسبحان الله)) معناها: تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من العيوب ومماثلة المخلوقات.

فالله- عز وجل- منزه عن كل عيب في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب؛ ولهذا قال تعالي: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (لأعراف: من الآية١٨٠) ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص؛ ولهذا قال الله (ِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) بعد قوله: (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلي من جميع الوجوه، وله أيضاً الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله، كما قال الله تعالي:) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان: ٣٨) فليس في خلق الله لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة.

كذلك أحكامه لا تجد فيها عيباً ولا نقصاً كما قال الله تعالي:) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: ٨) ، وقال عز وجل:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) .

وقوله صلي الله عليه وسلم: ((سبحان الله والحمد لله تملآن- أو قال تملأ- ما بين

السماوات والأرض)) شك من الرواي: هل قال النبي صلي الله عليه وسلم: تملآن ما بين السموات والأرض، أو قال تملأ ما بين السموات والأرض.

والمعني لا يختلف. يعني أن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله عن كل نقص في قوله ((سبحان الله)) وعلى وصف الله بكل في قوله: ((والحمد لله)) .

فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون؛ أي بين نفي كل عيب ونقص، وإثبات كل كمال، فسبحان الله فيها نفي النقائص، والحمد لله فيها إثبات الكمالات.

فالتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.

والله - عز وجل- يحمد على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال: ((الحمد لله على كل حال)) ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس؛ وهي أقوالهم ((الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه)) .

هذا الحمد ناقص ‍‍!!

لأن قولك على مكروه سواه تعبير على قلة الصبر، أو - على

الأقل- عدم كمال الصبر، وأنك كاره لهذا الشيء، ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير، بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلي الله عليه وسلم يعبر به؛ فيقول ((الحمد لله على كل حال)) ، أو يقول: ((الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه)) .

أما أن يقول: على مكروه سواه، فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله- عز وجل- وأنه كاره له.

وأنا لا أقول: إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء، فالإنسان بطبيعته يكره ذلك، لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله، بل عبر كما عبر النبي صلي الله عليه وسلم ((الحمد لله على كل حال)) .

قوله صلي الله عليه وسلم: ((والصلاة نور)) .

فالصلاة نور: نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل.

وكذلك تكون نوراً للإنسان في قلبه؛ تفتح عليه باب المعرفة لله- عز وجل-، وباب المعرفة في أحكام الله، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام، إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء.

كذلك نور في حشرة يوم القيامة؛ كما أخبر بذلك الرسول صلي الله عليه وسلم: ((أن من حافظ عليه كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان

وقارون وابي بن خلف)) .

فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه.

وأما الصبر فقال: ((إنه ضياء)) فيه نور؛ لكن نور مع حرارة، كما قال الله تعالي) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً) (يونس: من الآية٥) .

فالضوء لابد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، لابد فيه من حرارة وتعب، لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب.

فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر، أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة؛ لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان.

وقوله: ((الصدق برهان)) .

الصدقة: بذل المال تقربا إلي الله- عز وجل- فيبذل المال على هذا الوجه للأهل، والفقراء، والمصالح العامة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهاناً على إيمان العبد، وذلك أن المال محبوب إلي النفوس، والنفوس شحيحة به، فإذا بذله الإنسان لله، فإن الإنسان لا يبل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه. فيكون في بذل المال لله- عز وجل- دليل على صدق الإيمان وصحته.

ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله- عز وجل- وبإخلافه؛ تجدهم أكثرهم صدقة.

ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((والقرآن حجة لك أو عليك)) لأن القرآن هو حبل الله المتين، وهو حجة الله على خلقه، فإما أن يكون لك، وذلك فيما إذا توصلت به إلي الله، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه. ففي هذه الحال يكون حجة لك.

أما إن كان الأمر بالعكس، أهنت القرآن، وهجرته لفظاً ومعني وعملاً، ولم تقم بواجبه؛ فإنه يكون شاهداً عليك يوم القيامة.

ولم يذكر الرسول صلي الله عليه وسلم مرتبة هاتين المرتبتين!

يعني: لم يذكر أن القرآن لا لك، ولا عليك؛ لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال. فنسأل الله أن يجعله لنا جميعاً حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة؛ إنه جواد كريم.

قوله: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) .

أي: كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل، وهذا شيء مشاهد. فإن الله - تعالي- جعل الليل سكناً وقال) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) (الأنعام: من الآية٦٠) ، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغري، تهدأ فيه الأعصاب، ويستريح فيه البدن، ويستجد نشاطه للعمل المقبل، ويستريح من العمل الماضي.

فإذا كان الصباح- وهو الغدوة - سار الناس واتجهوا كل لعمله.

فمنهم من يتجه إلي الخير، وهم المسلمون، ومنهم من يتجه إلي الشر، وهم الكفار والعياذ بالله.

المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر ((والطهور شطر الإيمان)) كما في هذا الحديث، ثم يذهب فيصلي، فيبدأ يومه بعبادة الله- عز وجل-؛ بالطهارة، والنقاء، والصلاة، التي هي صلة بين العبد وبين ربه، فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح، بل يفتتحه بالتوحيد؛ لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله- عز وجل- وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران وهي قوله:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) إلي آخر السورة: ١٩٠-٢٠٠، هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة وهو بائع نفسه، لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه؟!.

نقول: المسلم باعها بيعا يعتقها فيه؛ ولهذا قال: ((فبائع نفسه فمعتقها)) هذا قسم.

((أو موبقها)) معناها: بائع نفسه فموبقها. الكافر يغدو إلي العمل الذي فيه الهلاك؛ لأن معني (أوبقها) أهلكها. وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله، حتى لو بدأ والشرب؛ فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، ويحاسب عليه.

كل لقمة يرفعها الكافر إلي فمه فإنه يعاقب عليها، وكل شربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه.

والدليل على هذا قوله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، للذين

آمنوا لا غيرهم.

) خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني: ليس عليهم من شوائبها شيء يوم القيامة. فمفهوم الآية الكريمة) قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنها لغير المؤمنين حرام، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة، وانهم سيعاقبون عليها.

وقال الله في سورة المائدة؛ وهي من آخر ما نزل) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (المائدة: من الآية٩٣) فمفهوم الآية الكريمة: أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه.

فالكافر من حين ما يصبح- والعياذ بالله- وهو بائع نفسه فيما يهلكها، أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.

في آخر هذا الحديث بين رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلي قسمين:

قسم يكون القرآن حجة لهم؛ كما قال: ((والقرآن حجة لك)) .

وقسم يعتنقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة.

وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة. والله الموفق.

* * * *

٢٦- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى رضي الله عنهما: أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه: ((ما

يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر))

[الشَّرْحُ]

كان من خلق الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام- أنه لا يسأل شيئاً يجده إلا أعطاه، وما عهد عنه أنه صلي الله عليه وسلم منع سائلاً، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويعيش في بيته عيش الفقراء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع

فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس واشجع الناس.

فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما من خير يكون عنده فلن يدخره عنهم؛ أي: لا يمكن أن يدخر شيئا عنهم فيمنعهم، ولكن ليس عنده شيء.

ثم حث النبي صلي الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر، فقال: ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن الله، ومن يتصبر يصبره الله- عز وجل)) .

هذه ثلاثة أمور:

أولا: من يستغن يغنه الله، أي: من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس؛ يغنه الله عز وجل. وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم؛ فإنه

سيبقي قلبه فقيراً - والعياذ بالله- ولا يستغني.

والغني غني القلب، فإذا استغني الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس؛ أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.

ثانياً: من يستعفف يعفه الله، فمن يستعف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل.

والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله؛ لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء؛ فإنه يهلك، تزني العين، تزني الأذن، تزني اليد، تزني الرجلن ثم يزني الفرج؛ وهو الفاحشة والعياذ بالله.

فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله- عز وجل- وحماه وحمي أهله أيضاً.

ثالثاً: من يتصبر يصبره الله، أي يعطيه الله الصبر.

فإذا تصبرت، وحسبت نفسك عما حرم الله عليم، وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله- تعالي- يصبرك ويعينك على الصبر. وهذا هو الشاهد من الحديث؛ لأنه في باب الصبر.

ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم ((وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)) أي: ما من الله على أحد بعطاء من رزق، أو غيره؛ خيراً واوسع من الصبر؛ لأم الإنسان إذا كان صبوراً تحمل على كل شيء. إن أصابته الضراء صبر، وإن أعرض له الشيطان بفعل المحرم صبر، وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر.

فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر؛ فهذا خير ما يعطاه الإنسان، وأوسع ما يعطاه، ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أوذي من قبل الناس، لو سمع منهم ما يكره، لو حصل منهم اعتداء عليه، تجده هادي البال، لا يتصلب، ولا يغضب، لأنه صابر على ما ابتلاه الله به؛ فلذلك تجد قلبه دائماً مطمئناً ونفسه مستريحة.

ولهذا قال الرسول صلي الله عليه وسلم ((ما أعطي أحد عطاء خيرا واوسع من الصبر)) والله الموفق.

***

٢٧- وعن أبي يحيي صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله- فيما نقله عن صهيب الرومي: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير)) أي: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان ((لأمر المؤمن)) أي: لشأنه. فإن شأنه كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.

ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير، فقال: ((إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له)) هذه حال المؤمن. وكل إنسان؛ فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:

مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيراً له، فنال بهذا أجر الصائمين.

وإن اصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية؛ كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله - عز وجل.

فيشكر الله فيكون خيرا له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين، ونعمة الدنيا.

نعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن، فهو علي خير، سواء أصيب بضراء.

وأما الكافر فهو على شر- والعياذ بالله- إن اصابته الضراء لم يصبرن بل يتضجر، ودعا بالويل والثبور، وسب الدهر، وسب الزمن، بل وسب الله- عز وجل- ونعوذ بالله.

وإن اصابته سراء لم يشكر الله، فكانت هذه السراء عقاباً عليه في الآخرة، لأن الكافر لا يأكله أكلة، ولا يشرب إلا كان عليه فيها إثم،

وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن، لكن على الكافر إثم، كما قال الله تعالي:) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (لأعراف: من الآية٣٢) ، هي للذين آمنوا خاصة، وهي خالصة لهم يوم القيامة، أما الذين لا يؤمنون فليست لهم، ويأكلونها حراماً عليهم، ويعاقبون عليها يوم القيامة.

فالكافر شر، سواء أصابته الضراء أم السراء، بخلاف المؤمن فإنه على خير.

وفي هذا الحديث: الحث على الإيمان النبي صلي الله عليه وسلم وأن المؤمن دائماً في خير ونعمة.

وفيه أيضاً: الحث على الصبر على الضراء، وأن ذلك من خصال المؤمنين. فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً، تنتظر الفرج من الله- سبحانه وتعالي- وتحتسب الأجر على الله؛ فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت العكس فلم نفسك، وعدل مسيرك، وتب إلي الله.

وفي الحديث أيضاً: الحث على الشكر عند السراء، لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له، وهو من أسباب زيادة النعم، كما قال الله تعالي:) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم: ٧) وإذا وفق الله الإنسان للشكر؛ فهذه نعمة تحتاج إلي شكرها مرة ثالثة...وهكذا، لأن الشكر قل من يقوم به، فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة.

ولهذا قال بعضهم:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

وصدق - رحمه الله- فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلي شكر جديد، فإن شكرن فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثان، فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثالث. وهلم جرا.

ولكننا- في الحقيقة- في غفلة عن هذا. نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم، ويصلح أعمالنا وأعمالكم؛ إنه جواد كريم.

* * *

٢٨- وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلي الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة رضي الله عنهما: واكرب أباه. فقال: ((ليس علي أبيك كرب بعد اليوم)) . فلما مات قالت: يا ابتاه أجاب رباه دعاه، يا ابتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلي جبريل ننعاهن فلما قالت فاطمة عليها السلام: يا انس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟ (. رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما رواه عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم لما ثقل رسول الله صلي الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ((جعل يتغشاه الكرب)) أي: من شدة ما يصيبه جعل يغشي عليه من الكرب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يتشدد عليه الوعك والمرض، كأن يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.

والحكمة في هذا، من أجل أن ينال صلي الله عليه وسلم أعلي درجات الصبر. فإن الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله- عز وجل- لأنه لا صبر إلا على مكروه.

فإذا لم يصب الإنسان بشيء يكره فكيف يعرف صبره، ولهذا قال الله تعالي) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين) (محمد: من الآية٣١) فكان النبي صلي الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.

فجعل يتغشاه الكرب، فتقول فاطمة- رضي الله عنها- ((وأكرب أباه)) تتوجع له من كربه، لأنها امرأة، والمرأة لا تطيق الصبر.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) لأنه صلي الله عليه وسلم لما انتقل من الدنيا انتقل إلي الرفيق الأعلى، كما كان صلي الله عليه وسلم - وهو يغشاه الموت- يقول ((اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى وينظر

إلي سقف البيت صلي الله عليه وسلم.

توفي الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعلت، رضي الله عنها- تندبه، لكنه ندب خفيف، لا يدل على التسخط من قضاء الله وقدره.

وقولها ((أجاب ربا دعاه)) لأن الله- سبحانه وتعالي- هو الذي بيده ملكوت كل شيء، آجال الخلق بيده، تصريف الخلق بيده، كل شيء إلي الله، إلي الله المنهي وإليه الرجعي.

فأجاب داعي الله، وهو انه صلي الله عليه وسلم إذا توفي صار كغيره من المؤمنين، يصعد بروحه حتى توقف بين يدي الله- عز وجل- فوق السماء السابعة. فقالت: واأبتاه، أجاب ربا دعاه.

وقولها: ((وا ابتاه جنة الفردوس مأواه)) صلي الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام أعلى الخلق منزلة في الجنة، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم ((اسألوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو)) . ولا شك ان النبي صلي الله عليه وسلم مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلي درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها عرش الرب جل جلاله، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى الدرجات منها.

قولها: ((يا أبتاه إلي جبريل ننعاه)) النعي: هو الإخبار بموت الميت،

وقالت: إننا ننعاه إلي جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحاً ومساء.

فإذا فقد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد نزول جبريل عليه الصلاة والسلام إلي الأرض بالوحي؛ لأن الوحي انقطع بموت النبي صلي الله عليه وسلم.

ثم لما حمل ودفن رضي الله عنها: ((أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟)) يعني من شدة وجدها عليه، وحزنها، ومعرفتها بأن الصحابة- رضي الله عنهم- قد ملأ قلوبهم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل طابت؟

والجواب: أنها طابت؛ لن هذه ما أراد الله- عز وجل- وهو شرع الله، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفدي بكل الأرض لفداه الصحابة رضي الله عنهم.

لكن الله - سبحانه- هو الذي له الحكم، وغليه المرجع، وكما قال الله تعالي في كتابة: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر: ٣٠/٣١) .

الفوائد:

في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد، ويحتر وجميع الأمور البشرية تعتري النبي صلي الله عليه وسلم، كما قال صلي الله عليه وسلم ((إنما أنا بشر مثلكم، أنسي كما تنسون)) .

وفيه: رد على هؤلاء القوم الذين يشركون بالرسول صلي الله عليه وسلم؛ يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويستغيثون به وهو في قبره بل إن بعضهم- والعياذ بالله- لا يسأل الله تعالي ويسأل الرسول صلي الله عليه وسلم؛ كأن الذي يجيب هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولقد ضلوا في دينهم وسفهوا في عقولهم. فإن الرسول صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا فكيف يملك لغيره؟!

قال الله تعالي آمراً نبيه) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) بل هو عبد من عباد الله؛ ولهذا قال (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: من الآية٥٠) .

وقال الله- سبحانه- له أيضا (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (إِلَّا بَلاغاً) أي: هذه وظيفتي (مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجالنبي صلي الله عليه وسلم: من الآية٢١/٢٣) ، ولما أنزل الله تعالي قوله:) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤) ، دعا قرابته صلي الله عليه وسلم وجعل ينادي إلي أن قال: ((يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً)) إلي هذا الحد‍!! التي هي بضعة منه والتي يريبه ما رابه يقول لها: لا أغني عنك من الله شيئاً.

فهذا دليل على أن من سواها من باب أولي.

ففيه ضلال هؤلاء الذين يدعون الرسول صلي الله عليه وسلم تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلي القبر، ويصمدون أمام القبر كصمودهم أمام الله في الصلاة أو اشد.

وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا باس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذيا بالتسخط على الله عز وجل، لأن فاطمة ندبت النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ندب يسير، وليس ينم عن اعتراض على قدر الله عز وجل.

وفيه دليل: على أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم ورضي الله عنها بقيت بعد حياته صلي الله عليه وسلم بقيت فاطمة، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) .

وهذا من حكمة الله - عز وجل- لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكا يورث من بعدهم؛ ولكن الله - عز وجل- منع ذلك.

فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له والله الموفق.

٢٩- وعن أبي زيد اسامة بن زيد حارثة مولى رسول الله صلي الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، رضي الله عنهما، قال: أرسلت بنت النبي صلي الله عليه وسلم: إن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقري السلام ويقول: ((إن الله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي فلتصبر ولتحتسب)) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناهن فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمة جعلها الله تعالي في قلوب عباده)) وفي رواية: في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (متفق عليه) .

ومعني: ((تقعقع)) تتحرك وتضطرب.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أبي زيد اسامة بن زيد بن حارثة- رضي الله عنهما_، وزيد بن حارثة كان مولي لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وكان عبداً، فأهدته إليه خديجة- رضي الله عنها- فأعتقه، فصار مولي له، وكان يلقب بحب رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ أي حبيبيه، وابنه أيضاً حب، فأسامة حبه وابن حبه رضي الله عنهما، ذكر أن إحدي بنات الرسول صلي الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولا،

تقول له إن ابنها قد احتضر، أي: حضره الموت. وأنها تطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر، فبلغ الرسول رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له النبي صلي الله عليه وسلم ((مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)) .

أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي أرسلته ابنته أن يأمر ابنته- أم هذا الصبي- بهذه الكلمات:

قال: ((فلتصبر)) أي: تحتسب الأجر على الله بصبرها؛ لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب، يصبر على المعصية ولا يتضجر، لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير، لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله، يعني: أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره، فهذا هو الاحتساب ((مرها فلتصبر)) يعني على هذه المصيبة ((ولتحتسب)) أجرها على الله عز وجل. قوله: ((فإن لله ما أخذ وله ما أعطي)) هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه، وإن اعطاك شيئاً فهو ملكه، فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو؟

عليك إذا أخذ لله منك شيئا محبوباً لك؛ أن تقول: هذا لله، له أن يأخذ ما شاء الله، وله أن يعطي ما شاء.

ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) يعني: نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء، وكذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له- عز وجل- له ما أخذ وله أعطي، حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه، هو لله، ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه؛ وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك

قاصر، ما نتصرف فيه تصرفا مطلقاً، فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك، لا يمكن؛ لأن المال مال الله، فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه.

ولهذا قال: ((ولله ما أخذ وله ما أعطي)) فإذا كان لله ما أخذ، فكيف نجزع؟ كيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك سبحانه وتعالي؟ هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول!

قال: ((وكل شيء عنده بأجل مسمي)) كل شيء عنده بمقدار، كما قال الله تعالي في القرآن الكريم) وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: من الآية٨) بمقدار في زمانه، ومكانه، وذاته، وصفاته، وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر.

((بأجل مسمي)) أي: معين، فإذا أيقنت بهذا؛ إن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي؛ اقتنعت. وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير، كما قال الله) لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: من الآية٤٩) ، فإذا كان الشيء مقدراً لا يتقدم ولا يتأخر؛ فلا فائدة من الجزع والتسخط؛ لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور.

ثم إن الرسول أبلغ بنت النبي صلي الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها، ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر، فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه، فوصل إليها، فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع؛ أي تضطرب، تصعد وتنزل، فبكي الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه. فقال

سعد بن عباده وكان معه- هو سيد الحرج- ما هذا؟ ظن أن الرسول صلي الله عليه وسلم بكي جزعاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((هذه رحمة)) أي بكت رحمة بالصبي لا جوعاً بالمقدور.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) ففي هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب.

إذا رأيت مصاباً في عقله أو بدنه، فبكت رحمة به، فهذا دليل على أن الله تعالي جعل في قلبك رحمة، وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمه كان من الرحماء الذين رحمهم الله عز وجل. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته.

ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((مرها فلتصبر ولتحتسب)) .

وفيه دليل أيضاً على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة، أفضل من قوله بعض الناس: ((أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)) هذه صيغة أختارها بعض العلماء، لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام ((اصبر واحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)) أفضل؛ لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر.

والتعزية في الحقيقة ليست تهنئه كما ظنها بعض العوام، يحتفل بها، وتوضع لها الكراسي، وتوقد لها الشموع، ويحضر لها القراء والأطعمة، بل هي تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر، ولهذا لو أن أحداً لم يصب بالمصيبة، كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به؛ فإنه لا يعزي، ولهذا قال

العلماء رحمهم الله ((تسن تعزية المصاب)) ولم يقولوا تسن تعزية القريب، لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه، والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً.

فالتعزية للمصاب لا للقريب. أما الآن- مع الأسف- انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب، حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزي، ربما يكون بعض الناس فقيراً، وبينه وبين ابن عمه في هذه الحال أو يصاب؟ غالبا يفرح، ويقول: الحمد لله الذي خلصني من مشاكلة ورثني ماله! فهذا لا يعزي، هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئاً.

والمهم أنه يجب أن نعلم أن التعازي إنما هي لتقوية المصاب على الصبر وتسليته، فيختار لها من الكلمات أفضل ما يكون وأقرب ما يكون للتعزية، ولا أحسن من الكلمات التي صاغها نبينا صلي الله عليه وسلم. والله الموفق.

* * *

٣٠- وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلكا كبر قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إلي غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتي الساحر ضربه، فشكا ذلك إلي الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حسبني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حسبني الساحر.

فبينما هو علي ذلك إذ أتي علي دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضي الناس، فأتي الراهب فاخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أري وإنك ستبتلي فإن ابتليت فلا تدل علي؛ وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فأمن باله تعالي فشفاه الله، فأتي الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: أو لك غيري؟! قال ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجئ بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبي فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه

فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبي، فدفعه إلي نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه

فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بك بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فدفعه إلي نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر، فغن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فانكفات بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فقال الملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم

قال: بسم رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغة، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، واضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق)) (رواه مسلم) .

((ذروه الجبل)) : أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، و ((القرقور)) بضم القافين: نوع من السفن، و ((الصعيد)) هنا: الأرض البارزة، و ((الأخدود)) الشقوق في الأرض كالنهر الصغير، و ((اضرم)) أوقد و ((انكفات)) أي: انقلبت، و ((تقاعست) ٩ توقفت وجبنت)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - رحمه الله تعالي- في باب الصبر في قصة عجيبة: وهي أن رجلاً من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحر اتخذه الملك بطانة؛ من أجل ان يستخدمه في مصالحه ولو على حساب الدين، لأن هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته، وهو ملك مستبد قد عبد الناس لنفسه كما سيأتي إن شاء الله تعالي في آخر الحديث.

هذا الساحر لما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.

واختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم، ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقي، ولا ينسي، ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر، وفي كل خير، لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر:

الفائدة الأولي: أن الشاب في الغالب أسرع حفظاً من الكبير، لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله.

وثانياً: أن ما يحفظه الشاب يبقي، وما يحفظه الكبير ينسي، ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس: ((إن العلم في الصغر كالنقش في الحجر)) لا يزول.

وفيه فائدة ثالثة: وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له، وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشب عليه.

فهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء. فطلب من الملك أن يختار له شاباً غلاماً يعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً، فعلمه ما علمه، ولكن الله تعالي قد أراد بهذا الغلام خيراً‍

مر هذا الغلام يوماً من الأيام براهب، فسمع منه فأعجبه كلامه، لأم هذا الراهب- يعني العابد- عابد لله عز وجل، لا يتكلم إلا بالخير، وقد يكون راهباً عالماً لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية، فصار هذا الغلام إذا خرج من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر، فجعل الساحر يضربه، لماذا تتأخر؟ فشكا الغلام إلي الراهب أمر يتخلص به، قال: إذا ذهبت إلي الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل: عن الساحر أخرني؛ حتى تنجو من هذا ومن هذا.

وكان الراهب- والله أعلم- أمره بذلك- مع أنه كذب - لعله رأي أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب، مع أنه يمكن أن يتأول!!

ففعل، فصار الغلام يأتي إلي الراهب ويسمع منه، ثم يذهب إلي الساحر، فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال: إن أهلي أخروني، وإذا رجع إلي أهله وتأخر عند الراهب قال: إن الساحر أخرني. فمر ذات يوم بدابة عظيمة، ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة، قد حسبت الناس عن التجاوز، فلا يستطيعون أن يتجاوزها، فإذا هذا الغلام أن يخابر: هل الراهب خير له أم الساحر، فأخذ حجراً، ودعا الله سبحانه وتعالي إن كان أمر الراهب خير له أن يقتل هذا الحجر الدابة، فرمي بالحجر، فقتل الدابة، فمشي الناس.

فعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر، وهذا أمر لا شك فيه؛ لأن الساحر إما معتد ظالم، وإما كافر مشرك، فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك. وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد.

أما الراهب، فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد، وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبه، وإن كان عمله سيئاً.

المهم أن الغلام أخبر الراهب بما جري فقال له الراهب: أنت اليوم خير مني، وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له.

وهذا من نعمة الله على العبد، أن الإنسان إذا شك في المر ثم طلب من الله لآية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له، فإن هذا من نعمة الله عليه.

ومن ثم شرعت الاستخارة، للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه: هل

في إقدامه خير أم في إحجامه خير، فإنه يستخير الله، وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله تعالي يعطيه ما يستدل به علي أن الخير في الإقدام أو إحجام. إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا، وإما برؤيا يراها في المنام، وإما بمشورة أحد من الناس، وإما بغير ذلك.

وكان من كرامات هذا الغلام أنه يبرئ الأكمة والأبرص، يعني أنه يدعو لهم فيبرأون، وهذا من كرامات الله له.

وليس كقصة عيسي بن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ، بل هذا يدعو الله فيستجيب الله تعالي دعاءه، فيبرئ بدعائه الأكمة والأبرص.

وقد اخبر الراهب هذا الغلام بأنه سيبتلي يعني سيكون له محنة واختبار، وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء.

وكأن هذا الغلام- والله أعلم- مستجاب الدعوة، إذا دعا الله تعالي قبل منه.

وكان للملك جليس أعمي- لا يبصر- فأتي بهدايا كثيرة لهذا الغلام حينما سمع عنه ما سمع وقال: لك ما هنا أجمع- أي كله- إن أنت شفيتني، فقال، إنما يشفيك الله.

انظر إلي الإيمان! لم يغتر بنفسه وادعي أنه هو الذي يشفي المرضي، بل قال: إنما يشفيك الله عز وجل، وهذا يشبه من بعض الوجوه ما جري لشيخ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله عليه-، حينما جئ إليه برجل مصروع قد صرعه الجني، فقرأ عليه شيخ الإسلام ابن تيمي ولكنه لم يخرج، فجعل شيخ الإسلام يضربه على رقبته ضرباً شديداً، حتى إن يد شيخ

الإسلام أوجعته من الضرب. فتكلم الجني الذي في الرجل وقال له: أخرج كرامة للشيخ، فقال له الشيخ رحمه الله: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعة لله ولرسوله. لا يريد أن يكون له فضل، بل الفضل لله عز وجل أولاً وآخرا. فخرج الجني. فلما خرج الجني استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ لأنه حينما صرع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه، قال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ فقالوا: سبحان الله! ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك؟ قال: ما أحسست به ولا أوجعني. فأخبروه، فبريء الرجل!

الشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم، وإنما ينسبونها إلي موليها عز وجل وهو الله.

وقال له: ((فإن أنت آمنت دعوت الله لك)) فآمن الرجل، فدعا الغلام ربه أن يشفيه، فشفاه الله، فاصبح مبصراً.

فجاء هذا الجليس إلي الملك وجلس عنده على العادة، فسأله الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: وأخبره بالخبر وعذبه تعذيباً شديداً، قال: من الذي علمك بهذا الشيء؟ وكان الراهب قد قال له: إنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تخبر عني. ولكن لعله عجز عن الصبر، فأخبر عن الراهب.

وكان هذا الملك الجبار- والعياذ بالله- لما دلوا على الراهب، جئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك ولكنه أبي أن يرجع عن دينه.

فأتوا بالمنشار فشذبوه من مفرق رأسه- من نصف الجسم- فبدأوا بالرأس، ثم الرقبة، ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين: سقط شق هنا وشق هنا- ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه. أبي أن يرجع، ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه- ما شاء الله-!! ثم جئ بالرجل الأعمى الذي كان جليساً عند الملك وآمن بالله، وكفر بالملك، فدعي أن يرجع عن دينه فأبي، ففعل به كما فعل بالراهب، ولم يرده ذلك عن دينه. وهذا يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يصبر.

ولكن هل يجب على الإنسان ان يصبر على القتل، أو يجوز أن يقول كلمة الكفر دفعا للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وإن شاء أصر وأبي ولو قتل، هذا إذا كان الأمر عائداً إلي الإنسان بنفسه يعني مثلاً قيل له: اسجد للصنم، فلم يسجد، فقتل، أو سجد دفعاً للإكراه ولم يقتل.

أما إذا كان الأمر يتعلق بالدين، بمعني أنه لو كفر الكفر، بل يجب أن يصبر ولو قتل، كالجهاد في سبيل الله. المجاهد يقدم على القتل ولو قتل، لأنه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا كان إماماً للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر، لا سيما في زمن الفتنة، بل عليه أن يصبر ولو قتل.

ومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- حين امتحن

المحنة العظيمة المشهورة، على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فأبي، فأوذي وعزر، حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق-أمام أهل السنة- يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشي عليهن ولكنه كلما أفاق قال: القرآن كلام ربي غير مخلوق.

وإنما لم يجز لنفسه ان يقول كلمة الكفر مع الإكراه، لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فلو قال: القرآن مخلوق، لصار كل الناس يقولون: القرآن مخلوق، وفسد الدين.

ولكنه- رضي الله عنه- جعل نفسه فداء للدين ومع هذا صبر واحتسب، وكانت العاقبة له ولله الحمد. مات الخليفة، ومات الخليفة الثاني الذي بعده، واتي الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكراماً عظيماً، فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عالياً مرتفع الصوت، ويقول الناس الحق معه.

وخذل أعداؤه الذين كانوا يحدثون الخلفاء عليه. ولله الحمد. وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين، وهو كذلك، والله الموفق.

لما قتل الملك الراهب، وقتل جليسه، جئ بالغلام فطلب منه أن يرجع عن دينه إلي دين الملك، ودين الملك دين شرك؛ لأنه- والعياذ بالله - يدعو الناس إلي عبادته وتأليهه.

فأبي الغلام أن يرجع عن دينه، فدفعه الملك إلي نفر من أصحابه٠ - أي جماعة من الناس- وقال لهم: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع، وقال لهم إذا بلغوا ذروته: فاطرحوه، يعني علي

الأرض، ليقع راس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه ان يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.

فلما بلغوا به قمة الجبل طلبوا منه ان يرجع عن دينه فأبي؛ لأن الإيمان قد وقر في قلبه، ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح، فلما هموا أن يطرحوه قال: (( (اللهم اكفنيهم بما شئت)) .

دعوة مضطر مؤمن: ((اللهم اكفينهم بما شئت)) أي: بالذي تشاء، ولم يعين. فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا، وجاء الغلام إلي الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله عز وجل.

ثم دفعه إلي جماعة آخرين، وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور- أي سفينة- فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر. فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه- وهو الإيمان بالله- عز وجل- فقال: لا! أبي، ثن قال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله. ثم جاء إلي الملك فقال له: أين أصحابك؟ فأخبره بالخبر.

ثم قال له: إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني!

فجمع الملك الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام، وأخذ سهما

من كنانته فوضعها في كبد القوس، ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فأصابه السهم من صدغه، فوضع يده عليه ومات، فاصبح الناس يقولون: بسم الله رب الغلام. وآمنوا بالله وكفروا بالملك. وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام.

ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل:

ثانياً: قوة إيمان هذا الغلام، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول.

ثانياً: فيه آية من آيات الله، حيث أكرمه الله عز وجل بقبول دعوته، فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا.

ثالثاً: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقناً أن الله يجيبه، فإن الله تعالي يجيبه، حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله، مع انه يعلم انهم سيرجعون إلي الكفر، إذا غشيهم موج كالظل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا نجاهم أشركوا، فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلي الله عند دعائهم، وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً.

رابعاً: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو ان يأخذ سهماً من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول: باسم الله رب الغلام.

قال شيخ الإسلام: ((لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا، لأنه مات وسيموت إن آجلاً أو عاجلاً)) .

فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلي الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله.

ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، فإن فيها لإسلام كثير من الناس، فكل من حضر في الصعيد اسلموا، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتان من العدو، فهذا لا يقتضي أن يسلم، بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين اشد فتك، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فجرت هذه المتفجرات في صفوفهم.

ولهذا تري ان ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نري أنه قتل

للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وان صحابه ليس بشهيد. لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.

في خاتمة هذا الحديث العظيم الذي فيه العبرة لمن أعتبر، فيها أن الملك الكافر الذي يدعو الناس إلي عبادته، لما آمن الناس وقالوا آمنا بالله رب الغلام، جاءه أهل الشر وأهل الحقد على الإيمان وأهله، وقالوا له: أيها الملك إنه وقع ما كنت تحذر منه، وهو الإيمان بالله، وكان يحذر طاغياً ظالماً، فأمر بالأخدود على أفواه السكك فخدت، الأخدود يعني خفر عميق مثل السواقي على أفواه السكك، يعني على أطراف الأزقة والشوارع، وقال لجنوه: من جاء ولم يرجع عن دينه فأقحموه فيها؛ لأنه اضرم فيها النيران_ والعياذ بالله- فكان الناس يأتون ولكنهم لا يرتدون عن دينهم وإيمانهم، فيقحموهم في النار، فكل من لم يرجع عن دينه الحقيقي- وهو الإيمان بالله- قذفوه في النار، ولكنهم إذا قذفوهم في النار واحترقوا بها فإنهم ينتقلون من دار الغرور والبوار إلي دار النعيم والاستقرار، لأن الملائكة تتوفاهم طيبين يقولون:) سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: من الآية٣٢) ، ولا أعظم من هذا الصبر، أن يري الإنسان النار تتأجح فيقحتم فيها خوفا على إيمان وصرا عليه. فجاءت امرأة ومعها صبي رضيع، فلما رأت النيران كأنها تقاعست أن تقتحتم النار هي وطفلها،

فقال لها الطفل: يا أماه اصبري فإنك على الحق، يقوله وهو صغير لا يتكلم، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، وهو كرامة لهذه الأم، أن الله أنطق ابنها من أجل أن تقوي على أن تقتحم النار وتبقي علي إيمانها، لأن تكلم هذا الصبي في المهد آية عظيمة، وقد شهد هذا الصبي بأن أمه على الحق، فصبرت واقتحمت النار، وهذا من آيات الله، وهو دليل على أن الله تعالي) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الزمر: ٦١) .

ومريم بنت عمران- رضي الله عنها- خرجت من أهلها وذهبت مكانا قصيا وهي حامل بابنها عيسي الذي خلقه الله تعالي بكلمة كن فكان) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) (مريم: من الآية٢٣) ، يعني الطلق، فوضعت تحت جذع النخلة، وجعل الله تحتها نهرا يمشي، فقيل لها:) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) ، رطب يقع من فرع النخلة، جنيا لم يتاثر بسقوطه على الأرض، وهذا من آيات الله، لأن من المعروف أن الرطب لو سقطت من يد الإنسان- ولو كان واقفا فقط- تمزقت، لكن هذه الرطب لم تتمرق، مع أنها تسقط من فرع النخلة. ثم عن هذه المرأة امرأة ضعيفة ماخض، لم تلد إلا الآن، ومع ذلك تهز النخلة من جذعها فتهتز النخلة، فهذا أيضا من آيات الله، لأن العادة أن النخلة لا تهتز من الجذع إلا إذا هزها أحد قوي من فرعها، فقيل لها) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا) (مريم: من الآية٢٦) ، ثم أتت به قومها تحمله، هذا الطفل، فصاحوا بها) ايَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) (مريم: من الآية٢٧) ، يعني شيئا عظيماً، لأنهم أيقنوا بأنها زنت

- والعياذ بالله- كيف يأتيها ولد من دون

زوج؟) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم: ٢٨) ، يعني أن أبك ليس امرأ سوء، وكذلك أمك ليست بغياً، ليست بزانية، فمن آبين جاءك هذا؟ وهذا تعريض لها بالقذف، فأشارت إليه؟ يعني: اسألوه قالوا:) كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) (مريم: من الآية٢٩) فظنوا أنها تسخر بهم، فأنطق الله هذا الصبي) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) - كلام صحيح-) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (مريم: ٣٠-٣٣) .

عشر جمل نتكلم بها هذا الصبي الذي في المهد بأبلغ ما يكون من الفصاحة فأنظر إلي قدرة الله عز وجل-، حيث ينطق هؤلاء الصبيان بكلام من أفصح الكلام، بكلام يصدر من ذي عقل، كل ذلك دلالة على قدرة الله، وفيه أيضاً إنقاذ لمريم- رضي الله عنها- من التهمة التي قد تلحقها بسبب هذا الحمل بدون زوج. وهكذا أيضاً هذا الطفل مع المرأة التي تقاعست أن تقتحم النار، أكرمها الله إنطاق هذا الطفل من أجل أن تقتحم النار وتبقي عاى إيمانها. وفي هذه القصص وأمثالها دليل على أن الله- سبحانه وتعالي- برحمته ينجي كل مؤمن في مفازته، وكل متق في مفازته، يعني في موطن يكون فيه هلاكه ولكن الله تعالي ينقذه لما سبق له من التقوي، وشاهد ذلك قوله صلي الله عليه وسلم ((تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) والله الموفق.

٣١- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((أتقي الله واصبري)) فقالت إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ‍ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((تبكي على صبي لها)) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تحبه حباً شديداً، فلم تملك نفسها أن تخرج إلي قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلي الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر.

قال لها: ((اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي)) إليك عني أي: ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.

وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً، فانصرف النبي صلي الله عليه وسلم عنها.

ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلي رسول الله، إلي بابه، وليس على الباب بوابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه. فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولي أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.

أما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلي البهائم. فالصبر حقيقة أن افنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر ويحتسب، ويحسن ان يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)) .

ففي هذا الحديث عدة فوائد:

أولاً: حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته إلي الحق وإلي الخير، فإنه لما رأي هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر.

ولما قالت: ((إليك عني)) لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها، ولم يقمها بالقوة، لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.

فإن قال قائل: أليس زيارة القبور حراما على النساء؟ قلنا بلي هي حرام على النساء، بل هي من كبائر الذنوب!! لأن النبي عليه الصلاة

والسلام ((لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .

لكن هذه لم تخرج للزيارة، وإنما خرجت لما في قبلها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي؛ ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلي بيتها.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر بالجهل، سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال، فإن هذه المرأة قالت للنبي صلي الله عليه وسلم: إليك عني، أي: ابعد عني، مع أنه يأمرها بالخير والتقوي والصبر. ولكنها لم تعرف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم فلهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام.

ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه. إلا إذا كان الإنسان يخشي من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به.

وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر، ومن أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء.

ومن فوائده: أن الصبر الذي يحمده فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولي ويصبر الإنسان ويحتسب، ويعلم أن الله ما أخذ وله ما أعطي، وأن كل شيء عنده بأجل مسمي.

ومن فوائد هذا الحديث: أن البكاء عند القبر ينافي الصبر؛ ولهذا قال لها الرسول صلي الله عليه وسلم: ((اتقي الله واصبري)) .

ويوجد من الناس من يبتلي، فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده، وهذا ينافي الصبر، بل نقول: إذا شئت ان تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك، ولا حاجة أن تترد على القبر، لأن التردد على القبر يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائما في ذهنه ولا يغيب عنه، وحينئذ لا ينسي المصيبة أبدا، مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسي المصيبة بقدر ما يستطيع. والله الموفق.

* * *

٣٢- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث يرويه النبي صلي الله عليه وسلم عن الله، ويسمي العلماء- رحمهم الله- هذا القسم من الحديث: الحديث القدسي؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رواه عن الله.

قوله: (صفيه) : الصفي: من يصطفيه الإنسان ويختاره ويري أنه ذو صلة منه قوية، من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم، أو صديق، إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة.

ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا، وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب، يجازيه الجنة.

وفيه: دليل على فضل الله سبحانه وتعالي وكرمه على عباده، فإن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل، ومع ذلك فإذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب، فإن له هذا الجزاء العظيم.

وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: الإشارة إلي أفعال الله، من قوله: ((إذا قبضت صفيه)) ولا شك أن الله سبحانه وتعالي فعال لما يريد، ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالي كله خير، لا ينسب الشر إلي الله أبداً،

والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل.

فمثلاً إذا قدر الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر. لكن الشر في هذا المقدر لا في تقدير الله، لأن الله تعالي لا يقدره إلا لحكمة عظيمة، إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق.

أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه، وأحياناً في الخلق على سبيل العموم.

المقدر عليه إذا قدر الله عليه شرا وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، وإذا قدر الله عليه شرا ورجع إلي ربه بسبب هذا الأمر، لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسي شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلي الله، فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلي ربه سبحانه وتعالي، ويكون في ذلك فائدة عظيمة.

أما بالنسبة للآخرين، فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون.

ولنضرب لذلك مثلا برجل عنده بيت من الطين، أرسل الله مطراً غزيراً دائماً، فإن صاحب هذا البيت يتضرر، لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها، فصار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين، ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي، إذا إنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر. فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل، لا ملجأ إلا إليه، فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة.

المهم أن هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصبر، لأن

فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه، أنه ليس له جزاء إلا الجنة. والله الموفق.

* * *

٣٣- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كلن عذابا يبعثه الله تعالي على من يشاء، فجعله الله تعالي رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف رحمه الله تعالي فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أن الطاعون عذاب أرسله الله سبحانه وتعالي على من يشاء من عباده.

والطاعون: قيل: إنه وباء معين. وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب اهلها ويموت الناس منه.

وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها؛ فإن هذه الطاعون عذاب ارسله الله عز وجل. ولكنه رحمة للمؤمنين إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن الله تعالي يكتب له

مثل أجر الشهيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)) .

إذا وقع الطاعون بأرض فإننا لا نقدم عليها، لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلي التهلكة، ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه، لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً، واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. قال بعض العلماء في تفسير الآية: إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها، فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم، ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا الله.

ففي حديث عائشة- رضي الله عنها- دليل على فضل الصبر والاحتساب، وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به، كتب الله له مثل أجر الشهيد.

وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان، سوف يهرب، يخاف من الطاعون. فإذا صبر وبي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله عز وجل.

٣٤- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منها الجنة) ٩ يريد عينيه (رواه البخاري) .

في هذا الحديث أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالي أنه قال: ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه)) يعني عينيه فيعمي، ثم صبر، إلا عوضه الله بهما الجنة. لأن العين محبوبة للإنسان، فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالي وصبر الإنسان واحتسب، فإن الله يعوضه بهما الجنة، والجنة تساوي كل الدنيا، بل قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها)) . أي مقدار متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن ما في الآخرة باق لا يفني ولا يزول، والدنيا كلها فانية زائلة، فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها.

واعلم أن الله سبحانه وتعالي إذا قبض من الإنسان حاسه من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة الني فقدها.

فالأعمى يمن الله عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى إن بعض الناس إذا كان أعمي تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق

مع صاحب السيارة- سيارة الأجرة- يركب معه من أقصي البلد إلي بيته وهو يقول لصاحب السيارة: خذ ذات اليمين، وهكذا حتى يوقفه عند بابه، وصاحب السيارة لا يعرف البيت، لكن هذا يعرف البيت وهو راكب، سبحان الله! فالله عز وجل إذا اقتضت حكمته أن يفقد أحداً من عباده حاسه من الحواس، فالغالب أن الله تعالي يخلف عليه حاسة قوية وإدراكاً قويا يعوض بعض ما فاته مما أخذه الله منه. والله الموفق.

* * *

وعن عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس- رضي الله عنهما- ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلتك بلي، قال: هذه المرأة السوداء. أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فأدع الله تعالي لي قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالي ان يعافيك)) فقالت: اصبر. فقالت: إني انكشف، فادع الله أن لا اتكشف. فدعا لها (متفق عليه) .

قوله: ((ألا أريك امرأة من أهل الجنة)) : يعرض عليه أن يريه امرأة من أهل الجنة. وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون غلي قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم.

أما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن، كل متق، فإننا

نشهد بأنه من

أهل الجنة. كما قال الله سبحانه وتعالي في الجنة) أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: من الآية١٣٣) وقال:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: ٧/٨) فكل مؤمن متق يعمل الصالحات فإننا نشهد بأنه من أهل الجنة. ولكن لا نقول هو فلان وفلان، لأننا لا ندري ما يختم له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فلذلك لا نشهد له بعينه. فإذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، لكن لا نشهد أنه من أهل الجنة.

قسم آخر نشهد له بعينه، وهم الذين شهد لهم النبي صلي الله عليه وسلم بأنهم في

الجنة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم ابوبكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبوعبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام، رضي الله عنهم.

ومثل ثابت بن قيس بن شماس، ومثل سعد بن معاذ، ومثل عبد الله بن سلام، ومثل بلال بن رباح، وغيرهم، رضي الله عنهم، ممن عينهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء نشهد لهم بأعيانهم، نقول: نشهد بأن أبا بكر في الجنة، ونشهد بأن عمر في الجنة، ونشهد بأن عثمان في الجنة، نشهد بأن عليا في الجنة، وهكذا.

ومن ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: ((ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلي! قال: هذه المرأة السوداء)) .

امرأة سوداء لا يؤبه لها في المجتمع، كانت تصرع وتنكشف،

فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام وسألته أن يدعو اله لها، فقال لها ((إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت: اصبر، وإن كانت تتألم وتتأذي من الصرع، لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة. ولكنها قالت: يا رسول الله إني أتكشف، فأدع الله أن لا أتكشف. فدعا الله أن لا تتكشف، فصارت تصرع ولا تتكشف.

والصرع- نعوذ بالله منه- نوعان:

صرع بسبب تشنج الأعصاب: وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل

الأطباء الماديين، بإعطاء العقاقير التي تسكنه أو تزيله تماماً.

وقسم آخر بسبب الشياطين والجن، يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل

فيه، ويضرب به على الأرض، ويغمي عليه من شدة الصرع، ولا يحس، ويتلبس الشيطان أو الجنى بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه، الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي، ولكنه الجني، ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف، لا يكون ككلامه وهو مستيقظ؛ لأنه يتغير بسبب نطق الجني.

هذا النوع من الصرع- نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات - هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير، يقرأون على هذا المصروع.

فأحياناً يخاطبهم الجني ويتكلم معهم، ويبين السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي، وأحياناً يتكلم.

وقد ثبت صرع الجنى للإنسي بالقرآن، والسنة، والواقع.

ففي القرآن قال الله سبحانه:) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: من الآية٢٧٥) ، وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط من المس وهو الصرع.

وفي السنة: روي الإمام أحمد في مسنده ((أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره، فمر بامرأة معها صبي يصرع، فأتت به إلي النبي عليه الصلاة والسلام، وخاطب الجنى وتكلم معه وخرج الجنى. فأعطت أم الصبي الرسول صلي الله عليه وسلم هدية علي ذلك)) .

وكذلك أيضاً كان أهل العلم يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، ذكر ابن القيم - وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية - أنه جئ إلي شيخ الإسلام برجل مصروع، فجعل يقرأ عليه ويخاطبه ويقول لها: اتقي الله أخرجي- لأنها امرأة- فتقول له: أريد هذا الرجل وأحبه، فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك اخرجي، قالت إني أريد أن أحج به. قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي. فأبت، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضربا عظيماً، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب.

فقالت الجنية: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال: لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فما زال بها حتى خرجت، ولما خرجت

استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ قالوا: سبحان الله ‍! أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك اشد ما يكون؟ قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء. والأمثلة علي هذا كثيرة.

هذا النوع من الصرع له علاج يدفعه، وله علاج برفعه.

فهو نوعان:

أما دفعه: فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية. وهي

معروفة في كتب أهل العلم، منها: آية الكرسي، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.

ومنها سورة الإخلاص والفلق والناس، ومنها أحاديث وردت عن النبي عليه الصلاة

والسلام، فليحرص الإنسان عليها صباحاً ومساء، فإن ذلك من أسباب دفع أذية الجن.

وأما الرفع: فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتحذير

وتذكير واستعاذة بالله عز وجل حتى يخرج.

الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلي الله عليه وسلم لهذه المرأة: ((إن شئت

صبرت ولك الجنة، فقالت: اصبر)) ففي هذا دليل على فضيلة الصبر، وأنه سبب لدخول الجنة. واله الموفق.

* * *

٣٦- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر غلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يحكي نبينا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فادموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ((اللهم أغفر

لقومي فإنهم لا يعلمون)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث يحكي النبي صلي الله عليه وسلم فيه شيئا مما جري للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء كلفهم الله تعالي بالرسالة لأنهم اصل لها، كما قال الله تعالي:) اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: من الآية١٢٤) ، فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر علي ذلك، وكان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- يؤذنون بالقول وبالفعل، وربما بلغ الأمر إلي قتلهم، وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه صلي الله عليه وسلم:) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) أي: إن استطعت ذلك فافعل (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك، حتى يتبن الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة) ى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام: من الآية٣٥) .

حكي نبينا صلي الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه، ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وهذا غاية ما يكون من الصبر، لأن الإنسان

لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً، وانتقم ممن ضربه، وهذا يدعو إلي الله، ولا يتخذ على دعوته أجراً، مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) .

وهذا الذي حدثنا به رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثاً أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث، وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ منه عبرة نسير عليها، كما قال سبحانه وتعالي:) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) ، والعبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلي الله، وأن نقول متمثلين:

هل أنت إلا إصبغ دميت وفي سبيل الله ما لقيت

وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقا فينا بسبب الدعوة إلي الله، وأن نري أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا، فعسي أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها، فيكون هذا الأذى الذي نسمع، يكون كفارة لما وقع منا، لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً، إلا أن يشاء الله، فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلي الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته، فليصبر وليحتسب ولا ينكص علي عقبيه، لا يقول

لست بملزم، أنا اصابني الأذي، أنا تعبت، بل الواجب الصبر، والدنيا ليست طويلة! أيام ثم تزول، فاصبر حتى يأتي الله بأمره.

وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((كأني انظر إلي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يحكي لنا)) فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث. وهذا أمر شائع عند الناس، يقول: كأني أنظر إلي فلان وهو يقول لنا كذا وكذا، أي: كأني أنظر إليه الآن، وكأني اسمع كلامه الآن.

فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنهم. والله الموفق.

* * *

٣٧- وعن أبي سعيد وابي هريرة- رضي الله عنهما- عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا صب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)) (متفق عليه) ، ((والوصب)) المرض

٣٨- وعن أبي مسعود- رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله الله، إني توعك وعكا شديداً قال: ((أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: ((أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذي؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته،

وخطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها)) (متفق عليه) .

و ((الوعك)) مغث الحمي، وقيل: الحمي.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان: حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود - رضي الله عنهم- فيهما دليل علي أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي، يبتلي سبحانه وتعالي عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه.

والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقي مسروراً دائماً، بل هو يوماً يسر ويوماً يحزن، ويوماً يأتيه شيء ويوماً لا يأتيه، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه. ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله، ولا تحصي المصائب التي تصيب الإنسان، ولكن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له.

فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة، لا تظن أنه يذهب سدي، بل ستعوض عنه خيراً منه، ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.

وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب، يعني: احتساب

الأجر، كان له مع هذا أجر.

فالمصائب تكون على وجهين:

تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها

فائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.

وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن

نية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته، إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه.

فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينو شيئا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر. وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله عز وجل كما تقدم.

ولهذا ينبغي للإنسان إذا اصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب.

وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته.

فالحمد لله رب العالمين.

* **

٣٩-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يصب منه)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

قوله ((يصب)) قرئت بوجهين: بفتح الصاد (يصب) وكسرها (يصب) وكلاهما صحيح.

أما ((يصب منه)) فالمعني أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها: أيصبر أم يضجر. وأما ((يصب منه)) فهي أعم، أي: يصاب من الله ومن غيره.

ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأخرى التي تدل على أن المراد: من يرد الله به خيراً فيصبر ويحتسب، فيصيب الله منه حتى يبلوه.

أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير، ولم يرد الله به خيراً.

فالكفار يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، وهؤلاء بلا شك لم يرد بهم خيرا.

لكن المراد: من يرد الله به خيراً فيصيب منه فيصبر منه فيصبر علي هذه المصائب، فإن ذلك من الخير له، لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا، ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان، لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام، كما مضت الأيام خفت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باق- والعياذ بالله- فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيراً لك.

* * *

٤٠- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) (متفق عليه) .

في هذا الحديث نهي النبي صلي الله عليه وسلم الإنسان أن يتمني الموت لضر نزل به. وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب؛ فيتمني الموت، يقول: يارب أمتني، سواء قال ذلك بلسانه أو بقبله. فنهي النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)) . فقد يكون هذا خيرا له.

ولكن إذا أصبت بضر فقل: اللهم أعني على الصبر عليه، حتى يعنيك الله فتصبر، ويكون ذلك لك خيراً.

أما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري، ربما يكون الموت شراً عليك لا يحصل به راحة، كما قال الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

الإنسان ربما يموت فيموت إلي عقوبة- والعياذ بالله- وإلي عذاب قبر، وإذا بقي قي الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلي الله فيكون خيراً له؛ فإذا نزل بك ضر فلا تتمن الموت، وإذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان للضر الذي نزل به، فكيف بمن

يقتل نفسه إذا نزل به الضر، كما يوجد من بعض الحمقي الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سما أو ما اشبه ذلك، فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلي أشد منه، لم يستريحوا، لكن- والعياذ بالله- انتقلوا من عذاب إلي أشد. لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، كما جاء ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم، إن قتل نفسه بحديدة- خنجر أو سكين أو مسمار أو غير ذلك - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه.

وإن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم، وإن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتردي من أبد الآبدين وهلم جرا!

فأقول: إذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان الموت للضر الذي نزل به، فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه، نسأل الله العافية.

ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لما نهي عن شيء، كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح كما هي طريقة القرآن، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة: ١٠٤) ، فلما نهي الله عن كلمة ((راعنا)) بين لنا الكلمة المباحة، قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) .

ولما جيء للنبي- عليه الصلاة والسلام- بتمر جيد استنكره وقال: ما

هذا؟ ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قالوا: لا، والله ي رسول الله، إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لا تفعل، لكن بع الجمع بالدراهم، ثم اتبع بالدراهم جنيباً)) يعني تمراً طيبا. فلما منعه بين له الوجه المباح.

هنا قال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نول به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)) .

فتح لك الباب لكنه باب سليم، لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره عل قضاء الله، لكن هذا الدعاء ((اللهم أحيني ما كنت الحياة خيراً وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)) هذا الدعاء وكل الإنسان فيه أمره إلي الله، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فيكل الأمر إلي عالمه عز وجل ((أحيني ما علمت الحياة خير لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)) .

تمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته، وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة، ولهذا جاء في الحديث: ((ما من ميت يموت إلا ندم، فإن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب)) أي: استعتب من ذنبه

وطلب العتبى، وهي المعذرة.

فإن قال قائل: كيف يقول ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي؟)) .

نقول: نعم؛ لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون، أما الإنسان فلا يعلم، كما قال الله) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: من الآية٦٥)) وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان: من الآية٣٤) فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيراً لك، وقد تكون الوفاة خيراً لك.

ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير.

فإن قال قائل: إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت:) يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) (مريم: من الآية٢٣) ، فكيف وقعت فيما فيه النهي؟

فالجواب عن ذلك أن نقول:

أولاً: يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة، لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان.

ثانياً: أن مريم لم تتمن الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة، المهم أن تموت بلا فتنة، ومثله قول يوسف عليه الصلاة والسلام (ِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي

بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: من الآية١٠١) ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه، بل هو يسأل أن يتوفاه الله علي الإسلام، وهذا لا باس به، كأن يقول: اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص، أو توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك.

فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمني الموت من ضيق نزل به، وبين شخص يتمني الموت على صفة معينة يرضاها الله عز وجل!.

فالأول: هو الذي نهي عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.

والثاني: جائز

وإنما نهي النبي - عليه الصلاة والسلام- عن تمني الموت لضر نزل به؛ لأن من تمني الموت لضر نزل به ليس عنده صبر، الواجب أن يصبر الإنسان علي الضر، وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل، فإن الضرر الذي يصيبك من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك. وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم، لابد أن ينتهي، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب. الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه؛ صار خيرا لك، كما ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ((عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له)) ، فالمؤمن على كل حال

هو خير، في ضراء أو في سراء.

* * *

٤١ ـ وعن عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستضر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) (رواه البخاري)

وفي رواية: ((وهو متوسد برده، وقد لقينا من المشركين شدة))

[الشَّرْحُ]

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة، فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة)) صلوات الله وسلامه عليه. فبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء، يحفر له حفرة ثم يلقى فيها، ثم يؤتي بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه، بأمشاط الحديد

يمشط، وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة.

ثم أقسم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر، يعنى سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. أي: فاصبروا وانتظروا الفرج من الله، فإن الله سيتم هذا الأمر. وقد صار الأمر كما أقسم النبي عليه الصلاة والسلام.

ففي هذا الحديث آية من آيات الله، حيث وقع الأمر مطابقا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.

وآية من آيات الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث صدقه الله بما أخبر به، وهذه شهادة له من الله بالرسالة، كما قال الله) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (النساء: ١٦٦) .

وفيه أيضا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين. وإذا صبر الإنسان ظفر!!

فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة، قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم، كما قتل اليهود الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين. فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر، بل يبقى راسيا كالصخرة، والعاقبة للمتقين، والله تعالى مع الصابرين.

فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون

فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة، ولكن بطريق منظمة، لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم.

أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا، فإنه قد يفوتهم شيء كثير، وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا، إن كانوا قد بنوا شيئا.

لكن المؤمن يصبر ويتئد، ويعمل بتودة ويوطن نفسه، ويخطط تخطيطا منظما يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار، ويفوت عليهم الفرص؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير، يريدون أن يثيروهم، حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا: هذا الذي نريد، وحصل بذلك شر كبير.

فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لأصحابه اصبروا، فمن كان قبلكم ـ وأنتم أحق بالصبر منه ـ كان يعمل به هذا العمل ويصبر، فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان، اصبروا حتى يأتي الله بأمره، والعاقبة للمتقين.

فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر، ولكن أعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله، ولا تمل، فالدرب طويل، لا سيما إذا كنت في أول الفتنة، فإن القائمين بها سوف يحاولون ـ ما استطاعوا ـ أن يصلوا إلى قمة ما يريدون، فاقطع عليهم السبيل، وكن أطول منهم نفسا وأشد منهم مكرا، فإن هؤلاء الأعداء يمكرون، ويمكر الله، والله خير

الماكرين، والله الموفق.

٤٢ ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: لما كان يوم حنين، آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يؤمئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن رسول الله النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً (متفق عليه) .

وقوله: ((كالصرف)) هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث الذي نقله المؤلف- رحمه الله- عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه ((لما كان غزوة حنين)) وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة، غزاهم الرسول صلي الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل، وغنم، ودراهم ودنانير، ثم إن النبي صلي الله عليه وسلم نزل بالجعرانة، وهي محل عند

منتهى الحرم من جهة الطائف، نزل بها

وصار صلي الله عليه وسلم يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم-أي ك في كبائر القبائل- يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيراًن حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل.

فقال رجل من القوم: ((والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله)) نعوذ بالله- يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلي الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة. نسأل الله العافية. هذه الكلمة كلمة كفر، أن ينسب الله ورسوله إلي عدم العدل، وإلي أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يرد بها وجه الله، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أراد بهذه القسمة وجه الله، أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام، لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا. ولكن الجهل ـ والعياذ بالله ـ يوقع صاحبه في الهلكة.

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورفعها إليه. أخبره بأن الرجل يقول كذا وكذا، فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف ـ أي كالذهب ـ من صفرته وتغيره، ثم قال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله)) وصدق النبي عليه الصلاة والسلام! إذا كانت قسمة الله ليست عدلا، وقسمة رسوله ليست عدلا، فمن يعدل إذا! ثم قال ((يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) .

والشاهد من الحديث هذه الكلمة، وهي أن الأنبياء ـ عليهم الصلاة

والسلام ـ يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته. يعنى ليس في أول، بل بعد ما مكن الله له، وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم، ومع ذلك يقال: هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله.

فإذا كان هذا قول رجل في صحابة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء: أن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا العلماء، لأنهم إذا قدحوا في العلماء سقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله. ومن يقودهم بكتاب الله إذا لم يثقوا بالعلماء وأقوالهم؟ تقودهم الشياطين وحزب الشيطان، ولذلك كانت غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية، إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية.

فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة، فإن لحوم العلماء ميتة مسمومة، لما فيها من الضرر العظيم، فلا تستغرب إذا سمعت أحدا يسب العلماء! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل، فاصبر، واحتسب الأجر من الله عز وجل، واعلم أن العاقبة للتقوى، فمادام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له.

وكذلك يوجد بعض الناس يكون له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم ـ والعياذ بالله ـ في خطيئة واحدة.

وعلى هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر، وأن الأنبياء قد سبوا وأذوا وكذبوا، وقيل إنهم مجانين، وإنهم شعراء، وإنهم كهنة، وإنهم سحرة) فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: من الآية٣٤) وهكذا يقول الله عز وجل.

ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطى من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام، ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، ولكن إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام وزاد في العطاء، فإن ذلك إليه وهو مسؤول أمام الله، ولا يحل لأحد أن يعترض عليه، فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه.

وفيه: أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعتبر بمن مضى من الرسل، ولهذا قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر، لأن الله تعالي يقول) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب) (يوسف: من الآية١١١) ويقول (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام: ٩٠) ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله.

وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في الصبر على الأذى، وأن نحتسب الأجر على الله، وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب، وتكفير لسيئاتنا. والله الموفق.

٤٣ ـ وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة)) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء،) ٍ وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي الله فله الرضى، ومن سخط فله السخط)) (رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته، لأن الله تعالى يقول عن نفسه) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦) ، ويقول إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: من الآية١٨) ، فكل الأمور بيد الله.

والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب؛ فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا: إما بماله، أو بأهله، أو بنفسه، أو بأحد ممن يتصل به؛ لأن العقوبة تكفر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب، قد طهرته المصائب والبلايا، حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ـ والعياذ بالله ـ ويفرح فرحا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة، نسأل الله العافية. فإذا رأيت شخصا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم، فاعلم إنما أراد به شرا؛ لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة.

ثم ذكر في هذا الحديث: ((إن عظم الجزاء من عظم البلاء)) يعنى أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء. فالبلاء السهل له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير، لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس، إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر.

((وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخطا فله السخط)) .

وهذه ـ أيضا ـ بشرى للمؤمن، إذا ابتلى بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه، بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد، يبتليه سبحانه بالمصائب، فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى، وإن سخط فله السخط.

وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل. والله الموفق.

٤٤- وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان ابن لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم ـ وهي أم الصبي ـ: هو أسكن ما كان. فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال ((أعرستم الليلة؟)) قال: نعم، قال: (٠ اللهم بارك لهما؛ فولدت غلاما، فقال: لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، ((أمعه شيء؟)) قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. (متفق عليه) .

وفي رواية للبخاري: قال ابن عيينه: فقال رجل من الأنصار، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولد.

وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن

قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعهم؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ ! فانطلق حتى أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله: ((بارك الله في ليلتكما)) قال: فحملت، قال: وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله اصلي الله عليه وسلم إذا أتي المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم؟ يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس، لا

يرضعه أحد حتى تغدو به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث.

[الشَّرْحُ]

حديث انس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابن يشتكي، يعني مريضا، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم. وكان هذا الصبي يشتكي، فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته، فقبض الصبي. يعني مات، فلما رجع سأل أمه عنه فقال: كيف ابني؟ قالت: ((هو أسكن ما يكون)) وصدقت في قولها، هو أسكن ما يكون؛ لأنه مات، ولا سكون أعظم من الموت. وأبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ فهم أنه اسكن ما يكون من

المرض، وأنه في عافية، فقدمت له العشاء فتعشى على أن أبنه برئ وطيب. ثم أصاب منها، يعني جامعها، فلما انتهى قالت له: ((واروا الصبي)) أي: ادفنوا الصبي؛ فإنه قد مات، فلما أصبح أبو طلحة رضي الله عنه ووارى الصبي وعلم بذلك النبي صلي الله عليه وسلم، وسأل: ((هل أعرستم الليلة)) فولدت غلاما سماه عبد الله، وكان لهذا الولد تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.

ففي هذا الحديث: دليل على قوة صبر أم سليم ـ رضي الله عنها ـ وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتوري هذه التورية، وقدمت له العشاء، ونال منها، ثم قالت: ادفنوا الولد.

وفي هذا دليل على جواز التورية، يعني أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهرة هذا الكلام. فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب، وله معنى آخر مرجوح، لكن هو المراد في نية المتكلم، فيظهر خلاف ما يريد.

وهذا جائز، ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة، إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليور، وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يوري؛ لأنه إذا ورى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا الموري إلى الكذب وأساء الظن به، لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس.

ومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان: لو أن شخصا ظالما يأخذ أموال الناس بغير حق، وأودع إنسان عندك مالا قال: هذا مالي عندك

وديعة، أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه، فجاء الظالم إليك وسألك: هل عندك مال لفلان؟ فقلت والله ما له عندي شئ.

المخاطب يظن أن هذا نفي، وأن المعني: ما عندي له شيء. لكن أنت تنوي ب (ما) الذي، أي: الذي عندي له شيء، فيكون هذا الكلام مثبتا لا منفيا. هذا من التورية المباحة، بل قد تكون مطلوبة إذا دعت الحاجة إليها، وإلا ففيما عدا ذلك فلا.

وفي هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعه تمرات، فأخذه النبي صلي الله عليه وسلم ومضغ التمرات، ثم جعلها في في الصبي، يعني أدخلها فمه وحنكه، أي: أدخل أصبعه وداره في حنكه؛ وذلك تبركا بريق النبي عليه الصلاة والسلام، ليكون أول ما يصل إلى بطن الصبي ريق الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان الصحابة يفعلون هذا إذا ولد لهم أولاد ـ بنون أو بنات ـ جاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه.

وهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم؟ أو من أجل أن يصل طعم التمرات إلى معدة الصبي قبل كل شئ؟

إن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلا يحنك أحد صبيا؛ لأنه لا أحد يتبرك بريقه وعرقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن قلنا بالثاني: إنه من اجل التمرات ليكون هو أول ما يصل إلى

معدة الصبي؛ لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ، فإننا نقول: كل مولد يحنك.

وفي هذا الحديث: آية من آيات النبي صلي الله عليه وسلم حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه، وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد، كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

وفيه: أنه يستحب تسمية بعبد الله، فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون، قال النبي صلي الله عليه وسلم ((إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن)) .

وأما ما يروى أن ((خير الأسماء ما حمد وعبد)) فلا أصل له، وليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه سلم، الحديث الصحيح: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام)) . وحارث وهمام أصدق الأسماء لأنها مطابقة للواقع، فكل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل، وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة.

قال الله تعالى:) يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦) ، وكل إنسان يعمل، فأصدق الأسماء حارث وهمام؛ لأنه مطابق للواقع، وأحبها إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء؛ لينال بذلك الأجر، وليكون محسنا إلى أبنائه وبناته.

أما أن تأتي بأسماء غريبة على المجتمع، فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل، ويكون كل هم ينال الولد أو الابن أو البنت من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله؛ لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يشار إليه، ويقال، انظر إلى هذا الاسم، أنظر إلى هذا الاسم ‍‍‍‍‍‍!! .

ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء.

ويحرم أن يسمي الإنسان بأسماء من خصائص أسماء الكفار، مثل جورج وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتلقب بها الكفار؛ لأن هذا من باب التشبه بهم وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم ((من تشبه بقوم فهو منهم)) .

ويجب علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نكره الكفار كرها عظيما، وأن نعاديهم، وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزينوا لنا وتقربوا لنا، فهم أعداؤنا حقا، وأعداء الله عز وجل، وأعداء الملائكة، وأعداء الأنبياء، وأعداء الصالحين، فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء، فإنهم والله الأعداء، فيجب أن نعاديهم، ولا فرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن، حتى الخدم والخادمات،

يجب أن نكره أن يكون في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين، ولا سيما وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يقول ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) ويقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما)) ، ويقول في مرض موته، في آخر حياته وهو يودع الأمة: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) .

وبعض الناس الآن ـ نسأل الله العافية ـ يخير بين العامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر! قلوب زائغة ضالة، ليست إلى الحق مائلة، يختارون الكفار!! يزين لهم الشيطان أعمالهم، ويقولون كذبا وزورا وبهتانا: إن الكافر أخلص في عمله من المسلم! أعوذ بالله! .

يقولون: أن الكافر لا يصلى، بل يستغل وقت الصلاة في العمل، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج، ولا يصوم، وهو دائما في عمل.

ولا يهمهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسموات يقول:) وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة: من الآية٢٢١) ، فيجب عليكم أيها الإخوة أن تناصحوا إخوانكم الذين اغتروا وزين لهم الشيطان جلب الكفار إلى بلادنا خدما وعمالا وما أشبه ذلك، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة للكفار

على المسلمين؛ لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين.

والشواهد على هذا كثيرة، فالواجب علينا أن نتجنب الكفار، بقدر ما نستطيع، فلا نتسمى بأسمائهم، ولا نوادهم، ولا نحترمهم، ولا نبدأهم بالسلام، ولا نفسح لهم الطريق، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((لاتبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)) .

أين نحن من هذه التعليمات! ؟ أين نحن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؟ لماذا لا نحذر إذا كثر فينا الخبث من الهلاك؟ استيقظ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذات ليلة محمرا وجهه فقال ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب)) إنذار وتحذير، ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث)) .

الخبث العملي والخبث البشري، فإذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك، وإذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك، والواقع شاهد بهذا، نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين

والباطنين، وأن يكبت المنافقين والكفار، ويجعل كيدهم في نحورهم، إنه جواد كريم.

قول أم سليم ـ رضي الله عنها ـ ((أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، فقالت فاحتسب ابنك)) يعني أن الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله ـ عز وجل ـ متى شاء أخذهم، فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى.

وهذا يدل على ذكائها ـ رضي الله عنها ـ وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة، وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب، وربما تكون أشد حزنا؛ لضعفها وعدم صبرها.

وفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم حيث كان له تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن، ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم.

وفيه ـ أيضا ـ كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه؛ لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد ان حملت، فلما رجع النبي صلي الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض، أي: جاءها الطلق قبل أن يصلوا إلى المدينة، وكان النبي صلي الله عليه وسلم: ((لا يحب أن يطرق أهله طروقا)) أي: لا يحب أن يدخل عليهم ليلا دون أن يخبرهم بالقدوم. فدعا أبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ ربه وقال: اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي صلي الله عليه وسلم مخرجا إلا وأنا معه ولا يرجع مرجعا إلا وأنا معه، وقد أصابني ما ترى ـ يناجي ربه سبحانه وتعالى ـ تقول أم سليم: ((فما وجدت الذي كنت أجده من قبل)) يعني هان

عليها الطلق، ولا كأنها تطلق.

قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة: انطلق، فانطلق، ودخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصلوا إلى المدينة وضعت. ففي هذا كرامة لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه، ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك ـ وهو أخو هذا الحمل الذي ولد، أخوه من أمه ـ قالت: احتمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم نمر، فيأخذ النبي صلي الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنك بها الصبي، لأن في ذلك فائدتين:

الفائدة الأولى: بركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتبركون بريق النبي صلي الله عليه وسلم وبعرقه، حتى كان من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلى الفجر أتوا بآنية فيها ماء فغمس النبي صلي الله عليه وسلم يديه في الماء، وعرك يديه في الماء، فيأتي الصبيان بهذا الماء ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلي الله عليه وسلم.

وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إذا توضأ النبي عليه الصلاة والسلام كادوا يقتتلون على وضوئه، أي: فضل الماء، يتبركون به، وكذلك من عرقه وشعره.

حتى كان عند أم سلمة ـ إحدى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين ـ عندها جلجل من فضة، أي مثل ((الطابوق) فيه شعرات النبي صلي الله عليه وسلم يستشفون بها، أي يأتون بشعرتين أو ثلاثة

فيضعونه في الماء ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء، لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام.

الفائدة الثانية من التمر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحنكه الصبيان: أن التمر فيه خير وبركة، وفيه فائدة للمعدة، فإذا كان أول ما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيرا للمعدة.

فحنكه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ودعا له بالبركة.

والشاهد من هذا الحديث: أن أم سليم قالت لأبي طلحة: احتسب ابنك، يعنى: أصبر على ما أصابك من فقده، واحتسب الأجر على الله. والله الموفق.

٤٥ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (متفق عليه)

((والصرعة)) بضم الصاد وفتح الراء، وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرا.

٤٦ ـ وعن سليمان بن صرد ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت جالسا مع النبي صلي الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد أحمر وجهه، وانتفخت أوداجه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من

الشيطان الرجيم، ذهب منه ما يجد)) فقالوا له: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((تعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب، والغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيستشيط غضبا، ويحتمي جسده، وتنتفح أوداجه، ويحمر وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانا، ويتصرف تصرفا لا يعقله أيضا.

ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني قال: ((لا تغضب)) .

وبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الشديد ليس بالصرعة فقال: ((ليس الشديد بالصرعة)) أي: ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي، لكن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ليس هذا الشديد حقيقة، ((إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) أي: القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها، لأن هذه هي القوة الحقيقة، قوة داخلية

معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان، لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب.

ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن لا يسترسل فيه، لأنه يندم بعده، كثيرا ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة!

كثيرا ما يغضب الإنسان فيتلف ماله، إما بالحرق أو بالتكسير. كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه، وربما مات بضربه. وكذلك يغضب على زوجته مثلا فيضربها ضربا مبرحا، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب؛ ولهذا نهي النبي صلي الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق.

وكذلك ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ حديث سليمان ـ رضي الله عنه ـ في رجلين أسبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) أعوذ بالله أي: أعتصم به.

من الشيطان الرجيم: لأن ما أصابه من الشيطان، وعلى هذا فيقول: المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر، وأن يتعوذ بالله من

الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، فإن الوضوء يطفئ الغضب، وإن كان قائما فليقعد، وغن كان قاعدا فليضطجع، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك. والله الموفق.

٤٧ ـ وعن معاذ بن انس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء)) رواه أبو داود، والترميذي وقال: حديث حسن.

٤٨ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ((لا تغضب)) فردد مرارا، قال ((لا تغضب)) ١٥٧) (رواه البخاري) .

٤٩ ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة)) (رواه الترميذي وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر.

أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة))

الغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب، ولكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن؛ لأن الحزن نقص، والغضب في محله كمال؛ فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به، ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله، وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ؛ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء.

وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. قال: ((لا تغضب)) فردد مررا فقال: ((لا تغضب)) فقد سبق الكلام عليه.

والحديث الثالث فهو أيضا دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته، وإذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله، ثم صبر على ذلك، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة. ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان، حتى يمشي على الأرض وليس عليه

خطيئة، ولكن هذا إذا صبر.

أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط. والله الموفق.

٥٠ ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدينهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ـ رضي الله عنه ـ ومشاورته، كهولا كانوا أو شبابا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر. فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر ـ رضي الله عنه ـ حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى)) (رواه البخاري) .

[الشَّرْحُ]

ما زال المؤلف ـ رحمه الله ـ يأتي بالأحاديث الدالة على الصبر وكظم الغيظ، فذكر هذا الحديث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أمير المؤمنين، وثالث رجل في هذه الأمة

الإسلامية، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وبعد الخليفة الأول، فعمر هو الخليفة الثاني.

وكان قد اشتهر بالعدل بين الرعية، وبالتواضع للحق، حتى أن المرأة ربما تذكره بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها، فقد قدم عليه عيينة بن حصن ـ وكان من كبار قومه ـ فقال له: هيه يا ابن الخطاب. هذه كلمة استنكار وتلوم. وقال له: إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل.

انظر إلى هذا الرجل يتكلم عن هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام، مع أن عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه (٠ كان جلساؤه القراء)) القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم جلساؤه، سواء كانوا شيوخا أو كهولا أو شبابا، يشاورهم ويدينهم، وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين؛ لأنه أن قيض له جلساء غير صالحين؛ هلك وأهلك الأمة، وإن يسر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة. فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان. وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ القراء منهم هم أهل العلم، لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.

لما قال الرجل هذا الكلام لعمر: إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، غضب ـ رضي الله عنه ـ غضبا حتى كاد يوقع به، أي: يضر به أو يبطش به.

ولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له: يا أمير

المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، وإن هذا من الجاهلين.

فوقف عمر ولم يتجاوزها؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فوقف، وما ضرب الرجل وما بطش به؛ لأجل الآية التي تليت عليه.

وانظر إلى أدب الصحابة ـ رضي الله عنهم عند كتاب الله؛ لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا، مهما كان.

فقوله تعالى (خذ العفو) أي: خذ ما عفا من الناس وما تيسر، ولا تطلب حقك كله؛ لأنه لا يحصل لك، فخذ منهم ما عفا وسهل.

وقوله: (وأمر بالعرف) أي: اأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف، لأن الأمور ثلاثة أقسام:

١ ـ منكر يجب النهي عنه.

٢ ـ وعرف يؤمر به.

٣ ـ وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه.

ولكن على سبيل النصيحة ينبغي للإنسان ألا يقول إلا قولا فيه خير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (٠ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت)) .

وأما لقوله: (وأعرض عن الجاهلين) فالمعني: أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه لاسيما إذا كان إعراضك ليس ذلا وخنوعا.

مثل عمر بن الخطاب إعراضه ليس ذلا ولا خنوعا، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكن امتثل هذا الأمر واعرض عن الجاهلين.

والجهل له معنيان:

أحدهما: عدم العلم بالشيء.

والثاني: السفه والتطاول، ومنه قول الشاعر الجاهلي:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

أي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه، لكن هذا شعر جاهلي!! أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالي يقول:) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: ٣٤) ، سبحان الله!! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورا يأتيك الثواب والجزاء: أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، وقوله (ولى حميم) أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والذي يقول هو الله عز وجل مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يصرفه كيف يشاء

فهذا الذي كان عدوا لك ودافعته بالتي هي أحسن، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة (وكأنه ولي حميم) .

فالحاصل أن هذه الآية الكريمة) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وقف ولم يبطش بالرجل، ولم يأخذه على جهله.

فينبغي لنا إذا حصلت مثل هذه الأمور، كالغضب والغيظ، أن نتذكر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نسير على هديهما، حتى لا نضل، فإن من تمسك بهدي الله فإن الله يقول:) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه: من الآية١٢٣) ، والله الموفق.

٥١ ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ‍قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا ‍قال: تودون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)) (متفق عليه) .

((والأثرة)) الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.

٥٢ ـ وعن أبي يحي أسيد بن خضير ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال ((إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (متفق عليه) .

((وأسيد)) بضم الهمزة. ((وحضير)) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان: حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وحديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك.

أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة) والأثرة يعني: الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق.

يريد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سيستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها.

وهذه أثرة وظلم الولاة، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين. ولكن قالوا: ما تأمرنا؟

قال: ((تودون الحق الذي عليكم)) يعني: لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوا الأمر الذي أعطاهم الله ((وتسألون الله الذي لكم)) أي: اسألوا الحق الذي لكم من الله، أي: اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم، وهذا من حكمة النبي صلي الله عليه وسلم؛ فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علم أن النفوس

شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير، وذلك بأن نؤدي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك، ونسأل الله الذي لنا، وذلك إذا قلنا: اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا، كان في هذا خير من جهتين.

وفيه دليل على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر بأمر وقع، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال، فنجدهم يأكلون إسرافا، ويشربون إسرافا، ويلبسون إسرافا، ويسكنون ويركبون إسرافا، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدا من طاعة، أو أن ننابذهم، بل نسأل الله الذي لنا، ونقوم بالحق الذي علينا.

وفيه ـ أيضا ـ استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بالصبر على هذا، وأن نقوم بما يجب علينا، ونسأل الله الذي لنا.

أما حديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلي الله عليه وسلم ((إنها ستكون أثرة)) ولكنه قال: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)) .

يعني: اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيكم من

حوضه، حوض النبي صلي الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا جميعا ممن يرده ويشرب منه.

هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان، في يوم الآخرة، يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء، فيردون حوض النبي صلي الله عليه وسلم، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو نهر في الجنة أعطية النبي صلي الله عليه وسلم، يصبان عليه ماء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدا. اللهم اجعلنا ممن يشرب منه.

فأرشده النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورد على الحوض والشرب منه.

وفي هذين الحديثين: حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) ، فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس.

ـ ويذكر أن رجلا من الخوارج جاء إلى على بن أبي طالب ـ رضي الله

عنه ـ وقال له: يا على، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر؟

فقال له: إن رجال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنا وأمثالي، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك، أي: ممن لا خير فيه؛ فصار سببا في تسلط الناس وتفرقهم على على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخروجهم عليه، حتى قتلوه رضي الله عنه.

ـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وكلمهم ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر؟

وقالوا: نعم! فال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر!! فالله سبحانه وتعالى حكيم، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم، إن أساؤوا فإنه يساء إليهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم.

ولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل، وأنه إذا صلح الراعي صلحت، لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يعدل من مال، وأن يؤدب من عال وجار. والله الموفق.

٥٣ ـ وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام فيهم فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا

الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في بعض غزواته، فانتظر حتى مالت الشمس، أي: زالت الشمس، وذلك من أجل تقبل البرودة ويكثر الظل وينشط الناس، فانتظر حتى مالت الشمس قام فيهم خطيبا.

وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة النبي صلي الله عليه وسلم وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذه كثيرة جدا، فقال في جملة ما قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو)) .

أي: لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول: اللهم ألقني عدوي ‍!

((واسألوا الله العافية)) قل: اللهم عافنا.

((فإذا لقيتموهم)) وابتليتم بذلك ((فاصبروا)) ، هذا هو الشاهد من الحديث، أي: اصبروا على مقاتلتهم واستعينوا بالله عز وجل، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا.

((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) نسأل الله من فضله!

فالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله؛ لأن المجاهد في سبيل الله إذا قتل صار من أهل الجنة النبي صلي الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩ ـ١٧١)

والشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يحس بالطعنة أو بالضربة، كأنها ليست بشيء، ما يحس إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبدا، نسألك اللهم من فضلك.

ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

وكان من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنس بن النصير، قال: ((أني لأجد ريح الجنة دون أحد)) .

انظر كيف فتح الله مشامة حتى شم ريح الجنة حقيقة دون أحد، ثم قاتل حتى قتل ـ رضي الله عنه ـ فوجد فيه بضع وثمانون ضربة ما بين سيف، ورمح، وسهم، وغير ذلك؛ فقتل شهيدا رضي الله عنه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) .

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم)) وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو.

فهنا توسل النبي- عليه الصلاة والسلام- بالآيات الشرعية والآيات الكونية.

توسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم، ـو يشمل كل كتاب، ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره.

((ومجري السحاب)) : هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع آلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما يجزيه من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.

((وهازم الأحزاب)) : فإن الله عز وجل وحده هو الذي يهزم الأحزاب.

ومن ذلك: أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب، والتي قد تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالي:) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً) (الأحزاب: من الآية٢٥) ، فأرسل عليهم ريحا وجنوداً زلزلت بهم وكفأت قدروهم وأسقطت خيامهم، وصار لا يستقر لهم قرار، ريح شديدة باردة شرقية حتى ما بقوا وانصرفوا.

قال الله عز وجل: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) (الأحزاب: من الآية٢٥) فالله عز وجل هو هازم الأحزاب، ليست

قوة الإنسان هي التي تهزم، بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع، لكننا مأمورون بفعل السبب المباح، لكن الهازم حقيقة هو الله عز وجل.

ففي هذا الحديث عدة فوائد:

منها: أن لا يتمني الإنسان لفاء العدو، وهذا غير تمني الشهادة! تمني الشهادة جائز وليس منهيا عنه، بل قد يكون مأموراً به، أما تمني لقاء العدو، فلا تتمناه؛ لأن الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو)) .

ومنها: أن يسأل الإنسان الله العافية، لأن العافية والسلامة لا يعدلها شيء، فلا تتمن الحروب ولا المقاتلة، واسأل الله العافية والنصر لدينه، ولكن إذا لقيت العدو، فاصبر.

ومنها: أن الإنسان إذا لقي العدو فإن الواجب عليه أن يصبر، قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال: ٤٥/٤٦) .

ومنها: أنه ينبغي لأمير الجيش أو السرية أن يرفق بهم، وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب، سواء كان مناسباً من الناحية اليومية أو من الناحية الفصلية. فمثلاً في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرى القتال فيه؛ لأن فيه مشقة. وفي أيام البرد الشديد لا يتحر ذلك أيضاً؛ لأن في ذلك مشقة، لكن إذا أمكن أن يكون بين بين، بأن يكون في الربيع أو في الخريف، فهذا أحسن ما يكون.

ومنها - أيضاً- أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم ولنصرنا عليهم)) .

ومنها: الدعاء على الأعداء بالهزيمة؛ لأنهم أعداؤك وأعداء الله، فإن الكافر ليس عدواً لك وحدك، بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن. فالكافر عدو لكل مؤمن. وعدو لكل رسول، وعدو لكل نبي، وعدو لكل ملك، فهو عدو، فينبغي لك أن تسأل الله دائماً أن يخذل الأعداء من الكفار، وأن يهزمهم، وأن ينصرنا عليهم والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

الأولياء وهو مذهب أهل الحق. ولا حجة فيه على جواز بيع الفضولية، لأن ما ذكر في شرع من قبلنا، وفي كونه حجة خلاف، وعلى تقدير الحجة فلعله استأجره بأجرة في الذمة كما أشرنا إليه ولم يسلمها له بل عرضها عليه فلم يقبلها لرداءتها، فبقيت على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه لبقائه على ملكه فصح تصرفه فيه، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه تقرباً به إلى الله تعالى، ولذا توسل به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من القدر الذي استأجره عليه، فلذا حمد فعله، والله أعلم.

٢ - باب التوبة

٢ - باب التوبة

بالرفع خبر مبتدإ محذوف: أي هذا باب، أو مبتدأ خبره محذوف: أي: باب التوبة هذا، ويجوز نصبه على تقدير: خذ باب التوبة. وهي لغة الرجوع يقال تاب وأناب وآب بمعنى رجع فالتائب إلى الله تعالى هو الراجع من شيء إلى شيء، راجع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، راجع عما نهى الله عنه إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكرهه إلى ما يرضاه، رجوع من الأضداد إلى أسباب الوداد، ورجوع إليه تعالى بعد المفارقة، وإلى طاعته بعد المخالفة فمن رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله فهو تائب، ومن رجع حياء فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله سبحانه فهو أوّاب. والتوبة أحسن ما قيل في معناها شرعاً: هو الرجوع من البعد عن الله إلى القرب إليه سبحانه وتعالى اهـ. ذكره الإيجي قال القرطبي: أسدّ العبارات وأجمعها في تعريفها قول بعض المحققين: هي اجتناب ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً.

(قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب) ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد (فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي) عطف بيان على قوله بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى،

وقوله: (فلها ثلاثة شروط) جواب إن الشرطية (أحدها أن يقلع) بضم أوله: أي: يكف وينقطع (عن المعصية) التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وهذا قد يترك اشتراطه ويحمل على من يستحيل منه وقوع مثل تلك المعصية كمن زنى فجبّ، فهذا استحال منه الإقلاع المكتسب، وكذا العزم على ألا يفعله في المستقبل لأن فعله غير ممكن منه.

قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في «أماليه» : لا يجب على الإنسان ترك الشيء إلا إذا كان ممكنه فعله، إذ لا تكليف بترك المستحيل (والثاني) من الشروط (أن يندم على فعلها) من حيث إنها معصية، فلو ندم عليه لا من هذه الحيثية بل لأجل تلك الوجوه الآتية في الكلام على التوبة النصوح لم يعتد بندمه ونازع الغزالي في «منهاج العابدين» له في اشتراط الندم في مفهوم التوبة، ثم قال: وقيل المراد اشتراط ما يؤدي إليه من تذكر الذنب وشؤمه وعذاب الله وعقابه ونحو ذلك، لأن هذا في قدرته ومن كسبه، وهو يترتب عليه الندم الذي هو أمر طبيعي لا قدرة له على اكتسابه، والله أعلم (والثالث أن يعزم ألا يعود إليها) أي: إلى مثلها مطلقاً (أبداً) فلا يعود التائب من الرياء إلى مثله وهو الرياء، وإلا فالمعصية التي كان تلبس بها انقضت وزالت فلا يمكن العود إليها. هذا وزاد بعضهم اشتراط عدم صحبة من ارتكب معه المعصية بعد التوبة، وأن تكون التوبة تعالى خاصة.

قال ابن عبد السلام: استدرك السيف الآمدي على الناس قيداً آخر في التوبة التامة، وهو أن يكون الندم تعالى، احترازاً مما إذا قتل شخص ولده، فإنه يندم على الماضي لأجل كونه ولده. وأجيب بأن هذا ليس استدراكاً إذ الإخلاص شرط في كل عبادة، والناس يعنون بقولهم للتوبة ثلاثة أركان ما عدا الإخلاص اهـ. وأدرج ابن حجر الهيتمي هذا القيد في الشرط الأول وهو الإقلاع فقال: ترك الذنب تعالى، فلو تركه لخوف أو رياء أو غير ذلك من الأغراض التي لغير الله لم يعتد بتركه (فإن فقد أحد هذه الثلاثة) أي: واحد منها (لم تصح توبته) أي: التامة أما الناقصة فتصح مع فقد الإقلاع والعزم على عدم العود كما تقدم تمثيله، قيل: وعلى ذلك يحمل حديث «الندم توبة» وقيل: بل الحديث نظير حديث «الحج عرفة» أي: ركنها الأعظم، والله أعلم (وإن كانت المعصية) التي تريد التوبة منها (تتعلق بحق آدمي فشرطها أربعة) خبر عن قوله شرطها، وجاز الإخبار عنه بذلك لكونه مفرداً مضافاً إلى معرفة.

وهو على الصحيح حيث لا عهد للعموم الصالح للجمعية من حيث مدلول لفظه، إذ هو حينئذٍ المعنى الذي استغرقه لفظه الصالح له من غير حصر، وإن كان مدلوله في التركيب كلياً على الأصح: أي: محكوماً فيه على كل فرد مطابقة، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده، والصحيح فيها بناه على ظاهر كلام النحاة، وليست العبرة في مطابقة المبتدإ للخبر إلا باصطلاحهم أن مدلوله كل: أي: محكوم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع (هذه الثلاثة) المذكورة (و) الرابع (أن يبرأ من حق صاحبها) وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو القول، قال: فيقول القاذف مع إبراء المقذوف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزرو (فإن كانت) أي: المعصية المتعلقة بالآدمي (مالاً أو نحوه) من اختصاص محترم (رده إليه) أي: إلى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدله عند تلفه من قيمة أو مثل (وإن كان) أي: حق الآدمي (حد قذف ونحوه) أي: نحو

القذف كالقتل والقطع قصاصاً (مكنه) أي: صاحب الحق (منه) أي: من الحد أي استيفائه منه (أو طلب عفوه) بإسقاط حقه. وظاهر كلامه توقف صحة التوبة على ما ذكر من الردّ والتمكين أي إن أمكنه ذلك، وإلا نوى ذلك إذا قدر أو طلب العفو، لكن ذهب الإمام وتبعه العز ابن عبد السلام وأقرّه المصنف إلى صحة توبته وإن لم يسلم نفسه بالنسبة لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي وإثم الامتناع، بل قال في «الشامل» وتبعه جمع: إنه حيث ندم صحت توبته وإن لم يردّ المظلمة، وهو ظاهر فيبرأ بالنسبة لحق الله تعالى إن وجد الإقلاع، وإلاّ كردّ المغصوب ما دام باقياً وقدر عليه فلا (وإن كان) أي: حق الآدمي، وفي نسخة «كانت» أي: المعصية (غيبة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية، وسيأتي ما يتعلق بها في باب من الكتاب. قيل: ومثل الغيبة القذف، وقد يقال هو داخل في مفهوم الغيبة.

واعتبر بعضهم في التوبة من القذف كما مر أن يقول القاذف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه. وكذا شاهد الزور (استحله منها) أي: بأن يخبره بما قاله حتى يصح تحليله، لكن محل تعيين الإخبار ما لم يترتب عليه ضرر أعظم، وإلا كأن يخشى قتله بذلك مثلاً فلا. ومحل تعيين الإخبار والاستحلال إن بلغه الاغتياب وإلا كفى الاستغفار (ويجب) جمعاً عندنا معاشر أهل السنة (أن يتوب من جميع الذنوب) أي: ولو صغائر قال تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} (التحريم: ٨)

{توبوا إلى الله جميعاً} (فإن) لم يتب من الجميع بل أصرّ على بعضها (وتاب من بعضها صحبت توبته عند أهل الحق) هم أهل السنة (من ذلك الذنب) الأنسب من ذلك البعض: أي: الذي تاب منه (وبقي عليه الباقي) أي: تبعته ووجوب التوبة منه قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صحّ إسلامه وتوبته لكون حقيقتها ليس إلا الرجوع والندم والعزم، وقد وجدت (وقد تظاهرت) بالظاء المعجمة، من التظاهر وهو التعاون (دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة) إضافة دلائل لما بعدها من المتعاطفات إضافة بيانية (على وجوب التوبة) متعلق بتظاهرت.

(قال الله تعالى) أي: حال كونه متعالياً علوّ مكانة لا علوّ مكان متقدماً عما لا يليق به، ويصح جعلها مستأنفة، والجملة إنشائية معنى سيقت لما ذكر كما تقدم بيانهما أول الكتاب {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث {لعلكم تفلحون} تنجون من ذلك بقبول التوبة منه. ولعل في الأصل للرجاء، وفي كلامه تعالى للتحقيق. قال السيوطي في «التوشيح» : كل وعد في الكتاب أو السنة فواجب الوقوع لوجوب سلامة خبر من ذكر عن الخلف.

(وقال تعالى) : {استغفروا ربكم} من الشرك، ومثله من غيره، والقصر عليه لأنه الذنب المأمور بالخروج عنه (إنه كان غفاراً) المبالغة باعتبار الكمّ، فلا تحصى عدة المغفور لهم، وباعتبار الكيف فيغفر الصغائر والكبائر والفواحش {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر: ٥٣) وقوله: «إنه الخ» علة للأمر قبله.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} اختلفت عبارات السلف

في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمربن الخطاب وأبيّبن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على ألا يعود إليه، وقال الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب: «توبة نصوحا» تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي: قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغشّ. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي: مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في «شرح المنازل» : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن

التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.

١٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: وا) فيه ندب

الحلف لتأكيد الأمر وتقويته ليبادروا إلى الإتيان بذلك (إني لأستغفر ا) أي: أطلب منه مغفرة تليق بمقامي المبرإ عن كل وصمة ذنب أو مخالفة ولو سهوا وقبل النبوة (وأتوب إليه) أي: أرجع إليه متنقلاً من شهود فرق إلى شهود جمع. ثم الجملة جواب القسم (في اليوم) وهو شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. قال السفاقسي: لم يرد ما فاؤه ياء وعينه واو إلا هذا اللفظ قيل: «ويوح» وهو من أسماء الشمس. وقيل: إنه بالموحدة (أكثر من سبعين مرة) إنما لم يحده بعدد مخصوص، لما علمت أن موجب الاستغفار والتوبة اللائقين به لا ينحصر ولأنهما يتكرارن بحسب الشهود والترقي. ثم في هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوماً وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة؛ واستغفاره ليس من الذنب بل من اعتقاده أن نفسه قاصرة في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام (رواه البخاري) وفي كتاب الأطراف بعد إخراجه لكن بلفظ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» وأخرجه البخاري وأبو عبد الرحمن يعني النسائي وأبو عيسى يعني الترمذي، وسيأتي فيه كلام في باب الاستغفار أواخر الكتاب.

١٥٢ - (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (ابن يسار) بفتح التحتية والمهملة (المزني) ويقال الجهني، وفي الصحابة أيضاً الأغر الغفاري وجعلهما بعض الحفاظ إنساناً واحداً. وقال الحافظ نور الدين الداودي: الحق أنهم ثلاثة، وانفرد مسلم بالإخراج للأغر المزني، وكذا أخرج عنه أبو داود والترمذي (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يا أيها الناس توبوا إلى ا) أي: ارجعوا إليه بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ومما أمركم به التوبة، فهي واجبة من كل ذنب ولو صغيرة إجماعاً كما تقدم (فإني أتوب) أي: أرجع رجوعاً يليق بي (إليه) أي: إلى شهوده أو إلى سؤاله أو

الحضور والصغار بين يديه (في اليوم مائة مرة. رواه مسلم) في «أواخر صحيحه» . قال في «السلاح» : ليس للأغر في الكتب الستة إلا هذا الحديث.

١٦٣ - (وعن أبي حمزة) بالحاء المهملة المفتوحة: كنى بذلك ببقلة فيها حموزة: أي: حموضة كان يحبها (أنس) بفتح أوليه (ابن مالك) بن النضر (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني ثم البصري (خادم رسول الله) حضراً وسفراً منذ قدم المدينة إلى أن توفي (رضي الله عنه) قال: قدم النبي إلى المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين سنة، غزا مع النبيّ ثماني غزوات، وروى الكثير، وعدة ما روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في «مسند» بقيّبن مخلد ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعين. روى عن عدة من الصحابة، وروي عنه كثير، وخرّج عنه أصحاب المسانيد. ومن كراماته معه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال: «دخل النبي عند أم سليم: يعني أمه، فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية البيت يصلي غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت خادمك أنس، ادع الله له، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك به، قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً» . وعنه قال: رزقت لصلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر في السنة مرّتين» . وكان ريحان بستانه يشم منه رائحة المسك، وقد ذكرت

زيادة في مناقبه ومآثره في «شرح الأذكار» . توفي على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. ولما مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبيّ (قال: قال رسول الله:) بفتح اللام جواباً للقسم المقدر: أي: وا (أفرح) أي: أشد فرحاً والمراد منه

هنا استحالة قيام حقيقته، إنما هي اعتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بعرض يستكمل به نقصانه أو يسد به خلته: أي حاجته، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً بالباري سبحانهـ غايته من الرضا لأن السرور يقارنه الرضا بالمسرور بهـ أو هو تشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة من المجموع فتكون غايته ونهايته، وفائدة إبرازه في صورة التشبيه تقرير المعنى في ذهن السامع؛ أو تمثيلي بأن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه.

فالحاصل أن المراد بقوله: «أفرح» أرضى (بتوبة عبده من) فرح (أحدكم) حال كونه قد (سقط على بعيره) قال في «النهاية» أي: يعثر على موضعه ويقع عليه كما يسقط الطائر على وكره اهـ. والمراد صادفه من غير قصد (وقد أضله) أي: ضيعه جملة حالية من الضمير في سقط فهي حال متداخلة (في أرض فلاة) من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: في أرض واسعة (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) أي: انفرد بلفظها عن البخاري (أشد فرحاً بتوبة عبده) أي: رجوعه إلى طاعته وامتثال أمره (حين يتوب) أي: يرجع منتهياً (إليه) أي: يخلص في توبته بأن ينوي بها وجه الله لا غير، وبه يعلم أن قوله: (حين يتوب إليه) قيد لا بد منه لا يغني عنه قوله بتوبة عبده (من) فرح (أحدكم إذا كان) وفي نسخة «كان» (على راحلته) أي: التي يركبها من ناقة أو غيرها (بأرض فلاة) قضية كلام فتح الإله أنه بالإضافة وضبط بالقلم في أصل صحيح من الرياض بتنوين أرض (فانفلتت) أي: الراحلة (منه و) الحال أنه (عليها طعامه وشرابه) فله احتياج إليها لوجهين ركوبها، وكون زاده عليها (فأيس منها) لمبالغته في لحوقها أو في التفتيش عنها فلم يقدر عليها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها)

ليستريح مما حصل له من شدة التعب في مزيد الطلب حال (وقد أيس من راحلته) أي: من حصولها وحينئذٍ استسلم للموت لحضور أسبابه (فبينما) أصله بين، وما مزيدة لكفها عن الإضافة إلى المفرد (هو كذلك) أي: أيس، أو المشار إليه مفهوم من سياق الكلام: أي مستسلم (إذ هو بها قائمة عنده) وفيه على كون المشار إليه الأول الإشارة إلى أن الفرج مع الكرب واليسر مع العسر، قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} (الشرح: ٥ - ٦) وقال: «لن يغلب عسر يسرين» وقال: «اشتدي أزمة تنفرجي» وعلى الثاني الإشارة إلى أن الاستسلام والخروج عن الحول والقوّة سبب لحصول المطالب وبلوغ المآرب، وليس المراد ترك مزاولة الأسباب بل ترك الركون إليها والاعتماد عليها، وا ولي

التوفيق (فأخذ بخطامها) فرحاً بها فرحاً لا نهاية له. قال في «النهاية» : وخطام البعير: أي: بكسر المعجمة: أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة. ثم يقلد البعير به ثم يثنى على خطمه قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الغريبين للهروي نقلاً عن الأزهري: فإذا ضفر من الأدم فهو جرير اهـ. قال في «النهاية» : أما الذي يجعل في الأنف دقيقاً فهو الزمام. وقال المؤلف نقلاً عن صاحب «المطالع» : الزمام للإبل ما يشدّ به رءوسها من حبل وسير ونحوه لتنقاد به اهـ. (ثم قال من) أجل (شدة الفرح) لدهشه بل ربما قال (اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك) وقوله: (أخطأ من شدة الفرح) استئناف بياني، كأن قائلاً يقول ما سبب خطئه؟ فقال أخطأ: أي تجاوز الصواب وهو قوله: أنت ربي وأنا عبدك إلى ما قاله من الخطأ، من أجل شدة الفرح، لما تقرر من أنه ربما اشتد حتى منع صاحبه هذا من إدراك البدهيات فضلاً عن غيرها. وجاء في المعنى أحاديث أخر منها: ما أخرجه ابن عساكر في «أماليه» عن

أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، ومن الظمآن الوارد» ومنها ما أخرجه العباسبن تركان الهمداني في كتاب التائبين مرسلاً «أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، فمن تاب توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه» أوردهما السيوطي في «الجامع الصغير» .

١٧٤ - (وعن أبي موسى عبد ابن قيس الأشعري رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب الإخلاص (عن النبي: إن الله تعالى يبسط يده بالليل) في «المفاتيح» : بسط اليد عبارة عن الطلب، لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحد بسط كفه، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو هو عبارة عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب. وقال القرطبي في «المفهم» : هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القويّ القاهر إلى مقتضى اللطيف الرءوف الغافر. وقال الطيبي: لعله تمثيل، وشبه حال إرادته تعالى التوبة من عبده وأنها مما يحبه ويرضاه بحالة من ضاع له شيء نفيس لا غنى له عنه ثم وجده مع غيره، فإنه يمد يده إليه طالباً متضرّعاً، ثم استعمله في جانب المستعار منه وهو بسط اليد مبالغة في تناهي التشبيه وادعاء أن المشبه نوع من المشبه به، وللمؤلف فيه كلام يأتي بما فيه (ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) أي: إنه يوسع جوده وفضله على العصاة بالليل ليلهموا التوبة بالنهار وبالنهار ليلهموا التوبة بالليل، فسق ذلك الكرم والجود علة للتوبة ما دام بابها مفتوحاً. قال في «فتح الإله» لابن حجر الهيتمي عن المشكاة: وقول النووي يبسط يده كناية عن قبول التوبة. قال المازري: لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه فقبض يده عنه، لا يناسب قوله في الحديث «ليتوب مسيء النهار إلخ» لأن المعنى عليه ينحلّ إلى أنه ينقل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار إلخ.

وظاهر أنه ليس مراداً إذ قبوله التوبة بالليل ليس علة لتوبة مسيء النهار وعكسه، لأنه لا معنى لقبول التوبة قبل وجودها، وإنما المعنى أنه تعالى يقبلها بالليل ليتوب مسيئه، وبالنهار ليتوب مسيئه اهـ.

وقبول التوبة مستمرّ ما دام بابها مفتوحاً وإليه الإشارة بقوله: (حتى تطلع الشمس من مغربها) فحينئذٍ يغلق بابها، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية، وكذا لا عبرة بالتوبة حال الغر غرة والمعاينة كما سيأتي قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر: ٨٥) الآية (رواه مسلم) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

١٨٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (قال: قال رسول الله: من تاب) أي: توبة صحيحة جامعة للشروط (قبل أن تطلع) بضم اللام (الشمس من مغربها) وتستمر طالعة إلى كبد السماء وحدّ الاستواء، ثم تعود لعادتها ومن يومئذٍ يغلق باب التوبة. وتردد بعض المحققين في أن هذا عام لمن وجد قبل الطلوع كذلك وبعده أو خاص بالأول لتقصيره بالتأخير دون الثاني (تاب الله عليه) أي: قبل توبته. قال المصنف: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عقلاً عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرماً منه وفضلاً، وقد عرفنا قبولها بالشرع والإجماع؛ ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما سواها من أنواع التوبة هل قبولها مقطوع به أو مظنون؟ فيه خلاف لأهل السنة، اختار إمام الحرمين أنه مظنون وهو الأصح اهـ (رواه مسلم) .

١٩٦ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد ابن عمربن الخطاب رضي الله عنهما) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص أيضاً (عن النبي) في محل الحال أي حال كونه ناقلاً عن النبي (قال) : أي: النبيّ، ويحتمل على بعد عوده لابن عمر بيان للمنقول المرفوع

(إن الله عز) جده (وجلّ) شأنه (يقبل توبة العبد) أي: المذنب المكلف ذكراً أو أنثى كرماً منه وفضلاً كما سبق (ما لم يغرغر) أي: تصل روحه حلقومه من الغرغرة: وهي جعل الشراب في الفم، ثم يديره إلى أصل حلقومه فلا يبلعه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} (النساء: ١٨) وفسر ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت وقال غيره: مراده تيقن الموت لا خصوص رؤية ملكه، لأنّ كثيراً من الناس لا يراه. وردّ بأن قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة: ١١) يدل على أن كل أحد يراه، فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه. قلت: وفي الاستدلال بهذا ما لا يخفى، إذ لا يلزم من توفيه لكل رؤية كل منهم له قيل: السرّ في عدم قبولها حين اليأس أن من شروطها عزمه على ألا يعود، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب وبقاء أوان الاختيار، وقال في «فتح الإله» بعد كلام قدمه: والحاصل أنه متى فرض الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة لا تصح منه حينئذٍ توبة ولا غيرها وهذا مراد الحديث بيغرغر ومتى لم يصل لذلك صحت منه التوبة وغيرها اهـ (رواه) الإمام الحافظ أبو عيسى محمدبن عيسى ابن سورة (الترمذي) بضم المثناة وفتحها وكسرها: نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، كذا في «لبّ اللباب» للنيسابوري، وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها السمعاني فقال بكسر الفوقية والميم وبضمهما وبفتح الفوقية وكسر الميم اهـ.

قال ابن سيد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح الفوقية وكسر الميم، والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً، والذي يقوله المتقنون من أهل المعرفة بضمهما اهـ. وهو الإمام الحافظ أحد الأئمة الستة، قيل كفّ في آخر عمره، وقيل إنه ولد أكمه. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. ولد سنة (٢٠٩) مائتين وتسع. قال المستغفري: وتوفي في شهر رجب سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين، وهذا هو الصحيح. وقول الخليلي إنه مات بعد الثمانين رده العراقي وغيره، بل قال بعضهم

إنه باطل. ومن كمال حفظه ما ذكره المروزي عنه قال: كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزءين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزءين معي وحملت معي جزءين كنت أظنهما إياهما فسألته القراءة فأجابني، فأخذت الجزءين فإذا هما بياض فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليّ من حفظه، ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال: أما تستحي، فقصصت عليه القصة. وقلت له أحفظه كله، فقال اقرأ، فقرأت جميع ما قرأه على الولاء ولم أخطىء في حرف منه؛ فقال: ما مرّ بي مثلك قط. ثم الحديث رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي كما في «الجامع الصغير» (وقال) يعني الترمذي (حديث حسن) إن قلت: قد قال المصنف في «خطبة الكتاب» وألتزم فيه ألاّ أذكر إلا حديثاً صحيحاً. قلت: يحتمل أن يراد من الصحيح في كلامه السابق المقبول كما تقدم فيشمل الحسن. وفي فتاوي الحافظ ابن حجر العسقلاني التي جمعها تلميذه السخاوي: (مسألة) هل يطلق الصحيح على الحسن كما صنع النووي حيث قال في رياض الصالحين وألتزم ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً مع ذكره فيه الحسن. (الجواب) الحسن يصح إطلاق الصحيح عليه بشرط أن يكون حسنه لذاته، بخلاف الذي حسنه لغيره فإنه لا يكون حسناً حتى ينجبر بمجيئه من طريق أخرى فصاعداً، فإن كان فرداً لم ينجبر ولا يصير حسناً، بخلاف الحسن لذاته فإنه إذا جاء من وجه آخر صح إطلاق الصحة عليه بالنظر إلى

المجموع وهو حسن في حد ذاته، ومن أصحاب الحديث من أطلق الصحيح على كل ما يصلح للاحتجاج به سواء أكان من الصحيح أم من الحسن، وهذا ليس بشائع في المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الصلاح في علوم الحديث، فلعل النووي سلك ذلك إن كان في كتابه المذكور ما هو حسن لغيره اهـ. قيل: والأولى حمل قوله السابق: وألتزم الخ على الغالب.

٢٠٧ - (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره معجمة، وزرّ تابعي. قال في «الكشاف» : أدرك الجاهلية، سمع عمر وعلياً قال زرّ: قال لي أُبيّبن كعب: يازر ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها. عاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة اثنتين وثمانين اهـ. (قال: أتيت صفوانبن عسال) بفتح المهملة وسكون الفاء وعسال بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية (رضي الله عنه) قال المصنف في «تهذيب الأسماء واللغات» : صفوان مرادي كوفي، غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. ومن مناقبه أن عبد ابن مسعود روي عنه وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن

الجوزي في «المستخرج المليح من التلقيح» : روي له عن النبي أحد وعشرون حديثاً (أسأله عن المسح على الخفين) استئناف بياني لسبب المجيء إليه أو حال من فاعل أتيت (فقال ما جاء بك) أي: ما حملك على المجيء (يا زرّ، فقلت ابتغاء العلم) مفعول له (فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم) حقيقة وإن لم نشاهده للقاعدة المشهورة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يرد ما يصرفه عنه: أي تكفّ أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظيرـ {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} - أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم، ويحتمل أنهم كلهم. قيل: والأوّل أنسب بالمعنى الحقيقي والثاني بالمعنى المجازي

(رضا) منها (بما يطلب) أي: من العلوم، ورضا مفعول له: أي لأجل الرضا الحاصل منها أو لإرضائها بما يطلب، و «ما» يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية (فقلت إنه قدحك) بفتح المهملة وتشديد الكاف: أي أثر مّا، وفي نسخة حيك (في صدري المسح على الخفين) فاعل حك، وقوله: (بعد الغائط) وهو في الأصل المكان المنخسف من الأرض، سمي به الخارج للمجاورة حال أو صفة (والبول، وكنت) بفتح التاء للمخاطب حال، و (امرأ) بفتح الراء تبعاً لحركة آخره عند الكوفيين، ومنع البصريون ذلك: أي شخصاً (من أصحاب النبي، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟) والمسؤول عنه قدر مدته بدليل قوله في الجواب (قال: نعم) أي: سمعته يذكر فيه ثم بين المسموع بقوله: (

كان يأمرنا إذا كنا سفراً) بفتح المهملة وسكون الفاء جمع سافر، وقيل: اسم جمع له إذ لم ينطقوا به (أو) شك من الراوي (مسافرين) جمع مسافر، شك هل قال سفراً أو قال مسافرين (ألا ننزع) بكسر الزاي مفعول يأمرنا (خفافنا) بكسر المعجمة جمع خف بضمها (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: فإن نزع الخف، والمراد به ظهور شيء من محل

الفرض من القدم، يبل المدة، فإن كان محدثاً توضأ وضوءاً كاملاً، وإن كان بطهر المسح لزمه غسل قدميه فقط على الصحيح، وكالنزع فيما ذكر انقضاء المدة وبطلانها بنحو شك في انقضائها وغيره مما ذكروه في «الفروع» (إلا من جنابة) وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس؛ فيلزمه نزعه، ولو غسل القدم في باطن الخف نزع الخف ولبسه على طهارة كاملة ثم يمسح على قدميه؛ فوجوب النزع لصحة المسح لا لارتفاع الحدث وصحة الصلاة؛ وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكرر تكرره فلا يشق النزع فيه؛ وكذا يلزمه النزع فيما إذا تنجست رجله في الخف وتعذر تطهيرها فيه وبه تبطل المدة؛ و (لكن) مفادها مخالفة ما قبلها نفياً أو إثباتاً مخففاً أو مثقلاً؛ وحينئذٍ فالتقدير أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها (من غائط أو بول أو نوم) وزعم بعضهم رد هذه الرواية لأن ظاهرها ينافي العطف بلكن ليس في محله؛ غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة (فقلت: هل سمعته) أي: النبي (يذكر في الهوى) مقصوراً أي الحب؛ يقال هوى كعلم يهوى هوى (شيئاً؟ قال: نعم كنا مع النبي في سفر، فبينا) قيل: ألفه مزيدة لكفه عن الإضافة إلى المفرد كما تقدم في بينما بل لكفها عن الإضافة للجملة؛ إلا أن رفع ما بعد بينما واجب؛ وبعد بينا جائز؛ بل الأحسن جر المصدر بعدها نظراً إلى أن ألفها ملحقة لإشباع الفتحة. وشذ من قال ألفها للتأنيث وجملة (نحن عنده) في محل الجر على الإضافة على القول الأول

(إذ) وذكر إذ هنا مع بينا يردّ على الحريري زعمه أن بينا لا تتلقى بها ولا بإذا بخلاف بينما. ويرد عليه الحديث الصحيح «بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي» (ناداه أعرابي) بفتح الهمزة اسم جمع؛ وهم سكان البوادي؛ والعرب يعم ذلك وسكان القرى، ونسب إلى الجمع؛ قيل: لأنه أجرى مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى الواحد أعني لفظ عرب فقيل عربيّ اشتبه المعنى؛ إذ العربيّ كل من كان من ولد إسماعيل سواء كان حاضراً أو بادياً، والأعرابيّ يختص بالأخير، وفي هذا المقام بسط أودعته في باب المساجد من «شرح الأذكار» ، وسيأتي في باب الحلم إن شاء الله تعالى (بصوت) متعلق بنادى (له جهورى) بفتح الجيم وإسكان الهاء؛ والياء فيه للنسبة، منسوب إلى جهور بصوته كما

في «النهاية» ، والجهورى الشديد العالي (يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه باسمه، أو لم يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة (فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحواً) مفعول مطلق: أي إجابة نحواً (من صوته) أي: في الرفع (هاؤم) قال أبو حيان في «النهر» : قال الكسائي وابن السكيت: يقال هاء للرجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة بغير ياء وللنساء هاؤنّ، ومعنى هاؤم: خذوا، وقد ذكرنا في «شرح التسهيل» فيها لغات. وهاؤم إن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية للمفعول بواسطة إلى اهـ (فقلت له) أي: للأعرابيّ (ويحك) بفتح الواو والمهملة وإسكان المثناة بينهما: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تستعمل في «المدح» كما في «النهاية» (اغضض) أي: أنقص (من صوتك، فإنك عند النبيّ. وقد نهيت عن هذا) أي: عن رفع الصوت وعلوّه بين يديه (فقال) لما قام عنده من الحال المقتضي للجهر بالصوت (وا لا أغضض) أي: من صوتي، حذف لدلالة الكلام السابق عليه (فقال الأعرابيّ) سائلاً النبي (المرء) لغة في امرىء: أي الشخص، والمراد منه ما يعم المثنى والجمع لتساوي

الكل في الحكم الآتي أو ما يقابلهما، وعلم حكمهما من تساويهما في مثل هذه الأحكام (يحبّ القوم) أي: الأخيار أحياءً وأمواتاً (ولما يلحق بهم) أي: في الأعمال وطرق الكمال: أي لم يعمل بعملهم، إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم ولما لنفي الماضي المستمر فتدل على نفيه في الماضي والحال، بخلاف لم فإنها تدل على الماضي فقط (قال النبي) جواباً عن ذلك (المرء مع من أحبّ) فيه فضل حبّ الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتاً، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتزام الآدب الشرعية، ثم لا يلزم من كونه مع من أحبّ أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه، وقد جاء في «صحيح مسلم» حديث لأنس فيه مثل هذه البشرى، وفيه قال أنس: ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد مما فرحنا بقول النبيّ (المرء مع من أحبّ) .

قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه

أشد من فرحهم بسائر أعمال البرّ لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البرّ ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبيّ والكون معه إلا حبّ الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر والمتأخر بالمتقدم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذا تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين اهـ. (فما زال يحدثنا) إن كان من كلام صفوان كما هو الظاهر فالمحدّث لهم النبيّ، وإن كان من كلام زرّ فهو صفوان، ثم رأيت في «الترغيب» بعد أن روى قوله: «إن من قبل المغرب لباباً» مرفوعاً من طريق الترمذي، وفي رواية للترمذي وصححها أيضاً، قال: يعني زرّبن حبيش: فما برح: يعني: صفوان يحدثني حتى حدثني بأن الله عز وجلّ جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله. وكذلك قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية. وليس في هذه الروايات ولا الأولى تصريح برفعه كما صرّح به البيهقي وإسناده صحيح أيضاً اهـ. (حتى ذكر) في حديثه (باباً من المغرب مسيرة عرضه) أي بين طرفيه (أو يسير الراكب في عرضه) شكّ من الراوي (أربعين أو سبعين عاماً) لكمال سعته (قال سفيان) بتثليث السين وسكون الفاء، وهو ابن عيينة كما صرح به المزّي في أطرافه (أحد الرواة) لهذا الحديث: أي أحد رجال إسناده (قبل الشأم) بالهمز والقصر ويجوز ترك الهمز، والمد مع فتح الشين ضعيف: أي وهي غربي المدينة، وحدّها طولاً ما بين العريش والفرات وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد.

وقال ابن حبان: أوله نابلس وآخره العريش اهـ (خلقه الله تعالى) أي أوجده (يوم خلق) أي أوجد (السموات والأرض مفتوحاً) حال، ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لخلق بتضمينه معنى جعل (للتوبة) أي لقبولها سواء كانت من الكفر أو من الذنب (لا يغلق) ذلك الباب المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أي: من المغرب، ويحتمل من ذلك

الباب.

قال في «المفاتيح» : وإنما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأنه من علامات القيامة، فحينئذٍ كأنها ظهرت الساعة وظهور الساعة: انقضاء التكليف اهـ. (رواه الترمذي) بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما وقيل بفتح ثم كسر ميمها مع إعجام الذال: نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ كما تقدم قريباً في ترجمته. ثم إنه روى الحديث بجملته في الدعوات وفي الزهد من قوله: «جاء أعرابيّ» إلى قوله: «المرء مع من أحبّ» وفي الطهارة: قصة المسح (وغيره) فروى النسائي في التفسير الحديث وليس فيه قصة المسح، وفي الطهارة بقصة المسح، ورواه ابن ماجه في الطهارة بقصة المسح وفي الفتن.

وروى مسلم وغيره قوله: «المرء مع من أحبّ» لكن في قصة أخرى.

وروى البيهقي حديث باب التوبة لكن باللفظ الذي نقلته عن «الترغيب» .

قال المنذري: وإسناده صحيح (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبته: إذا جمع الصحيح والحسن في وصف حديث واحد فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصّل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، بل يقول فيه حسن: أي باعتبار وصف ناقله عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين. وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح، كما حذف منه حرف العطف في الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح، دون ما قيل فيه صحيح، لأن الحزم أقوى من التردد، وهذا حيث حصل التفرد، وإلا، أي: وإن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوى اهـ.

وقال الحافظ السيوطي: أو يكون المراد أنه حسن لذاته صحيح لغيره، أو أن المراد حسن باعتبار إسناده صحيح، أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال أصح ما ورد كذا وإن كان حسناً أو ضعيفاً، والمراد أرجحه وأقله ضعفاً اهـ.

٨ - (وعن أبي سعيد) كنية (سعدبن مالكبن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (الخدريّ) بضم المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خدرة بهذا الضبط وهو الأبجر بالموحدة فالجيم، بطن من الخزرج، وقيل خدرة أو الأبجر. ثم سعد وأبوه صحابيان، استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذٍ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ (رضي الله عنه) : وكان حقه رضي الله عنهما كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن صحابي، روى لأبي سعيد عن النبيّ ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين عن حنظلةبن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل وسبعين، ودفن بالبقيع (أنّ) بفتح الهمزة ويجوز كسرها بتقدير القول (نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) مرغباً في التوبة والإنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم في جنب عفوه سبحانه (كان فيمن كان قبلكم) أي: من الأمم (رجل) اسم كان والظرف قبله حال منه، وقيل: الظرف صلة لمن الموصولة، وقوله: (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفساً) أي: على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الوصول، وآن إبان ساعة الإنابة والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي: عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو «إني» بضمير المتكلم، تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل ذلك مما يكره النطق به فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند موته «فكان آخر ما كلمهم به أنه على ملة عبد المطلب» نبه عليه المؤلف في ذلك المقام من «شرح مسلم» (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة؟) من مزيدة للتأكيد (فقال لا فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى.

قال القرطبي: وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك طريق التحرّز في نفسه مما صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يدارى الأسد الضاري

لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة قتله بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله: (عالم فقال) عطف على مقدر أي فأتاه فقال وحذف لذكره في نطيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) أي: مقبولة (فقال) ناطقاً بالحق والصواب، مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم، ومن) استفهام إنكار أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي يكون حائلاً وفاصلاً (بينه) أي التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً أي لا مانع بينك وبينها من شخص ولا غيره، وأتى بضمير الغائب مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله الزجر والتورية لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا به، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون} - إلى قولهـ {إلا من تاب} (٦٨ - ٧٠) الآية.

وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك. وأما قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} (النساء: ٩٣) فالصواب في معناه أن جزاءه جهنم وقد يجازى بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى بل يعفى عنه. كذا في «شرح مسلم» للمصنف. ثم إن العالم دلّ السائل على ما فيه نفعه بقوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى، واسم القرية التي كان بها كفرة رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه عليه ما داموا كذلك.

قال القرطبي: وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة، لأن الأول

غلبت عليه الرهبانية واغترّ بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره.

والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به اهـ. وقوله: «كذا وكذا» كأن الراوي شك في اللفظ فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه مثل ذا، قاله في «النهاية» . وقوله: (فإن بها أناساً) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر والمقام للضمير استلذاذاً فذكر المحبوب محبوب (ولا ترجع إلى أرضك) أي: التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة أهل الخير والعلم والصلاح والعبادة والورع ومن يقتدى به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى أوبته، فإن كل قرين يقتدي بقرينه (فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة إليه واستمرّ كذلك (حتى إذا نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة: أي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى) قال القرطبي: هذا نصّ صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها. وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى أخبر عنها بقوله: (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي، إذ لو اطلعت على ما فيه قلبه من التوبة لما صح لها أن تقول هذا ولا أن تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائباً الخ، بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الأولون بما تحققوه، ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات وملائكة العذاب على عدم، وشهادة الإثبات مقدمة فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال: (فأتاهم ملك في صورة آدمي) صوّر بصورته إخفاء عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم،

وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي: التي خرج منها والتي ذهب

إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي لذلك الأدنى إليه منهما أي الجنة والعذاب (فقاسوا) أي ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي التائب (أدنى) أي: أقرب (إلى) جهة (الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح.

قال القرطبي: وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده وتعذرت الشهادة مكنة الاستدلال بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفد الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم، واختلافهم فيه أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم، فمرّ الملك في صورة رجل فحكم بذلك اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، ورواه ابن ماجه في «سننه» .

قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه، كنهر جار، أي: الصالح من فيها، وفيه إيماء أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن ما قيل:

بسكانها تغلو الديار وترخص

وقول الآخر:

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار

{أقرب بشبر} أي: بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب فلا تخالف الرواية الآتية (فجعل من أهلها) أي: الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي رواية) أخرى (في الصحيح) هي عندهما واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي: أشار (إلى هذه) إلى أرض الفساد (أن تباعدي) عن ذلك الإنسان بأن ينضام بعضها لبعض (و) أوحى أي أشار (إلى هذه) أي أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط أجزائها وامتدادها (وقال) أي الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي: أرض

الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها وانبساطها والزواء تلك وانقباضها (فغفر له) فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره.

قال القرطبي: يفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية وسبقت له العناية الأزلية فقرّبت البعيد وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة فقد سلك به طريق اللطف والقربة اهـ. (وفي رواية) أي في الصحيح أيضاً رواه مسلم (فناء) بتقديم الألف على الهمزة وفي نسخة من مسلم «نأى» بتقديم الهمزة عليها: أي: نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحبة توبته وصدق رغبته.

٢١٩ - (وعن عبد ابن كعببن مالك) بن كعب الأنصاري السلمي، أي: بفتحتين قال في «أسد الغابة» : ذكره أبو أحمد العسكري فيمن لحق بالنبي اهـ. (وكان قائد كعب رضي الله عنه من) بين (بنيه) وهم: عبد اهذا، وعبد الرحمن، وعبيد الله (حين) أي: زمن (عمي) أي: صار أعمى (قال) بيان للمرويّ عن عبد الله (سمعت كعببن مالك رضي الله عنه) شهد العقبة والمشاهد كلها إلا بدراً وتبوك، وجرح يوم أُحُد، أحد عشر جرحاً في سبيلالله، وهو أحد شعراء النبيّ المجاهدين بألسنتهم وأيديهم، وهم ثلاثة: حسان، وكعب، وابن رواحة. وكان حسان يقع في «الأنساب» ، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم وقائع السيف. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث مسلم بحديثين، توفي بالمدينة سنة خمسين رضي الله عنه (يحدث حديثه) مفعول مطلق أو منصوب بنزع الحافض (حين تخلف عن) الخروج مع (النبيّ) وفي نسخة: «عن رسول الله» (في غزوة تبوك) بفتح الفوقية وضم الموحدة،

يصرف إن أريد به المكان ولا يصرف أن أريد به البقعة، وكانت غزوة تبوك في التاسعة من الهجرة.

قال الفناوى في «شرح الموطأ» من رواية محمدبن الحسن: قيل سميت بتبوك لأنه رأى قوماً من أصحابه يبوكون عين تبوك. أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها تبوكاً اهـ. (قال كعب) : بيان لحديثه (لم أتخلف عن رسول الله) في غزوة غزاها قط وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسعة منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة على القول بأنها فتحت عنوة والصحيح عند أئمتنا خلافه، وحنين، والطائف. وقيل إنه قاتل بني النضير. وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية (إلا في غزوة تبوك) ثم استثنى من قوله: «لم أتخلف» الخ قوله: (غير أني قد تخلفت) أي: عنه (في غزوة بدر) قرية مشهورة تنسب إلى بدربن مخلدبن النضربن كنانة كان نزلها، وقيل: بدربن الحارث حافر بئرها، وقيل: بدر اسم البئر التي فيها سميت به لاستدراتها أو لصفائها ورؤية البدر فيها.

وحكى الواقدي عن غير واحد من شيوخ بني غفار إنكار هذا كله، قال: وإنما هي مالنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. والسبب في ترك استثناء بدر مع تبوك بلفظ واحد كونه تخلف في تبوك مختاراً لذلك مع تقدم الطلب وقوع العتاب على من تخلف بخلاف بدر في ذلك كله فلذا غاير بين التخلفين، قاله الحافظ في «الفتح» (ولم يعاتب أحد) من المسلمين هو بفتح الفوقية مبني للمجهول، وفي رواية: «لم يعاتب أحداً» (تخلف عنه) فيها (إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش) علة لعدم العتاب.

والعير: الإبل التي عليها أحمالها. وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً، منهم: عمروبن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، حتى إذا كان قريباً من بدر بلغ النبي ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة الغدوّ، فلما بلغ النبيّ الروحاء أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم، فكان سبب الحرب المشار إليها بقوله: (حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم) أي: من كفار قريش (على غير ميعاد) أي: موعد (ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم

ـ ليلة العقبة) أي: الليلة التي بايع النبيّ الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤووه وينصروه، وهي العقبة التي في طرف منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي السنة الثانية سبعين كلهم من الأنصار بمسجد يقرب العقبة المذكورة، وإذا أطلق ذكر العقبة فالمراد الأخيرة (حين تواثقنا) بالمثلثة بعد الألف بدل من ليلة وتواثقنا (على الإسلام) أي: تبايعنا عليه وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق، وفي بعض النسخ «توافقنا» بالفاء بدل المثلثة (وما أحبّ أن لي بها) أي بدل الليلة أو العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم أن، أي: ما أحبّ أني شهدت بدراً ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل والإسلام ضعيف (وإن كانت بدر أذكر) بالنصب: أي أشهر ذكراً (في الناس منها) بالفضيلة، وقد قدموا في عدّ طباق الصحابة من شهد العقبة الثانية على من شهد بدراً (فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة) بإسكان الزاي، ويقال: غزاة بفتح المعجمة والزاي وإبدال الواو ألفاً فهما مفرداً غزوات وعن ثعلب الغزوة المرة، والغزاة عمل سنة كاملة. ذكره أو المغازي من الفتح (تبوك أني) بفتح الهمزة هي ومدخولها اسم كان (لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني) فيه تفضيل الشيء على نفسه باعتبار تعدد

الزمان، كما فضل الكحل حال كونه في عين زيد مثلاً على نفسه حال كونه في عين غيره باعتبار تعدد المكان في قولهم: ما رأيت أحداً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (حين) أي: زمن (تخلفت عنه في تلك) الغزوة (وا ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة) بيان لكونه أيسر وكذا لكونه أقوى إن أريد به القوة العارضية الحاصلة بالأسباب، وإن أريد به القوّة في البدن فسكت عن ذكر ما يبينه

(ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) أي أوهم، زاد أبو داود: وكان يقول: «الحرب خدعة» (حتى) غاية للتورية (كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرّ شديد) يخاف منه الهلاك (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) ويقال مفازة: أي برية طويلة قليلة الماء وهو بفتح الميم، قيل: مأخوذ من فاز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ: سليم (واستقبل عدداً كثيراً) وفي بعض نسخ الصحيح: عدواً، وكأن حكمة إعادة العامل أن هذا نوع غير معمول «استقبل» المذكور أولاً (فجلا للمسلمين أمرهم) بتخفيف اللام وتشديدها: أي كشفه وأوضحه وعرفهم ذلك من غير تورية (ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وإسكان الهاء، أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم، ثم هو كذا في نسخ الرياض بالمعجمة فالزاي، وهو كذلك في «صحيح مسلم» ، وفي «صحيح البخاري» «عدوهم» بالمهملتين وتشديد الواو (فأخبرهم بوجههم) أي: بقصده، وهو كذلك بالموحدة أوله، في بعض نسخ مسلم وفي غيره «توجههم» بالفوقية بدل الموحدة: أي مقصدهم (الذي يريد) وفي تلك «الذي يريدون» والعائد محذوف عليهما. وسبب تلك الغزوة أنه بلغه أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل: أي لحربه، فندب الناس إلى الخروج لذلك (والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير) جملة حالية من فاعل غزا، وعدة من كان معه ثلاثون ألفاً، وعن أبي زرعة سبعون ألفاً، وفي رواية عنه أيضاً: أربعون

ألفاً، ووجه الجمع أن من قال كانوا سبعين عدّ التابع والمتبوع ومن قال ثلاثين أو أربعين عدّ المتبوعين أو أهل القتال (ولا يجمعهم كتاب حافظ) حال متداخلة، ثم روي في «صحيح البخاري» بتنوينهما، وفي «صحيح مسلم» بالإضافة.

قال ابن شهاب الزهري: (يريد) أي: كعب (بذلك) أي: بالكتاب الحافظ (الديوان) بكسر الدال على المشهور، وحكي فتحها فارسي معرب، وقيل: عربي (قال كعب: فقلّ رجل) وفي «البخاري» فما رجل (يريد أن يتغيب) أي: يغيب (إلا ظن أن ذلك سيخفى له) وقع في جميع نسخ مسلم بإسقاط «إلا» .

قال

المصنف في «شرحه» : والصواب إثباتها. قال القرطبي: هي لإيجاب ما تضمنته قلّ من معنى النفي، لأن معنى قلّ رجل: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن اهـ (ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ) منبه على تغيبه (وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار) أي: أينعت ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظل (فأنا إليها أصعر) بالمهملتين: أي: أميل، والصعر: الميل (فتجهز رسول الله، و) تجهز (المسلمون معه وطفقت) من أفعال الشروع جعلت يقال: طفق بكسر الفاء وفتحها وبإبدال الفاء بموحدة (أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض) شيئاً من أمري (وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك) أي: على التجهيز (إذا أردت) أي: لسعة الوقت (فلم يزل ذلك) أي التسويف في الأمر (يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد) بكسر الجيم: أي الاجتهاد في أمر السفر وشأنه (فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غادياً و) أصبح (المسلمون معه) أي: مصاحبين له في السفر (ولم أقض من جهازي) بفتح الجيم وكسرها: أي أهبه سفري (شيئاً ثم غدوت) أي: سرت أول النهار (فرجعت) من غدوي (ولم أقض شيئاً) أي: من جهازي (فلم يزل ذلك) أي: الغدو لقضاء الجهاز وعدم قضائه (يتمادى بي حتى أسرعوا) بالمهملات. وصحفه الكشميهني فرواه في «صحيح البخاري» «شرعوا» بحذف الهمزة وإعجام الشين (وتفارط) بفوقية ففاء وراء وطاء مهملتين (الغزو) بإعجام الغين: أي تقدم الغزاة، والفارط والفرط: المتقدم وجمعه أفراط (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا) قوم (ليتني فعلت) وخلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البرّ، والنهي عنه على ما فات محمول على ما فات من الأعراض الفانية (ثم لم يقدر ذلك) أي: الارتحال (لي) وما لم يقدر لا يكون (فكنت إذا خرجت في الناس) أي المتخلفين من مؤمن معذور أو منافق

مغرور (بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني) بفتح التحتية وضم

الزاي من حزن ويجوز ضم التحتية وكسر الزاي من أحزن (أن) وفي نسخة «أنى» (لا أرى لي أسوة) فاعل يحزن. والظرف في محل الحال من أسوة، وهي بضم الهمزة وقد تكسر: القدوة (إلا رجلاً مغموصاً) بإعجام الغين وإهمال الصاد أي مطعوناً (عليه) في دينه محتقراً متهماً (في النفاق) أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. ولا يخفى ما اشتملت عليه هذه الجملة من الاستعارة المكنية وما يتبعها من الاستعارة التخييلية (أو رجلاً ممن عذر ا) أي: عذره الله (من الضعفاء) بيان لمن (ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك) هكذا في «نسخ الرياض» ممنوع الصرف على إرادة البقعة. قال المصنف: وهو في أكثر نسخ «الصحيحين» تبوكاً بالصرف، وكأنه صرفه لإرادة المكان دون البقعة (فقال وهو جالس في القول بتبوك: ما فعل كعببن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة) بكسر اللام: بطن من الأنصار، واسم ذلك الرجل عبد ابن أنيس كما قاله الواقدي في «المغازي» (يا رسول الله حبسه برداه) بضم الباء، يعني: الرداء والإزار أو الرداء والقميص، وسماهما بردين لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً وتسمينهما بردين على طريقة العمرين والقمرين (والنظر في عطفيه) بكسر المهملة الأولى: أي جانبيه، كناية عن العجب.

قال القرطبي: وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد على كعب ولعله كان منافقاً فنسب كعباً إلى الزهوّ والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل ردّ العدل الفاضل معاذبن جبل عليه كما قال: (فقال له معاذبن جبل رضي الله عنه بئسما) أي بئس هو قولاً (قلت، وا يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً) ففيه جواز ذمّ المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد عن عرضه. وما زعمه من احتمال نفاق القائل فيه نظر لأن عبد ابن أنيس لم يتهم بذلك. والأولى حمله على أنه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبه القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال

(فسكت رسول الله) أي عن السؤال عن حال كعب، زاد مسلم على البخاري (فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً) بكسر التحتية اسم فاعل، من البياض: أي لابس البياض، يقال: هم المبيضة والمسودة بالكسر: أي لابسو البياض والسواد (يزول) أي يتحرك وينهض (به السراب) هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (فقال رسول الله: كن أبا خيثمة) لفظهُ لفظ الأمر ومعناه الدعاء، كما يقال أسلم: أي سلمكالله، قاله السهيلي.

وقال المصنف في «شرح مسلم» : قيل معناه أنت أبو خيثمة. قال ثعلب: العرب تقول كن زيداً: أي أنت زيد. قال القاضي عياض: والأشبه عندي أنّ كن هنا للتحقيق والوجود: أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول «صاحب التحرير» : تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة اهـ. (فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) إذا فجائية والجملة بعدها في محل جرّ بالإضافة (و) أبو خيثمة (هو الذي تصدّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) واللمز: الطعن. انتهت زيادة مسلم. واسم أبي خيثمة عبد ابن خيثمة، وقيل: مالكبن قيس، ولهم: أبو خيثمة صحابي آخر اسمه: عبد الرحمنبن أبي سبرة الجعفي (قال كعب: فلما أن بلغني أن رسول الله) بفتح الهمزة هي ومعمولاها فاعل بلغ (قد توجه قافلاً) أي: راجعاً (من تبوك) بالصرف وعدمه على ما تقدم (حضرني بثي) جواب للما.

وعند البخاري: «حضرني همي» والبث أشد الحزن، وبه يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى ا} (يوسف: ٨٦) من عطف العام على الخاص لا المرادف خلافاً لما في شرح «بانت سعاد» لابن هشام (فطفقت) أي: أخذت من باب أفعال المقاربة تقدمت لغاتها (أتذكر الكذب) أي ما يقبله السامع من الآتي به والجملة خبر طفق (وأقول) عطف على خبر طفق (بما) كذا هو إثبات الألف في الأصول المصححة، ومقتضى قاعدة وجوب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت نحو {عم يتساءلون}

أن يكون بحذفها ولعله جاء على الاستعمال القليل: أي أقول بأي شيء من الأعذار مطابقة للواقع أم لا كما يدل عليه السياق (أخرج من سخطه) بفتحتين أو بضم فسكون أي من كراهيته لتخلفي وعدم رضاه به (غداً وأستعين) عطف على أتذكر (على ذلك) أي المخرج لي من سخطه وعدم رضاه (بكل ذي) أي: صاحب (رأي من أهلي) ثم لا يشكل ما ذكره من تذكرة الكذب والاستعانة عليه بما تقرّر من عدالة الصحابة، لأنه رأى جواز فعل ذلك لما فيه من ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما وهو سخطه. على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك (فلما قيل) أي: تحدث وليس المراد منه تضعيف المخبر عنه (أن رسول الله) بكسر الهمزة محكي بالقول، وهو نائب الفاعل لأن الإسناد لفظي: أي قيل هذا اللفظ (قد أظل) بالمعجمة المشالة أي: أقبل ودنا كأنه ألقى عليه ظله (قادماً) حال من فاعل أظل (زاح عني الباطل) أي: زال وذهب، ويقال: أزاح أيضاً والمصدر زوحاً، قاله الأصمعي، وزيحا كما في «المصباح» ، وزيحانا قاله الكسائي، والمراد بالباطل ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه بالإخبار بغير مطابق للواقع (حتى) استئنافية أو عاطفة (عرفت أني لم أنج) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الجيم (منه) أي من سخطه نجاة نافعة (بشيء) أي: من الكذب، وفي نسخة «بشيء فيه كذب» (أبداً) أي لا أنجو به نجاة أبدية وإن نجوت به في الحال،

لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين، والأبد الزمن المستقبل (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه، يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً وكان إذا قدم) بكسر الدال مضارعه يقدم بفتحها (من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته، وليس ذلك في شرعه لأمته. كذا في «المفهم» .

ثم جملة «وكان» تحتمل العطف على جملة أصبح، والحالية من فاعل أصبح، (ثم

جلس للناس) أي ليسلموا عليه ويهنئوه بالسلامة (فلما فعل ذلك) أي: المذكور من صلاة التحية والجلوس للناس معتكفاً كما يومىء إليه علو مقامه فلذا دارت أفعاله بين الوجوب والندب. والاعتكاف يحصل بما زاد على الطمأنينة ولا يتوقف على الصوم (جاءه المخلفون) اسم مفعول: أي عن الخروج معه إلى تبوك.

قال أبو حيان في «النهر» : لفظ المخلفون يقتضي الذم والتحقير، وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك اهـ. فطفقوا (ويعتذرون إليه) من تخلفهم عنه (ويحلفون له) على ما يعتذرون به (وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً) والبضع والبضعة بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. وفي هذا الرد على منع استعماله فيما فوق العشرين، ثم منهم من اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره مما هو كاذب فيه (فقبل منهم علانيتهم) بتخفيف التحتية اسم مصدر من علن الأمر يعلن علوناً كدخل أو من علن يعلن علناً كطرب أي: ما أظهروه إجراء للأحكام على ظاهر (وبايعهم) بالموحدة (واستغفر لهم) أي: سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه (ووكل) بتخفيف الكاف (سرائرهم) جمع سريرة: أي ما أخفوه من النفاق وقصد الإخبار بخلاف الواقع (إلى) علم (ا) وفي الحديث: «إنما أحكم بالظواهر وا يتولى السرائر» (حتى جئت) حتى حرف ابتداء لدخولها على الماضي، وليست حرف جر بعدها أن مضمرة خلافاً لابن مالك فقد رده عليه ابن هشام بأنه لا يعرف له فيه سلفاً، ولا عاطفة لأنها لا تعطف الجمل خلافاً لابن السيد في زعمه إجازة ذلك. قال في «المغني» : وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها أو كجزئه ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات اهـ. وحينئذٍ فالجملة مستأنفة (فلما) الفاء فصيحة أي جئت فسلما فلما (سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح المهملة من الأول فعل ماض جواب لما، وضمها من الثاني مصدر مفعول مطلق، والمغضب اسم مفعول: أي الغضبان، وفي التعبير به دونه إيماء إلى أن الغضب منه إنما يكون عارضاً بسبب أمر يقتضيه، وإلا فخلقه الكريم الرضى والعفو والصفح والتجاوز عما لا معصية فيه من الأمور.

قال أنس: «خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته» (ثم قال: تعال) بفتح اللام (فجئت) أي عقب الأمر من غير تراخ ففيه ما كان عليه الصحابة من البدار

لأداء أوامره (أمشي) جملة حالية (حتى) غاية لما قبله (جلست بين يديه فقال لي: ماذا) أي ما الذي (خلفك) أي ما كان سبب تخلفك عن الخروج معي لتبوك. وإسناد التخليف إليه مجاز عقلي (ألم تكن قد ابتعت) أي اشتريت (ظهرك) الظهر: هي الإبل التي تركب وجمعه ظهران بالضم (قلت: يا رسول الله إني وا لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج سخطه بـ) ـذكر (عذر) أبديه مورياً أو موجهاً (لقد أعطيت) بالبناء للمجهول (جدلاً) بفتح أوليه الجيم فالمهملة: أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، ثم أكد ما قبله بقوله: (ولكني وا لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم حديث كذب) بفتح فكسر (ترضى به عني) لفصاحته وبراعته الموهمة أنه كذلك في الواقع (ليوشكن ا) أن (يسخطك عليّ) يوشك بضم التحتية وكسر المعجمة مضارع أو شك وهو أكثر استعمالاً منه حتى أنكر الأصمعي مجيئه ماضياً، وإن كان مردوداً بمجيئه كذلك في كلامهم، وهو من أفعال المقاربة، ثم اللام في لقد علمت لام جواب القسم، وفي لئن مؤذنة بقسم مقدر أتى به تأكيداً للمقام، وقوله ليوشكن جوابه، واستغنى به عن جواب الشرط، وجملة القسم وجوابه علق عنها فعل العلم والقسم الأول وجوابه ساد مسد خبر لكن علة له، والتقدير: ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يجلي لك الأحوال ويظهر لك الصادق والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي، فإنها وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مرة المجنى منقصة في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته (وإن حدثتك حديث صدق تجد) بكسر الجيم وتخفيف المهملة أي: تغضب (عليّ فيه) أي لأني ملوم بسببه واقع في المخالفة به،

وهذه الجملة الشرطية معطوفة على الأولى الواقعة بعد اللام المؤذنة بالقسم.

فقوله: (إني لأرجو فيه) أي: الصدق (عقبى الله عز وجل) جواب القسم، والعقبى بضم العين المهملة وسكون القاف: أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يعقبني خيراً بتوبته علي وإرضاء نبيه عني، وقد حقق الله له رجاءه (وا ما كان لي من) مزيدة لاستغراق النفي

(عذر) أي: حقيقي في التخلف فأعتذر به (وا ما كنت قط) بفتح القاف وتشديد المهملة المضمومة على الأفصح (أقوى) أي في البدن (ولا أيسر) أي في المال (مني) هو المفضل عليه وتفضيل الشيء على نفسه باختلاف الزمان (حين) أي: وقت (تخلفت عنك فقال رسول الله: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيه معنى الشرط والتفصيل (هذا فقد صدق فقم) الفاء فيه فصيحة: أي حيثما صدقت فقم (حتى يقضي ا) أي: يبدي في عالم الشهادة ما سبق به قضاؤه الأزلي (فيك) أي في شأنك: أي من المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر أو العفو عنه أو التوبة عليه والرضى عنه لما تجرعته من مرارة الصدق الشاق عليك لما ترتب عليه فقمت (وثار) بالمثلثة: أي: وثب (رجال من بني سلمة) بفتح المهملة وكسر اللام: بطن من الأنصار (فاتبعوني فقالوا: وا ما علمناك أذنبت ذنباً) الجملة في محل المفعول الثاني لعلم (قبل هذا) التخلف (لقد عجزت) بفتح الجيم على الأفصح (في) تعليلية نحو: {لمسكم فيما أفضتم} (النور: ١٤) ألا تكون اعتذرت أي: بسبب عدم اعتذارك (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما) أي: بمثل الذي (اعتذر به إليه المخلفون) فإن كان ذنباً لكونه كذباً لم تورّ (فقد كان كافيك) بالنصب خبر كان، و {ذنبك} مفعوله الثاني أو منصوب على نزع الخافض (استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك) اسم كان، وأعربه الحافظ فاعل الوصف، وعليه تكون كان تامة الوصف فاعلها والاستغفار فاعله (قال) كعب: (فوا ما زالوا يؤنبونني) بضم التحتية وفتح الهمزة ثم

نون مشددة مكسورة ثم موحدة، أي يلومونني أشد اللوم (حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكذب نفسي) أي: أقول إنها كاذبة في قول السابق ما كان لي من عذر (ثم قلت لهم: هل لقي هذا) أي الصدق في المقال وذكر الواقع الذي لمتوني به (معي من) مزيدة (أحد) فيهون عليَّ

الأمر وأجد لي مساوياً في ذلك (قالوا نعم، لقيه رجلان قالا مثل ما قلت) أي من الإخبار بانتفاء العذر المانع من الخروج (وقيل لهما مثل ما قيل لك) أي: من انتظار ظهور ما سبق به القضاء في شأنهما (قال) كعب (قلت من هما؟ قالوا) : هما (مرارة) بضم الميم وتكرار الراء (ابن الربيع العامري) هذا لفظ مسلم، قال المصنف في «شرحه» : هكذا هو في جميع نسخ «العامري» وأنكره العلماء وقالوا: هو غلط إنما صوابه «العمرى» بفتح المهملة وإسكان الميم من بني عمروبن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه ابن إسحاق وابن عبد البرّ وغيرهما من الأئمة.

وقال القاضي عياض: هو الصواب، ووقع عند مسلم أيضاً في النسخ «ربيعة» ووقع في البخاري «ابن الربيع» قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين (وهلال) بوزن بلال (بن أمية) بن عامربن قيسبن عبد الأعلمبن عامربن كعببن واقفبن امرىء القيسبن مالكبن الأوس (الواقفي) بقاف ففاء منسوباً إلى بني واقف المذكور في النسب واسمه مالك: بطن من الأنصار (قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً) أي: غزوة بدر الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى، ثم ما ذكره من شهودهما بدراً كذا في الصحيحين.

قال ابن الجوزي في «جامع المسانيد» إنه من أوهام الزهري فلم يذكرهما أحد في البدريين، وقد سئل الشرف الدمياطي عن كلام ابن الجوزي هذا فأقرّه عليه وأيده، نقله عنه ابن السبكي في ترجمته من «الطبقات الكبرى» ، وتعقبه الحافظ في «الفتح» بأن الظاهر من صنيع البخاري أن «قد شهدا بدراً» من كلام كعب، وممن جزم بأنه شهداها الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب. واستدل بعضهم لكونهما لم يشهداها بما لا دليل فيه من هجرانه لهما وترك مثل ذلك في حق حاطب وقد فعل ما فعل فقال في حقه «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر» الحديث، فلو شهداها لصفح عنهما كحاطب وليس ما يومىء إليه كلامه من عدم مؤاخذة البدري بما يعمل كذلك، وإنما صفح عن حاطب لتبين عذره في مكاتبته بخلاف كعب وصاحبيه إذ لا عذر لهما في التخلف انتهى ملخصاً.

(فقلت لي فيهما أسوة) بضم الهمزة وكسرها: أي قدوة وفي العبارة تجريد إذ هما الأسوة (قال) كعب: (فمضيت) أي: مصمماً على ما وقع مني من الإخبار بالصدق (حين ذكروهما لي) بمثل ذلك (ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة) ففيه وجوب هوان من ظهرت منه المعصية فلم يسلم عليه إلى أن يقلع وتظهر توبته. كذا في «المفهم» وأي: بالضم

والثلاثة مرفوع على الصفة لأي تبعاً للفظها ومحلها نصب على الاختصاص.

حكى سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله (من بين) أي دون (من) أي سائر الذي (تخلف عنه) وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا، ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام الشرعية مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر الحديث (قال فاجتنبنا) بفتح الموحدة (الناس) أي: صاروا لنا مجانبين (أو) شك من الراوي (قال) فـ (تغيروا لنا) عما كنا نعهده من الأنس والوداد منهم (حتى تنكرت) غاية لما قبلها وتنكرت تغيرت (لي في نفسي الأرض) فاعل تنكر والظرفان متعلقان به: أي تغيرت لي لا لغيري في نفسي، أي عندهما لا في نفس الأمر.

وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم النفس تغير الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال (فما هي) أي: الأرض الآن (بالأرض التي أعرف) والحاصل أنه لعظم ما اشتدّ عليه الأمر توهم أنه تغير عليه كل شيء حتى الأرض، فإنها توحشت وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك (فلبثنا) أي: أقميها (على ذلك) المذكور من الانتظار لما يبدو في عالم الشهادة مما سبق به القضاء، وهجر الناس لنا (خمسين ليلة) أي: ونهاراً، وحذف اكتفاء بذكر قرينه للعلم به من السياق.

(فأما) بفتح الهمزة تفصيل لبعض حاله وحال صاحبيه (صاحباي) أي: المشاركان لي في هذا الحال (فاستكانا) أي: خضعا (وقعدا في بيوتهما يبكيان) أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإنسان على خطيئته، وفي الحديث: «وابك على خطيئتك وليسعك بيتك» (وأما أنا فكنت أشبّ القوم) بالمعجمة فالموحدة أي: أصغرهم سناً (وأجلدهم) أي: أقواهم (فكنت أخرج) إلى المسجد وغيره (فأشهد الصلاة) أي: المفروضة (مع النبيّ) أي أشهد الجماعة في الصلوات المكتوبات (وأطوف) بفتح الهمزة وبالمهملة أي: أمشي دائراً (في الأسواق) جمع سوق، وتقدم أنها سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على الساق. وتعقب باختلاف المادة، ولعل من حكمة طوفانه في الأسواق أنها من محال كرم الله

وجوده بتيسير تلك الأمور المباعة لطالبها وربح جالبها وصاحبها فتعرض في محل الرحمات والفيوض المعنوية وهي المساجد وشهوده الصلوات، وفي محل الفضل والعطايا الدنيوية وهي الأسواق لنفحات الرحمن لتعود عليه بالتوبة، ويظفر بالمرام في الأوبة، ويتنصل عما وقع فيه من الحوبة (ولا يكلمني أحد) معطوفة على وأطوف ويصح كونها في محل الحال (وآتى رسول الله) تشرفاً برؤيته، واستمطاراً للفيوض الربانية من حضرته، وإراحة القلب من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من الأمر فيه بالتبعيد (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة) فيه الجلوس عقب الصلاة في المصلى للذكر والدعاء ونحوهما، والجملة في محل الحال، وأتردد هل رد عليه الصلاة والسلام بلسانه على السلام (فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه) بفتح المعجمة أي: أقول هل حركهما ناطقاً (برد السلام) عليّ كما هو قضية صفحه وعفوه، والانزجار يحصل بعدوله عن الجهر بذلك إلى الإسرار (أم لا) لقضية ما صدر مني من العصيان المقتضي للهجران.

وأم هنا منقطعة بمعنى بل لعدم تقدم الهمزة عليها (ثم أصلي قريباً منه) للنافلة والرواتب (وأسارقه النظر) بالمهملة والقاف: أي: أنظر إليه في خفية. ففيه أن مسارقة النظر في الصلاة وكذا الالتفات لا يبطلها (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي) لما ورد من إقبال المولى سبحانه على المقبل بقلبه وقالبه على مولاهـ والمصطفى متخلق بأخلاقالله. ففيه أن الإقبال على مرضاة الله سبب لقبول أولياء الله (وإذا التفت نحوه) في صلاتي (أعرض عني) إذ الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان كما ورد في الحديث مع ما ينبىء عنه من الغفلة الشاهد بها خبر «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (حتى إذا طال على ذلك) ابتدائية على الصحيح على ما في المغني أو غاية لمقدر: أي استمررت متصابراً حتى إذا طال عليّ ذلك (من) بيانية لذلك (جفوة) بفتح الجيم وسكون الفاء: أي إعراض (المسلمين) ويجوز أن يكون المشار إليه ما تقدم ومن ابتدائية أو تعليلية (مشيت) واستمررت في المشي (حتى تسورت) بتشديد الواو: أي علوت سور (جدار حائط) هو البستان إذا كان عليه دائر بناء.

وفي «الصحاح» : التسوّر النزول من الارتفاع ولا يكون إلا من فوق ويقال: هو الصعود إلى مكان مرتفع اهـ. وفيه جواز دخول الإنسان دار صديقه وقريبه

الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس هناك نحو زوجة مكشوفة (أبي قتادة) بفتح القاف الحارثبن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة الأنصاري (وهو ابن عمي) أي بحائل، كذا قاله الكرماني. ووجهه أنهما يجتمعان في كعببن سلمة، وهو الجد الخامس لكعب والسادس لأبي قتادة وقيل: بل هو ابن عمه حقيقة وأن ربعياً والد أبي قتادة أخو مالك والد كعب (وأحب الناس إليّ) أي أكثرهم محبوبية إليّ لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب (فسلمت عليه فوا ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام كعب وصاحبيه، ففيه عدم رد السلام على نحو المبتدع، وأن السلام كلام فيحنث به من حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو رده عليه وإن كان واجباً عليه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة الصديق والقريب ونحوهما (فقلت له يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك (با) وأصله من النشيد وهو الصوت (هل تعلمني) أي بما تراه من الشواهد والآيات فلا ينافي ما جاء من إنكاره على سعدبن أبي وقاص في قوله: «مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً» فقال: «أو مسلماً» أي: إن الإيمان لكونه قلبياً لا سبيل إلى علمه والجزم به بخلاف الإسلام لتعلقه بالظاهر، ولذا أجابه أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم (أحب الله ورسوله) محبتهما طاعة أمرهما ومنها الإيمان وفعل الطاعات وترك مخالفتهما، وما أحسن ما قيل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

(فسكت) عن الجواب لما تقدم (فعدت) له (فناشدته) أي: نشدته والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) .

قال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بها تكليمه به لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده با، فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده لا ليسمعه، إذ من حلف لا يكلم فلاناً فسأله عن شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يرد ذلك فلا حنث اهـ.

قال القرطبي في «المفهم» : ويحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهى عنه إنما هو المقتضي

للمباسطة وإفادة المعاني لا مثل هذا المقتضى للإبعاد والمنافرة، ألا ترى أنه لم يرد عليه السلام ولا التفت لحديثه اهـ. (ففاضت عيناي) مجاز عقلي من الإسناد للمكان نحو نهر جار، ومعنى فاضت عيناي أي: كثرت دموع عيني (وتوليت) راجعاً من حيث أتيت (حتى تسورت الجدار فبينا) بألف الإشباع، وقيل: هي كافة لبين عن الإضافة كما تقدم، وقيل أصلها بينما بما الكافة فحذفت الميم تخفيفاً (أنا أمشي في سوق المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته، وسميت بذلك لأنها يطاع الله فيها، والدين الطاعة (إذا نبطي) بفتح النون والموحدة: الفلاح، سمي به لأنه يستنبط الماء أي: يستخرجه، وسيأتي فيه زيادة في باب النهي عن تعذيب العبد والدابة (من نبط) بفتح أوليه أي فلاحي (أهل الشأم) بالهمزة الساكنة ويجوز تخفيفها ويقال: شآم بالهمزة بوزن يمان، وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يجوز تذكيره وتأنيثه، سمي بذلك باسم سامبن نوح واسمه بالسريانية شام.

وعن ابن الكلبي: سمي شاماً بشامات له حمر وسود وبيض. وقيل: سمي به لأنه عن شمال الأرض وقيل: غير ذلك، وتقدم أن حده من العريش إلى الفرات طولاً وقيل إلى باياس، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد، نقله المصنف في «التهذيب» عن الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ممن قدم بالطعام) حال كونه (يبيعه بالمدينة) ويصح كونها استئنافاً بيانياً (يقول) يجوز فيه ما في الذي قبله والثاني أقرب (من يدل) بضم المهملة (على كعببن مالك فطفق) أي: أخذ (الناس يشيرون له إليّ، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة آخره نون واسمه جبلةبن الأيهم وقيل: الحارثبن أبي سمرة (وكنت كاتباً) أي قارئاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (فقرأته فإذا فيه: أما بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه (فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك) أي أعرض عنك (ولم

يجعلك الله بدار هوان) أي منقطعاً بدار تهان فيها (ولا) بدار أو حال (مضيعة) بسكون المعجمة ويجوز كسرها مع فتح الميم فيهما: أي في دار أو حال يضاع فيهما حقك: أي فإذا حصل لك ما عرض حلوله بك (فالحق) بفتح المهملة (بنا نواسك) بضم النون وكسر المهملة من المواساة، وحذفت التحتية لأنه في جواب الطلب، وفي بعض نسخ مسلم إثباتها، وهو كما قال المصنف صحيح: أي ونحن نواسيك قطعه عن جواب الأمر (فقلت حين قرأتها) أي: الكتابة المعبر عنها بالكتاب أو التأنيث باعتبار المعنى إذ هو في المعنى صحيفة (وهذه) الواقعة (أيضاً من البلاء) أي: الابتلاء ليترتب عليه ما يليق مما يصدر عنه من رسوخ قدم يحمد عليه أو أمر يوجب الندم (فتيممت) أي قصدت. ولمسلم: فتأممت وهي لغة (بها التنور) أنث الضمير في بها وفي قوله: (فسجرتها) بمهملة وجيم وراء: أي أوقدت الكتاب لما ذكر آنفاً، والتنور الذي يخبز فيه، قال في «النهاية» : يقال: إنه في جميع اللغات كذلك (حتى إذا مضت

أربعون) غاية لمقدر: أي استمررت على ذلك الأمر المذكور من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة ويوماً (من الخمسين واستلبث) أي: أبطأ وجملة استلبث (الوحي) من زيادة مسلم على البخاري (إذا) فجائية (رسول رسول الله) في رواية الواقدي: أنه خزيمةبن ثابت قال: وهو الرسول إلى هلال ومرارة بذلك (يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك) وفي نسخة من التوشيح للحافظ السيوطي: هي عمرة بنت جبيربن صخر اهـ.

وفي نسخة من «تحفة القاري على البخاري» لشيخ الإسلام زكريا: هي عميرة بنت جبيربن صخر اهـ. وفي الأصلين المذكورين تحريف من الناسخ فليحرر. ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أن اسمها: جبرة، ثم رأيته قال في «الفتح» : هي عمرة بنت جبيربن صخربن أمية الأنصارية أمّ أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت عنده يومئذٍ خيرة بالمعجمة ثم التحتانية اهـ. وراجعت «أسد الغابة» لابن الأثير فلم أجد فيه ذكراً لأحد من هؤلاء الثلاثة والله أعلم.

(فقلت) ما المراد من اعتزالها (أطلقها) بضم همزة الاستفهام مقدرة بدليل قوله (أم ماذا) أي ما الذي

(أفعل؟ قال لا) تطلقها (بل اعتزلها) أمر بترك مخالطتها مخالطة الزوجات من الجماع ومقدماته كما فسره بقوله (فلا تقربنها، وأرسل) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلى صاحبيّ) بتشديد ياء المتكلم المدغم فيها ياء المثنى يأمرهما (بمثل ذلك) أي: الاعتزال المفسر بعدم قرب الزوجة (فقلت لامرأتي: الحقي) بهمزة وصل وفتح المهملة بعدها القاف (بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) وقوله: «الحقي بأهلك» من كنايات الطلاق ولكونه لم ينوّه به لم يقع عليه (فجاءت امرأة هلالبن أمية) هي: خولة بنت عاصم قاله الحافظ ابن حجر، وقيل: اسمها عمرة بنت حبةبن صخر الأنصارية قاله ابن عبد البرّ (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له) اللام للتبليغ (يا رسول الله إن هلالبن أمية شيخ) أي: ذو سنّ (ضائع) بالمعجمة وبعد الألف همزة ثم عين مهملة، وفسرته بقولها (ليس له خادم) أي: من يقوم بما يحتاجه من خدمة، يقع على الذكر والأنثى بلفظ واحد ويقال في المؤنث خادمة: ومنه حديث البخاري عن أبي سهل «أن امرأة أبي أسيد كانت خادمتهم في عرسهم» فإنه بالتاء في معظم الأصول (فهل تكره أن أخدمه) بضم المهملة (قال: لا) أي لا أكره أن تخدميه (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من شمول الخدمة للتمتع بها (لا يقربنك) بضم الراء وفتح الموحدة بعدها نون توكيد، كناية عن الجماع (فقالت) لا حاجة إلى منعه من ذلك (إنه) أي الشأن. أو هلالاً (وا) جملة قسمية أتى بها لتأكيد المقال (ما به حركة) .

وفي نسخة: من حركة بزيادة من، والحركات بفتحات: أي داعية تحركه (إلى شيء) من الجماع ومقدماته لما هو فيه من الكرب، ثم الجملة قسمية وجوابها خبر إن، وفي نسخة بتقديم القسم على إن، وعليه فان، واسمها وخبرها جواب القسم (ووا) يحتمل العطف على جملة القسم السابقة ويحتمل الاستئناف (ما زال يبكي) على تخلفه المتسبب عليه ما آل إليه أمره (منذ كان من أمره) أي: شأنه (ما كان) من تخلفه عن الخروج وما ترتب عليه (إلى الآن) حال الإخبار.

وفي نسخة: إلى يومه هذا، وسكتت عما بعده لأنه يحتمل استمراره عليه وتركه له لما يرد عليه مما يقتضي حالاً من تلك الأحوال. قال كعب: (فقال) أي: أشار (لي بعض أهلي) لما

أمرت امرأتي بالذهاب لأهلها قال الحافظ لم أقف على اسمه (لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك) أي: في خدمتها (فقد أذن لامرأة هلالبن أمية أن تخدمه) وقد استشكل هذا بنهيه عن كلام الثلاثة.

وأجيب كلام الثلاثة، وأجيب بأنه يحتمل أنه عبر عن الإشارة بالقول كما أشرت إليه، أو أن النهي كان خاصاً بالرجال والقائل كان امرأة، أو كان هذا الكلام ممن يخدم المنهيّ عن كلامه فلم يدخل في النهي.

قال الحافظ في «الفتح» : لعله بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو أن الذي كلمه كان منافقاً (فقلت لا أستأذن فيها رسول الله) وأشار إلى الفرق بين حاله وحال هلال بقوله: (وما يدريني) بضم التحتية (ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها) أي: من الإذن في ذلك أو المنع منه (وأنا رجل شاب) جملة حالية من فاعل يقول، وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال لكونه رجلاً شاباً، ويحتمل الإشارة به إلى خوف الوقوع معها لو أذن له في مقامها عنده من حدة الشباب فيقع في المحذور، أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه (فلبثت) أي أقمت (بذلك) أي: من ذلك المذكور من إرسال الزوجة (عشر ليال) أي: مع أيامها (فكمل) بتثليث الميم: أي تمّ بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة (خمسون ليلة) ويوماً واقتصر عليها في جميع ما ذكر لأنها الأصل والنهار تابع لها (من) ابتدائية (حين) بفتح النون لإضافته إلى جملة صدرها مبني (نهى) بالبناء للمفعول: أي وقع النهي للمسلمين غير من تقدم (عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح) منصوب على الظرفية: أي في صباح تلك الليلة المكملة (خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا) الظرف الأول حال من فاعل صلى والثاني وصف لبيت (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر) ها (اعنا) أي: عنا أيها الثلاثة وبينها بقوله: (قد ضاقت عليّ نفسي) أي: قلبي من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس ولا سرور (وضاقت عليّ) بتشديد التحتية.

وعند مسلم: وضاقت بي (الأرض بما رحبت) أي برحبها، فما مصدرية، والرحب بضم الراء وسكون

الحاء المهملتين: السعة (إذ سمعت صوت صارخ) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في «التوشيح» .c وفي «الفتح» أنه كذلك عند الواقدي وأن أبا بكر صاح: قد تاب الله على كعب، وحكاه ابن عائذ بلفظ «زعموا» .

قلت: وما في «الصحيح» مقدم عليه وأنه أسلميّ (أوفى) بالفاء أي: صعد وارتفع (على سلع) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة معروف (يقول) جاهراً (بأعلى صوته) من إضافة الصفة إلى الموصوف، وفيه المذهب للبصريين من التأويل والكوفيين من إبقائه على ظاهره (يا كعببن مالك) بنصب «ابن» وفي «كعب» الضم والفتح (أبشر) حذف المفعول لتذهب النفس في طرف السرور كل مسلك (فخررت ساجداً) سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال وبلوغه إلى نعمة البشرى والإقبال. وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولاً بها فيما بينهم (وعرفت) من هذا التبشير (أنه قد جاء فرج فآذن) بالمد والقصر: أي أعلم (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بتوبة الله علينا) أي: بتوفيقه إيانا لها أو بتبرئته إيانا عن غفلة الذنب (حين صلى صلاة الفجر) ظرف لآذن (فذهب الناس يبشروننا) بالتوبة (فذهب قبل) بكسر ففتح: أي جهة (صاحبيّ) بتشديد الياء (مبشرون) .

قال الفربري في «الإقناع» : وخرج سعيدبن زيدبن عمروبن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حماراً، وبشر مرارةبن الربيع سلكانبن سلامة أو سلمةبن سلامةبن وقش فأقبل حتى توافوا، يعني: الثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهـ. (وركض إليّ رجل) هو الزبيربن العوّام.

وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أبا قتادة لأنه كان فارس النبيّ أي جرى جرياً شديداً (فرساً، وسعى ساع من أسلم) هو: حمزةبن عمر الأسلمي (قبلي، وأوفى) بالفاء مقصوراً. أي أشرف وطلع (على الجبل فكان الصوت) أي وصول الصوت المذكور أي صوت الأسلمي المذكور بقرينة مجيئه له وطلبه شيئاً لبشارته (أسرع من) وصول صاحب (الفرس، فلما جاءني) الأسلمي (الذي سمعت صوته

يبشرني) جملة في محل الحال ويجوز كونها مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً يقول فيم سمعت صوته فقال يبشرني (نزعت له ثوبيّ) بتشديد التحتية (فكسوته إياهما ببشارته) ففيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فيغيرها. والخلعة أحسن وهي المعتادة، وفيه كسوة البشير وإن لم يملك غيره، وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها (وا ما أملك غيرهما) أي: من الثياب كما في رواية ابن أبي شيبة: «فوا ما أملك ثوبين غيرهما» فلا ينافي قوله السابق «إن عندي راحلتين» وقوله الآتي: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة» (يومئذٍ) أي وقت كسوتي له (واستعرت ثوبين) زاذ الواقدي، من أبي قتادة (فلبستهما وانطلقت أتأمم) أي أقصد (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجاً) أي: جماعة (فوجاً) أي تلقوني زمرة بعد زمرة وجماعة بعد جماعة (يهنئونني بالتوبة) أي: بقبولها أو بالتوفيق لها (ويقولون لي لتهنك) بكسر النون.

قال الحافظ: وزعم ابن التين شارح البخاري أنه بفتحها قال لأنه من هنىء، وفيه نظر (توبة الله عليك) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة (حتى دخلت المسجد) غاية لمقدر أي فسرت وحالي ما ذكر أي من تهنئة الناس لي إلى أن دخلت المسجد، والأصح أن نصب المسجد لكونه اسم مكان مختص على التوسع (فإذا) فجائية (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس) في المسجد (حوله الناس) الظرف لغو وحوله الناس خير بعد خبر (فقام إليّ طلحةبن عبيد ا) أحد العشرة المبشرة (رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحاً.

قال كعب: (وا ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره) بالرفع صفة رجل، ويجوز نصبه على الحال لتخصيصه بالوصوف بالظرف (فكان كعب لا ينساها) أي تلك الأفعال الجميلة من القيام له والهرولة والمصافحة والتهنئة (لطلحة) .

قال القرطبي: أي إنها أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته

حتى عدها من الأيدي الجسيمة (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال) أي بعد رد السلام (وهو يبرق) بضم الراء: أي يلمع (وجهه) بالأنوار (من) تعليلية أي بسبب (السرور) بقبول الله تعالى توبتهم، ففيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحبور عند ظفر أحد من أمته بنوع من الخيور حال من فاعل قال، ومقول القول (أبشر) بقطع الهمزة (بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه، وقيل: لا استثناء لأن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى يوم إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها (فقلت أ) هذا المبشر به (من عندك يا رسول الله) أي: قلته اجتهاداً لأنك رأيت حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة (أم) هو وحي (من عند ا؟ قال: لا) أي: ليس من عندي (بل من عند الله عز وجل) قال في «الإقناع» بدل قوله «قال لا» قال من عند الله وتلا عليهم الآيات (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سرّ) من أمر (استنار وجهه) أي: زاد نوراً إلى نوره.

وفي «النهاية» : «كان إذا سر فكأن وجهه المرآة وكان الجدر يرى شخصها في وجهه لشدة نوره وصفائه (حتى كأن وجهه قطعة قمر) غاية لما قبله، آثر ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر وتؤذي. ثم تشبيه بعض صفاته بنحو القمر والشمس جرى على عادة الشعراء والعرب في ذلك أو على سبيل التقريب والتمثيل وإلا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه.

قيل: شبه وجهه في هذا الحديث بقطعة من القمر لا بكله مع أن المعهود في التشبيه الثاني لأن القصد الإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرور فناسب أن يشبه ببعض القمر قالت عائشة: «مسروراً تبرق

أسارير وجهه» ولكون مراد كعب رضي الله عنه تشبيه بعض وجهه وهو جبينه إذا سر لم يشبهه بجميع القمر، وجاء في حديث آخر عنه تشبيه وجهه كله بدارة القمر فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا أحسن مما قيل سبب الاقتصار في التشبيه على بعض القمر الاحتزاز عما فيه من السواد، لأن كون وجه التشبيه بالقمر ما فيه من الإضاءة والملاحة لا يخفى على أحد ولا يتوهم من التشبيه خلافه فلا حاجة للاحتراز (وكنا) معشر الصحابة المراقبين لمحاسن ذاته الملاحظين لأحواله (نعرف ذلك) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه كما سبق من قول عائشة: مسوراً تبرق أسارير وجهه.

وفي «البخاري» : «كان يعرف ذلك (منه) وفي نسخة «فيه» والضمير يعود إلى الوجه (فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من) شكر (توبتي) أي: من شكر الله على توبتي أي التوفيق لها وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي (أن أنخلع) أي أخرج (من مالي) أي: من جميعه (صدقة) مفعول له أو مطلق على تقدير أتصدق، أوفى معنى الحال: أي متصدقاً، أو على تضمين أنخلع معنى أتصدق: أي أتصدق متقرباً بها (إلى الله تعالى وإلى رسوله) أعاد الجار للاهتمام وتنبيهاً على أن التقرب إليه مطلوب على سبيل الاستقلال. قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ا} (النساء: ٨٠) ، وقال القرطبي: أي إن على ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرجت مخرج الشكر وابتغاء الثواب وأقرّه عليه النبي فكان ذلك جائزاً ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه، وعلى مقتضى هذا اللفظ قد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً وربما أفضى به إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد، أمره بإمساك البعض كما قال كعب: (فقال رسول الله: أمسك عليك بعض مالك) أي دفعاً لضرر التصدق بكله (فهو خير لك) .

قال القرطبي: البعض المأمور بإمساكه من ماله هو الأكثر والمتصدق به هو الأقل كما قال في حديث سعد: «الثلث والثلث كثير» وفيما ذكره نظر فإنه متوقف على نص يشهد به، ولا دليل في حديث سعد لما ذكره لأن ما فيه إنما هو لمن كان في حال المرض مراعاة لمصلحة الورثة، والقصد هنا دفع ضرر الحاجة والفقر، وهو قد يحصل بإبقاء الأقل من ماله أو الشطر كما وقع من عمر رضي الله تعالى عنه لما تصدق بشطر ماله وأبقى الشطر الآخر لنفسه وأهله، والحديث في مسلم وغيره.

ثم رأيت في «الفتح» للحافظ أن عند أبي داود عن كعب: «إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: لا، قلت: نصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم» ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن الزهري «فقال النبي: ويجزي عنك من ذلك الثلث» اهـ. وهو شاهد للقرطبي.

قال المصنف في «شرح مسلم» : ولا يخالف هذا: أي قوله أمسك عليك بعض مالك تصدق أبي بكر بجميع ماله أي وقبوله له فإنه كان صابراً راضياً اهـ. (فقلت: يا رسول الله إني

أمسك سهمي الذي بخيبر) بفتح المعجمة وسكون التحتية وفتح الموحدة آخره راء مهملة غير مصروف في أكثر الأصول مراداً به البقعة (وقلت يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني) من وصمة إثم التخلف عن المأمور به (بالصدق) أي بإخباري بالخبر المطابق للواقع وإن ترتب ما ترتب (وإن من) شكر أو صدق (توبتي ألا أحدث) أي إنسان حديثاً ما في أي شأن كان (إلا صدقاً ما بقيت) أي مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع. وإلا كأن كان فيه إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب التوبة (فوا ما علمت أحداً من المسلمين) عند مسلم «ما أعلم أحداً» (أبلاه ا) أي: أنعم عليه ومنه قوله تعالى: {وفي ذلكم} (البقرة: ٤٩) - أي الإنجاء من فرعونـ {بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظمى، والبلاء يستعمل أيضاً في الشرّ كما قيل به في الآية بناء على أن المشار إليه ما فعله بهم آل فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء، ولكن إذا أطلق كان غالباً للشر فإذا أريد به الخير قيد كما قال في الحديث: «أحسن مما أبلاني ا» (في) ملازمة (صدق الحديث) مصدر مضاف إلى مفعوله (منذ ذكرت ذلك) الالتزام بملازمة الصدق (لرسول الله) إبلاء (أحسن مما أبلاني الله تعالى) به أي بتيسير الدوام على ذلك والوفاء بالالتزام.

قال الحافظ: فيه وفي قوله الآتي: «فوا ما أنعم» والحديث إلى قوله: «أعظم من صدقي رسول الله» شاهد على أن هذا السياق يورد ويراد به نفي الأفضلية لا المساواة لأن كعباً شاركه في ذلك رفيقاه، وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له وهو كذلك لكنه لم ينف المساواة (وا ما تعمدت كذبة) قال المصنف: بفتح الكاف وكسرها كل ذلك مع إسكان الذال، وفي «المشارق» كذبة بكسر الفاء ويقال: بفتحها وأنكر بعضها الكسر إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وليس هذا موضعها اهـ. وهو في البخاري «كذباً» بحذف الهاء (منذ) أي من حين (قلت ذلك) الالتزام (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا) فيه أن الخطأ

والنسيان المحترز عنهما بالعمد غير مؤاخذ به الإنسان، وهما لا ينقصان الالتزام (وإني لأرجو) من فضله تعالى (أن يحفظني الله تعالى) من الكذب (فيما بقي) لأنه تعالى كريم يستحي أن ينزع السر من أهله، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: ١١) (قال) أي كعب مبيناً للآية التي نزلت فيها التوبة عليه وعلى صاحبيه (فأنزل الله تعالى) على نبيه وهو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الأخير من الليل كما جاء في كتاب «التفسير من صحيح البخاري» {لقد تاب ا} أدام توبته، وهي بالنسبة إلى النبي تشريف مكانته في إعلاء رتبته، لا أنه عن ذنب صدر من حضرته لعصمته.

وقال بعضهم: تاب الله {على النبي} أي تجاوز عنه {والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} بالعين المضمومة والسين الساكنة بعدها راء مهملات أو وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك وكان الرجلان يقتسمان التمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث (حتى بلغ) أي: كعب في قراءته {وكونوا مع الصادقين} أي في الآيات الثلاث، وتمامها قوله تعالى {من بعد ما كاد تزيغ} (التوبة: ١١٧) بالمثناة الفوقية والتحتية: أي تميل وتذهب {قلوب فريق منهم} عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة {ثم تاب عليهم} بالثبات {إنهم بهم رؤوف رحيم} ، وتاب {على الثلاثة الذي خلفوا} (التوبة: ١١٨) عن التوبة عليهم بقرينة {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي مع رحبها وسعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} قلوبهم للغمة والوحشة لتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن لا ملجأ} يلجئون إليه {من

الله إلا إليه} (التوبة: ١١٨) .

قال في «الكشاف» : لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثم تاب عليهم} ألهمهم أسباب التوبة ووفقهم لها «ليتوبوا» / أي ليقبلها، وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم و «ليتوبوا» أي: يداوموا عليها، وفي تفسير سورة البقرة من البيضاوي: أصل التوبة الرجوع فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية إلى الطاعة وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ. {إن اهو التواب} على من تاب أي: يقبل توبته الصحيحة فضلاً منه وهو الرحيم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا} بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} في الأيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.

(قال كعب) صرح بذكره للفصل بين سياق أحواله بذكر الآي القرآنية المنزلة في التوبة (وا ما أنعم الله عليّ من) زائدة للاستغراق (نعمة قط) أي في الزمن الماضي (بعد أن هداني للإسلام) أي دلني عليه وأوصلني له. وفي نسخة: هداني الله (أعظم) وصف لنعمة فتجوز قراءته منصوباً باعتبار محلها لزيادة من، ومجروراً باعتبار لفظها، ويجوز رفعه بتقدير هي أعظم (في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أكون كذبته) كذا في «الصحيحين» عند جميع رواتهما إلا الأصيلي من رواة البخاري فقال: «أن أكون» وليس بشيء، والصواب الأول وتخريجه أن لا زائدة كما قال عياض وتبعه المصنف وغيره، ومعناه: أن أكون كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} (الأعراف: ١٢) اهـ. وهذا بناء على أنه مستأنف عما قبله وأظهر منه ما ذكره الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري المسماة «بتحفة القارىء» من أنه بدل من صدقي: أي أن لا نافية، قال: والمعنى ما أنعم الله عليّ نعمة هي أعظم من عدم كذبي فعدم هلاكي اهـ. وكذبته بفتح الذال المخففة: أي قلت له قولاً كذباً (فأهلك) بالنصب عطف على منصوب أن، وأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور، وحكي فتحها وهو شاذ وضعيف (كما هلك الذين كذبوا) أي: هلاكاً كهلاك الذين كذبوا الله القول في إدعاء الإيمان من المنافقين فالمفعول الثاني محذوف.

قال الراغب في «مفرداته» : يقال كذبته حديثاً، ومنهـ كذبوا الله ورسولهـ أي: القول الذي قاله فيتعدى إلى مفعولين نحو صدق في قوله تعالى:

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا} (التوبة: ٩٥) اهـ (فإن الله تعالى قال للذين كذبوا) أي: عنهم (حين أنزل) على النبي (الوحي شرّ ما قال) أيّ: قول، قال: ويجوز أن يكون موصولاً اسمياً (لأحد) أي: عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله: (فقال ا) تبارك و {تعالى سيحلفون با لكم إذا انقلبتم} رجعتم {إليهم لتعرضوا عنهم} بترك المعاتبة {فأعرضوا عنهم} فأعطوهم طلبتهم {إنهم رجس} قذر لخبث باطنهم فلا يؤثر فيهم العقاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها والاستغفار {ومأواهم جهنم} يعني تكفيهم النار عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم ( {جزاء بما كانوا يكسبون بحلفون} ) أي: با ( {لكم لترضوا عنهم} ) أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم ( {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين} ) أي: عنهم، وأتى بالظاهر موضعه نداء عليهم بسوء وصفهم المقتضي لعدم رضاه عنهم: أي ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخطالله، بل يكونون عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، في «الكشاف» قيل: إنما قيل لهم ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضاء الله عنهم (قال كعب: كنا خلفنا) بالبناء للمجهول، أخص (أيخا الثلاثة) بتأخير أمرنا وبيان شأننا فلم يقض فينا بشيء (عن أمر أولئك) المعتذرين (الذين) كذبوا الله ورسوله و (قبل منهم رسول الله) عذرهم في التخلف (حين حلفوا له) إنهم صادقون فيما اعتذروا به (فبايعهم) أي: عاقدهم على الإسلام وعاهدهم عنيه (واستغفر لهم) أي بنحو: غفر الله لكم (وأرجأ) أخر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا) فلم يقض فيه بشيء (حتى قضى الله تعالى) أي: أبرز ما سبق قضاؤه (فيه) وأنزل فيه الآية فـ (بذلك) أي: فعن ذلك التخليف (قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ) هو معنى ما

تقدم في تفسير الآية من قولنا خلفوا عن التوبة: أي

عن قبولها حالاً كما قبلت المعذرين وأرجأ أمر هؤلاء الثلاثة (وليس الذي ذكر) بالبناء للمجهول (مما خلفنا) أي: من تخليفنا المخبر عنه بقوله: «خلفوا» (تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا) عمن قبله من أولئك المعتذورين (وإرجاؤه) تأخيره (أمرنا) أي: بيانه وإيضاحه (عن) أي: عن أمر (من حلف له واعتذر إليه) من المعذين (فقبل منه) أفرد الضمير باعتبار لفظ من (متفق عليه) أي: رواه الشيخان وإن وقع بينهما اختلاف يسير في زيادة كلمة أو نقصها أو تقديم أو تأخير، وكذا أخرج الحديث أبو داود والترمذي والنسائي كما في «جامع الأصول» في كتاب الجهاد.

(وفي رواية: أن النبيّ خرج) من المدينة (في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحبّ أن يخرج) لسفره (يوم الخميس) في «الصحيحين» من حديث كعب «قلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلا يوم الخميس» ورواه النسائي.

(وفي رواية) للبخاري من حديث كعب (كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً) ونهى عن طروق المسافر أهله ليلاً ما لم يشع خبر قدومه كأن كان في قفل ووصلوا لقرب البلد نهاراً وعلم ذلك الخبر لأهل البلد فلا بأس بالقدوم ليلاً حينئذٍ (في الضحى) لأنه أطيب ما في النهار لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء: وخروج الناس للاجتماع واللقاء، وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا ويلهو بإخوانه عن إصلاح شأنه (فإذا قدم) بكسر الدال (بدأ بالمسجد) قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً لشعائر الله تعالى، وتقديماً لحق الله تعالى على حق نفسه وأهله، وشكراً لنعمته عليه بسلامته من وعثاء السفر (فصل فيه ركعتين) تحية (ثم جلس فيه) ليسلم عليه الناس.

وفي الحديث فوائد أربعون بل أكثر: منها إباحة الغنيمة لهذه الأمة إذ قال يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، وردّ الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، وترك من تاب الزوجة، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أوّلاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام/ وجواز دخول بستان صديقه بدون إذنه، وأن الكناية لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه إذ كعب لم يستأذن في خدمته امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة البشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية: وجواز العارية، ومصافحة القادم، والقيام، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.

٢٢١٠ - (وعن أبي نجيد) بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية آخره دال مهملة، كنى باسم ابنه نجيد (عمران) بكسر العين المهملة (ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وإسكان التحتية بعدها نون ابن عبيدبن خلفبن عبدنهمبن حذيفةبن جهيمة بن عاضرةبن حبيشةبن كعببن عمرو، كذا قاله ابن منده وأبو نعيم. وقال أبو عمر: عبدنهمبن سالمبن عاضرة (الخزاعي) الكعبي (رضي الله عنهما) أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوات، وبعثه عمربن الخطاب رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها. قال محمدبن سيرين: لم نر في البصرة أحداً من أصحاب النبيّ يفضل على عمرانبن الحصين، وكان مجاب الدعوة ولم يشهد الفتنة. وروى له عن النبي مائة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة: وكان تسلم عليه الملائكة في مرضه فاكتوى ففقد ذلك ثم عادت إليه، وكان به استسقاء طال به سنين وهو صابر عليه وشق بطنه وأخذ منه شحم وشق له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، ودخل

عليه رجل فقال، يا أبا نجيد وا إنه ليمنعي من عبادتك ما أرى بك، فقال: يا أخي فلا تجلس فوا إن أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى، توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن امرأة من جهينة) وفي رواية أخرى لمسلم «جاءت امرأة من غامد» بغين معجمة وميم ودال مهملة.

قال المصنف: وهي بطن من جهينة. وقال الحافظ وليّ الدين العراقي في «مبهماته» : اسمها خولة بنت خويلد وفيها نزلت آية الظهار. وفي كلام بعضهم أن آية الظهار نزلت في خولة بنت ثعلبه انتهى ملخصاً. وقال ابن النحوي في «البدر المنير» : اسم الغامدية سبيعة، وقيل أبية بنت فرج، حكاهما الخطيب في «مبهماته» . وعدها أبو موسى الأصفهاني في الصحابة (أتت رسول الله: وهي حبلى من الزنى) من تعليلية ويصح كونه ابتدائية (فقالت: يا رسول الله أصبت حدا) أي: ما يلزم به الحد فيكون مجازاً مرسلاً (فأقمه عليّ) أي: لأطهر من تبعته في الآخرة. وفي مسلم أيضاً في حديث الغامدية «قالت طهرني» قال المصنف: فيه دليل على أن الحدّ يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عبادةبن الصامت، وهو قوله: «ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته» ولا نعلم فيه خلافاً، وإنما لم تقنع بالتوبة مع أنها محصلة لغرضها من سقوط الإثم، بل اختارت الرجم لأن حصول البراءة به وسقوط الإثم متيقن على حال، لاسيما وإقامته الحدّ بأمره. وأما التوبة فتخشى ألا تكون نصوحاً أو يختل بعض شروطها فأرادت حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يطرقه الاحتمال انتهى ملخصاً (فدعا نبيّ الله) عبر عنها بنبيّ الله أولاً برسول الله تفننا في التعبير (وليها فقال: أحسن إليها) أمره بذلك خوفاً عليها من أن تحمل أقاربها الغيرة ولحوق العار بهم على أن يؤذوها، ورحمة لها إذ تابت ولحملها، فحرص عليها معها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن ذلك كله لذلك (فإذا وضعت) حملها (فائتنى بها) ففيه تأخير حدّ الزنى عن الحامل إلى أن تضع وتسقيه اللِّبَأ لئلا يموت الجنين وهو مجمع عليه. واختلف في اعتبار استغنائه عنها بلبن غيرها فالجمهور على اعتباره، فإن كان حدها الجلد لم تجلد حتى تضع بالإجماع (ففعل) أي: ما أمره به (فأمر بها نبيّ الله) أي: بأن

تهيأ للرجم لأنها كانت محصنة (فشدت عليها ثيابها) بالدال المهملة كذا في نسخ الرياض.

قال المصنف في «شرح مسلم» : فشكت عليها ثيابها، كذا هو في معظم النسخ «فشكت» وفي بعضها/ «فشدت» بالدال بدل الكاف وهو بمعنى الأول اهـ. ولم يذكر عياض في مشارقه

غير الكاف قال: أي جمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان اهـ. وقيل معناه: أرسلت عليها ثيابها، والشك الاتصال واللصوق، وإنما فعلت ذلك لئلا ينكشف ثوبها في تقلبها وتكرر اضطرابها (ثم) بعد أن شدت ثيابها (أمر بها فرجمت) في عدم تعرضه لحضوره دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لا يلزم الشهود إذا ثبت بشهادتهم. وقال أبو حنيفة وأحمد، يحضر الإمام مطلقاً ويبدأ بالرجم إن ثبت بالإقرار وجاء عند النسائي: أنه رجم الغامدية ورماها بحجر. قالا: وتحضر للشهود إن ثبت بشهادتهم ويبدءون بالرجم (ثم) بعد غسلها وتكفينها (صلى) النبي (عليها) فيه دليل لمذهب الشافعي وآخرين من أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وما قيل من أن ذكر صلاته ضعيف لكون أكثر الرواة لم يذكرها، أو من إن صلى فيه مؤول بأنه أمر بها، أو أنه أريد به المعنى الغوي: أي دعا ففاسد، لأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة، والتأويل خلاف الأصل لا يصار إليه إليه إلا إذا اضطرت الأدلة لارتكابه وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره (فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟) أي: أتصلي وهو استكشاف لحكمة صلاته عليها مع أنه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار (فقال) مبديا لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه فإنه نظر إلى ما صدر منها من الفعل القبيح وهو الزنى وغفل عما ختمت به أمرها وهو التوبة النصوح فنبهه بقوله: (لقد تابت توبة) صحيحة نصوحا (لو قسمت) بكمالها (بين سبعين) عاصياً (من أهل المدينة) أي: المنافقين

الذين بها: أي لو تاب المنافقون الذين بها يومئذٍ توبة صحيحة من نفاقهم كتوبتها (لوسعتهم) أي: لكفتهم في رفع آثامهم، فإذا رفعت ذنب الكفر فما دونه أولى، ولعل هذا حكمة قوله من أهل المدينة. قال في «البدر المنير» : وعند الطبراني «لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (وهل وجدت) شيئاً تبذله في مرضاة الله (أفضل) أي: أعظم (من أن جادت بنفسها) ببذلها () أي: لمرضاته (عزّ وجلّ. رواه مسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي الحديث بيان عظم التوبة وأنها تحبّ

الذثبّ وتلحقي التائب بمن لم يقترب شيئاً من الذنب، وتكون سبباً لحوزه أنواع الفضل.

٢٣١١ - (وعن ابن عباس وأنسبن مالك) تقدمت ترجمتهما في باب الإخلاص (رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو) ثبت (أن لابن آدم وادياً) مملوءاً (من ذهب أحبّ) وفي نسخة: لأحبّ: أي من حرصه الذي هو طبعه (أن يكون له واديان) أي: آخران كما هو الأنسب بحرصه، ويحتمل أن يراد واديان بما كان له أو لا فيكون المطلوب وادياً آخر. والأول أظهر (ولن يملأ جوفه إلا التراب) أي: إنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره، وهذا حكم غالب النوع الإنساني الحرص على الدنيا، أما من لطف به وحفظ من ذلك ابتداء أو بالتوبة منه فمستثنى كما قال (ويتوب الله على من تاب) أي: إن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات (متفق عليه) وفي «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي بعد ذكر الحديث بنحوه أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس وأحمد، والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن الزبير، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، والبزار عن بريدة. وأخرج أحمد وابن حيان عن جابر مرفوعاً «لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم لتمنى مثله حتى يتمنى أودية، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» اهـ. وفي «الديباج» للحافظ السيوطي: ورد في حديث أن الحديث المذكور كان في آخر سورة «لم يكن» فأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أُبيّبن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} (البينة: ١) ، فال فرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» اهـ.

٢٤١٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يضحك الله سبحانه إلى رجلين) قال القاضي عياض: الضحك في حقه تعالى: - لاستحالة قيام حقيقته بذاته سبحانه لكون من أوصاف الحادث - مجاز عن الرضى بفعلهما والثواب عليه، وحمد فعلهما ومحبته وتلقي رسله له بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره بمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد ضحك الملائكة الذين يوجهون لقبض روحهما وإدخالهما الجنة كما يقال قتل السلطان فلاناً: أي أمر به اهـ. (يقتل أحدهما) أي: الواحد منهما (الآخر) أي: صاحبه (ثم يدخلان الجنة) ثم بين ذلك الإجمال بقوله: (يقاتل هذا) يعني المسلم (في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (فيقتل) أي: يقتله كافر (ثم) للترتيب في الإخبار، أو يراد بها مجرد الترتيب من غير اعتبار انضمام التراخي إليه، فلا يعتبر تراخي إسلام الكافر عن قتله ذلك المسلم بل يحصل بإسلامه عقبه (يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد) عطف الفعلين بالفاء إشارة إلى حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ إذ لا مانع لما أراد سبحانه، وإلى أنه لا يمكث بعد إسلامه زمناً يقترف فيه شيئاً من موبقات الذنوب بل عقب إسلامه استشهد فعمل قليلاً وحاز خيراً جليلاً ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في دخول الجنة تساويهما في المنزلة، فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب الأعمال (متفق عليه) . وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن اهو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثرة عدده إذا قوبل

بفضل الله وعفوه كان حقيراً يسيراً/ قال تعالى: {إن ربك واسع المغفرة} (النجم: ٣٢) قال الأبوصيري:

يا نفس لا تقنطى من زلة عظمت

إن الكبائر في الغفران كاللمم

٣ - باب الصبر

أي: هذا باب بيان فضائل الصبر من الآيات والأحاديث. قال الراغب في «مفرداته» : الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، أو على العبد عما يقتضيان حبسها عنه اهـ. وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات والسكوت من تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى عند حلول الفقر بساحة المعيشة. قال الراغب: وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبراً لا غير ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الهذر، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً، قال تعالى: {اصبروا وصابروا} أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا هواكم اهـ.

(قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} ) على الطاعات والمصائب وعن المعاصي (وصابروا) الكفار، أي: غالبوهم بالصبر فلا يكونوا أشد منكم (ورابطوا) أي: أقيموا على الجهاد. وفي تفسير الكواشي: قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» قال أبو سلمة: لم يكن في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.

(وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون} ) على الطاعة وما يبتلون به، وترك ذكر الفاعل

للعلم به سبحانه (أجرهم بغير حساب) أي: بغير مكيال ولا وزن. قال أبو عثمان المغربي: لا جزاء فوق جزاء الصبر. قال الكواشي في «التفسير الكبير» : المراد كل صابر على ترك أهل ووطن وعلى كل مكروه يعرض له لأجلالله. قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلا الصابرون فإنه يحثى لهم حثياً.

(وقال تعالى: {ولمن صبر} ) فلم ينتصر لنفسه بعد ظلمها ( {وغفر} ) تجاوز عن ظالمه ( {إن ذلك} ) المذكور من الصبر والغفر ( {لمن عزم الأمور} ) أي: منه فحذف للعلم به كحذفه من قولهم: السمن منوان بدرهم، والمعنى: من الأمور التي أمر الله تعالى بها. وقال بعضهم: الصبر على المكاره من علامات الأنبياء، فمن صبر على مكروه أو مصيبة ولم يجزع أورثة الله حالة الرضى، وهي من أجلّ الأحوال، ومن جزع من المصائب وشكا وكله الله إلى نفسه ولم تنفعه شكواه.

(وقال تعالى: {واستعينوا} ) أي: اطلبوا المعونة على أموركم (بالصبر) أي: الحبس للنفس على ما تكره (والصلاة) أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث «كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة» وقيل الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسه أمروا بالصبر وهو مصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر.

(وقال تعالى: {ولنبلونكم} ) اللام فيه مؤذنة بقسم قلبه، أي وا لنختبرنكم بأن نأمركم

بالجهاد ومشاق الدين فيظهر لنا منكم الطائع والعاصي (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) المراد بالعلم هنا لازمه من الوجود، والمعنى حتى نتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره/ أو حتى نعلم علم ظهور.

(والآيات) القرآنية (في الأمر بالصبر، و) في (بيان فضله كثيرة) اهتماماً بشأنه (معروفة) .

٢٥١ - (وعن أبي مالك الحارثبن عاصم) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه، وقيل: كعب ابن عاصم وقيل كعببن كعب، وقيل عبيد، وقيل عبيد الله، وقيل عمرو. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «أمالي الأذكار» : التحقيق أن أبا مالك الأشعري ثلاثة: الحارثبن الحارث وكعبابن عاصم وهما مشهوران باسمهما. والثالث هو المختلف في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته وهو راوي الحديث اهـ (الأشعري) نسبة إلى الأشعر: قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبتبن أددبن زيدبن يشجب، وقيل: له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قدم أبو مالك (رضي الله عنه) مع الأشعريين على النبي ويعد في «الشاميين» ، توفي في خلاقة عمر بالطاعون، وطعن هو ومعاذ وأبو عبيدة وشرحبيل ابن عتبة في يوم أحد، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة وعشرون حديثاً روى عنه مسلم حديثين: هذا الحديث وبدأ به كتاب الطهارة من صحيحه، وحديث «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» وروى له البخاري على الشك فقال: عن أبي مالك أو أبي عامر، وروى عنه أصحاب السنن الأربع (قال: قال رسول الله: الطهور) قال المصنف: بالضم على المختار وهو قول الأكثر اهـ. والمراد به بالضم الفعل: وبالفتح الاسم، كالسحور بالفتح اسم لما يتسحر به. وقال الخليل والأزهري: بالفتح فيهما، بل أنكر الخليل الضم، وحكى صاحب «المطالع» الضم فيهما. وقال القرطبي: إنما روي بالفتح إما على قول الخليل أو على تقدير مضاف: أي استعمال الطهور. واشتقاقه من الطهارة، وهي لغة النظافة حسية كانت أو معنوية. قال جماعة من أهل اللغة: هي حقيقة في الصورية مجاز في المعنوية، وقيل يمكن أن يقال: إنها حقيقة في القدر المشترك لرجحانه على المجاز والاشتراك. وشرعاً: فعل ما يترتب عليه إباحة أو ثواب مجرد (شطر) أي نصف

(الإيمان) أن ينتهي تضعيف أجره إلى نصف أجر الإيمان فالمراد بالإيمان حقيقته. واعترض بأن الصلاة أفضل من الوضوء ولم يرد فيها ذلك. وأجيب

بالتزامه وإن لم يرد، ومفهوم الاسم ضعيف، وقيل: المراد من الإيمان الصلاة مثل (

{وما كان الله ليضيع إيمانكم} ) (البقرة: ١٤٣) وهي لا تصح إلا بطهر فكان كالشطر، ورجحه المصنف بأنه أقرب الأقوال، وأيده بعض محققي المتأخرين. وأجاب عما اعترض به عليه بكلام ذكرته في «شرح الأذكار» (والحمد) أي: هذه الجملة بخصوصها لأنها أفضل صيغ الحمد، ولذا بدىء بها الكتاب الغزيز أو هي وما يؤدي مؤداها من الثناء على الله سبحانه وتعالى بصفات كماله، ورجح بعضهم الأخير (تملأ) بالفوقية: أي هذه الكلمة بالمعنى اللغوي أو الجملة لو جسمت، أو بالتحتية: أي يملأ هذا المبنى وكذا ما أفاد مفاده لو كان جسماً (الميزان) باعتبار ثواب التلفظ بذلك مع استحضار معناه: أي الثناء على الله بالجميل الاختياري والإذعان له، والميزان المراد منه حقيقته أي ما توزن به الأعمال: إما بأن تجسم أو توزن صحائفها فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة؛ وإنما ملأ ثواب هذه الجملة كفة الميزان مع سعتها المفرطة لأن معاني الباقيات الصالحات في ضمنها، ذكره العلائي في الجزء الذي ألفه في شرح هذا الحديث ولذلك قال رضي الله عنه: لو شئت أن أوقر بعيراً منها لفعلت، وذلك لأن الثناء تارة يكون بإثبات الكمال/ وتارة بنفي النقص، وتارة بالاعتراف بالعجز عن الإدراك، وتارة بالتفرد بأعلى المراتب، والألف واللام في الحمد لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه، وإنما يستحق الإلهية من اتصف بذلك، فاندرج الجميع تحت الحمد، ذكره العلائي في أثناء كلام له (وسبحان ا) منصوب على المصدر، وقيل: اسم مصدر. وقال الزمخشري، هو علم على التسبيح وانتصب بفعل مضمر: أي أسبحه سبحان ثم نزل منزلة الفعل فسد مسده اهـ وظاهره أنه علم أضيف أو قطع عنها وأن إضافته للبيان لا للتعريف كزيد الخيل، وهذا ظاهر قول الأخفش إنه معرفة وضع لهذا المعنى، ولذا امتنع صرفه للعملية وزيادة الألف والنون،

والمحققون على أن تعريفه بالإضافة. والتسبيح تنزيه الله عن السوء والنقائص وتبعيده منها (والحمد) معطوف على ما قبله: أي هاتان الكلمتان (تملآن) بالفوقية «أو» شك من الراوي «يملأ» بالتحتية: أي المذكور منهما أو

أجرهما قيل: ويحتمل أن يراد أحدهما فيكون المشكوك فيه أنهما معاً يملآن ما بين السموات والأرض أو أحدهما، أو بالفوقية، أي الكلمة الشاملة لهما. وقال العاقولي في «شرح المصابيح» : يروى بالمثناة الفوقية (ما بين) طبقات (السموات) السبع، وفي السلاح «السماء» بالإفراد وعزاه لمسلم، وكأنه باعتبار أصله، وإلا فالذي عندي بأصل مصحح «السموات» بالجمع وكذا هو في الكتب الحديثية (والأرض) أفرده، والمراد به الجمع: أي الأرضون ولعل ذلك لأن طباق الأرض متلاصقة لاخلاء بينها بخلاف طباق السموات» .

قال البيضاوي في «التفسير» إنما جمع السموات وأفرد الأرض لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة في الحقيقة، بخلاف الأرضين اهـ وإنما ملأ ثواب ما ذكر ما بين المذكورات التي لا يحيط بسعتها إلا خالقها سبحانه لأن العالم كله شاهد بأن اهو خالقه والقائم بتدبيره، وبأنه لا يجوز أن يكون له فيه شريك ولا معين، وبأنه واجب الإتصاف بصفات الكمال منزه عن مشابهة المحدثات إذ الأهلية إنما تتم بذلك. قيل: وإلى هذه الشهادة يشير قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء: ٤٤) فسبحان اللَّه والحمد يتضمنان إثبات الرب والواحد وجميع صفات الجلال والكمال له ونفي جميع النقائص عنه، فكأنه قائلها شاهد بذلك، وعلى جميع العالم بأنه مربوب مخلوق في قهره وتدبيره لا منعم عليه ولا قادر ولا مالك بالحقيقة سواه، فله من الأجر بقدر ما شهد به من الحق فملأ أجرهما ما بين السموات والأرض، نقله العلائي عن ابن برجان في الكلام على لا إله إلاالله.

قال العلائي: ويصح نقله إلى هنا (والصلاة) سيأتي معناها لغة وشرعاً إن شاء الله تعالى (نور) أي: محسوس: أي إن الصلاة نفسها تضيء لصاحبها في ظلمات الموقف بين يديه، ولم يجيء في فعل متعبد به أنه نور في نفسه سوى الصلاة، فالظاهر أن هذا النور خاص بها، وأصرح منه ما لأحمد بسند صالح عن ابن عمر، قال: «من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، وكان مع قارون وفرعون وهامان وأبيّبن خلف» وقيل: النور أجرها لا هي فتكون على تقدير مضاف، وقيل نور ظاهر على وجه المؤمن يوم القيامة، فالمراد بها: أي بسببها يعلو النور وجه المؤمن، فالإسناد مجازي من

الإسناد للسبب. وقيل: النور معنوي لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب، فتصد عن المهالك وتوصل إلى طريق السلامة كما يستضاء بالنور. وقيل: نور القلب بسببها لاشتمالها على ما لم يجتمع في غيرها من أعمال القلوب والألسن والجوارح فرضاً ونفلاً، فالصلاة الكاملة يحصل بها من النور الإلهي في القلب ما لا يعبر عنه. قيل: ويمكن حمل النور على جميع ما تقدم من حقيقة اللفظ ومجازه على قاعدة الشافعي (والصدقة برهان) أي: حجة على إيمان مؤديها، وقيل: على أنه لبس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، وقيل: على حبه ورسوله فإنه آثر رضاهما على المال الذي جبل على حبه، وقيل: برهان له يوم القيامة إذا سئل عن ماله فيم أنفقه؟ يقول تصدقت به وقال صاحب «التحرير» : يجوز أن المتصدق يوسم يوم القيامة بسيمى يعرف بها فتكون برهاناً له على حال ولا يسأل عن مصرف ماله، وأيد بحديث أبي داود عن عقبةبن عامر مرفوعاً «كل امرىء في ظلّ صدقته يوم القيامة حتى يقضي بين الناس» فيكون هذا الظل برهاناً على صدق إيمانه أو على إخلاصه (والصبر ضياء) قيل: المراد هنا بالصبر الأعم من الصبر على طاعة الله وعن معصيته

وعلى المكاره ومنه الصوم، وقيل: المراد به صبر خاص وهو الصوم ورجحه صاحب «مطالع الأنوار» بأنه صرح به في رواية ورجحه غيره باقترانه بالصلاة والصدقة فكشفها وبين خصوصياتها وأن من استجمعها حصل له نور في (بياض) انتشر له ضياء وهو من الإضاءة انتشار النور، وهذا أكمل أحوال النور قال تعالى:

{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} (يونس: ٥) وقال القرطبي، إن فسر الصبر بالصوم فالضياء النور وإن اختلف لفظهما. وإن فسر بالأعمّ فهو إضاءة عواقب الأحوال وحسنها في المآل اهـ.

قال الفاكهاني، ولم أر من فرق بين الضياء والنور، وقد فسر صاحب الصحاح النور بالضياء والضياء بالنور وردّ بأن كون الضياء هو النور، لأنه خصوصية في النور وزائد عليه وأبلغ منه. قال والحاصل أن النور الحادث قد يخلق كامل الضياء كالشمس ودون ذلك كالقمر، وإنما سوّى القرطبي بينهما لئلا يلزم تفضيل الصوم على الصلاة، وليس بلازم لأن مناط الفضل ليس منحصراً بل له أسباب كثيرة واعتبارات متنوعة، فيكون المفضول فاضلاً في وقت وبالعكس اهـ (وللقرآن) أي:

كلام الله المنزل على حبيبه بقصد الإعجاز المتعبد بتلاوته (حجة لك) إن امتثلث أوامره واجتنبت نواهيه فتحتج به في المواقف التي تسأل فيها عنه كمسائل الملكين في القبر وكالمسألة عند الميزان وعند الصراط (أو) حجة (عليك) إن لم تمتثل أوامره ولم تجتنب نواهيه، وقيل: حجة لك في الدنيا وعلى المطالب الشرعية والأحكام، أو حجة عليك لخصمك المحق، فالمرجع إليه عند التنازع، وهو دال على اتباع السنة وهي على حجية القياس والكتاب والسنة دالان على حجية الإجماع فصار القرآن مرجع جميع الأحكام لكن بواسطة تارة، وبغيرها أخرى.

قال الفاكهاني: والأول أظهر. وقال العلائي: والآثار شاهدة به، ثم ساق أحاديث: منها للبيهقي بسند غريب عن جابر مرفوعاً «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعلة خلفه ساقه إلى النار» ومنها عن أبي أمامة مرفوعاً «أقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة. قال العلائي بعد إيراده حملة من الأحاديث: ورجح الزملكاني القول بذلك لهذه الآثار/ والحمل على مقتضى القولين أولى تكثيراً للفائدة. ثم لما بين فضل هذه القربات ورغب فيها وكان إعمال النفس لها يقتضي سعياً أتبع ذلك بأن أحداً لا يترك نفسه هملاً باطلة بل لا بد له من عمل يغدو له فقال: (كل الناس يغدو) أي: يبكر في مصالحه (فبائع نفسه) من الله (فمعتقها) من العذاب، وناهيك بها صفة اغتنام، إذ كان الثمن فيها دار السلام، والنظر إلى وجه الملك العلام. قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة: ١١١) الآية.

وهؤلاء سعوا في خلاص نفوسهم وتوجهوا بقلبهم إلى ربهم وطلب ما عنده (أو) بائع نفسه لغير ربه من هواه أو الشيطان، فهو (موبقها) أي: مهلكها بالطرد عن ساحة الرضوان، وبالبعد والحرمان، نعوذ با من سخطه وأليم عقابه، ويحتمل أن يكون المراد ببائع مشتر: أي كلهم يسعى، فمنهم من يشتري نفسه بالأعمال الصالحة فيعتقها من العذاب، ومنهم من يعرضها للعذاب باكتساب المآثم فيوبقها. ورجح بأن نفسه ليست ملكه فيبيعها بل مملوكة مرتهنة بأعمالها حتى يخلصها. واختار القاضي عياض حمله على المعنيين: أي: من اشتراها بالأعمال الصالحة أعتقها، ومن باعها في الأعمال السيئة أوبقها، كما قيل في {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} (البقرة: ١٠٢) وهذا على قاعدة الشافعي في حمل

المشترك على معنييه، ورد كل جملة إلى معنى، وهو نوع من الإيجاز بديع عند أرباب البيان لخصت معظم ما ذكرته في هذا الحديث من شرحه فقط للعلامة العلائي (رواه مسلم) ورواه أحمد والدارمي في «مسنده» وأبو عوانة في «صحيحه» والترمذي في «الدعوات» من جامعه، وقال إنه حسن صحيح، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وسها ابن عساكر وتبعه المزي فأغفلا في أطرافهما عن عزو هذا الحديث للترمذي، وأخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» . ووقع في رواية أبي سلام عن أبي مالك الأشعري اختلاف. فمن ذكرناهم رووه عنه أبي مالك بلا واسطة، ورواه ابن ماجه وآخرون عنه عن عبد الرحمنبن غنم عن أبي مالك.

قال الحافظ السخاوي في «تخريج الأربعين» للمصنف بعد كلام طويل نقله في ذلك عن شيخه الحافظ: وبالجملة فالطريق الأولى: أعني كون أبي سلام سمعه من كل منهما، وكون الصحابي في الطريقين واحداً أولى.

٢٦٢ - (وعن أبي سعيد سعدبن مالكبن سنان الخدري رضي الله عنه) الأولى عنهما لما سبق في ترجمته في باب التوبة من أنه وأباه كانا صحابيين (أن ناساً) في «تفسير البيضاوي» أصله أناس لقولهم إنسان وإنس وأناسي، فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذا لا يكاد يجمع بينهما، مأخوذ من أنس بوزن فرح لأنهم يستأنسون بأمثالهم، أو من آنس لأنهم ظاهرون مبصرون اهـ. وقيل: مقلوب نسي، وقيل مأخوذ من ناس ينوس إذا اضطرب وتحرك. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن النسائي روي عن أبي سعيد ما يدل على أنه منهم، وذلك أنه قال: «سرحتني أمي إلى النبي، يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه ا» الحديث. وزاد فيه «من سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت:

ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله» اهـ (من الأنصار) بفتح الهمزة اسم إسلامي علم بالغلبة على أولاد الأوس والخزرج سموا به لنصرتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (سألوا رسول الله) حذف المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض به (فأعطاهم) أي: عقب سؤالهم ولم يتوان لما جبل عليه من مكارم الأخلاق والسماحة (ثم سألوه فأعطاهم) فتكرر منهم السؤال مرتين ومنه الإعطاء عقب كل مرة (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة، ففي الصحاح نفد الشيء ينفد نفاداً: فنى (ما عنده) أي: ذهب بالإنفاق جميع ما عنده (فقال) عقب نفاده تنفيراً لهم من الاستكثار مما زاد على الحاجة من الدنيا، وتحريضاً على القناعة، وحثاً على الاستعفاف. واللام في (لهم) هي لام المبالغة (حين أنفق) هو مختص بإخراج الشيء في الخير (كل شيء) معدّ للإنفاق كائن (بيده: ما يكن) كذا هو بالجزم فيما وقفت عليه من نسخ مصححة من الرياض وهو كذلك في أصل مصحح عندي من «صحيح مسلم» فتكون ما شرطية، وفي البخاري «ما يكون» بالرفع، قال الشيخ زكريا: فما موصول متضمن معنى الشرط، وجوابه على الوجهين قوله:

«فلن أدخره» (عندي من) بيانية (خير فلن أدخره) بتشديد الدال المهملة، وجاء إعجامها مدغماً وغير مدغم، وأصله ادتخر فقلبت التاء دالاً على اللغة الأولى وذالاً على اللغة الثانية، والمعنى: لا أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً (عنكم) أو فلا أخبؤه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفك الإدغام فالفعل مجزوم بالسكون لفظاً: أي من طلب العفة عن سؤال الناس والاستشراف إلى ما في أيديهم (يعفه ا) أي: يرزقه العفة فيصير عفيفاً قنوعاً. وفي «النهاية» : وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء، يقال عفّ يعف عفة فهو عفيف، وهو بفتح الفاء لأنها أخف الحركات، أو بكسرها لأنها اوصل في التخلص من التقاء الساكنين (ومن يستغن) أي: يظهر الغناء بالتعفف عما في أيدي الناس (يغنه ا) أي: يجعله غنيّ النفس ولا غناء لا غناؤها (ومن يتصبر) أي: يتكلف الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا بأن يتجرّع مرارة ذلك ولا يشكو لغير مولاه (يصبره ا) أي: يعطه من حقائق الصبر الموصلة للرضى ما يهوّن عليه كل مشق ومكدّر؛ ولشرف مقام الصبر وعلوه، لأنه جامع لمكارم الأخلاق ومعالي الصفات فلا ينال شيئاً منها إلا من تحلى به، عقبه بقوله: (وما أعطي أحد عطاء) مفعول ثان لأعطى: أي ما أعطي أحد من

خلق ولا مقام (خيراً) كذا هو بالنصب في النسخ، وفي البخاري: هو خير، وفي مسلم: خير، بحذف هو في رواية، وفي رواية بنصب خير (وأوسع من الصبر) .

قال الشيخ زكريا: خيراً هنا ليس بأفعل تفضيل بل هو كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقرّاً} (الفرقان: ٢٤) اهـ. ومعنى كونه أوسع: أن به تتسع المعارف والمشاهد والمقاصد. فإن قلت: مقام الرضى أفضل منه كما صرحوا به. قلت: هو غايته لأنه لا يعتد به إلا معه فليس أجنبياً عنه، إذ الصبر من غير رضى مقام ناقص جداً (متفق عليه) وكذا أخرجه أصحاب «السنن الأربع» ، وزاد رزين «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه» وهذه الزيادة أخرجها مسلم والترمذي من رواية عمروبن العاص كذا في «التيسير» للديبع.

٢٧٣ - (وعن أبي يحيى صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة فموحدة (ابن سنان) بكسر المهملة ونونين بينهما ألف ابن مالكبن عمروبن عقيلبن عامربن جندلةبن جذيمةبن كعببن سعدبن أسلمبن أوس مناةبن النمربن قاسطبن هنساءبن أفصىبن دعمى ابن جديلةبن أسدبن ربيعةبن نزار الربعي النمري. كذا نسبه الكلبي وأبو نعيم، وصدّر به ابن الأثير في «أسد الغابة» ثم حكى في نسبه قولين آخرين. كناه بأبي يحيى، وإنما قيل له الرومي لأن الروم سبوه صغيراً فابتاعه منهم كلبي، ثم قدموا به مكة فشراه عبد الله ابن جدعان منهم فأعتقه وأقام معه إلى أن هلك عبد الله. وقيل: إنه هرب من الروم لما كبر وعقل فقدم مكة وحالف ابن جدعان، ولما بعث النبيّ أسلم، وكان من السابقين إلى الإسلام. قال الواقدي: أسلم هو وعمار في يوم واحد وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا، وقدم المدينة مع عليّبن أبي طالب في النصف من ربيع الأول، والنبيّ في قباء لم يرم: أي لم يبرح من مكانه بعد، وآخى النبيّ بينه وبين الحارثبن الصمة، شهد المشاهد كلها مع النبي. وعن أنس مرفوعاً «السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق

فارس، وبلال سابق الحبش «وكان عمر محباً لصهيب حسن الظن به، حتى إنه لما ضرب أوصى أن يصلي عليه صهيب وأن يصلي بالمسلمين حتى يتفق أهل الثوري على شخص، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون حديثاً، أخرج له مسلم ثلاثة أحاديث، ولم يخرّج له البخاري شيئاً. توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين ودفن بالمدينة (رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: عجباً) مفعول مطلق: أي أعجب عجباً وتعجب ابن آدم من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه كما في «النهاية» (لأمر المؤمن) أي: الكامل، وهو العالم با الراضي بأحكامه العامل على تصديق موعوده (إن أمره) أي: شأنه (كله) بالنصب

تأكيد، وبالرفع مبتدأ خبره (له خير) والجملة خبر إن (وليس ذلك) الخبر في كل شأن (لأحد إلا المؤمن) الكامل، ووضع الظاهر موضع المضمر دفعاً للوهم وليشعر بالعلية: أي إن إيمانه الكامل سبب خيريته في كل حال (إن أصابته سرّاء) بفتح السين وتشديد الراء المهملتين: أي ما يسرّه (شكر) أي: عرف قدر نعمة مولاه فشكره (فكان) شكره (خيراً له) من السراء التي نالها لكونه ثواباً أخرويا (وإن أصابته ضرّاء) أي: ما يضرّه في بدنه أو ما يتعلق به من أهل أو ولد أو مال (صبر) واحتسب ذلك عند الله رجاء ثوابه ورضي به نظراً لكونه فعل مولاه الذي هو أرحم به (فكان) صبره في الضراء (خيراً له) لأنه حصل له بذلك خير الدارين، أما غير كامل الإيمان فإنه يتضجر ويتسخط من المصيبة فيجتمع عليه نصبها ووزر سخطه، ولا يعرف للنعمة قدرها فلا يقوم بحقها ولا يشكرها، فتنقلب النعمة في حقه نقمة وينعكس عليه الحال، نعوذ با من النقصان بعد الزيادة، ومن الحور بعد الكور (رواه مسلم) وكذا رواه الإمام أحمد من حديث صهيب أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

٢٨٤ - (وعن أنس رضي الله عنه) تقدمت ترجمته (قال: لما ثقل النبيّ) بضم القاف من شدة المرض، ورواه الديبع في «التيسير» بلفظ «لما احتضر» بالبناء للمجهول من الاختصار، لكن في أصله «جامع الأصول» كما هنا، ولعل ما عند الديبع لفظ النسائي (جعل) من أفعال الشروع (يتغشاه) أي: يغشاه (الكرب) على وزن الضرب، أي: الشدة من سكرات الموت لعلو درجته وشرف رتبته. وفي الحديث «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وقد أفرد بعض العارفين في هذا المعنى مؤلفاً سماه (القول الأجلّ، في حكمة كرب المصطقى عند حلول الأجل) وقد أوردته بجملته في «شرح الأذكار» (فقالت فاطمة رضي الله عنها: وا) للندبة (كرب أبتاه) قالته لما رأته حل به فتألم قلبها وباح بما فيه لسانها مع كمال صبرها ورضاها يفعل ربها/ ومثل ذلك لا يقدح في الكمال.

ففي الحديث «العين تدمع، والقلب يجزع، ولا نقول إلا ما يرضي الرّب» وهذا محمول على أنها لم ترفع صوتها بذلك، وإلا لكان ينهاها، ثم عند النسائي عن ثابت بدل «واكرب أبتاه» واكرباه، والأوّل أصوب لقوله في نفس الخبر (فقال) أي: النبي (ليس على أبيك) أي: بالمظهر إيماء إلى أن سبب صدور ما تقدم من السيدة فاطمة هو البعضية، وكونه أصلاً لها (كرب بعد اليوم) أي: لا يصيبه نصب ولا وصب يجد له ألماً بعد اليوم لأنه ينتقل من دار الأكدار إلى دار الآخرة والسلامة الدائمة، إلى ما لا يعلم بأدناه من العطايا السنية والمراتب العلية فضلاً عن أعلاه، إلا من منحه وأولاه، وقد ورد «لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه» فكيف بسيد السادات. فقد انتقل لمحل قرة عينه وراحة نفسه ودوام أنسه (فلما مات قالت) فاطمة (يا) حرف ندبة (أبتاه) بإسكان الهاء وأصله يا أبي فأبدلت الفوقية من التحتية لأنهما من الحروف الزوائد، والألف هي التي تلحق آخر الاسم عند الندبة وكذا الهاء وتسمى هاء السكت لحقت آخر المندوب للموقف عليها، ورأيته بضم الهاء في نسخ الرياض ولم يظهر لي وجهه لأن الهاء تلحق المندوب إلا في الوقف وهي فيه ساكنة وتحذف وصلاً، فالظاهر أن

الضبط المذكور من بعض الكتاب (أجاب رباً دعاه إلى لقاه يا أبتاه من) أي: الذي، وحكى الطيبي عن نسخة من المصابيح كسر الميم على أنها حرف جر، والأول أولى، وفي نسخة من الرياض حذف من (جنة الفردوس) مبتدأ. والفردوس بستان يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات، قيل: وهي رومية معربة، كذا في «تحفة القارىء» . وفي «الجامع الصغير» حديث «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سرّ الجنة» رواه الطبراني عن العرباض مرفوعاً.l والسرّ بالضم: الوسط، بمعنى الخيار لما في حديث آخر عند البخاري في كتاب الجهاد «إنه وسط الجنة، وإنه أعلى الجنة، وإن سقفه عرش الرحمن» وخبر المبتدإ قوله: (مأواه) أي: منزله، وعلى كسر الميم فهو مبتدأ خبره الظرف

قبله (يا أبتاه إلى جبريل) بكسر الجيم والراء وإسكان الموحدة والتحتية بعدها لام. وهو اسم عبراني، قيل: معناه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله. وفي جبريل أحد عشر لغة ذكرتها في أوائل «شرح الأذكار» . والظرف متعلق بقوله: (ننعاه) أي: نرفع خبره إليه لأن الإنسان يذكر ما ينزل به من الأحوال لأصحابه على وجه الإخبار عما نزل. ولا يضر في الكمال إذا لم يكن فيه تسخط من القدر الإلهي ولا تجزع بحال.

قال العلقمي نقلاً عن الحافظ: زاد الطبراني في هذا الحديث «يا أبتاه من ربه ما أدناه» . ويأخذ من الحديث جواز التوجع للميت عند احتضاره مثل قول فاطمة «واكرب أبتاه» وأنه ليس من النياحة، لأنه أقرها على ذلك. وأما قولها بعد أن قبض «وا أبتاه» إلخ، فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفاً بها لا يمنع ذكره بها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهراً وهو في الباطن بخلاف ذلك، أو لا يتحقق اتصافه بها فيدخل المنع اهـ. (فلما دفن) بالبناء للمجهول (قالت فاطمة رضي الله عنها) جملة دعائية مستأنفة، وعبر عنه بالماضي تفاؤلاً بتحققه، وأعاد ذكرها لطول الكلام بينه وبين ذكرها أو لا،. ونظيره قوله تعالى: {أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون} (المؤمنون: ٣٥) (يا أنس أطابت أنفسكم) وعند الديبع: كيف طابت أنفسكم (أن تحثوا) أي: بأن تحثوا (على) قبر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب) قال الحافظ: أشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك لأنه يدل على خلاف ما عرفته فيهم من رقة قلوبهم وشدة محبتهم له، وسكت أنس عن جوابها

رعاية لها، ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا أنا قهرنا على فعله امتثالاً لأمره اهـ. وروي أنها أنشدت:

ماذا على من شم تربة أحمد

ألا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علىّ مصائب لو أنها

صبت على الأيام عدن لياليا

(رواه البخاري) في آخر «المغازي» من صحيحه، وكذا رواه النسائي وابن ماجه في «الجنائز» ، وأخرجه ابن ماجه أيضاً والترمذي في «الشمائل» بلفظ «لما وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة: واكرب أبتاه» الحديث كذا في الأطراف. ومناسبة إيراده في باب الصبر صبره على ما هو فيه من سكرات الموت وشدائده، ورضاه بذلك وتسكين ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: لا كرب على أبيك بعد اليوم: أي: أي فهذا التعب الشديد يحتمل لقصر زمانه، بل هو محبوب لكونه فعل الله سبحانه ولما يترتب عليه من الوصول إلى منازل الأحباب ونزل الكريم التي أعدها لنبيه، فلا يعلم أدناها فضلاً عن أعلاها غير من أولاه إياها.

٢٩٥ - (وعن أبي زيد) وقيل: كنيته أبو محمد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة (أسامة) بضم الهمزة بعدها سين مهملة (ابن زيدبن حارثة) بمهملتين بينهما ألف وبعد الثانية مثلثة ابن شراحيلبن كعببن عبد العزيزبن زيدبن امرىء القيسبن عامربن النعمانبن عامربن عبدودّبن كنانةبن بكربن عوفبن عذرةبن زيد اللاتبن رفيدةبن ثوربن كلب، الكلبي نسباً، الهاشمي ولاء كما قال المصنف (مولى رسول الله) ولاء عتاقة منه على أبيه، وسرى منه لابنه (وحبه وابن حبه) بكسر الحاء فيهما: أي حبيبه. في «الصحاح» الحب: الحبيب مثل خدن وخدين اهـ. روى ابن عبد البرّ أن النبي قال: «إن أسامة لأحبّ الناس إليّ، أو من أحبّ الناس إليّ، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيراً» وفي «أسد الغابة» أن عمر رضي الله عنه لما فرض للعطاء جعل لابنه عبد الله ألفين ولأسامة خمسة آلاف، فقال له في ذلك عبد الله، فقال عمر: فضلته لأنه كان أحبّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، وكان أبوه أحب إليه من أبيك، زاد صاحب «الشفاء» : فقدمت حبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رضي الله عنهما)

الأولى رضي الله عنه لأن حارثة والد زيد صحابي أيضاً. وفي «أسد الغابة» : روى أسامةبن زيدبن حارثة «أن النبي دعا حارثة إلى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» أخرجه ابن منده وأبو نعيم اهـ. وأم أسامة هي بركة الحبشية أم أيمن مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاضنته، فأيمن أخو أسامة لأمه، وأمرّ أسامة على جيش فيهم عمربن الخطاب وأمره بالمسير إلى الشام فلما اشتد المرض بالنبي أوصى أن يسير جيش أسامة، فساروا بعد موته وقول ابن منده: إن النبي أمر أسامة في غزوة مؤتة غلط. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة وثمانية وعشرون حديثاً، أخرج له منها في «الصحيحين» سبعة عشرة حديثاً اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين. توفي بالجرف بعد قتل عثمان وحمل إلى

المدينة. قال أبو عمر: الأصح عندي أنه توفي في سنة أربع وخمسين/ وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين (قال) أسامة (أرسلت بنت رسول الله) هي زينب، عن أبي العاص الربيع، كما قال في مصنف ابن أبي شيبة إليه (أن ابني) الذي استظهره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وقال إنه الصواب أن المراد منه أمامة بنت زينب، كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند الحديث المذكور عند البخاري ولفظه: أتى النبيّ بأمامة بنت زينب. ولا يشكل عليه أن أمامة عاشت بعده حتى تزوجها عليّبن أبي طالب وقتل معها، لأنه ليس في حديث الباب ما يدل على أنها قبضت حينئذٍ.

قال الحافظ ابن حجر: ولعل الله أكرم نبيه لامتثاله لأمر ربه وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته في ذلك الوقت فعاشت تلك المدة، وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوّة اهـ. وعلى كونه صبياً ذكراً فيحتمل أنه ولد زينب، واسمه عليّ، أبو عبد اابن عثمانبن رقية، أو محسنابن عليبن فاطمة. قال الحافظ: وهذا أعني تقدير كونه ذكراً أقرب (قد احتضر) بالبناء للمجهول: أي حضرته مقدمات الموت (فأشهدنا) أي: أحضرنا (فأرسل يقرىء السلام) بضم أوله وهو مهموز والجملة المضارعية حال من فاعل أرسل (ويقول: إن ما أخذ) فلا ينبغي الجزع من أخذه لأن صاحب الحق إذا أخذ حقه لا يجزع منه، وقدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخراً في الواقع اهتماماً بما يقتضيه المقام (وله ما أعطى) يعني أن الله تعالى إذا أعطى عباده شيئاً فلا يخرج بذلك الإعطاء عن ملكه بل هو باق عليه، بخلاف إعطاء المخلوق لمثله. قيل: ويحتمل أن يراد بقوله: «ما أعطى» ما أعطاه من الثواب على المصيبة أو الحياة لمن بقي بعد الموت، أو ما هو أعم

من ذلك، و «ما» في الموضعين مصدرية: أي: الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولاً اسمياً فيكون العائد محذوفاً: أي: ما أخذه وما أعطاه (وكل شيء) بالرفع جملة ابتدائية معطوفة على الجملة قبلها، ويجوز النصب عطفاً على اسم إن فيستحب التأكيد عليه، وقوله كل شيء: أي: من الأخذ والإعطاء أو الأنفس أو ما هو أعم من ذلك (عنده) والراد منه عندية العلم مجازاً للملازمة بينهما (بأجل مسمى) أي: معلوم مقدر فمحال أن يتقدم عليه أو يتأخر عنه. والأجل يطلق على الجزء الأخير، وعلى مجموع العمر (فلتصبر) على مقادير الله (ولتحتسب) أي: تنو بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح (فأرسلت إليه) أي: عقب مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها كما يدل عليه العطف بالفاء التعقيبية (تقسم عليه ليأتينها) جاء في حديث عبد الرحمنبن

عوف: أنها راجعته مرتين وأنه قام في ثالث مرة وكأنها ألحت في ذلك لما ترجوه من دفع ما تجده من الألم عند حضوره بركة حضوره، وقد حقق الله رجاءها، وكان امتناعه أولاً للمبالغة في إظهار التسليم لأمرالله، ولبيان الجواز في أن من دعي لمثل ذلك لا تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة (فقام ومعه سعدبن عبادة ومعاذبن جبل وأُبيّبن كعب وزيدبن ثابت ورجال رضي الله عنهم) الجملة حال من فاعل قام، وجملة رضي الله عنهم مستأنفة، وقد سمي منهم غير من ذكر في غير هذه الرواية: عبادةبن الصامت وأسامة راوي الحديث وعبد الرحمنبن عوف (فرفع) بالراء مبني للمجهول، وفي الكلام حذف دلّ عليه المقام، إذ تقدير الكلام: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها واستأذنوا فأذن لهم فدخلوا فرفع (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبيّ فأقعده) أي: وضعه (في حجره) بفتح الحاء وكسرها وسكون الجيم: الحضن (ونفسه تقعقع) بفتح التاء والقافين/ أي: تضطرب وتتحرّك زاد في رواية للبخاري «كأنها شنّ» وفي لفظ آخر «كأنها في شنة» (ففاضت عيناه) أي: النبيّ، وجاء التصريح في رواية شعبة (فقال سعد) أي: ابن عبادة مستبعداً ما رآه منه

لما يعلمه من عادته من مقاومة المصيبة بالصبر عليها ووقع عند ابن ماجه «فقال عبادةبن الصامت» والصواب ما في «الصحيح» إن ما أخذ بالترجيح وإلا فلا منافاة، لإمكان صدوره من كل منهما (يا رسول الله ما هذا) أي: فيض الدمع، وجاء في رواية «قال سعدبن عبادة أتبكي؟» زاد أبو نعيم في «المستخرج» : «وتنهي عن البكاء» (فقال) (هذه) أي: الدمعة أثر (رحمة جعلها الله في قلوب عباده) أي: بعض عباده بدليل قوله: وفي رواية «قلوب من شاء من عباده» أي: ومثل هذا الفيضان الناشيء عن حزن القلب من غير تعمد من صاحبه ولا استدعاء لا مؤاخذة عليه فيه، إنما النهي عن الجزع وعدم الصبر، أو عما كان مع نوح أو ندب (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) بالنصب على أن «ما» في إنما كافة وبالرفع على

أنها موصولة، والرحماء جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، وقضيته أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة الكاملة، بخلاف من فيه رحمة ما، لكن قضية خبر أبي داود وغيره «الراحمون يرحمهم الرحمن» أنها تشمل كل من فيه رحمة ما، إذا الراحمون جمع راحم، وهذا هو الأوجه، وإنما بولغ في الأول لأن القصد به الرد على من استبعد جواز فيض الدمع، ولأن لفظ الجلالة فيه دلّ على العظمة فناسب فيه التعظيم والمبالغة، ولما كان الرحمن يدل على المبالغة في العفو ذكر مع كل ذي رحمة وإن قلت، قاله ابن الجوفي (متفق عليه) في الديبع بعد إخراج الحديث إلى قوله: «ولتحتسب» ما لفظه أخرجه الخمسة إلا الترمذي (ومعنى تقعقع) بفتح الفوقية والقافين، مضارع حذفت إحدى تاءية تخفيفاً (تتحرك وتضطرب) والقعقعة: حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك.

٣٠٦ - (وعن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية مصغر، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في الحديث الثاني من أحاديث الباب (أن) بفتح الهمزة، هي ومدخولها في

تأويل مصدر مبتدأ خبره الظرف قبله: أي: عن صهيب قول رسولالله، ويجوز الكسر على إضمار القول: أي أروي عن صهيب حال كونه قائلاً إن (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كان ملك) بكسر اللام، أي: ذو ملك بضم الميم (فيمن كان قبلكم) من الأمم السابقة (وكان له ساحر) وعند الترمذي «كان لبعض الملوك كاهن يتكهن له» أي: والروايات يفسر بعضها بعضا (فلما كبر) بكسر الموحدة: أي كبرت سنه، أما كبر بضم الموحدة ففي القدر قال تعالى: {كَبُرَت كلمة} (الكهف: ٥) (قال للملك إني قد كبرت فابعث) أي: أرسل (إليّ غلاماً) زاد في رواية الترمذي «فهماً» أو قال: «فطناً» نعتان. والغلام لغة: الصبي من الفطام إلى البلوغ (أعلمه السحر) جملة مستأنفة جواباً للسؤال المقدر، وهو: ما تفعل به؟ وعند الترمذي «أعلمه علمي فإني أخاف أن أموت وينقطع عنكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه، قال: فنظروا له على ما وصف» (فبعث إليه غلاماً يعلمه) ذكر القرطبي في «التفسير» أنّ الضحاك روى عن ابن عباس كان ملك بنجران وفي رعيته رجل له ابن/ واسم الغلام عبد ابن تامر، ثم ساق القصة بنحو ما عند مسلم (وكان في طريقه) أي: الغلام (إذا سلك) إلى الساحر (راهب) هو المتعبد من النصارى المتخلي من أشغال الدنيا التارك لملاذها بالزهد فيها الصابر على مشاقها المعتزل عن أهلها (فقعد) الغلام (إليه) أي: إلى الراهب (وسمع كلامه فأعجبه) زاد الضحاك في روايته «فدخل في دين الراهب» .

وعند الترمذي «فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب عن معبوده كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال إني أعبد ا» (وكان) الغلام (إذا أتى) أي: أراد أن يصل (إلى الساحر مر بالراهب) لكونه في طريقه (وقعد إليه) لمحبته لنهجه (فإذا أتى الساحر) ووصل إليه (ضربه) وعند الترمذي «أن الكاهن أرسل إلى أهل

الغلام إنه لا يكاد يحضرني» (فشكا ذلك إلى الراهب فقال) أي: الراهب (إذا خشيت الساحر) لتخلفك عندي في الذهاب إليه (فقل حبسني) أي: منعني (أهلي) أي: شغلهم، وجوّز ذلك إن قيل بإسلامه واستقامته، لأنه رأى أن مصلحة تخلفه عنده تزيد على مفسدة تلك الكذبة، فهو نظير الكذب لإصلاح الخصمين، أو أنه من باب الكذب لإنقاذ المحترم من التعدي عليه بالضرب (وإذا خشيت أهلك) لتخلفك عندي في العودة من عند الساحر (فقل حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك) المذكور من التردد بين الرجلين (إذ أتى على دابة عظيمة) عند الترمذي قال بعضهم إن تلك الدابة كانت أسداً (قد حبست الناس) أي: منعتهم من المرور لخوفهم من صولتها (فقال) الغلام (اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟) أي: ينكشف لي ذلك (فأخذ) الغلام (حجراً فقال اللهم إن كان أمر الراهب) أي: ما هو فيه من الشئون والأمور (أحب إليك من أمر) أي: حال وشأن (الساحر فاقتل هذه الدابة) أي: عقب وصول الحجر إليها، ليكون ذلك آية على أحبية الراهب عندك، وقوله: (حتى يمضي الناس) يصح أن يكون غاية مترتبة على السؤال وأن يكون علة له (فرماها) الغلام (فقتلها) بتلك الرمية، وإسناد القتل إليه مجاز عقلي لكونه السبب الصوري في ذلك والفاعل حقيقة هو الله سبحانه وتعالى.

وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء، وإهانة أعداء الله الأغبياء (ومضى الناس) أي: انطلقت ألسنتهم بالثناء عليه بالعلم. وعند الترمذي «ففزع الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد» . ويحتمل أن يكون المراد فمضي الناس في تلك السبيل لزوال المانع من سلوكها (فأتى) الغلام (الراهب فأخبره) فيه وفيما بعده من جهة حكايته له وعدم إنكاره أنه لا بأس بذكر الإنسان مفاخره وحمد الناس له والثناء عليه بحضوره إذا لم يترتب عليه فتنة من نحو عجب (فقال له الراهب أي نبيّ أنت اليوم) المراد منه الحين كما في يومئذٍ (أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى) أي: من كمال اليقين وصدق الاعتقاد، وقوله: «قد بلغ إلخ» كالتعليل لما قبله (وإنك ستبتلى) بالبناء للمجهول، ثم يحتمل أن يكون هذا منه بطريق الكشف فيكون كرامة، أو بطريق الفراسة، أو بطريق العادة والتجربة، إذ من خالف الناس في منهجهم ابتلوه وآذوه (فإن

ابتليت) بالبناء للمجهول، وأتى بحرف الشك ثانياً مع تحقيقه ذلك أوّلاً وتأكيده لأن ذلك بحسب ما قام عنده مما يقتضي وقوع ذلك حتى جزم به وأخبر عما عنده منه، وما هنا باعتبار الواقع وما يبرز في عالم الشهادة: فإن الفراسة قد تخطىء، والتجربة قد تتخلف، والكشف قد يعارض، أو قصد به التخفيف عن الغلام فلا يخاطبه بجملتين تدلان يقيناً على الابتلاء لئلا يصير في الكرب قبل حلول البلاء (فلا تدل) بضم المهملة (عليّ) بتشديد الياء (وكان) أي: صار (الغلام يبرىء الأكمه) أي: يحصل البرء عقب علاجه فالإسناد إليه مجاز عقلي، والأكمه بفتح الهمزة وسكون الكاف: هو الذي ولد أعمى (والأبرص) أي: من وقع به البرص داء معروف (ويداوي الناس من سائر) أي: جميع (الأدواء) أي: الأمراض والأسقام جمع داء والجملة معطوفة على «يبرىء» الخ، عطف عام على خاص، وخصا بالذكر لأنهما داءا إعياء (فسمع) أي: به وهي ثابتة في الحديث في نسخة مصححة من التيسير للدبيع غير أني لم أر ذلك في أصله

«جامع الأصول» فلعله من الكتاب (جليس للملك كان قد عمي فأتاه) أي: فأتى الجليس الغلام (بهدايا كثيرة، فقال) الجليس (ما) أي: الذي (هاهنا) أي: في هذا المكان من الهدايا كائن (لك أجمع) تأكيداً لما أو للضمير المنتقل للظرف المستقرّ، وما مبتدأ خبره لك، وهاهنا صلة الموصول، ورواه الديبع بلفظ «هي لك» ولعل نسخته من مسلم كانت كذلك (إن أنت شفيتني) أي: إن شفيتني أنت لا غيرك كما يؤذن به المقام، فإن شرطية وفعل الشرط محذوف ولما حذف انفصل الضمير المتصل به، وقوله: «شفيتني» تفسير لفعل الشرط المحذوف وجواب الشرط محذوف لدلالة سابق الكلام عليه، أي: إن شفيتني فلك جميع ما هاهنا (فقال) الغلام (إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى) بفتح حرف المضارعة فيهما، والجملة الثانية مؤكدة لمضمون ما قبلها: أي إذا كان لا يشفي أحد إلا الله فلا أشفي أحداً، إذ لا شفاء إلا شفاؤه سبحانه وحذف المفعول من يشفي لعدم تعلق الغرض به نحو: زيد يعطي ويمنع، لبيان أنه يقع منه هذان الصنفان من غير تعرض لبيان المعطي والممنوع، أو للتعميم (فإن آمنت با دعوت الله فشفاك) من عماك الحسي كما شفاك بالإيمان من عماك المعنوي (فآمن) أي: الجليس (با تعالى) عقب قول

الغلام لسبق العناية به، وليترتب عليه ما سبق ترتبه عليه في علم الله سبحانه (فشفاه ا) أي: حصل له الشفاء الموعود بترتبه على الإيمان ليزداد يقينه.

وزاد الترمذي «أنه أخذ عليه العهد إن رجع إليه بصره أن يؤمن بالذي رده عليه، فقال نعم، فدعا الله تعالى فردّ عليه بصره؛ فآمن الأعمى» وما في «الصحيح» مقدم على ما في غيره عند التعارض (فأتى) الجليس (الملك) بكسر اللام (فجلس) مفضياً (إليه) جلوساً (كما كان يجلس) أي: إن جلوسه بعد شفائه مماثل لجلوسه قبل حلول دائه (فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك) أي: إدراكك للمبصرات (قال ربي) أي: ردّه ربي، أو ربي ردّه، فالأول مراعاة للخبر، والثاني للمبتدإ (قال) يعني الملك (أو لك ربّ غيري؟) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري قبل العاطف: أي أو لك ربّ غيري (قال) يعني الجليس (ربي) أي: مالكي ومربيّ بألطافه (وربك) كذلك (ا) خبر عن قوله ربي، لأن المختلف فيه بينهما تعيينه ففيه قصر قلب (فأخذه فلم يزل) الملك (يعذبه) بتشديد الذال والتضعيف: إما باعتبار أنواع العذاب، أو باعتبار شدته وغلظه، ليدل على من علمه ما هو فيه (حتى) غائية (دل على الغلام فجيء بالغلام) أي: فأمر بالغلام فجيء به، وضع الظاهر موضع المضمر دفعاً لإيهامه أن المراد فأتي بالجليس (فقال له الملك أي بُنيّ) بضم الموحدة وفتح النون وكسر التحتية المشددة ويجوز فتحها أصله «بنيو» اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت في مثلها ثم أضيف للياء فاجتمعت ثلاثة ياءات فحذفت الثالثة تخفيفاً؛ وكسرت الثانية في لغة للدلالة على المحذوفة/ وفتحت وسكنت في أخرى تخفيفاً، قاله على سبيل التلطف به أو على ما جرت به العادة من مخاطبة الكبير للصغير (قد بلغ من سحرك ما) موصول اسمي أو نكرة موصوفة (تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل) كناية عن كثرة تصرفاته ومزيد أعماله، وفي نسخة: وتفعل ما تفعل (فقال: إني لا أشفي أحداً) رد لما يفهم من كلام الملك حيث نسب إليه إبراء المريض دون الله عز وجل، ثم أثبت الغلام ذلك وحده بقوله: (إنما يشفي الله تعالى) فهو قصر قلب وما كافة وإنما أداة

حصر على الصحيح كما تقرر في

«الأصول» (فأخذه) أي: أخذ الملك الصبيّ (فلم يزل يعذبه) ليدل على من علمه ما هو فيه (حتى) غائبة أي كان غاية تعذيبه أن (دله على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك) حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض، ودينه هو ما دل عليه كلامه وصرح به من عبادة الله عزّ وجلّ (فأبى) أي: امتنع أشد

الامتناع (فدعي بالمئشار) بالهمزة في رواية الأكثرين وهو الأفصح ويجوز تخفيف الهمزة وقلبها ياء، وروي «بالمنشار» بالنون لغتان صحيحتان، إذ يقال أشرت الخشبة ونشرتها (فوضع المنشار) بالبناء للمجهول (في مفرق رأسه) بكسر الراء: وسطه (فشقه حتى وقع شقه) على الأرض (ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى) أي: امتنع أشد امتناع (فوضع المئشار) بالهمزة وبالنون (في مفرق) بفتح الميم وكسر الراء: أي مكان فرق الشعر (رأسه فشقه) مستعيناً (به) أي: المنشار، واستمرّ يشقه (حتى وقع شقاه) بكسر الشين المعجمة: أي: جانباه على الأرض (ثم جيء بالغلام) ولعل تأخيره حتى يرى ما فعل بصاحبه فيرجع عما هو عليه (فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر) بفتح أوليه اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة: ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه (من أصحابه) أي: الملك: أي أتباعه وخدمه أو من أصحاب الغلام، ويؤيده قوله فيما يأتي: ما فعل أصحابك فقصد به زجرهم عن أن يقعوا فيما تسبب عنه عذابه (فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا) من ألفاظ الكنايات يكنى بها عن المجهول وعما لا يراد التصريح به قاله في «النهاية» (فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه) فاتركوه، بدليل (وإلا فاطرحوه) أي: وإلا يرجع فاطرحوه، فحذف فعل الشرط لدلالة سابق الكلام عليه (فذهبوا به فصعدوا) بكسر العين المهملة (به) أي: جعلوه صاعداً أو صعدوا بسببه أو معه (الجبل فقال) الغلام (اللهم اكفنيهم بما

شئت) أي: بمشيئتك، فما مصدرية أو

موصولة، أي: بالذي شئت من أنواع الكفاية إما بإهلاكهم أو بغيره (فرجف) بفتح أوليه الراء فالجيم: أي تحرك واضطرب (بهم الجبل) فسقطوا أي: بسبب اضطرابه: وفيه نصر من توكل على الله سبحانه وانتصر به وخرج عن حول نفسه وقواها (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه آية الله تعالى بنصر أهل دينه لينكشف عن قلبه حجب الغواية فيرجع إلى الإيمان (فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى) وحاق سوء فعلهم بهم (فدفعه إلى نفر) آخرين (من أصحابه، فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور) في النهاية هي السفينة العظيمة وجمعها قراقير (وتوسطوا به البحر) أي: ليبعد الغور فيتعذر الخلاص (فإن رجع عن دينه) فاتركوه (وإلا) أي: وإلا يرجع عنه (فاقذفوه) بكسر الذال المعجمة، أي: ارموه بقوّة (فذهبوا به) حتى بلغوا وسط البحر (فقال) الغلام (اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة) أي: انقلبت بهم (فغرقوا) يحتمل أنه كان معهم في القرقور فنجاته دونهم آية وهذا هو الأقرب/ ويحتمل أنه كان في قرقور آخر فغرق قرقورهم ونجا ما كان هو فيه (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه الآيات الكبرى المرّة بعد الأخرى ليبصر ضياء الإيمان، ولكن لا تبصر أعين العميان (فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فقال) الغلام (للملك: إنك لست بقاتلي) أي: في أي حال من الأحوال كما يقتضيه تأكيد النفي بزيادة الباء في الخبر (حتى تفعل) أي: إلا في حال أن تفعل (ما آمرك به، قال) الملك (ما هو) أي: أيّ شيء الأمر الذي تأمرني به (قال أن تجمع الناس في صعيد واحد) أي: أرض واحدة ومقام واحد (وتصلبني) بضم اللام من الصلب وهو تعليق الإنسان للقتل، وقيل: شد صلبه على خشبة، كذا في «مفردات الراغب» (على جذع) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: أي عود من أعواد النخل

وجمعه جذوع (ثم خذ سهماً من كنانتي) بكسر الكاف وبنونين بينهما ألف: بيت السهام (ثم ضع السهم في كبد) بفتح

فكسر، أو بفتح، أو كسر مع سكون للثاني فيهما: أي وسط (القوس ثم قل) أتى بثم لتفاوت منزلة ما بعدها وما قبلها، وهي قد تستعار لذلك كما في «الكشاف» في قوله تعالى:

{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} (البقرة: ١٩٩) وإلا فمقتضى المقام الإتيان بالفاء، لأن ذلك الذكر مطلوب منه عقب وضع السهم في كبد القوس بلا مهلة (باسم ا) .

قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الكتاب إنها تكتب في هذا وأمثاله بإثبات الألف بعد الموحدة. قال: وإنما تحذف إذا كانت البسملة بجملتها لكثرته كذلك فخفف بحذفها (ربّ الغلام) تمم به الغلام لئلا يوهم الملك الحاضرين أن الغلام أراد بقوله باسم الله معبود ذلك الملك أو الملك وإن كان لفظ الجلالة لم يسم به غير الله تعالى، ونظيره ما حكي عن السحرة {قالوا آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهرون} (الأعراف: ١٢١ - ١٢٢) وإلا فالجلالة أعرف الأسماء ومتعلق الأوصاف الحسنى (ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك) المذكور (قتلتني) إسناد القتل إليه مجاز عقلي: أتيت بما جعله الله سبباً لقتلي، وقصد الغلام من هذا الكلام إفشاء توحيد الله تعالى بين الناس وإظهار أن لا مؤثر في شيء سواه، ولم يفطن الملك لذلك لفرط غباوته (فجمع) الملك (الناس في صعيد) مقام (واحد وصلبه) الضمير المستكن يعود للملك والبارز للغلام (على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته) أي: كنانة الغلام (ثم وضع السهم في كبد) وتر (القوس، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام) أي: أرميه لأقتله (ثم رماه فوقع السهم في صدغه) بضم الصاد وسكون الدال المهملتين: هو ما بين العين إلى شحمة الأذن (فوضع) الغلام (يده في) أي على (صدغه) لتألمه من السهم (فمات، فقال الناس) لما رأوا الآية العظمى الشاهدة تعالى بالوحدانية وأنه الفاعل المختار ولا فاعل سواه وأنه هو الإله (آمنا برب الغلام، فأتى) بصيغة المجهول (الملك) أي: حين وقع

فيما حذر منه من توحيد الله تعالى والإيمان به (فقيل له

أرأيت) بفتح التاء: أي أخبرني (ما كنت تحذر) ما مبتدأ والجملة صلته والعائد محذوف أي تحذيره، والخبر (قد وا نزل بك حذرُك) أو ما كنت تحذر منه من إيمان الناس وقع بك، والفضل بين قد ومدخولها بالقسم للتأكيد والاهتمام الذي يقتضيه المقام (قد آمن الناس) تفسير للذي كان يحذر منه (فأمر) بالبناء للفاعل: أي الملك أو بالبناء للمفعول (بالأخدود) بضم الهمزة والدال المهملة الأولى وسكون المعجمة بينهما واو وبين الدالين (بأفواه السكك) الأفواه جمع فوه/ والسكك بكسر أوله المهمل وفتح ثانيه جمع سكة: وهي الطرق، والمراد من أفواهها أبوابها (فخدت) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة أي شقت الأخاديد (وأضرم) بالبناء للمجهول (فيها) أي: في الأخدود (النيران) جمع نار (وقال) أي: الملك (من لم يرجع عن دينه) أي: الإيمان الذي صار إليه (فأقحموه) بهمزة القطع: أي ألقوه كرهاً (فيها أو) شك من الراوي (قيل له) أي: لمن لم يرجع عن دينه (اقتحم) أي: النار فالمفعول محذوف، والمراد أنه شك هل أمرهم بإلقاء من أبى، أو بأمره أن يلقى نفسه فيها (ففعلوا) أي: ما أمروا به من الأخدود وما بعده، واستمروا كذلك (حتى جاءت امرأة ومعها صبيّ لها) أي: في غير أوان الكلام كما أشار إليه المصنف، وزاد أنه كان سنه أكبر من سن صاحب المهد وإن كان صغيراً.

قلت: جاء في رواية عند أبي قتيبة: أنه كان ابن سبعة أشهر، ولم يذكره صاحب «الابتهاج» .

وفي «المعراج» : ذكر ابن المشاطة وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم. وقال غيره: وقد تكلم في الصغر جماعة وبلغ عدّه لهم عشرة. ولا ينافي خبر «الصحيحين» لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة وذكر عيسى وصاحب جريج وابن المرأة التي مر عليها بامرأة يقال لها: زنت، لاحتمال أنه قاله قبل أن يعلم الزيادة، أو أن المراد من بني إسرائيل، وقد نظم الحافظ جلال الدين السيوطي أسماءهم فقال:

تكلم في المهد النبيّ محمد

ويحيى وعيسى والخليل ومريم

ومبري جريج ثم شاهد يوسف

وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم

وطفل عليه مر بالأمة التي

يقال لها تزني ولا تتكلم

وماشطة في عهد فرعون طفلها

وفي زمن الهادي المبارك يختم

قلت: وقد نظمت أسماءهم في أبيات ستأتي إن شاء الله تعالى في باب فضل ضعفة المسلمين (فتقاعست) أي توقفت ولزمت موضعها وكرهت (أن تقع فيها) أي: في النار (فقال لها الغلام) بلسانه (يا أماه) بسكون الهاء وهي الوقف لحقت آخر المندوب المتفجع عليه (اصبري) أي: على هذا العذاب فإنه يئول إلى جزيل الثواب (فإنك على) الدين (الحق) أي: الإيمان، وفي «الكشاف» : وقيل: قال لها قعي ولا تقاعسي، وقيل ما هي إلا غميضة. فصبرت (رواه مسلم) ، وكذا رواه الترمذي، وفيه بعض اختلاف وزيادة ونقص، وقوله في الحديث: (ذروته) أي: (أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها) وجمعها ذرى بضم ففتح (والقرقور بضم القافين) وإسكان الراء المهملة بينهما (نوع من السفن) تقدم عن «النهاية» أنه السفينة العظيمة (وانكفأت) السفينة (أي انقلبت، وتقاعست) بالقاف والعين والسين المهملتين (توقفت وجبنت) عن ولوج الأخدود، وقضية مراعاة سياق الحديث ذكر هذه المادة آخر ما يذكر من غريب الحديث، وقد وجد كذلك في أصل قديم (والصعيد هنا) أي: في قوله: «في صعيد واحد» (الأرض البارزة) ومن هذه المادة قوله في الحديث القدسي «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد» الحديث، وقيده بقوله هنا احترازاً عنه في نحو قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} (النساء: ٤٣) فإن المراد منه التراب (والأخدود) بضم الهمزة (الشقوق) بضم أولِه جمع شق (في الأرض كالنهر الصغير، وأضرم) بالضاد

المعجمة (أوقد) وفي الحديث بيان شرف الصبر، وأنه وإن عظم في الألم وتحمل الشائد فهو سهل في جنب ما أعد لصاحبه من الثواب. وفيه فضل الثبات على الدين وإن عذب بأنواع العذاب كما وقع من بلال في أول الإسلام، وإن كان يجوز في مثل هذه الحالة

الإتيان بألفاظ الكفر مع الإيمان القلبي لعذر الإكراه كما وقع من عماربن ياسر، إلا أن ما وقع من بلال أفضل لما في الحديث: «إن مسيلمة أخذ أسيرين من أصحاب النبي، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله فقال: ما تقول فيّ؟ فقال: وأنت: فأرسله، وقال للآخر ما تقول في محمد؟ فقال: رسولالله، فقال: وما تقول فيّ؟ فقال: لا أدري فلم يزل يسأله وهو يجيبه بذلك حتى قطعه إرباً إرباً، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما أحدهما فقد أخذ برخصةالله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» وأورد الحديث ابن كثير وغيره في تفاسيرهم.

٣١٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: مرّ النبيّ بامرأة تبكي عند قبر) قال في «فتح الباري» : لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم صاحب القبر.

وفي رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها، وصرح به في مرسل يحيىبن أبي كثير عن عبد الرزاق فقال: قد أصيبت بولدها (فقال لها اتقي الله واصبري) .

وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج» «فقال: يا أمة الله اتقي ا» .

قال القرطبي: الظاهر أنها كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى.

قال في «فتح الباري» : ويؤيده أن في مرسل يحيىبن أبي كثير المذكور «فسمع منها ما يكره، فوقف عليها» .

وقال الطيبي: قوله اتقي الله توطئة لقوله: واصبري، كأنه قال لها: خافي غضب الله إن لم تصبري واصبري ليحصل لك الثواب (فقالت إليك) اسم فعل بمعنى تنحّ وأبعد (عني فإنك لم تصب) بالبناء للمجهول (بمصيبتي) .

وفي رواية للبخاري: «فإنك خلو من مصيبتي» وهو بكسر الخاء وسكون اللام. ولمسلم «ما تبالي بمصيبتي» . ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة «أنها قالت: يا عبد الله إني الحراء الثكلى، ولو كنت مصاباً لعذرتني» (ولم تعرفه) جملة حالية أي خاطبته بذلك غير عارفة أنه النبيّ (فقيل لها: إنه النبيّ) .

وفي رواية لأبي يعلى: «فمر بها رجل فقال لها: هل تعرفينه؟ قالت: لا» وللطبراني في

«الأوسط» من طريق عطية عن أنس: أن الذي سألها هو الفضلبن العباس. زاد مسلم في رواية له «فأخذها مثل الموت» أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياء منه ومهابة (فأتت) للاعتذار (باب النبي فلم تجد عنده بوابين) .

قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبي، استشعرت خوفاً وهيبة في نفسها وتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته (فقالت لم أعرفك) في حديث أبي هريرة: «وا ما عرفتك» (فقال) (إنما الصبر) أي الذي يحمد عليه صاحبه كل الحمد ما كان (عند الصدمة الأولى) أو عند مفاجأة المصيبة. بخلاف ما بعدها فإنه على عود الأيام يسلو، قاله الخطابي.

وقال الطيبي: صدر الجواب منه بهذا عن قولها لم أعرفك على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغيرالله، وانظري إلى نفسك في تفويتك الثواب الجزيل بعدم الصبر عند مفاجأة المصيبة.

وقال ابن المنير: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر معتذرة من قولها الصادر عن الحزن، بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال فهو الذي يترتب عليه الثواب: أي كماله اهـ. (متفق عليه) وكذا أخرجه الترمذي والنسائي كما في «أمالي الأذكار» للحافظ ابن حجر، لكن في تيسير الوصول للديبع: أخرجه الخمسة إلا النسائي، يعني: الشيخين وأبا داود والترمذي فليحرر ذلك، (وفي رواية) أي أخرى (لمسلم تبكي على صبيّ لها) وهذه الرواية هي المشار إليها في كلام «فتح الباري» السابق المشعرة بأن صاحب القبر كان ابناً للباكية.

٣٢٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى) هذا من الأحاديث القدسية وهي أكثر من مائة حديث جمعها بعضها في جزء كبير، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن اللفظ المنزل للإعجاز، والقدسي ما أخبر الله به نبيه بالإلهام أو رؤيا المنام أو غيره من كيفيات الوحي، فعبر عنه بعبارته، فلا يكون معجزاً ولا متواتراً

كالقرآن، ولذا لم يثبت له شيء من أحكامه: من حرمة حمله ومسه على المحدث، وقراءته على الجنب، وبيعه في رواية عن أحمد، وكراهته عندنا، وحصول الثواب على كل حرف منه لقارئه بعشر حسنات وغير ذلك. ثم لروايته صيغتان تقدم ذكرهما في باب الإخلاص. وما عبر به في هذه الرواية فهو قريب من العبارة الأولى وهي عبارة السلف التي عبر بها المصنف ثمة، والله أعلم (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت) بفتح الموحدة (صفية) أي: حبيبه لأنه يصافيه وده ويخلصه محبته، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول (من أهل الدنيا) بيان للواقع (ثم احتسبه) بأن يرجو ثوابه ويدخره عند الله تعالى وذلك ينبىء عن الصبر والتسليم (إلا الجنة) أي دخولها مع الناجين، وذلك لا ينافي الورود تحلة القسم (رواه البخاري) في كتاب الرقاق من «صحيحه» .

٣٣٩ــ (وعن عائشة رضي الله عنها) جملة دعائية مستأنفة أو خبرية في محل الحال ونظيره فيهما جملة «» وينبغي أن يراد بهما الأول منهما لإحراز ثواب الدعاء به (أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن) شأن (الطاعون) وحقيقته كما يؤخذ من الأحاديث بثر مؤلم يخرج غالباً في الآباط مع لهب واسوداد حواليه وخفقان القلب والقيء، وهو كما قال الحافظ ابن حجر: أخصّ من الوباء لأنه وخز الجنّ، والوباء المرض العام (فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء) في نسخة من البخاري (على من شاء) أي من كافر أو عاص بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة (وجعله رحمة للمؤمنين) قال الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري: أي غير مرتكبي الكبائر. والتخصيص يحتاج للتوقيف (فليس من عبد يقع في الطاعون) أي به أو في بلده، أو هو من قبيل التجريد نحو: {لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب: ٢١) .

وفي رواية بحذف في (فيمكث في بلده) التي وقع بها الطاعون (صابراً) على

ما نزل به أو ببلده (محتسباً) أي راجياً للأجر والثواب من الله (يعلم أنه لا يصيبه) شيء (إلا ما كتب له) العائد على ما محذوف (إلا كان له مثل أجر الشهيد) وإن مات بغير الطاعون، فإنه حيث كان موصوفاً بما أشار إليه الحديث من قصده ثواب الله ورجائه موعوده، عارفاً أنه لو وقع به فبتقديرالله. وإن صرف عنه فكذلك، وهو غير متضجر لو وقع به معتمداً على ربه في حال صحته وسقمه كان له أجر الشهيد وإن مات بغير الطاعون كما هو ظاهر الحديث، ويؤيده رواية «من مات في الطاعون فهو شهيد» ولم يقل بالطاعون/ وكذا لو وجد من اتصف بهذه الصفات ثم مات بعد انقضاء زمن الطاعون، فإن ظاهر الحديث أنه شهيد، ونية المؤمن أبلغ من عمله، أما من لم يتصف بالصفات المذكورة فإن مفهوم الحديث أنه لا يكون شهيداً وإن مات بالطاعون. ومما يستفاد من هذا الحديث أن الصابر في الطاعون المتصف بالصفات المذكورة يأمن من فتان القبر لأنه نظير المرابطة في سبيلالله، وقد صح ذلك في المرابط كما في حديث مسلم وغيره اهـ ملخصاً من «فتح الباري» (رواه البخاري) وكذا أحمد والنسائي.

٣٤١٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ يقول) جملة حالية عن مفعول سمعت، وأتى بها مضارعة بعد سمع: حكاية للحال الماضية (إن الله عز وجل) أي: عزّ شأنه وجل برهانه، وأتى بهما وإن كانا في المعنى متقاربين لأن مقام الثناء مقام إطناب، وهذا حديث قدسي لأنه روى عن ربه سبحانه أنه (قال) أي: بكلامه النفسي الذي هو صفة ذاته (إذا ابتليت عبدي) أي عاملته معاملة المبتلي: أي المختبر، فإن الابتلاء إنما يكون من الجاهل بعواقب الأحوال وا بكل شيء عليم، وهو يستعمل في الخير والشر (بحبيبتيه فصبر) على فقدهما محتسباً لأجرهما مدخراً له عند الله تعالى (عوّضته منهما) أي بدلهما فهو كقوله تعالى: {أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة} (التوبة: ٣٨) (الجنة) أي: مع الفائزين أو منازل مخصوصة منهما (يريد) أي: النبي بحبيبتيه (عينيه) محضهما بذلك لأنهما أحبّ

أعضاء الإنسان إليه (رواه البخاري) وأخرج الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة» ووجه هذا الجزاء أن فاقدهما حبيس، فالدنيا سجنه حتى يدخل الجنة على ما ورد في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» .

٣٥١١ــ (وعن عطاء) بالمهملتين المفتوحتين والمد (ابن أبي رباح) بالراء المفتوحة وبالموحدة وبالمهملة. وفي «الكاشف» للذهبي: عطاءبن أبي رباح هو أبو محمد القرشي مولاهم المكي أحد الأعلام، روى عن عائشة وأبي هريرة، وعنه الأوزاعي وابن جريج وأبو حنيفة والليث، خرّج عنه الستة أي وغيرهم، عاش ثمانين سنة ومات سنة مائة وأربع عشرة، وقيل: خمس عشرة اهـ. وسأذكر زيادة على هذا في الكلام على ترجمته في «رجال الشمائل» أعانني الله على إتمامه (قال) عطاء (قال لي) اللام لام التبليغ (ابن عباس رضي الله عنهما: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض بدىء بها ليتوجه السامع لما بعدها (أريك امرأة) من الإراءة البصرية ولذا تعدت لمفعول فقط (من أهل الجنة) في محل الصفة لامرأة (فقلت بلى، قال: هذه المرأة السوداء) اسمها: سعيرة بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية الأسدية، وكنيتها: أم زفر بضم الزاي وفتح الفاء والراء آخره (أتت النبي فقالت) مخبرة عما نزل بها من غير تبرم ولا تضجر، لأن البرّ يهدي إلى البرّ، طالبة منه الدعاء برفع دائها (إني أصرع) بضم الهمزة من الصرع: علة معروفة (وإني أتكشف) من التفعل.

وفي نسخة من الانفعال: أي ينكشف بعض بدني من الصرع (فادع الله لي) أي: بردع الصرع الناشىء عنه التكشف (قال إن شئت صبرت) بكسر تاء الخطاب فيهما وصبرت مفعول شاء: أي الصبر على هذا الدعاء محتسبة (ولك الجنة) .

وفي نسخة: «الأجر» ، جملة حالية أفادت فضل الصبر وجواب الشرط محذوف: أي فاصبري،

ويجوز أن تكون صبرت جواب الشرط ومفعول شاء محذوف: أي إن شئت جزيل الأجر صبرت، ومثل هذا الإعراب يجري في قوله: (وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك، فقالت) مختارة للبلاء والصبر عليه لجزيل الثواب المرتب عليه (أصبر) أي على الصرع لأنه يرجع إلى النفس، ولما كان التكشف راجعاً لحق الله تعالى: إذ هي مأمورة بستر جميع البدن لكونه عورة (قالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها) فهي من أهل الجنة بوعد الصادق المصدوق (متفق عليه) .

قيل: أحاديث الباب تشعر أن نفس المصائب لا ثواب فيها إنما الثواب على الصبر عليها والاحتساب، وقد بسطت الكلام على ذلك في باب أذكار المريض من «شرح الأذكار» .

٣٦١٢ــ (وعن أبي عبد الرحمن) كنية (عبد ابن مسعود رضي الله عنه) ابن غافل بمعجمة وفاء ابن حبيب الهذلي. وكان ابن مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارثبن زهرية. أسلم عبد الله قديماً بمكة سادس ستة لما مر به وهو يرعى غنماً لعقبةبن أبي معيط فأراه معجزة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وبيعة الرضوان والمشاهد كلها؛ وصلى للقبلتين، وكان يكرمه ويدنيه ولا يحجبه، وكان مشهوراً بين الصحابة بأنه صاحب سرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وبشره بالجنة وقال: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد» وكان يشبه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هديه وسمته، ولي قضاء الكوفة ومالها في خلافة عمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها، وقيل: بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة، وصلى عليه الزبير ليلاً ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك لكونه كان قد آخى بينهما. روي له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً، أخرجا منها أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين (قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

يحكي نبياً من الأنبياء) جملة حالية أتى بها بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، وبقوله: كأني أنظر إلخ. إشارة لكمال استحضاره لها.

قال مجاهد: وذلك النبيّ المحكيّ هو نوع عليه السلام، لكن تعقبه الحافظ في «الفتح» بأن ظاهر صنيع البخاري إذ أورد الحديث في أحاديث ترجمة ذكر بني إسرائيل أن النبيّ من أنبيائهم فيحمل عليه (صلوات الله وسلامه عليهم) وقوله: (ضربه قومه فأدموه) بيان للمحكيّ، ويحتمل على بعد كونه بياناً للحكاية فتكون الحكاية للفعل: أي أتى بفعل مثل فعل ذلك النبي المحكي فعله، والمحكي به ما وقع له بأحد من شج رأسه وكسر رباعيته (وهو) أي: ذلك النبيّ المحكيّ عنه، أو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وفي هذه الجملة أنواع من الصبر والحكم:

الأول: أنه مسح دمه لئلا يصيب الأرض فيحل بهم البلاء.

الثاني: أنه قابل جهلهم بفضله فدعا لهم بغفران ذنب تلك الجريمة منهم إن كان الدعاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مطلقاً وإلا لآمنوا عن آخرهم إذهو مجاب الدعوة.

الثالث: أنه اعتذر عن سوء فعلهم بعدم علمهم. ولا تنافي بين الدعاء بما ذكر إن كان من نوح، قوله: {لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} (نوح: ٢٦) لإمكان حمل ما في حديث الباب على ما قبل إياسه من إيمانهم وما في الآية على ما بعده (متفق عليه) وينبغي للسالك التحلي بما فيه كما روي أن جندياً ضرب بعض العارفين وهو لا يعرفه/ فقيل إنه فلان، فعاد إليه معتذراً، فقال: إبي أبرأت ذمتك ودعوت لك لما ضربتني، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنك كنت سبباً لدخولي الجنة فلا أكون سبباً لعذابك، فأكب على الشيخ وتاب.

٣٧١٣ - (وعن أبي سعيد) الخدري سعدبن مالكبن سنان (وأبي هريرة) الدوسي عبد الرحمنبن صخر (رضي الله عنهما) حال كونهما راويين (عن النبي قال:) بيان

للمرويّ (ما يصيب) بضم أوله (المسلم) حقيقة، وخص لأن الثواب الأخروي خاص به وهو مفعول الفعل (من نصب) بفتحتين: التعب، ومن صلة، ونصب فاعله (ولا وصب) بفتحتين: وجع دائم، خاص بعد عام، لما في الوجع كذلك من الشدة المؤدية إلى التضجر والسخر بالقضاء المحبط للثواب أو الإسلام والعياذ با، أو تأكيد بعطف مترادفات أو قريبة من الترادف اهتماماً بهذا المقام الخطير، ليكون العلم بعظم الثواب مانعاً من الوقوع في ورطة خطر الضجر (ولا همّ ولا حزن) فرق بينهما بأن الأول للمستقبل والثاني للماضي، وقيل غير ذلك مما بينته في باب «أذكار المساء والصباح من شرح الأذكار» .

قال وكيع: لم يسمع في الهمّ أنه كفارة إلا في هذا الحديث (ولا أذى) هو كل ما لا يلائم النفس فهو أعمّ الكل (ولا غمّ) هو أبلغ من الحزن لأنه حزن يشتد بمن قام به حتى يصير بحيث يغمى عليه (حتى) ابتدائية أو عاطفة أو بمعنى إلى الغائية بيان وتقريب لأدنى مراتب الأذى (الشوكة) بالرفع أو الجر (يشاكها) خبر أو حال، والضمير البارز هو المفعول الثاني على تقدير الجار، والنصب كذلك سماعي وهذا منه، أو على تضمين فعل متعد لاثنين: أي يذاقها، والأول مضمر نائب الفاعل يعود على المسلم من أشكته أدخلت في جسده شوكة (إلا كفر ا) استثناء من أعم الأحوال المقدرة: أي ما حصل لإنسان في حال المصيبة حال من الأحوال إلا الحالة التي يكفر الله (بها) أي: بسببها (من خطاياه) ابتدائية أو تبعيضية. قيل: وهو أولى لأن بعض الذنوب لا تكفر بذلك كحق الآدمي والكبائر (متفق عليه) وأخرجه الترمذي. وفيه أن الأمراض وغيرها من المؤذيات التي تصيب المؤمن مطهرة له من الذنوب، وأنه ينبغي للإنسان ألا يجمع على نفسه بين ضررين عظيمين: الأذى الحاصل وتفويت ثوابه، وقد ورد مرفوعاً «المصاب من حرم الثواب» (والوصب: المرض) أي: الدائم كما تقدم أو الشديد الكثير الأوجاع. قال في «الصحاح» : قد وصب الرجل يوصب فهو وصب وأوصبه الله فهو موصب. والوصب: المرض الشديد الكثير الأوجاع اهـ.

٣٨١٤ - (وعن) عبد الله (ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي) عائداً، وهو يوعك (بالبناء للمجهول) من الوعك، وسيأتي تفسيره في الأصل (فقلت: يا رسول الله إنك توعك) بالفوقية مبني للمفعول (وعكاً شديداً) يحتمل أنه عرف ذلك من لمس بعض أعضائه أو من ظهور الآثار عليه (قال أجل) بفتحتين وثانيه جيم وآخره لام ساكنة وتبدل الهمزة وموحدة فيقال بجل.

في «الصحاح» : أجل جواب مثل نعم. قال الأخفش إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه الاستفهام اهـ. (إني) بيان للإجمال في قوله أجل (أوعك) بالبناء للمجهول (كما يوعك رجلان منكم) فالكاف مفعول مطلق، واحترز بقوله منكم عن نحو الأنبياء، فإنه يحتمل أنه وإن وعك أشد من وعكهم، زيادة في علوّ درجته المقتضية لمزيد الابتلاء الشاهد به «أشدكم بلاء الأنبياء» الحديث إلا أنه لا يكون وعكه كوعك اثنين منهم اهـ. والله أعلم (قلت: ذلك) أي زيادة الوعك (أن لك) بفتح الهمزة أي لأن لك (أجرين/ قال أجل ذلك) أي تضاعف الأجر (كذلك) أي كتضاعف المرض، ثم ذكر الدليل على ترتب الثواب على أنواع البلاء عند حصول الصبر فقال (ما من مسلم) من مزيدة للاستغراق فيدخل فيه الكامل وغيره (يصيبه) بضم أوله (أذى) أي: ما يتأذى به (شوكة) بدل من أذى وذكرها لأنها أخف أنواعه، ولما كان ما فوقها تعجز العبارة عن تفصيل جميعه أجمله بقوله: (فما فوقها إلا كفّر الله به سيئاته) أي الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (كما تحط الشجرة ورقها. متفق عليه) وكذا رواه أحمد كما قال الحافظ، وكذا رواه النسائي. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» ، والبخاري في «الأدب المفرد» ، وابن ماجه والحاكم وصححه، والبيهقي في «الشعب» عن أبي سعيد قال: «دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محموم، فوضعت يدي فوق القطيفة، فوجدت حرارة الحمّى فوق القطيفة، فقلت: «ما أشد حمّاك يا رسول الله» قال: «إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع فيضاعف الأجر» الحديث. ذكره صاحب «المرقاة في شرح المشكاة» (والوعك) بإسكان المهملة (مغث الحمى) أي حرارتها ووهنها للبدن وإضعافها إياه.

وفي «مختصر النهاية»

للسيوطي: أنه ألم الحمى (وقيل الحمى) وهذا الحديث يشهد للقول المختار من حصول الأجر على الأمراض والأعراض: أي بشرط الصبر وعدم التبرم من القدر والسخط منه، وقد بسطت هذا المقام في «شرح الأذكار» .

٣٩١٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من يرد الله به خيراً) حالاً ومآلاً (يصب منه) إما في بدنه أو ماله أو محبوبه. وفي الحديث: «المؤمن لا يخلو من علة أو قلة أو ذلة» وإنما كان خيراً حالاً لما فيه من اللجإ إلى المولى، ومآلاً لما فيه من تكفير السيئات أو كتب الحسنات أو هما جميعاً (رواه البخاري) في صحيحه ورواه الإمام أحمد (وضبطوا) أي شراح الحديث الصحيح (يصب) المذكور في الحديث (بفتح الصاد) أي المهملة على البناء للمفعول ولم يذكر الفاعل للعلم به وأنه الله سبحانه (وكسرها) على البناء للفاعل.

٤٠١٦ - (وعن أنس) بن مالك رضي الله عنه (قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتمنينّ) بتشديد النون (أحدكم) أي الواحد منكم (الموت) وفي التعبير بيتمنى دون يسأل إيماء إلى أنه قد يكون من المستحيل لعدم مجيء حينه، فحصوله حينئذٍ محال وإن كان بأنواع السؤال. فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والمنهي عنه على وجه التنزيه تمني الموت (لضرّ) بفتح الضاء المعجمة وتضم، وضبط هنا بذلك ضد النفع (أصابه) في نفسه أو ماله أو من يلوذ به أو نحوه، لما يدل عليه من الجزع في البلاء وعدم الرضا بالقضاء، أما تمنيه شوقاً

للقاء ربّ العالمين أو شهادة في سبيل الله أو ليدفن ببلد شريف أو لخوف فتنة في الدين فلا كراهية فيه، وعليه يحمل ما جاء عن كثيرين (فإن كان) من أصابه الضرّ (لا بد) أي لا فرق ولا محالة كما في «القاموس» (فاعلاً) لتمني الموت لما قاساه من المحن الدنيوية التي لو كشف له عن حقائق اللطف فيها لرآها من «المنح الإلهية» ، ولو لم يكن فيها إلا رجوع العبد إلى مولاه، وخروجه عن حوله وقواه لكفاه، فكيف وهي سبب لتكفير الخطايا ورفع الدرجات (فليقل: اللهم) يا أ، فالميم عوض من حرف النداء؛ ولذا امتنع جمعهما إلا في ضرورة كقوله:

أقول يا اللهم يا اللهما

وقد بسطت الكلام فيما يتعلق بها في باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد من «شرح الأذكار» (أحينى) بقطع الهمزة: أي أدم لي الحياة الحسية (ما كانت الحياة) المسؤولة بقوله أحيني، وما مصدرية ظرفية أي مدة كون الحياة (خيراً لي) بأن أوفق لمراضاة الله تعالى وأداء عبادته وأسلم من الخذلان والغفلة والنسيان (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة خيراً لي) بأن أنعكس الأمر (متفق عليه) وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حيان في «صحيحه» من طرق، وزاد في بعضها: «لضرّ نزل به في الدنيا» واختلف الصوفية في الأفضل: من طلب الحياة لما ورد من حديث: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله» ولرجاء التوبة وحسن العمل وحصول الأمل أو يطلب الموت نظراً إلى الشوق إلى الله وحصول لقياه، وقد ورد «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه» وخوفاً من التغير ولقاء المحن والوقوع في الفتن. والمختار التفويض والتسليم كما دل عليه الحديث الشريف.

٤١١٧ - (وعن أبي عبد ا) كنية (خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، وقيل: كنيته أبو محمد، وقيل أبو يحيى (ابن الأرتّ) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية آخره، ابن جندلةبن سعدبن خزيمةبن كعببن زيد مناةبن تميم، فهو (رضي الله عنه) تميميّ في قول الأكثر، وقيل: خزاعي، وقال بعضهم: إنه تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف

لأن مولاته أم أنمار بنت سباع الخزاعية من حلفاء عوفبن عبد ابن عوفبن عبد الحارثبن زهرة. وهو من السابقين إلى الإسلام كان سادس ستة فيه، وعذّب في الله تعالى.

قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأم عمار، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون: فألبسوهم أدرع الحديد ثم أصبروهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله من حرّ الحديد والشمس.

قال الشعبي: سأل عمربن الخطاب خباباً عما لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل.

قال خباب: لقد أوقدت نار وسجيت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري. شهد بدراً والمشاهد كلها، ولما هاجر آخى بينه وبين تميم مولى حراشبن الصمة، وقيل: آخى بينه وبين جبربن عتيك. مرض خباب مرضاً شديداً.

روى عن قيسبن أبي حازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات فقال: لو ما أن رسول الله نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ونزل الكوفة ومات بها، وهو أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين.

وقال علي رضي الله عنه لما نعى له «رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً وابتلي في جسمه، ولم يضيع الله أجر من أحسن عملاً» وكان سنه حين موته ثلاثاً وسبعين سنة. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وثلاثون حديثاً اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري باثنين ومسلم بواحد، وخرّج عنه أصحاب السنن (قال: شكونا إلى رسول الله) أي ما بنا من أذى الكفار وعذابهم بدليل قوله في الرواية الثانية «وقد لقينا من المشركين شدة» (وهو متوسد بردة له) أي: جاعلها تحت رأسه. والبرد بضم الموحدة: الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صور، والبردة واحد البرد وجمعه أبراد وأبرد وبرود كما في «القاموس» ، والجملة حالية من رسول الله / وكذا قوله: (في ظل الكعبة) ، ويصح أن تكون الثانية حالاً من الضمير في متوسد فتكون متداخلة (فقلنا) بيان لشكواهم إليه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة استفتاح أو عرض (تستنصر) أي تسأل الله النصر (لنا؟ ألا تدعو لنا) أي: بذلك أو نحوه من كفهم عنا ومنعهم من أذانا (فقال) محرّضاً لهم على الصبر (قد كان من) بفتح الميم: أي الذين (قبلكم) من الأمم (يؤخذ الرجل) أي المؤمن منهم فالجملة خبر والرابط محذوف: أي

كان الذين قبلكم يؤخذ الرجل الذي آمن منهم ليعذب فيرجع عن إيمانه فما يرجع (فيحفر له في الأرض) بالبناء للمفعول والظرف نائب الفاعل وحذف الفاعل لعدم تعلق الغرض بعينه ويحتمل أنه مبني للفاعل: أي يحفر الآخذ، والظرف الثاني حال أو صلة يحفر (فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار) روى بالنون من نشرت الخشبة قال الحافظ في «الفتح» وهي أشهر في الاستعمال وبالهمزة من أشرت الخشبة بالمنشار، وبإبدالها ياء إما تخفيفاً أو من وشرت، ذكره ابن التين (فيوضع) أي المئشار (على رأسه) فيؤشر (فيجعل) أي يصير (نصفين ويمشط) أي يعذب (بأمشاط) جمع مشط، معروف (الحديد) أي يعذب بها (ما دون لحمه وعظمه) زيادة في تعذيبه

ليرجع عن إيمانه.

وفي نسخة من «البخاري» «ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب» و (ما يصده) أي: يمنعه أو يصرفه (ذلك) المذكور من أنواع العذاب. واستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع للبعيد مع قربه، لأن الملفوظ به لكونه عرضاً لا يلقى زمانين كالبعيد، فأشار إليه بما يشار به للبعيد (عن دينه) والثبات عليه، وفيه مدح الصبر على العذاب على الدين، وعدم إقرار عين الكافر باللفظ بكلمة الكفر وإن كانت جائزة حينئذٍ للإكراه كما تقدم (وا) فيه الحلف من غير استحلاف، وهو مندوب لتأكيد ما يحتاج لتأكيده (ليتمن) بفتح التحتية (هذا الأمر) بالرفع فاعل يتم، وفي نسخة بضم التحتية ونصب الأمر على أنه مفعول يتم: أي ليتمنّ اهذا الأمر: أي دين الإسلام (حتى يسير) بالنصب لأنه مستقبل بالنسبة لما قبل زمن التكلم به (الراكب) التقييد به جرى على الغالب من أن المسافر يكون راكباً فلا مفهوم له، والمراد الجنس فيشمل ما فوق الواحد، أو يفهم ما فوقه من باب أولى لأنه إذا أمن الواحد مع انفراده فالعدد الأولى (من صنعاء) بالمد: مدينة عظيمة باليمن، وقيل إنها مدينة بالشام (إلى حضرموت) مدينة بقرب اليمن؛ وهو مركب مزجيّ غير مصروف لذلك وللعلمية (لا يخاف) أحداً (إلا ا) جملة حالية من فاعل يسير، والمعنى أن الإسلام يعم النواحي فيسير المسافر لا يخشى أحداً يعذبه على إيمانه ولا يفتنه في دينه فلا يخاف إلا الله سبحانه (و) لا يخاف إلا من الأسباب العادية على أموره والدنيوية فيخاف (الذئب) بكسر المعجمة بعدها تحتية بهمزة على الأصل وقد لا تهمز: سبع معروف أن يعدو (على غنمه) والسارق أن يغير على ماله ونعمه (و) تمام هذا الأمر: أي الإسلام وظهوره على سائر الأديان كائن

البتة (لكنكم تستعجلون) أي: تطلبون العجلة في الأمور ولكل شيء في علم الله أوان وإذا جاء الأوان يجيء.

وقد وقع ما أخبر به المصطفى كما أخبر، فعم الإسلام وظهر وصار الراكب لا يخشى من يفتنه ويصده عن دينه: إنما يخشى بوائق الحدثان وبا المستعان، فهو من جملة علامات نبوّته، ولا يخالف هذا الحديث ما نقله ابن الأثير في «أسد الغابة» عن أبي صالح قال: «كان خباب قيناً يصنع السيوف؛ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يألفه ويأتيه/ فأخبرت ملاوته بذلك فكانت تأخذ الحديدة الممحاة فتضعها على رأسه، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اللهمّ انصر خباباً؛ فاشتكت مولاته أم أنمار رأسها، فكانت تعوي مثل الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها» اهـ. لتعدد الوقعات، واختلاف الأقوال لاختلاف الأحوال، والله أعلم. (رواه البخاري) في علامات النبوّة وفيما يأتي وفي كتاب الإكراه، ورواه أبو داود والنسائي.

(وفي رواية) أي: للبخاري في باب ما لقي النبيّ وأصحابه من المشركين بمكة (وهو متوسد بردة) وفي نسخة «ببرد» أتى بها مع أنها في الرواية السابقة ليبين بها محل قوله: (وقد لقينا) أي معشر ضعفاء المسلمين (من المشركين شدة) أي: عظيمة كما يؤذن به التنوين، فكانوا يلقون بلالاً على قفاه في وقت الظهيرة ويجعلون على صدره الصخرة العظيمة، وكانوا يلقون خباباً على ظهره على النار وجعلوا سمية أم عمار بين جملين وأدخلوا في قلبها رمحاً فماتت رضي الله عنهم أجمعين، ثم هذه الشدائد التي حلت بأولئك الأماجد لكمال استعدادهم زيادة في علو درجاتهم ورفع شأنهم، وفي الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» وعلى قدر المقام يكون الابتلاء. وقد كانت قلوبهم راضية وأنفسهم بذلك مطمئنة، حتى لقد رد بعضهم جوار أقاربه للكفار، ورضي أن يعذب في الله ويبتلى فيه مع الأخيار، وشكواهم ليست عن تطجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلام من ذلك

تفرغاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى إلى أن غاية الأدب الصبر على مراد الله والرضا بقضاءالله.c

لا ينعم المرء بمحبوبه

حتى يرى الراحة فيما قضى

٢٤١٨ - (وعن) عبد الله (بن مسعود) الهذلي وهو المراد إذا أطلق ابن مسعود (رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين) أي: زمن غزوتها: وهي واد بين مكة والطائف وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً وهو معروف، وكانت وقعة حنين في شوال سنة ثمان من الهجرة عقب فتح مكة (آثر) بالمد أي: أعطى (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناساً) من المؤلفة ومن الطلقاء ومن رؤساء العرب يتألفهم (في القسمة) لغنائم هوازن (فأعطى الأقرع) بالقاف الساكنة بعدها مهملتان، لقب به لقرع كان في رأسه (ابن حابس) بالمهملة أوله وآخره وبعد الألف موحدة، وهو من سادات تميم، كان شريفاً في الجاهلية والإسلام (مائة من الإبل وأعطى عيينة) بضم المهملة وفتح التحتية الأولى (ابن حصن) بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية بعدها نون، ابن بدر الفزاري (مثل ذلك) مفعول ثان. ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً، أي: إعطاء مثل ذلك الإعطاء، والأول أقرب (وأعطى ناساً من أشراف العرب) والطلقاء وضعفاء الإيمان (وآثرهم) أي أعطاهم عطايا نفيسة (يومئذٍ) أي: يوم حنين (في القسمة) لغنائمها تألفاً لهم، وترك أقواماً اعتماداً على ما وقر في قلوبهم من نور الإيمان وشمس العرفان.

وفي الحديث الصحيح عن سعد مرفوعاً: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه» .

والناس قال الراغب في «مفرداته» : قيل أصله أناس فحذف فاؤه لما أدخل عليه أل. قلت وتقدم مثله عن البيضاوي، والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوّزاً، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم وصفه المختص به لا يكاد يستحق اسمه اهـ. (فقال رجل) هذا لفظ مسلم.

وعند البخاري «فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجهالله، فقال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصير» .

قال ابن الملقن: وقوله في البخاري: «إنه من الأنصار» غريب. قلت: قال الشيخ زكريا في «تحفة القارىء» : اسمه: معتببن قشير اهـ. وهو بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الفوقية آخره موحدة وهو من الأنصار: أي من قبيلتهم، وهو الذي روى

عنه الزبير أنه قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. أما الذي قال: اعدل يا رسول الله فاسمه ذو الخويصرة وهو أبو الخوارج، وظاهر كلام عياض في «شرح مسلم» أنه هو القائل عن النبي ما ذكر في هذا الخبر والله أعلم. فإن صح ذلك فيكون معنى قوله: إنه من الأنصار: أي حلفاً أو ولاء (وا إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه ا) الأوجه أنه إنما ترك قتل قاتل هذا الكلام مع أن سبه كفر يقتل به فاعله، لئلا يتحدث الناس بأنه يقتل أصحابه فينفروا عن الإسلام فعامله معاملة غيره من المنافقين.

قال القاضي عياض: وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم، قال ابن مسعود (فقلت: وا لأخبرنّ رسول الله) ليحذر منه وليعلم ما أخفاه من حاله، وليس هذا من باب نقل المجالس وهي بالأمانة، لأن ذاك في غير نحو هذا، أما هذا فمن النصيحة ولرسوله وللمؤمنين (فأتيته فأخبرته بما قال) مما يدل على حجب بصيره قائله عن مشكاة أنواره وإلا فلو أشرق فيه بعض ذلك النور لامتلأ قلبه من الخيور وعلم أنه الطبيب الحاذق الذي يداوي كل سقيم ويذهب كل ضير وألم {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} .

قال ابن مسعود: (فتغير وجهه) كما هو قضية طبع البشر عند حصول مؤذ للنفس (حتى كان) أي: صار (كالصرف) هذا لفظ رواية مسلم.

وفي رواية البخاري في باب بدء الخلق «فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه» (ثم قال) راداً عليه ما نسبه إليه من عدم العدل (فمن يعدل) استفهام إنكار فهو في معنى ما يعدل أحد (إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال) مبيناً أن الصفح عن عثرات اللئام سنة قديمة في الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام (يرحم الله موسى) أتى به مع أن الأكثر من هديه في الدعاء: أي عند ذكر أحد من الأنبياء كما قيده به الدمير في الديباجة، أن يبدأ بنفسه فيقول مثلاً غفر الله لنا ولفلان، اهتماماً بشأنه لأنه ذكر في مقام المدحة له والتأسي به (قد أوذي بأكثر من هذا) أي: من أذى السفهاء والجهال له فقالوا إنه آدر: وذلك منهم غاية العتوّ ونهاية الاختلاق؛ قال العراقي في «شرح التقريب» : (فصبر) على أذاهم وقابل جهلهم بحلمه، وهو المقتبس من مشكاته كل خلق

حسن (فقلت لأجرم) مذهب الخليل وسيبونه أنهما ركبا من لا وجرم وبنيا، والمعنى: حق، وما بعدها رفع به على الفاعلية.

وقال الكسائي: معناها لا صدّ ولا منع، فيكون جرام اسم لا وهو مبني على الفتح، وقيل غير ذلك، وعلى القول الأول فالتقدير: حق أن (لا أرفع إليه بعدها) أي هذه المرة (حديثاً) يقع من أولئك فيه نفثات ألسنتهم بما تخفيه صدورّهم: أي مما لا يعود بضرر على النبيّ ولا على الإسلام وإنما رأى ذلك لأنه رأى أن كلامه حصل منه بعض التعب للنبي حتى رأى أثر الغضب من تلك الحمرة في بشرته الشريفة، ومع ذلك صفح عن ذلك القائل كيلا يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه (متفق عليه) رواه البخاري في أبواب الخمس وفي الأنبياء وفي الدعوات وفي الأدب. ورواه مسلم في الزكاة (وقوله) في الحديث: (كالصرف هو بكسر الصاد المهملة) وسكون الراء أخوه فاء (وهو صبغ أحمر) زاد في «شرح مسلم» يصبغ به الجلود، قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضاً صرفاً اهـ.

١٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إذا أراد الله يعبده) المراد عقابه (الخير عجل له) في جزاء سيئاته (العقوبة في الدنيا) ببلاء في نفسه أو بموت صديقه أو بفقد ماله ونحوه، فيكون ذلك إذا سلم من التبرّم من الأقدار كفازة لجناياته فيوافي القيامة وقد خلص من تبعة الذنب ودركه، فإن لم يكن من أرباب المخالفات ونزل به بلاء كان زيادة في درجاته، وعليه يحمل حديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمتل فالأمثل» (وإذا أراد الله بعبده) المذكور (الشر) من للعقاب والعذاب (أمسك عنه) الأذى (بذنبه) الباء بمعنى فيه، أو سببية ٤ يعني أن تأخير ما ذكر عنه وبقاءه في تبعات ذنبه من أسباب ذنبه، ففيه استدراجه من حيث لا يشعر (حتى يوافي به) أي: يذنبه حاملاً له على كاهله (يوم القيامة) فيجازى به، وأين جميع أهوال الدنيا ومضايقها من ساعة من عذاب النار وما فيها

من الأغلال والأنكال؟ وفي الحديث الحثّ على الصبر على ما تجري به الأقدار، وأنه خير للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز: ومن تبرّم بالأقدار فقدر الله لا يرد، وفات المتبرّم أعالي الدرجات وتكفير السيئات وا وليّ التوفيق.

(و) عن أنس (قال النبيّ) مؤكداً لما دل عليه ما قبله مبيناً له (إن عظم) بكسر المهملة وفتح المعجمة في المعاني (الجزاء) أي الثواب في الآخرة كائن (مع عظم البلاء) فمن حلّ به خلاف ما يهواه الإنسان بالطبع من الشدائد فليفرح بها، لما فيها من التخصيص وإجزال العطاء، فإن لم يكن من أهل مقام الرضا فلا أقل من أهل مقام الصبر (وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم) لأنه لو تركهم وزهرات الدنيا ربما استغرقت فيها قلوبهم: فاستغلوا بها عن مربوبهم كما وقع ذلك للكفار وأرباب الغفلات، فمن أراد الله إقباله عليه قطع عنه العلائق وأنزل به أنواع البلايا لتقوده إلى الرجوع إلى مولاه في كل ساعة، وأي نعيم يوازي نعيم الشهود، وأي جحيم يساوي الغفلة والتبعيد (فمن رضي) بما جرى به القدر ولم يتبرم ولم يتضجر (فله الرضا) بالاختصاص الإلهي والفيض الرباني والثواب الجزيل والأجر الجميل، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن: ٦٠) (ومن سخط) من ذلك وتبرم من تلك المقادير (جرى المقدور) إذ لا مانع لما أراد سبحانه (وله) أي الساخط (السخط) بفتحين أو بضم فسكون: الانتقام أو إرادته، لما فيه من معارضة الأقدار الإلهية والاعتراض على الأحكام الربانية، وليس ذلك من شأن العبيد، وا يفعل ما يريد (رواه الترمذي) في «جامعه» (وقال حديث حسن) هو ما رواه العدل الضابط غير تامهما، أو المستور وانجبر وقد سلم من الشذوذ والعلة، وفي معنى حديث الباب ما أخرجه الترمذي أيضاً عن جابر قال: قال رسول الله «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب أن لو كانت جلودهم قرضت في الدنيا بالمقاريض» .

٤٤٢٠ - (وعن أنس) الأخضر: وعنه (رضي الله عنه قال: كان ابن) هو الذي قال له: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» وحديثه ذلك عند الترمذي في «شمائله» . قيل كناه بما ذكر إشارة إلى قصر عمره. وعند ابن ماجه حديث في قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم/ وقال فيه: «فكلمت فولدت غلاماً صبيحاً، فكان أبو طلحة يحبه حباً شديداً، فعاش حتى تحرّك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزناً شديداً حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراح روحة فمات الصبيّ» (لأبي طلحة) اسمه زيدبن سهل الأنصاري، والابن أخ لأنس من أمه أم سليم (رضي الله عنه) الأولى رضي الله عنهما لأنه ذكر صحابيان الابن وأبوه (يشتكي) أي: مريض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مريض (فخرج أبو طلحة) أي إلى النبي (فقبض) بالبناء للمجهول (الصبي) زاد الإسماعيلي في روايته: «فأمرت أمه أنساً أن يدعو أبا طلحة وألا يخبره بموت ابنه» (فلما رجع أبو طلحة) إلى بيته، جاء في رواية الإسماعيلي «وكان أبو طلحة صائماً» (قال ما فعل ابني) أي ما قام به من صحة أو زيادة مرض (فقالت أم سليم) بضم المهملة مصغراً. واختلف في اسمها، فقيل سهلة، وقيل رميثة ومليكة والغميصاء والرميصاء (وهي أم الصبي) جملة معترضة (هو أسكن ما كان) أي أسكن أكوانه فإنه كان في القلق والاضطراب للنزع فذهب ذلك حينئذٍ، وظن أبو طلحة أنها أرادت هو أسكن من الألم لحصول العافية وفي عبارتها التوجيه (فقربت له العشاء) بفتح المهملة ممدوداً، الطعام الذي يؤكل عند العشاء، وهو ما بين المغرب والعتمة (فتعشى ثم أصاب منها) أي جامعها.

وفي رواية تأتي: «أنها تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها» (فلما فرغ) من حاجته (قالت: واروا) أي: استروا (الصبي) بالدفن (فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره) أي بما عدا الجماع بدليل قوله: (فقال:

أعرستم الليلة) المراد منه هنا الوطء وسماه: إعراساً لأنه من توابع الإعراس، ولا يقال فيه بالتشديد كذا في «النهاية» : وهمزة الاستفهام مقدرة (قال: نعم) بفتح أوليه وسكون ثالثه، وبكسر ثانيه في لغة كنانة، وقد تبدل عينه حاء، حكاه النضربن شميل، وهي من حروف الجواب لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب (قال: اللهم) أي يا أ (بارك لهما) دعا لهما بالبركة وهي النماء والزيادة (فولدت) من ذلك الوطء المدعو بالبركة فيه (غلاماً) هو عبد الله.

قال أنس: (فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبيّ) ليحلّ نظره الشريف عليه (وبعث معه بتمرات) بفتح الميم ليحنكه بها، والتحنيك بالتمر تفاؤل بالإيمان، لأنها ثمرة الشجرة التي شبهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمن ولحلاوتها أيضاً: (فقال) أي النبيّ، وفي الكلام حذف تقديره: فحملته حتى أتيت به النبيّ فقال (أمعه شيء؟) أي: يحنك به (قال) أنس: (نعم) بفتحتين فسكون (تمرات) مبتدأ خبره محذوف اكتفاء بذكره في السؤال: أي معه تمرات (فأخذها النبي فمضغها) لتختلط بريقه الشريف ويقدر الصبي على إساغتها، فيكون أول ما يدخل جوفه الممتضغ بريق المصطفى فيسعد ويبارك فيه (ثم أخذها) أي: التمرات الممضوغات (من فيه فجعلها في فيّ الصبيّ) أي في فمه، ولا يخفى ما فيه من الجناس التام (ثم حنكه) في «الصحاح» : حنكت الصبي وحنكته إذا مضغت تمراً أو غيره ثم دلكته بحنكه، والصبيّ محنوك ومحنك اهـ. (وسماه عبد ا) أي: وضع له هذا الاسم، ففيه فضل التسمية بذلك (متفق عليه) في «فتح الباري» : وأخرجه ابن حبان والطيالسي هذا ما اتفقا عليه.

(و) زاد (في رواية للبخاري قال) سفيان (ابن عيينة) بضم المهملة وبكسرها اتباعاً للياء بعدها وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية/ الهلالي قرين الإمام مالك من تابعي التابعين (فقال رجل من الأنصار) هو: عبايةبن رفاعة كما أخرجه سعد بن

منصور ومسددبن سعد وغيرهم، وسبق أن الأنصار لفظ إسلامي صار علماً على أولاد الأوس والخزرج الذين نصروا النبي والإسلام (فرأيت تسعة أولاد كلهم) بالرفع مبتدأ خبره جملة (قد قرءوا القرآن) ويجوز أن يكون كل تأكيد تسعة، وأتى بها لئلا يتوهم أنه رأى بعضاً دون بعض وحينئذٍ فجملة قرءوا القرآن حالية (يعني) هذا لفظ أحد الرواة عن سفيان لبيان أن الأولاد المرئيين (من أولاد عبد ا) بن أبي طلحة (المولود) من تلك الإصابة المدعو لها بالبركة. ووقع في رواية عن سفيان أنهم سبعة بتقديم السين.

قال في «فتح الباري» وقيل إن في إحدهما تصحيفاً، أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله وبالتسعة من قرأ معظمه، وله من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من علماء الأنساب إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد، وأربع من البنات، ويؤخذ من قول سفيان المذكور أن في قوله: «لكما» تجوّز لأن ظاهره أنها في ولدهما من غير واسطة وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة وهو عبد الله اهـ.

(وفي رواية) أخرى (لمسلم) في «صحيحه» (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم) الظرف الأول صفة لابن والثاني محتمل لها والحالية (فقالت لأهلها) أي: لقرابتها الذين عندها وشعروا بوفاة ابنها (لا تحدثوا أبا طلحة) عند مجيئه المنزل (بـ) وفاة (ـابنه) لئلا يتنغص عيشه وهو صائم فلا ينال حاجته من الطعام (حتى) تعليلية أو غائية (أكون أنا) تأكيد للضمير المستكن (أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء) عبر هنا بإلى لأنه منتهى التقريب، وفيما تقدم باللام إشارة إلى أنه مقصود بذلك العشاء مهيأ له كما أشار البيضاوي إلى نحوه في سورة يونس في تعدية يهدي بإلى تارة وباللام أخرى (فأكل وشرب ثم تصنعت له) بتحسين الهيئة بالحلي ونحوه (أحسن ما كانت تصنع) بنصب أحسن مفعول مطلق وأصل تصنع تتصنع فأدغمت إحدى التاءين في الصاد المهملة هذا إن قرىء بتشديدها، فإن كانت مخففة فإحدى التاءين محذوفة دفعاً للثقل (قبل ذلك) الوقت، وهذا يدل على كمال يقينها وقوة صبرها (فوقع بها) أي: جامعها (فلما أن) زائدة (رأت أنه قد شبع) من الطعام (وأصاب منها) بالجماع (قالت) منبهة له على أنه لا ينبغي له الحزن على موت ولده، عند اطلاعه

عليه لأنه وديعة بصدد الاسترداد (يا أبا طلحة أرأيت) أخبرني (لو) ثبت (أن قوماً) هو في الأصل جماعة الرجال، والأكثر في استعمال الشرع أن يراد به ما يشملهم والنساء، قاله الراغب في «مفرداته» (أعاروا عاريتهم) مفعول ثان لأعار (أهل بيت) مفعوله الأول (فطلبوا عاريتهم ألهم) أي: لأهل البيت المستعيرين والظرف خبر مقدم مبتدؤه (أن يمنعوهم) أي: منعهم، ويصح أن تعرب أن ومدخولها فاعلاً للظرف لاعتماده على الاستفهام (قال: لا) أي: ليس لهم منعهم لأن الإعارة إباحة منافع المعار، والمعار باق على ملك المعير فله استرداده متى شاء (قالت: فاحتسب ابنك) أي: اطلب ثواب ابنك وأجر مصيبتك فيه من الله ولا تدنسها بما يحبط الثواب فإنه كان عندك عارية استرده مالكه (قال) أنس:

(فغضب) أبو طلحة (وقال) لأم سليم: (تركتني) بكسر التاء للمخاطبة (حتى إذا) وقتية (تلطخت) بفتح الفوقية واللام وتشديد الطاء المهملة وسكون المعجمة، أي تقذرت بالجماع، يقال رجل لطخ أي قذر (ثم أخبرتني) بكسر التاء (بابني) أي: بموته (فانطلق) يمشي (حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك) أي المذكور من فعل أم سليم الدال على كمال يقينها وحسن صبرها مما يعجز عنه كثير من الرجال (فقال النبيّ) داعياً لهما بما يعود نفعه عليهما الجميل فعلهما (بارك الله لكما في ليلتكما) أي فيما فعلتماه فيها من الإعراس بأن يجعله نتاجاً طيباً وثمرة حسنة (قال) أنس: (فحملت) أم سليم إجابة لدعائه بالبركة بما كان منه قوم صالحون كما تقدم عن ابن عيينة (قال) أنس: (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وهي معه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى المدينة من سفر) بفتح أوليه، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وسفره من المدينة إنما كان لأداء النسك أو الجهاد (لا يطرقها) بضم الراء (طروقاً) بضم أوليه المهملين أي لا يأتيها ليلاً، وكل آت بالليل طارق، ونهي عن طروق المسافر أهله ليلاً لئلا يرى منهم ما قد يكرهه. وأيضاً فإذا وصلوا البلد نهاراً وسمع بهم أهلهم تصنعت المرأة لبعلها فيراها بمنظر حسن، بخلاف ما إذا فجأها وهي

شعثة ربما كان رؤياها كذلك سبباً لفراقه لها، وهذا إذا لم يترقب أهله قدومه عليهم ليلاً، وإلا كأن بلغهم خبر قدومه من أول النهار فلا بأس بالطروق حينئذٍ (فدنوا) قربوا (من المدينة فضربها المخاض) بفتح الميم وقرىء بكسرها في «الشواذ» : وهو وجع الولادة (فاحتبس عليها أبو طلحة) أي: حبس نفسه عليها لاشتغاله بشأنها (وانطلق رسول الله) في مسيره إلى المدينة.

(

قال) أنس: (يقول أبو طلحة) أتى بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية إشارة لكمال استحضاره للقصة وإتقانه لها (إنك لتعلم يا رب) بكسر الباء دليلاً على التحتية، ويجوز فتحها على أن المحذوفة الألف المنقلبة عن الياء وضمها بناء على قطعه عن الإضافة، وجملة النداء معترضة بين الفعل، وما سد مسد مفعوليه وهو قوله: (إنه يعجبني) بضم التحتية (أن أخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج) من المدينة لسفر (وأدخل معه) المدينة، وهو بالنصف عطف على أخرج (إذا دخل) أي: دخلها، فالمفعول محذوف لدلالة السياق عليه (وقد احتبست) أي منعت من الدخول (بما ترى) مما نزل بأم سليم، فأجاب الله دعوته وكشف كربته (قال) (قال) أنس مخبراً عن ذلك (تقول أم سليم) أي قالت أم سليم، وعدل عنه إلى المضارع لما ذكر آنفاً (يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد) العائد محذوف التقدير أجده: أي ما أجد ألم الوضع الذي كنت أجده قبل (انطلق) أمر له لأن سبب التخفيف زال.g

(قال) أنس: (فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما) بكسر الدال: أي وقت قدوم أبي طلحة وأم سليم المدينة مع المصطفى (فولدت غلاماً) هو المسمى بعبد الله (فقالت لي أمي) أم سليم أم عبد الله المذكور فهو أخو أنس لأمه كما تقدم (يا أنس لا يرضعه) بضم التحتية وسكون المهملة على أنّ لا ناهية (أحد) أي: ليكون أول شيء يشق جوفه ويدخل أمعاءه الممزوج بريق المصطفى، فيعود عليه بخير الدارين كما ظهر أثره في هذا الغلام بتكثير بنيه الصالحين الأتقياء الفالحين قال الشاعر:

نعم الإله على العباد كثيرة

وأجلهن نجابة الأولاد

(حتى تغدو به) وتعرضه (على رسول الله) والغدوّ: سير أول النهار، والرواح: السير بعد الزوال، هذا هو الأصل فيهما وقد يتجوز في ذلك، ومنه حديث: «من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى» على أحد الأقوال فيه، وعدي بعلى إشارة إلى أن القصد من الوصول به إليه عرضه ليحل عليه نظره السعيد فيفوز بالخير المديد وقد حقق الله ما أرادت (فلما أصبح) أي دخل وقت الصباح ومنه قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} (الروم: ١٧) (احتملته فانطلقت) أمشي (به) منتهياً (إلى رسولالله. وذكر تمام الحديث) وفيه نحو مما في حديث السابق أنه حنكه بالتمر وسماه عبد الله.

قال في «فتح الباري» : وفي الحديث فوائد: جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية عن المصائب، وتزين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها ولم يترتب عليها إبطال حق مسلم. والحامل لأم سليم عليه المبالغة في الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته ولم تبلغ الغرض الذي أرادته، فلما علم الله تعالى صدق نيتها بلغها مناها وأصلح لها ذريتها، وفيه إجابة دعوة النبيّ وأن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه. وكان لأم سليم من قوّة القلب وثبات الجنان الغاية القصوى، فكانت تشهد الحرب وتداوي الجرحى اهـ.

٤٥٢١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس الشديد) المحمودة شديديته شرعاً (بالصرعة، إنما الشديد) الممدوحة شديديته شرعاً (الذي يملك نفسه) من الوقوع في المنهيات (عند) وجود (الغضب) وقيامه به وذلك إنما يكون لمن راض نفسه بسياسة الاتباع واقتدى بالمصطفى في سائر الأحوال، فلم يحمله الغضب على الوقوع في أسباب الهلاك في دينه. والغضب بالتحريك لغة: ضد الرضا. وسببه حصول مخالف لمراد الإنسان ممن هو دونه وتحت يده فيحصل منه تلك الحالة المقتضية لفعل ما لا يجوز من

قتل أو ضرب أو سب. فمن حفظ نفسه عن ذلك وقادها بزمام الشريعة وكظم غيظه وعفا فاز بالدرجة العليا وكان محموداً شرعاً، وإن انتقم بقدر ما أذن فيه الشرع من التأديب فلا بأس (متفق عليه) ورواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أيضاً (الصرعة بضم الصاد وفتح الراء) المهملتين بعدهما مهملة مفتوحة (وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً) فإن «فعلة» بضم ففتح لمن يكثر منه الفعل «وفعلة» بضم فسكون لمن يعتاد فعل ذلك الشيء به. فضحكة بوزن همزة بمعنى الفاعل: لمن يكثر الضحك من الناس، وضحكة بوزن ركبة بمعنى المفعول: لمن يكثر ضحك الناس عليه وسخريتهم به ذكره الكرماني. وقد بسطت ذلك في «شرح الأذكار» .

وفي الحديث: أن مجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة العدو. وقد ورد أن الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه لما عادوا من بعض الغزوات: «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .

٤٦٢٢ - (وعن سليمانبن صرد) زاد في الأذكار فقال «الصحابي» (رضي الله عنه) وصرد بضم ففتح لأوليه وجميع حروفه مهملة، وهو خزاعي. كان اسم سليمان في الجاهلية «يسار» فسماه «سليمان» وكان خيراً ديناً فاضلاً ذا دين وعبادة وشرف في قومه.

نزل للكوفة أول ما كوّفها سعد: وقتل في حرب بينت سببه في «شرح الأذكار» ، وحمل رأسه إلى مروانبن الحكم بالشام. وكان عمره حين قتل ثلاثة وتسعين سنة. روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر حديثاً، اتفقا منها على هذا الحديث، وانفرد البخاري عنه بحديث واحد هو قوله: «اليوم نغزوهم ولا يغزونا» فليس له في «الصحيحين» سوى حديثين/ وخرّج عنه أصحاب السنن الأربع (قال: كنت جالساً مع النبي ورجلان يستبان) بفتح التحتية وسكون المهملة. وفتح الفوقية وتشديد الموحدة افتعال من السب: أي يسبّ كل منهما صاحبه (وأحدهما) .

قال ابن حجر الهيثمي: قيل إنه معاذ، فإن صح وأنه ابن جبل تعين تأويل ما وقع منه من قوله: «هل بي من جنون» على أنه قاله من سورة الغضب من غير تأمل، قيل وهو الذي قال للنبي: «أوصني» الحديث الآتي، ففيه أن معاذاً كان عنده سورة من الغضب (قد أحمرّ)

بتشديد الراء (وجهه وانتفخت أوداجه) في «النهاية» : الأوداج ما أحاط بالعتق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج، وقيل الودجان: عرفان غليظان على جانبي ثغرة النحر، ومنه الحديث اهـ.

(فقال رسول الله: إني لأعلم كلمة) المراد منها معناها اللغوي وهي الجمل المفيدة (لو قالها) بصدق ويقين، ويحتمل أنه علم أن ذلك الرجل لو قالها مطلقاً (لذهب عنه ما يجد) من شدة الغضب ببركة الكلمات وتأثير همته الشريفة في ذلك عنه. ثم هذا الحديث الشريف مستمد من قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ با إنه سميع عليم} (الأعراف: ٢٠٠) (لو قال أعوذ با من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) من شدة الغضب وشره، والجملة بيان لما قبلها، وأعوذ: معناه ألجأ وأعتصم، والشيطان: العاتي المتمرّد، من شاط احترق، أو من شطن بعد، والرجيم فعيل بمعنى مفعول: أي المبعد من رحمةالله، واللام محذوفة من «لذهب» تفننا في التعبير (فقالوا له) أي قال الصحابة لذلك الرجل المغضب (إن النبي قال: تعوّذ با من الشيطان الرجيم) هذا منهم رواية للحديث بالمعنى، لا بخصوص اللفظ والمبنى، ففيه نص على جواز ذلك للعارف به.

وفي الحديث: تتمة سكت عنها المصنف هنا وهي أنه لما قيل له ذلك قال: «وهل بي من جنون؟» وفيه أن الغضب إنما يثير ناره، ويشعل لهبة الشيطان لما يترتب عليه من الضرائر في الدين والدنيا، فلذا كان دواؤه قطع سبب مادته وهو وسواس الشيطان الرجيم بالاستعاذة منه (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية لأبي داود والترمذي والنسائي من حديث معاذ «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم» كذا في (سلاح المؤمن) .

٤٧٢٣ - (وعن معاذ) بضم الميم بعدها مهملة (ابن أنس رضي الله عنه) هو الجهني؛ سكن

مصر روى عنه ابنه سهل، له نسخة كبيرة عند ابنه سهل أورد منها أحمدبن حنبل في مسنده وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والأئمة بعدهم في كتبهم، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون حديثاً (أن النبي قال: من كظم غيظاً) تجرعه واحتمل سببه وصبر عليه.

والغيظ: تغير الإنسان عند احتداده، وظاهر عموم تنكير غيظاً حصول الثواب على كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذة وإن قلّ (وهو قادر على أن ينفذه) بضم التحتية: أي يقضي ويعمل بما يدعوه إليه: من ضرب المغتاظ منه، أو قتله أو نحوه لسطوته على المغتاظ منه بملك أو نحوه وهو قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور (دعاه الله سبحانه) تنزيهاً له عما لا يليق بشأنه (وتعالى) عن ذلك فهو كالإطناب كما سبق (على رؤوس الخلائق) تنويهاً بشأنه وإعلاماً بعلوّ مكانه (يوم القيامة) ظرف لدعاه (حتى يخيره) بضم التحتية الأولى وتشديد الثانية (من الحور) بضم المهملة وسكون الواو آخره راء: أي شديدات سواد العيون وبياضها (العين) ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء/ مفرده عيناء كحمراء (ما شاء) مفعول ثان ليخير (رواه أبو داود والترمذي) ورواه ابن ماجه (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن) وعند ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» وعنده أيضاً من حديث ابن عمر «من كفّ غضبه ستر الله عورته» اهـ.

وقد روي أن الحسينبن علي رضي الله عنهما كان له عبد يقوم بخدمته ويقرب إليه طهره فقرب إليه طهره ذات يوم في كوز، فلما فرغ الحسين من طهوره رفع العبد الكوز من بين يديه فأصاب فم الكوز رباعية الحسين فكسرها فنظر إليه الحسين، فقال العبد: «والكاظمين الغيظ» قال: قد كظمت غيظي فقال: «والعافين عن الناس» قال: قد عفوت عنك، قال: «وا يحب المحسنين قال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى، قال: وما جواز عتقي، قال: السيف والدرقة فإني لا أعلم في البيت غيرهما.

٤٨٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) قال الشيخ زكريا في «تحفة القارىء» هو جارية بالجيم ابن قدامة ومنه أخذ جمع أنه صحابي واعتمده الحافظ ابن حجر، وقيل: إنه تابعي. وأن ما جاء في رواية خرّجها أحمد عنه أنه سأل النبي وهم. وقيل: إنه سفيانبن عبد الله الثقفي، فقد ورد عنة أنه سأل النبي فأجابه بذلك، فرد عليه مراراً يسأله عن ذلك يقول له نبيّ الله: لا تغضب. رواه العراقي في «أماليه» وقال: إنه حسن من هذا الوجه، قال: والحديث صحيح من وجه آخر يعني به حديث البخاري هذا. قال: وإنما أوردته من حديث سفيان لفائدة كونه هو السائل، قال: وقد روينا في أحاديث عن ابن عمر وعبد ابن عمرو وأبي الدرداء وجاريةبن قدامة أن كلاً منهم سأل النبيّ عن ذلك فقال له: لا تغضب اهـ. وجاء عن جابر وجارية كذلك، وتقدم عن «شرح المشكاة» لابن حجر أنه معاذبن جبل فلعله صدر من كل منهم (قال للنبيّ: أوصني) توصية جامعة لخير الدارين كما يدل عليه التعميم بحذف المفعول.

وجاء في رواية عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ولا تكثر عليّ لعلي أعقله» (قال لا تغضب) لما كان الغضب من نزغات الشيطان ولذا يخرج الإنسان عن اعتداله فيتكلم بالباطل ويفعل المذموم قال له لما قال أوصني: لا تغضب (فردد) السائل قوله: أوصني (مراراً قال) له في جواب كل مرة (لا تغضب) ولم يزد عليه، ففيه دليل على عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه، وعند الخرائطي زيادة «قال الرجل السائل: ففكرت حين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فإذا الغضب يجمع الشرّ كله» .

(رواه البخاري) في «صحيحه» عن حديث أبي هريرة وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه: ورواه المحاملي عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه ابن حبان في «روضة العقلاء» له عن أبي هريرة أو جابر، ورواية البخاري المذكور رافعة للشك. ورواه مسدد في «مسنده» عن أبي سعيد من غير تردد، وحديث أبي هريرة صحيح، وهو من أفراد البخاري: أي بالنسبة لمسلم، وأصح من حديث أبي سعيد، وروى من حديث جابر وابن عمر وابن عمرو وأبي الدرداء وجاريةبن قدامة، وطرق الحديث استوعب جملة منها السخاوي في تخريج الأربعين التي جمعها المؤلف نفع الله به يأتي نقلها عنه ملخصاً في باب الحلم.

٤٩٢٥ - (وعن أبي هريرة) الأخصر وعنه (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ما يزال البلاء) بالمصائب والمتاعب نازلاً (بالمؤمن والمؤمنة في نفسه) بالمرض والفقر، والغربة، التي هي في الظاهر كربة، وإن نظرت إليها وأنها واردة إليك من أرحم الراحمين انقلبت من كونها محنة إلى كونها منحة (وولده) بالموت والمرض أو عدم الاستقامة أو نحوه مما يؤلم الوالد بحسب الطبع البشري (وماله) بالتلف ببعض الأسباب من حرق أو سرقة أو نحو ذلك (حتى) غاية لنزول البلاء بأرباب الإيمان، أي إن البلاء لا يزال بالإنسان، أي: الصابر كما يدل عليه لفظ المؤمن والمؤمنة المحمول عن الفرد الكاملـ إلى أن يغفر الله له به الخطايا فـ (ـيلقى) أي المبتلي ليشمل كلاً منهما (اتعالى) ولقاء الله كناية عن الموت (وما عليه خطيئة) أي ذنب جملة حالية، وقوله خطيئة ظاهر عمومه شمول الكبائر والتبعات، فإن ثبت ذلك وأنه مراد فذلك من محض فضل الكريم الجواد، إذ صالح العمل ومنه الصبر والاحتساب إنما يكفر الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) يحتمل أن يكون على تقدير واو العطف إن كان له إسنادان أحدهما صحيح والآخر حسن، وأن يكون على تقدير «أو» إن كان سنده فرداً. واختلف في حاله وقد تقدم بسط هذا المقام في باب التوبة، والحديث رواه أيضاً مالك.

٥٠٢٦ - (وعن) عبد الله (بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم) بكسر الدال (عيينة) بضم أوله المهمل وفتح التحتية الأولى ووسكون الثانية بعدها نون فهاء (ابن حصين) بكسر فسكون للأوليه المهملتين الفزاري. أسلم يوم الفتح وقيل قبله، وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، ارتدّ وأتي به أسيراً إلى الصديق فأسلم فأطلقه، فقدم ابن حصين المدينة (فنزل على ابن أخيه الحرّ) بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين (ابن قيس) بن حصن الفزاري

صحابي، وهو الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه، فقال ابن عباس: هو الخضر، فسأل عنه أبياً فذكر فيه خبراً مرفوعاً كما قال ابن عباس، وقد أخرجه كذلك البخاري في كتاب العلم من «صحيحه» (وكان) الحرّ (من النفر) بفتح أوليه: الناس كلهم أو ما دون العشرة من الرجال وجمعه أنفار كذا في «مختصر القاموس» (الذين يدنيهم) بضم أوله: أي يقربهم (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) لكونه من الفقهاء القراء (وكان القراء) جمع قارىء، والمراد منهم القارىء للقرآن المتفهم لمعانيه. فإن عبادتهم حينئذٍ كانت كذلك حتى لقد قرأ عمر رضي الله عنه البقرة في سبع سنين لذلك (أصحاب) أي ملازمي (مجلس عمر رضي الله عنه) لينبهوه إذا سها ويذكروه إذا نسي (ومشاوريه) يحتمل أن يكون بالفوقية بعد الراء المهملة فيكون معطوفاً على مجلس، ويحتمل أن يكون بالتحتية جمع مذكر سالم فيكون معطوفاً على أصحاب (كهولاً كانوا أو شباناً) الكهل: الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب.

قال ابن فارس: قال المبرّد: هو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وفي «تحفة القارىء» : سن الشباب خمس وثلاثون سنة، وسن الكهولة خمسون سنة، وسن الشيخوخة ستون سنة اهـ، وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة وتستمرّ إلى الخمسين وما قبل ذلك من بعد البلوغ فسن الشباب. والشبان بضم المعجمة وتشديد الموحدة آخره نون جمع شاب، وفي نسخة بفتح أوليه وآخره موحدة أيضاً (فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه) أي: جاه (عند هذا الأمير) أي: عمربن الخطاب رضي الله عنه (فاستأذن لي) أمر: أي اسأل لي الإذن في الدخول (عليه، فاستأذن) أي الحر لعيينة (فأذن له عمر) أي: لعيينة في الوصول إليه (فلما دخل) معطوف على مقدر: أي فدخل فلما دخل (قال هي) بكسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد، وقيل: هي ضمير وثم محذوف: أي: هي داهية.

وفي البخاري هيه بهاء السكت في آخره، وفي أخرى منه: إيه بالهمز بدل الهاء وهما بمعنى كما قال ابن الأثير، فمعناهما بلا تنوين زدني من الحديث المعهود وبالتنوين من أيّ حديث كان (يا ابن الخطاب فوا ما تعطينا الجزل) بالنصب مفعول به أو مطلق: أي ما تعطينا الشيء الكثير أو العطاء الكثير وأصل الجزل ما عظم من الخطب. وكأنه أراد أنه

يستأثر به عن مستحقيه (ولا تحكم فينا بالعدل) وهو ما جاء به الكتاب والسنة نصاً أو استنباطاً (فغضب عمر رضي الله عنه) أي: لما رماه به من منع المال عن مستحقه من الأنام وعدم العدل في الأحكام (حتى هم) بتشديد الميم: أي أراد (أن يوقع به) بضم التحتية وكسر القاف والمفعول محذوف: أي شيئاً من العقوبة وذلك لجفائه وسوء أدبه معه (فقال له) : أي لعمر، وقدمه على الفاعل اهتماماً به (الحر: يا أمير المؤمنين) تقدم أوّل الكتاب أنه أوّل من لقب به من الخلفاء (إن الله تعالى قال لنبيه) محرّضاً له على الحلم والصفح: أي ولكم في رسول الله أسوة حسنة (خذ العفو) التيسير من أخلاق الناس ولا تبحث عنها.

وفي البخاري: عن عبد ابن الزبير «ما نزلت {خذ العفو وأمر بالعرف} (الأعراف: ١٩٩) إلا في أخلاق الناس» .

وفي رواية قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس» وكذا في «جامع الأصول» ( {وأمر بالعرف} ) أي المعروف ( {وأعرض عن الجاهلين} ) فلا تقابلهم بسفههم. روي أنه «لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل: ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل؛ ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» ذكره البغوي في تفسيره بلا سند.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه (وإن هذا من الجاهلين) المأمور بالصفح عنهم والتجاوز عن سوء فعلهم، والخطاب له يدخل في حكمه أمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به (وا ما جاوزها) أي الآية (عمر) أي ما خرج عما تضمنته من الصفح والتجاوز (حين تلاها) الحر (عليه) (وكان وقافاً عند) حدود (كتاب ا) كناية عن امتثاله لها والاهتمام بأمرها وعدم تجاوز ذلك، والوقاف بالتشديد للثاني من الوقوف كذا في «النهاية» (رواه البخاري) في التفسير وفي الاعتصام.

٥١٢٧ - (وعن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ستكون)

تحصل (بعدي) أي: بعد وفاتي بمدة كما يومىء إليه السين (أثرة) بالمثلثة والراء اسم مصدر استأثر، أو اسم مصدر آثر يؤثر: أي يستأثر عليكم: أي يفضل غيركم في نصيبه من الفيء، والاستئثار الانفراد بالشيء (وأمور تنكرونها) كما وقع من تأخير الصلوات وبعض المنكرات (قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟) نفعله حينئذٍ (قال: تؤدون) بضم الفوقية وفتح الهمزة وتشديد المهملة: أي تعطون (الحق الذي) كتب (عليكم) من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم (وتسألون الله الذي لكم) من الحق في بيت مال المسملين: أي تطلبون منه ذلك وهو يسخر قلوبهم لأداء ذلك أو يعوّضكم عنه/ ولا يجوز لكم الخروج عليهم لمنع أداء الحق الواجب عليهم وما نقل عن بعض السلف من الخروج على ولاة زمنه فذاك اجتهاد له. وفي الحديث الصبر على المقدور، والرضا بالقضاء حلوه ومرّه، والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم (متفق عليه) رواه البخاري في علامات النبوّة وفي الفتن، ورواه مسلم في المغازي، ورواه الترمذي في «جامعه» وقال: حسن صحيح (والأثرة) بفتح أوليه ويقال الأثرة بضم الهمزة وبالكسر وسكون المثلثة، وكالحسنى. كذا في «مختصر القاموس» (الانفراد بالشيء) أي: الاختصاص به أو ببعضه (عمن له فيه حق) فهو منع المستحق من نصيبه مثلاً أو من بعضه.

٥٢٢٨ - (وعن أبي يحيى) كني بابنه يحيى، وقيل: كنيته أبو عيسى كناه بها النبيّ، وقيل: أبو عتيك، وقيل: أبو حضير وقيل: أبو عمرو (أسيدبن حضير) وسيأتي ضبط هذين الاسمين. وأسيدبن حضير (رضي الله عنه) أنصاري أوسي أشهلي، أسلم قبل سعدبن معاذ على يد مصعببن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى وقيل الثانية، وكان الصديق يكرمه ولا يقدم عليه أحداً ويقول إنه لا خلاف عنده، وشهد العقبة الثانية وكان نقيباً لبني عبد الأشهل، واختلف في شهوده بدراً، وشهد أحداً وما بعدها. آخى بينه وبين زيد بن

حارثة، وكان من أحسن الصحابة صوتاً بالقرآن، وكان أحد العقلاء الكمل أصحاب الرأي. وأخرج في «أسد الغابة» عن أبي هريرة أن النبي قال: «نعم الرجل أسيدبن حضير» روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر حديثاً؛ قاله ابن حزم في «سيرته» ، اتفقا منها على حديث واحد وهو هذا، وانفرد البخاري عنه بحديث آخر أخرجه تعليقاً. توفي أسيد في شعبان سنة عشرين، وحمل عمر رضي الله عنه السرير حتى وضعه بالبقيع وصلى عليه، وكان قد أوصى إلى عمر في وفاء دينه فوجد عليه أربعة آلاف دينار فسده من ثمر نخله، باعه بذلك أربع سنين (أن رجلاً من الأنصار) .

قال الشيخ زكريا: قيل هو أسيدبن حضير الراوي اهـ.

قال السيوطي: ولا بد أن الراوي يبهم نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بالفاتحة (قال: يا رسول الله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (تستعملني) أي تصيرني عاملاً في بلاد ونحوها (كما استعملت فلاناً) هو: عمروبن العاص (وفلاناً) أي: استعمالاً كاستعمال فلان وفلان.

قال ابن السراج: لفظ فلان يكنى به عن اسم سمي به المحدّث عنه خاص بالناس غالباً، يقال في النداء يافل بحذف الألف والنون وقد يحذفان في غير النداء ضرورة، ويقال في غير الناس الفلان والفلانة بأن هذا ما ذكره الجوهري.

قال المصنف في «التهذيب» : ورد عن أبي يعلى في «مسنده» بإسناد على شرط مسلم عن ابن عباس قال: «ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، تعني: الشاة» الحديث. قال: كذا هو في النسخ المعتمدة فلانة من غير أل، وهذا تصريح بجوازه فهما لغتان اهـ. (فقال إنكم) أي: يا معشر الأنصار (ستلقون بعدي أثرة) تقدم ما فيه من اللغات والمعنى المراد منه (فاصبروا) على استئثارهم عليكم بما تستحقونه (حتى تلقوني على الحوض) أي: إلى الموت الكائن بعد البعث منه لقاؤهم له على الحوض. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين قوله: «إنكم ستلقون الخ» وما سأله من العمل. قلت: لعله أن من شأن العامل الاستئثار إلا من عصمالله، فأشفق عليه من أن يقع فيما يقع فيه بعض من يأتي بعده من الملوك/ فيستأثر على ذوي الحقوق ويمنعهم منه، وهذا من جملة معجزاته فقد وقع كما أخبر.

وفي الحديث إيماء إلى أن الخلافة بعده لا تكون فيهم؛ وقد أوصى عليهم (متفق عليه وأسيد بضم الهمزة) وفتح السين المهملة وسكون التحتية آخره دال مهملة (وحضير بالحاء المهملة المضمومة فضاد معجمة مفتوحة) عرف

الحاء ونكر الضاد تفننا في التعبير، وبعد الضاد تحتية ساكنة فراء مهملة.

٥٣٢٩ - (وعن أبي إبراهيم) وقيل: أبو معاوية، وقيل: أبو محمد (عبد ابن أبي أوفى) واسم أبي أوفى علقمةبن خالدبن الحارثبن أبي أسيدبن رفاعةبن ثعلبةبن هوازنبن أسلم الأسلمي، هو وأبوه صحابيان (رضي الله عنهما) بايع عبد الله بيعة الرضوان وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد. ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله، ثم تحوّل إلى الكوفة وهو آخر من توفي بها من أصحاب النبيّ. أخرج ابن الأثير في «أسد الغابة» عنه «أنه سئل عن أكل الجراد فقال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات نأكل الجراد» روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وتسعون حديثاً، اتفقا منها على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد.

توفي عبد الله بالكوفة سنة ستّ وقيل: سبع وثمانين بعد ما كفّ بصره رضي الله عنه (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه) أي أيام غزواته وحروبه وهو متعلق بقوله الآتي «انتظر» (التي لقي فيها العدو) وتقدم في باب التوبة أن عدد المغازي التي خرج لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسع منها بنفسه تقدم بيانها ثمة. والعدوّ بفتح العين فضم الدال المهملتين وتشديد الواو: يطلق على الواحد والجمع، والمراد منه الكفار (انتظر) أي أخر قتالهم (حتى إذا مالت الشمس) عن كبد السماء إلى جهة المغرب هو وقت الزوال، أي كان يؤخر القتال إلى ميل الشمس ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخفّ عليهم حمل السلاح التي يؤلم حملها في شدّة الهاجرة، وقيل بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نصر بها، وفي حديث عند أبي داود «كان ينتظر حتى تزول الشمس وتهب رياح النصر» (قام فيهم) وحتى لبيان غاية الانتظار: أي ما زال منتظراً إلى ميل الشمس وقام جواب إذا والظرف حال من الضمير في قام أي قام فيهم منبهاً لهم

على ما فيه صلاحهم (فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ) زاد في رواية «فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم» وحكمة النهي كما قاله ابن بطال أن المرء لا يعلم مآل أمره وهو نظير سؤال العافية في الفتن. وقال للصديق «لأن أعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر» وقيل: إنما نهي عنه لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على القوّة والوثوق بها وقلة الاهتمام بأمر العدو، وكل ذلك مباين للاحتياط والأخذ بالحزم.

زاد المصنف: وهو نوع بغى وقد وعد الله من بغى عليه بالنصر. وقيل: إن ذلك للخوف من إدالة العدوّ على المسلمين وظفره بهم، وقد جاء في هذا الحديث: «فإنهم ينصرون كما تنصرون» وفي هذا المحل بسط تام في «شرح الأذكار» فراجعه (واسألوا الله العافية) قال المصنف: كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الظاهر والباطن في الدين والدنيا والآخرة (فإذا لقيتموهم) أي: العدو (فاصبروا) على قتالهم ولا تجبنو عن حربهم فإنه تعالى مع الصابرين بالمعونة وقد وعد جنده بالظفر فقال: {وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات: ١٧٣) ففيه الحثّ على الصبر وهو من أهم المطلوب في الجهاد (واعلموا أن الجنة تحت ظلال) بكسر الظاء المعجمة جمع ظل (السيوف) أي حاصلة بها.

قال التوربشتي: معناه ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف ومشي المجاهد في سبيل الله فاحضروا بصدق نية واثبتوا.

وقال القرطبي: هذا من الكلام النفيس البديع الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته وحسن استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المقبولة الوجيزة بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله وأن يأتوا بنظيره وشكله. فإنه استفيد منه مع وجازته الحضّ على الجهاد والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف بعضهم ببعض حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو ويرتفع عليهم حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب بالسيف في سبيل الله يدخل الجنة بذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: «الجنة تحت أقدام الأمهات» ويعني: أن من بر أمه وقام بحقها دخل الجنة (ثم قال) : داعياً بالنصر، وقدم الثناء عليه تعليماً للأدب فيه، وهو أن يقدم الداعي أمام دعائه ذكر بعض أسمائه تعالى وأوصافه مما يناسب حاجته ومطلوبه،

لأنه () مطلوبه هنا النصرة وهي من آثار القدرة، والمذكور يناسبها: أي مناسبة (اللهم) يا (منزل الكتاب) أل فيه للجنس والكتب المنزلة إلى الدنيا بتخفيف الزاي ويجوز تشديدها مائة وأربعة: ستون صحف شيث، وثلاثون صحف إبراهيم، وعشر صحف موسى قبل التوراة، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان.

ويجوز أن تكون أل للعهد؛ والمراد به القرآن، وفي ذكره إيماء إلى وعده بنحو قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء: ١٠٥) ولذا جاء عنه «لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده» (ومجرى السحاب) بإثبات واو العطف، ووقع في بعض نسخ الحصن حذفها، والذي في الصحيح إثباتها (وهازم الأحزاب) الطوائف من الكفار الذين تحزّبوا على رسول الله، واحده حزب بالكسر.

وكانت وقعة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل في الرابعة منها، وإنما خصت بالذكر لأن هزمهم فيها مع كثرة عددهم وعددهم إنما كان بحض القدرة الإلهية، لا دخل فيه لمباشرة الأسباب، بخلاف باقي الحروب فإنه كان عقب مقابلتهم، بل وأعجب من ذلك أن هزمهم كان بما يستراح به الشيء عادة، وهي ريح الصبا التي تستريح بها النفوس ويرتاح بها المأنوس، فكان ذلك لهم دافعاً ولكيدهم مانعاًـ {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً} (الأحزاب: ٢٥) ، (اهزمهم) أي: القوم المحاربين حينئذٍ، أي اغلبهم (وانصرنا عليهم) أي: عجل به، وإلا فرسل اهم المنصورون، وجند اهم الغالبون، وخص الدعاء عليهم بما ذكر دون الإهلاك لأن فيه سلامة نفوسهم، وقد يكون فيها رجاء لإسلامهم بخلاف الإهلاك.

وفي الحديث استعمال السجع في الدعاء. وقال المصنف وغيره: والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ لأنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب. أما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال فصاحة الداعي ونحو ذلك، أو لكونه محفوظاً فلا بأس به، بل هو حسن اهـ.

وفي الحديث الدعاء حال الشدائد والخروج من الحول والقوّة وذلك من أعظم الأسباب لبلوغ المآرب ونيل المطالب.

وفي الحديث: «لا حول ولا قوّة إلا با دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم» والله أعلم. وفي فعله جمع بين الحقيقة والشريعة، فالشريعة أخذه العدة من السلاح وغيره والخروج للقتال وتحريض الصحابة على ذلك، والحقيقة هي دعاؤه وإظهاره للافتقار وتعلقه بربه، وكذا كان عليه الصلاة والسلام يفعل

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

في هذا الحديث: فضل الإخلاص في العمل، وأنه ينجي صاحبه عند الكرب.

وفيه: فضل بر الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمُّل المشقة لأجلهما.

وفيه: العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة.

وفيه: فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.

[٢- باب التوبة]

قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لا تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط:

أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.

والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.

والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.

وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ، وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالاً أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ.

التوبة: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وطلب الاستحلال مِنَ المقذوف ونحوه إن بلغه ذلك، وإلا كفى الاستغفار، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارةُ

من اغتبته أن تسغفر له»

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور (٣١) ] .

(لعل) في الأصل للترجي، وفي كلام الله تعالى للتحقيق؛ لأنَّ وعده واقع والآية تدل على وجوب التوبة من الصغائر والكبائر.

وَقالَ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح (١٠) ] .

وهذه الآية أيضًا تدل على وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.

وَقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا} [التحريم (٨) ] .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع.

[١٣] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تحريض للأمة على التوبة والاستغفار.

قال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.

[١٤] وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث أيضًا: وجوب التوبة والاستغفار، واستمرار ذلك في كل وقت، وعلى كل حال.

[١٥] وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية لمُسْلمٍ: «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» .

في هذا الحديث: محبة الله تعالى لتوبة عبده حين يتوب إليه، وأنه يفرح بذلك فرحًا شديدًا يليق بجلاله.

وفيه: أنَّ ما قاله الإنسان في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.

وفيه: ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.

وفيه: بركة الاستسلام لأمر الله تعالى.

[١٦] وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا، ليتوب عليهم.

[١٧] وعن أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» . رواه مسلم.

قبول التوبة مستمر ما دام بابها مفتوحًا، فإذا أغلق لم تقبل. قال الله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام (١٥٨) ] ، يعني: إذا طلعت الشمس من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه، ولا العاصي توبته.

[١٨] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِنَّ الله - عز وجل - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

الغرغرة: وصول الروح الحلقوم. قال الله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء (١٨) ] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر (٨٤، ٨٥) ] .

[١٩] وعن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - رضي الله عنه - أسْألُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: ما جاءَ بكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاء العِلْمِ، فقالَ: إنَّ المَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطَالبِ العِلْمِ رِضىً بِمَا يطْلُبُ. فقلتُ:

إنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْري المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَولِ، وكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفراً - أَوْ مُسَافِرينَ - أنْ لا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ... ونَوْمٍ. فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكرُ في الهَوَى شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاه أَعرابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحْواً مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لا أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ» . فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عاماً - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحاً للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله: «حك» ، أي: أثَّر. والهوى: الحب.

وفي الحديث: فضل حب الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتًا.

وفيه: فضل العلم وأهله، وفي صحيح مسلم، قال أنس: «ما فرحنا فرحًا أشد ما فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب» . وقال أنس: «

أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم» .

[٢٠] وعن أبي سَعيد سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - أنّ نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» .

وفي رواية في الصحيح: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي،

وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وفي رواية: «فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا» .

في هذا الحديث: فضل العلم على العبادة.

وفيه: والهجرة من دار العصيان، ومقاطعة إخوان السوء، واستبدالهم بصحبة أهل الخير والصلاح.

وفيه: دليل على أنَّ القاضي إذا تعارضت الأقوال عنده، يحكم بالقرائن.

وفيه: أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها. وأن من صدق في توبته، تاب الله عليه، ولو لم يعمل خيرًا إذا عزم على فعله.

[٢١] وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - رضي الله عنه - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ

الغَزْوَةِ،

وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاستَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَادياً والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصَاً عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى ... مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ

تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه -: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرَاً،

فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ ... سَخَطِهِ ... غَدَاً؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قّدْ أظَلَّ قَادِمَاً، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وَثَمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» ، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ،

وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - عز وجل -، والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ

اللهُ فيكَ» . وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَكَ. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلَالُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي،

حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي

أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ ... أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتباً. فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلَالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ

كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلَال بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنا

خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - عز وجل - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ ... إِلَيَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً ... فَوْجاً يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى ... دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ -.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ

مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - عز وجل -» ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله،

إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ... لَكَ» . فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ... [التوبة (١١٧: ١١٩) ] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة (٩٥، ٩٦) ]

قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

أمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.

وفي رواية: وكانَ لا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نَهَاراً في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.

في هذا الحديث: أكثر من أربعين فائدة، منها: فضيلة الصدق، والحكم بالظاهر، وأنَّ القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ ضعيف الدين.

وفيه: جواز هجران المذنب أكثر من ثلاث إذا ظهرت فائدته، ولم يترتب عليه مفسدة، واستحباب الصدقة عند التوبة. وبالله التوفيق.

[٢٢] وَعَنْ أبي نُجَيد - بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيم - عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني» فَفَعَلَ فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ

زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ

تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بنفْسِها لله - عز وجل -؟!» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الحد يكفر الذنب، وأنه يصلي على المرجوم.

وفيه: بيان عظم التوبة، وأنها تَجُبُّ الذنب وإن عظم.

وفي رواية: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت» .

قال النووي: فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، تكرار ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. انتهى والله المستعان.

[٢٣] وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:

{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الآيات [المعارج (١٩: ٢٥) ] .

[٢٤] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتلُ أَحَدهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا في سَبيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتلِ فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ» . مُتَّفَقٌ عليه.

ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أنَّ الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرًا، ولا يؤيسه ذلك من رحمة الله، فإن الله واسع المغفرة. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر (٥٣) ] .

[٣- باب الصبر]

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران (٢٠٠) ] .

الصبر ثلاثةُ أَنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله. وقد أَمر الله تعالى بالصبر على ذلك كله.

وقوله تعالى: {وَصَابِرُوا} أي: غالبوا الكفار بالصبر فلا يكونوا أَشدَّ صبرًا منكم، فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون.

وقوله تعالى: {وَرَابِطُوا} أي: أقيموا على الجهاد. قال - صلى الله عليه وسلم -: «رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: ... «أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إِسباغ الوضوء على المكاره، وكَثْرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط، فذالكم الرباط» .

وقال تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٥) ] ،

على البلايا والرزايا بالذكر الجميل والثَواب الجزيل.

وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر (١٠) ] .

أي: بغيرِ مكْيالٍ، ولا وزن، فلا جزاء فوق جزاء الصبر.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

أي: مَنْ صبر فلم ينتصر لنفسه وتجاوز عن ظالمه، فإِن ذلك من الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة.

وَقالَ تَعَالَى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٣) ]

أي: استعينوا على طلب الآخرة بحبس النَّفْس عن المعاصي، والصبر على أداء الفرائض، فإنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: ثقيلة {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} أي: المؤمنين حقًّا.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} ... [محمد (٣١) ] ، وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.

أي: ولنختبرنكم بالتكاليف حتى يتميز الصادق في دينه من الكاذب. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج (١١) ] .

وَالآيَاتُ في الأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَبَيَانِ فَضْلهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفةٌ.

قيل: إنَّ الصبر ذُكِرَ في مئة موضع من القرآن.

[٢٥] وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصم الأشعريِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ ... رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان، والحَمدُ لله تَمْلأُ الميزَانَ،

وَسُبْحَانَ الله والحَمدُ لله تَملآن - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَينَ السَّماوات وَالأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدقةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرْآنُ حُجةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُها» . رواه مسلم.

قوله: «الطُّهُور شَطْرُ الإِيمان» ، أي: نصفه؛ لأَن خِصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة. قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أَحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أَن لا إِله إِلا الله، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله، إِلا فتحت له أَبواب الجنة الثمانية يدخل في أَيِّها شاء» .

قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» أي: أَجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى. وفي الحديث الآخر: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إِله إِلا الله ليس لها دون الله حجابٌ حتى تصل إِليه» .

وسببُ عظم فضل هذه الكلمات: ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى، وتوحيده، والافتقار إِليه.

قوله: «والصلاة نورٌ» أي: لصاحبها في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة. «والصدقة برهان» أي: دليلٌ واضح على صحة الإِيمان. ... «والصبر ضياء» ، وهو النور الذي يحصل فيه نوعُ حرارة؛ لأَنَّ الصبر لا يحصل إِلا بمجاهدة النفس.

«والقرآن حجةٌ لك أَو عليك» أي: إِن عملت به فهو حجة لك، وإلا فهو حجة عليك. قوله: «كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقُها»

أي: كل إِنسان يسعى، فمنهم من يبيع نفسه لله بطاعته فيعتقها من النار، ومنهم مَنْ يبيعها للشيطان والهوى فيهلكها.

قال الحسن: «يا ابن آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأَرباح، فليكن هَمُّك نفسك، فإِنك لن تربح مثلها أَبدًا» .

[٢٦] وعن أبي سَعيد سعدِ بن مالكِ بنِ سنانٍ الخدري رضي الله عنهما: أَنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ سَألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أنْفْقَ كُلَّ شَيءٍ بِيَدِهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: الحثُّ على الاستعفاف، وأَنَّ مَنْ رزقه الله الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا، فقد أعطاه خيرًا كثيرًا.

[٢٧] وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

«عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلا للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فَضْلُ الشكر على السّرّاء والصبر على الضرّاء، فمن فعل ذلك حصل له خيرُ الدارين، ومَنْ لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأَجر، وحصل له الوِزْر.

[٢٨] وعن أنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَعلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: وَاكَربَ أَبَتَاهُ. فقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ» فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبّاً دَعَاهُ! يَا أَبتَاهُ، جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْريلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضي الله عنها: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - التُّرَابَ؟! رواه البخاري.

في هذا الحديث: جوازُ التوجع للميِّت عند احتضاره، وأَنه ليس من النياحة. ومناسبة إِيراده في باب الصبر: صبرُهُ - صلى الله عليه وسلم - على ما هو فيه من سكرات الموت، وشدائده، ورضاه بذلك، وتسكين ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: «لا كرب عَلَى أَبيكِ بَعْدَ اليَوْمِ» .

[٢٩] وعن أبي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حارثةَ مَوْلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحِبِّه وابنِ حبِّه رضي اللهُ عنهما، قَالَ: أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرئُ السَّلامَ، ويقُولُ: «إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ - رضي الله عنهم -، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ... الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: «هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ

عِبَادِهِ» وفي رواية: «فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَمَعنَى «تَقَعْقَعُ» : تَتَحرَّكُ وتَضْطَربُ.

في هذا الحديث: جوازُ استحضار أهل الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، واستحباب إبرار القسم، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضا مقاومًّا للحزن بالصبر , وفيه: جواز البكاء من غير نوح ونحوه.

[٣٠] وعن صهيب - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلاماً يُعَلِّمُهُ، وَكانَ في طرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعدَ إِلَيْه وسَمِعَ كَلامَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ، مَرَّ بالرَّاهبِ وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِب، فَقَالَ: إِذَا خَشيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا خَشِيتَ أهلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.

فَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَقَالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ السَّاحرُ أفْضَلُ أم الرَّاهبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدّابَّةَ حَتَّى يَمضِي النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها ومَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهبَ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَومَ أفْضَل منِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى،

وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإن ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ وَكانَ الغُلامُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرصَ، ويداوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاء. فَسَمِعَ جَليسٌ لِلملِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فأتاه بَهَدَايا كَثيرَةٍ، فَقَالَ:

مَا ها هُنَا لَكَ أَجْمعُ إنْ أنتَ شَفَيتَنِي، فَقَالَ: إنّي لا أشْفِي أحَداً إِنَّمَا يَشفِي اللهُ تَعَالَى، فَإنْ آمَنْتَ بالله تَعَالَى دَعَوتُ اللهَ فَشفَاكَ، فَآمَنَ بالله تَعَالَى فَشفَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَما كَانَ يَجلِسُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَنْ رَدّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيري؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجيء بالغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرئ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! فَقَالَ: إنِّي لا أَشْفي أحَداً، إِنَّمَا يَشفِي الله تَعَالَى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهبِ؛ فَجِيء بالرَّاهبِ فَقيلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِنْشَارِ فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَليسِ المَلِكِ فقيل لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلَامِ فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَل، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلا فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفنيهمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمُ الجَبلُ فَسَقَطُوا، وَجاءَ يَمشي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ الله تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ

رَجعَ عَنْ دِينِهِ وإِلا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفِنيهمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفينةُ فَغَرِقُوا، وَجَاء يَمْشي إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فعلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانيهمُ الله تَعَالَى. فَقَالَ لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعيدٍ وَاحدٍ وتَصْلُبُني عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ

خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بسْم الله ربِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلتَني، فَجَمَعَ النَّاسَ في صَعيد واحدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوقَعَ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ والله نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأفْواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرانُ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينهِ فَأقْحموهُ فيهَا، أَوْ قيلَ لَهُ: اقتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُمهْ اصْبِري فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ!» . رواه مسلم.

«ذِروَةُ الجَبَلِ» : أعْلاهُ، وَهيَ - بكَسْر الذَّال المُعْجَمَة وَضَمِّهَا - و «القُرْقُورُ» : بضَمِّ القَافَينِ نَوعٌ مِنَ السُّفُن وَ «الصَّعيدُ» هُنَا: الأَرضُ البَارِزَةُ وَ «الأُخْدُودُ» الشُّقُوقُ في الأَرضِ كَالنَّهْرِ الصَّغير، وَ «أُضْرِمَ» : أوْقدَ، وَ «انْكَفَأتْ» أَي: انْقَلَبَتْ، وَ «تَقَاعَسَتْ» : تَوَقفت وجبنت.

قال القُرطبي: اسم الغلام عبد الله بن ثامر. وذُكر عن ابن عباس أَن الملك كان بنجران.

وفي هذا الحديث: إِثبات كرامة الأَولياء. وفيه: نصرُ مَنْ توكل على الله سبحانه، وانتصر وخرج عن حَوْل نفسه وقواها. وفيه: أَنَّ أَعمى القلب لا يبصر الحق. وفيه: بيان شرف الصبر والثبات على الدِّين.

[٣١] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بامرأةٍ تَبكي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتّقِي الله واصْبِري» فَقَالَتْ: إِليْكَ عَنِّي؛ فإِنَّكَ لم تُصَبْ بمُصِيبَتي وَلَمْ تَعرِفْهُ، فَقيلَ لَهَا: إنَّه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَتْ بَابَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فقالتْ: لَمْ أعْرِفكَ، فَقَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ ... الأُولى» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم: «تبكي عَلَى صَبيٍّ لَهَا» .

في هذا الحديث: أَن ثواب الصبر إِنَّما يحصل عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعدها، فإن صاحبها يسلو كما تسلو البهائم.

[٣٢] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.

هذا من الأحاديث القدسية، وفيه: أَنَّ مَنْ صبر على المصيبة واحتسب

ثوابها عند الله تعالى، فإنَّ جزاءه الجنَّة.

[٣٣] وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الطّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على الأَقدار والاحتساب لثوابها.

قال بعض العلماء: إِنَّ الصابر في الطاعون يأمن من فَتَّان القبر؛ لأَنه نظير المرابطة في سبيل الله. وقد صحَّ ذلك في المرابط كما في (مسلم) وغيره.

[٣٤] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله - عز وجل -، قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يريد عينيه، رواه البخاري.

في هذا الحديث القدسي: أَن من صبر على فقد بصره واحتسب أجره عند الله تعالى: عَوَّضه عن ذلك الجنة.

[٣٥] وعن عطَاء بن أبي رَباحٍ قَالَ: قَالَ لي ابنُ عَباسٍ رضي اللهُ عنهما: ألا أُريكَ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوداءُ أتتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: إنّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ الله تَعَالَى لي. قَالَ: «إنْ شئْتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإنْ شئْتِ دَعَوتُ الله تَعَالَى أنْ

يُعَافِيكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فَادعُ الله أنْ لا أَتَكَشَّف، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على البلاء، وعظم ثواب مَنْ فَوَّض أَمره إلى الله تعالى.

[٣٦] وعن أبي عبد الرحمنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِياءِ، صَلَواتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهمْ، ضَرَبه قَوْمُهُ فَأدْمَوهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومي، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ» . مُتَّفَقٌ علَيهِ.

في هذا الحديث: فضلُ الصبر على الأَذي، ومقابلة الإِساءة والجهل بالإحسان والحِلْم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ٣٥} [فُصِّلت (٣٥) ] .

[٣٧] وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذَىً، وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

و «الوَصَبُ» : المرض.

في هذا الحديث: أَنَّ الأمراض وغيرها من المؤذيات مُطهرةٌ للمؤمن من الذنوب، فَيَنْبَغِي الصَّبرُ على ذلك ليحصل له الأَجرُ، والمصاب مَنْ حُرِم الثواب.

[٣٨] وعن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دخلتُ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يُوعَكُ، فقلت: يَا رسُولَ الله، إنَّكَ تُوْعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ: «أجَلْ، إنِّي أوعَكُ كمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ» . قلْتُ: ذلِكَ أن لَكَ أجْرينِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، ذلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَ (الوَعْكُ) : مَغْثُ الحُمَّى، وَقيلَ: الحُمَّى.

أَجَلْ: جوابٌ مثل نعم، إِلا أَنَّه أَحسن من نعم في التصديق، ونعم، أَحسن في الاستفهام.

وفي هذا الحديث: فضل الصبر على الأَمراض والأَعراض، وأَنها تُكَفِّر السيِّئات، وتحط الذنوب.

وفي الحديث الآخر: «أّشدُّ الناس بلاءً الأَنبياء، ثم الأَمثل، فالأَمثل» .

[٣٩] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ» . رواه البخاري.

وَضَبَطُوا «يُصِبْ» بفَتْح الصَّاد وكَسْرها.

في هذا الحديث: أَنَّ المؤمن لا يخلو من عِلَّة أَو قلة، أَو ذلّة، وذلك خير له حالاً ومآلاً. قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة (١٥٥) ] .

[٤٠] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ لضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فاعلاً، فَليَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيراً لِي، وَتَوفّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيراً لي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: النهي عن تمنِّي الموت جزعًا من البلاء الدنيوي، بل يصبر على قدر الله ويسأَله العافية، ويفوِّض أَمره إِلى الله.

[٤١] وعن أبي عبد الله خَبَّاب بنِ الأَرتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الكَعْبَةِ، فقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ألا تَدْعُو لَنا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ

نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ ... لا يَخَافُ إلا اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ» . رواه البخاري.

وفي رواية: «وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شدَّةً» .

في هذا الحديث: مَدْحُ الصبر على العذاب في الدين، وكراهة الاستعجال. قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ

الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة (٢١٤) ] .

[٤٢] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَاساً في القسْمَةِ، فَأعْطَى الأقْرَعَ بْنَ حَابسٍ مئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَة بْنَ حصن مِثْلَ ذلِكَ، وَأَعطَى نَاساً مِنْ أشْرافِ العَرَبِ وآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ في القسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: واللهِ إنَّ هذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُريدَ فيهَا وَجْهُ اللهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَتَيْتُهُ فَأخْبَرتُهُ بمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لم يَعْدِلِ ... اللهُ وَرسولُهُ؟» ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبر» . فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْه بَعدَهَا حَدِيثاً. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَقَوْلُهُ: «كالصِّرْفِ» هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.

في هذا الحديث: استحبابُ الإِعراض عن الجاهل والصفح عن الأَذى والتأَسِّي بمن مضى من الصالحين، قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان (٦٣) ] .

[٤٣] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَرَادَ الله بعبدِهِ الخَيرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ الشَّرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يومَ القِيَامَةِ» .

وَقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

في هذا الحديث: الحثُّ على الصبر على ما تجري به الأَقدار، وأَنه خيرٌ للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز، ومن سخط فاته الأَجر وثبت عليه الوِزْر، ومضى فيه القدر.

[٤٤] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ - رضي الله عنه - يَشتَكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أمُّ سُلَيم وَهِيَ أمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إليه العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ منْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَتْ: وَارُوا الصَّبيَّ فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أعَرَّسْتُمُ اللَّيلَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا» ، فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَقَالَ لي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَراتٍ، فَقَالَ: «أَمَعَهُ شَيءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَراتٌ، فَأخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ الله. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية للبُخَارِيِّ: قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ:

فَرَأيْتُ تِسعَةَ أوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا القُرْآنَ، يَعْنِي: مِنْ أوْلادِ عَبدِ الله المَولُودِ.

وَفي رواية لمسلمٍ: مَاتَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْه عَشَاءً

فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا. فَلَمَّا أَنْ رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيتَ لو أنَّ قَوماً أعارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أن يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ، ثُمَّ أخْبَرتني بِابْنِي؟! فانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ... رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُمَا» ، قَالَ: فَحَمَلَتْ. قَالَ: وَكانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ وَهيَ مَعَهُ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَتَى المَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً فَدَنَوا مِنَ المَدِينَة، فَضَرَبَهَا المَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وانْطَلَقَ ... رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ: يَقُولَ أَبُو طَلْحَةَ: إنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أَنَّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أجدُ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلدَت غُلامَاً. فَقَالَتْ لِي أمِّي: يَا أنَسُ، لا يُرْضِعْهُ أحَدٌ حَتَّى تَغْدُو بِهِ عَلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وَذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيثِ.

في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر والتسليم لأَمر الله تعالى، وأَنِّ مَنْ فعل ذلك رجي له الإِخلاف في الدنيا، والأَجر في الآخرة كما في الدُّعاء المأثور: « (اللهم أَجرني في مصيبتي، واخلف لِي خيرًا منها» .

وفيه: التسلية عن المصائب، وتزين المرأَة لزوجها، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورةُ إليها، ولم يترتب عليها إِبطالُ حق.

وفيه: أَنَّ مَنْ ترك شيئًا لله عوضه اللهُ خيرًا منه.

[٤٥] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالصُّرَعَةُ» : بضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وأَصْلُهُ عِنْدَ العَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثيراً.

في هذا الحديث: مَدْح من يملك نفسه عند الغضب. قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران (١٣٤) ] .

والغضب: جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير، وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصني. قال: «لا تغضب» ، فردَّد مرارًا. قال: «لا تغضب» .

وقال عمر بن عبد العزيز: قد أَفْلح مَنْ عُصِم من الهوى، والغضب، والطمع.

[٤٦] وعن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ:

أعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ» . فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: أن الشيطان هو الذي يثير الغضب ويشعل النار، وأن دواءه الاستعاذة. قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الاعراف (٢٠٠) ] .

[٤٧] وعن معاذِ بنِ أَنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيظاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ» . رواه أَبو داود والترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .

رُوى أنَّ الحسين بن علي رضي الله عنهما كان له عبدٌ يقوم بخدمته ويقرب إليه طهره، فقرب إليه طهره ذات يوم في كُوز، فلما فَرَغ الحسين من طهوره رفع العبدُ الكوز من بين يديه، فأصاب فم الكوز رباعية الحسين فكسرها، فنظر إليه الحسين، فقال العبد: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} قال: قد كظمتُ غيظي. فقال: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} . قال: قد عفوت عنك. قال: {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.

[٤٨] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِراراً، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.

هذه وصيةٌ وجيزة نافعة؛ لأَنَّ الغضب يجمع الشرَّ كله، وهو باب من من مداخل الشيطان. وفي الحديث دليلٌ على عظم مفسدة الغضب، وما

ينشأ منه؛ لأَنه يُخرج الإِنسان عن اعتداله فيتكلم بالباطل، ويفعل المذموم والقبيح.

[٤٩] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن صحيح) .

في هذا الحديث: أنَّ المصائبَ والمتاعب النازلة بالمؤمن الصابر من المرض، والفقر، وموت الحبيب، وتلف المال، ونقصه: مكفَّرات لخطاياه كلها.

[٥٠] وعن ابْنِ عباسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - رضي الله عنه -، وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِس عُمَرَ - رضي الله عنه - وَمُشاوَرَتِهِ كُهُولاً كانُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ

وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف (١٩٩) ] وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.

في هذا الحديث: أَنَّه ينبغي لولي الأَمر مجالسة القراء والفقهاء ليذكروه إذا نسي، ويعينوه إذا ذكر. وفيه: الحِلْم والصفح عن الجهال.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آيةٌ أَجمع لمكارم الأخلاق من هذه. ورُوي أَنَّ جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ ربَّك يأمرك أن تصل مَنْ قطعك، وتُعطي مَنْ حرمك، وتعفوَ عَمَّن ظلمك» .

والخطاب له - صلى الله عليه وسلم - يدخل في حكمه أُمَّته.

[٥١] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّهَا سَتَكونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها!» قَالُوا: يَا رَسُول الله، فَمَّا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسأَلُونَ الله الَّذِي لَكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالأَثَرَةُ» : الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.

في هذا الحديث: الصَّبْر على جَور الولاة، وإِن استأثروا بالأَموال، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.

[٥٢] وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير - رضي الله عنه -: أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ قَالَ:

يَا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً، فَقَالَ:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد