الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٢٩٢
الحديث رقم ٢٩٢ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب النفقة على العيال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٩٢ - وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - في حديثه الطويل الَّذِي قدمناه في أول الكتاب ⦗١١٤⦘ في باب النِّيَةِ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ: «وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلَاّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فيِّ امرأتِك». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (١)
مرض سعد بن أبي وقاص -رضى الله عنه- في حجة الوداع مرضًا شديدًا خاف من شدته الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم، فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله، فقال: يا رسول الله، إنني قد اشتد بي الوجع الذي أخاف منه الموت، وإني صاحب مال كثير، وإنه ليس من الورثة الضعفاء الذين أخشى عليهم العيلة والضياع إلا ابنة واحدة، فبعد هذا هل أتصدق بثلثي مالي، لأقدمه لصالح عملي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا. قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ فقال: لا مانع من التصدق بالثلث مع أنه كثير. فالنزول إلى ما دونه من الربع والخمس أفضل. ثم بين له النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة في النزول في الصدقة من أكثر المال إلى أقله بأمرين:
1- وهو أنه إن مات وقد ترك ورثته أغنياء منتفعين ببره وماله فذلك خير من أن يخرجه منهم إلى غيرهم، ويدعهم يعيشون على إحسان الناس.
2- وإما أن يبقى ويجد ماله، فينفقه في طرقه الشرعية، ويحتسب الأجر عند الله فيؤجر على ذلك، حتى في أوجب النفقات عليه وهو ما يطعمه زوجه.
ثم خاف سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فينقص ذلك من ثواب هجرته، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف قهرا في البلد التي هاجر منها، فيعمل فيه عملا ابتغاء ثواب الله إلا ازداد به درجة، ثم بشره صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه سيبرأ من مرضه، وينفع الله به المؤمنين، ويضر به الكافرين، فكان كما أخبر الصادق المصدوق، فقد بريء من مرضه، وصار القائد الأعلى في حرب الفرس، فنفع الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الفتوح وضر به الله الشرك والمشركين، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعموم أصحابه أن يحقق لهم درجتهم، وأن يقبلها منهم، وألا يردهم عن دينهم أو إلى البلاد التي هاجروا منها، فقبل الله منه ذلك، وله الحمد والمنة، والحمد لله الذي أعز بهم الإسلام.
ثم ذكر سعد بن خولة، وهو من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثى له النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٣٦ـ باب النفقة على العيال]
قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣] ، وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَئهَا) [الطلاق: ٧] ، وقال تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى ـ: باب النفقة على العيال.
العيال: هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك، وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة، أما الأقارب فلهم حق، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] .
فالقريب له حق في أن ينفق عليه، يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته، كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب، عليه أن ينفق على أولاده وعل زوجاته، وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله؛ لأنه قال: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من أجل الإرضاع، أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية.
وقوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى؛ كالجد ومن فوقه، فعليه أن ينفق على أولاد أولاده، وإن نزلوا.
لكن يشترط لذلك شروط:
الشرط الأول: أن يكون المنفق قادراً على الإنفاق؛ فإن كان عاجزاً فإنه لا يجب عليه الإنفاق، لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَهَا) أي: إلا ما أعطاها، (آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق: ٧] .
الشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه عاجزاً عن الإنفاق على نفسه، فإن كان قادراً على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى، ولا يجب على أحد أن ينفق عليه؛ لأنه مستغن، وإذا كان مستغنياً، فإنه لا يستحق أن ينفق عليه.
الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] ،
فإن كان قريباً لا يرث؛ فلا يجب عليه الإنفاق.
فإذا تمت الشروط الثلاثة؛ فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، ونكاح، وإن كان قادراً على بعض الشيء دون بعض؛ وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص؛ لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] .
ثم ذكر المؤلف ثلاث آيات: الآية الأولى قول الله تبارك وتعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: من الآية٢٣٣] ، والآية الثانية: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ
اللَّهُ) [الطلاق: ٧] ، والآية
الثالثة قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
فقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي شيء يكون قد أنفقتموه لله عز وجل (فَهُوَ يُخْلِفُه) أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين.
* * *
١/٢٨٩ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك)) رواه مسلم.
٢/٢٩٠ ـ وعن أبي عبد الله ـ ويقال له: أبو عبد الرحمن ـ ثوبان ابن بجدد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)) رواه مسلم.
٣/٢٩١ ـ وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أتفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بنيّ؟ فقال: ((نعم لك أجر ما أنفقت عليهم)) متفق عليه
٤/٢٩٢ ـ وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي
قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيَ امرأتك)) متفق عليه.
٥/٢٩٣ ـ وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة)) متفق عليه.
٦/٢٩٤ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)) .
٧/٢٩٥ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) متفق عليه.
٨/٢٩٦ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ
بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب النفقة على الأهل، كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الإنفاق على الأهل، وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وأفضل من الإنفاق في الرقاب، وأفضل من الإنفاق على المساكين؛ وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم، وأوجب عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية.
وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: ((ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه)) .
لكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويقلل رغبته في الواجب، فتجده مثلاً يحرص على الصدقة ويدع الواجب، يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله، يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه؛ كقضاء الدين مثلاً، تجده مديناً يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي، ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو
لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب، وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة، فهو سفه في العقل وضلال في الشرع.
والواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه، ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفاً ولا مقطراً، فتخرج عن سبيل الاعتدال؛ لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧] .
يعني لا إقتار ولا إسراف، بل قواماً، ولم يقل بين ذلك فقط، بل بين ذلك قواماً، قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط.
على كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته، وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير.
وفي هذه الأحاديث أيضاً التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته، وهو شامل للإنسان وغير الإنسان، فالإنسان يملك الأرقة مثلاً، ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين، ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم)) ، واللفظ الثاني في غير مسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
الدخيل: الضيف والنزيل؛ وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أَمَد لها.
[٢٨٨] وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: دليل على أن الافتتان بالنساء أشد من سائر الشهوات، لعدم الاستغناء عنهن، وقد يحمل حبهن على تعاطي ما لا يحل للرجل وترك ما ينفعه في أمور دينه ودنياه.
٣٦- باب النفقة عَلَى العيال
قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف} [البقرة (٢٣٣) ] .
أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن، سواءً كُنَّ في عصمته أو مطلقات بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته.
وَقالَ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلا مَا آتَاهَا} [الطلاق (٧) ] .
هذه الآية نزلت في الإنفاق على المرضعة، وهي عامة في جميع النفقات الواجبة.
وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُه} [سبأ (٣٩) ] .
أي: يعوِّضه عاجلاً أو آجلاً.
[٢٨٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دِينَارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ، وَدِينار أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِينارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ
عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ، أعْظَمُهَا أجْراً الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ» . رواه مسلم.
فيه: أنّ النفقة الواجبة أعظم أجرًا من المندوبة.
[٢٩٠] وعن أَبي عبد الله، ويُقالُ لَهُ: أَبو عبد الرحمن ثَوبَان بن بُجْدُد مَوْلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدينَارٌ يُنْفقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينارٌ يُنْفقُهُ عَلَى أصْحَابهِ في سَبيلِ اللهِ» . رواه مسلم.
قدَّم في هذا الحديث النفقة على العيال في الذكر، اهتمامًا بذلك لأنه أشرف الأنواع.
[٢٩١] وعن أمِّ سَلمَة رَضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، هَلْ لِي أجرٌ فِي بَنِي أَبي سَلَمَة أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكتهمْ هكَذَا وَهكَذَا إنَّمَا هُمْ بَنِيّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: دليل على ثبوت الأجر على نفقة العيال وغيرهم، ولو كان ذلك لازمًا بالطبع.
[٢٩٢] وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - في حديثه الطويل الَّذِي قدمناه في أول الكتاب في باب النِّيَةِ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ: «وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فيِّ امرأتِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
في هذا الحديث: أنّ كل شيء قصد به وجه الله تعالى يثاب عليه فاعله، ولو كان من الملاعبة.
[٢٩٣] وعن أَبي مسعود البدري - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: أنّ النفقة على الأهل وإن كانت واجبة فهي له صدقة إذا احتسبها.
[٢٩٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . حديث صحيح رواه أَبُو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بمعناه، قَالَ: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» .
فيه: عظم إثم من منع نفقة زوجته أو ولده، أو غيرهم ممن تلزمه نفقتهم وكذلك دوابه.
[٢٩٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكانِ يَنْزلَانِ، فَيقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تلَفاً» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
أيهم الخَلَفُ في هذا الحديث، ليتناول المال والثواب وغيرهما، والتَلَفُ يتناول ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٣٦ـ باب النفقة على العيال]
قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣] ، وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَئهَا) [الطلاق: ٧] ، وقال تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى ـ: باب النفقة على العيال.
العيال: هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك، وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة، أما الأقارب فلهم حق، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] .
فالقريب له حق في أن ينفق عليه، يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته، كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب، عليه أن ينفق على أولاده وعل زوجاته، وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله؛ لأنه قال: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من أجل الإرضاع، أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية.
وقوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى؛ كالجد ومن فوقه، فعليه أن ينفق على أولاد أولاده، وإن نزلوا.
لكن يشترط لذلك شروط:
الشرط الأول: أن يكون المنفق قادراً على الإنفاق؛ فإن كان عاجزاً فإنه لا يجب عليه الإنفاق، لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَهَا) أي: إلا ما أعطاها، (آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق: ٧] .
الشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه عاجزاً عن الإنفاق على نفسه، فإن كان قادراً على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى، ولا يجب على أحد أن ينفق عليه؛ لأنه مستغن، وإذا كان مستغنياً، فإنه لا يستحق أن ينفق عليه.
الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] ،
فإن كان قريباً لا يرث؛ فلا يجب عليه الإنفاق.
فإذا تمت الشروط الثلاثة؛ فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، ونكاح، وإن كان قادراً على بعض الشيء دون بعض؛ وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص؛ لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] .
ثم ذكر المؤلف ثلاث آيات: الآية الأولى قول الله تبارك وتعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: من الآية٢٣٣] ، والآية الثانية: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ
اللَّهُ) [الطلاق: ٧] ، والآية
الثالثة قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
فقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي شيء يكون قد أنفقتموه لله عز وجل (فَهُوَ يُخْلِفُه) أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين.
* * *
١/٢٨٩ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك)) رواه مسلم.
٢/٢٩٠ ـ وعن أبي عبد الله ـ ويقال له: أبو عبد الرحمن ـ ثوبان ابن بجدد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)) رواه مسلم.
٣/٢٩١ ـ وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أتفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بنيّ؟ فقال: ((نعم لك أجر ما أنفقت عليهم)) متفق عليه
٤/٢٩٢ ـ وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي
قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيَ امرأتك)) متفق عليه.
٥/٢٩٣ ـ وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة)) متفق عليه.
٦/٢٩٤ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)) .
٧/٢٩٥ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) متفق عليه.
٨/٢٩٦ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ
بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب النفقة على الأهل، كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الإنفاق على الأهل، وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وأفضل من الإنفاق في الرقاب، وأفضل من الإنفاق على المساكين؛ وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم، وأوجب عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية.
وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: ((ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه)) .
لكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويقلل رغبته في الواجب، فتجده مثلاً يحرص على الصدقة ويدع الواجب، يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله، يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه؛ كقضاء الدين مثلاً، تجده مديناً يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي، ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو
لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب، وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة، فهو سفه في العقل وضلال في الشرع.
والواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه، ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفاً ولا مقطراً، فتخرج عن سبيل الاعتدال؛ لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧] .
يعني لا إقتار ولا إسراف، بل قواماً، ولم يقل بين ذلك فقط، بل بين ذلك قواماً، قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط.
على كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته، وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير.
وفي هذه الأحاديث أيضاً التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته، وهو شامل للإنسان وغير الإنسان، فالإنسان يملك الأرقة مثلاً، ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين، ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم)) ، واللفظ الثاني في غير مسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
الدخيل: الضيف والنزيل؛ وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أَمَد لها.
[٢٨٨] وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: دليل على أن الافتتان بالنساء أشد من سائر الشهوات، لعدم الاستغناء عنهن، وقد يحمل حبهن على تعاطي ما لا يحل للرجل وترك ما ينفعه في أمور دينه ودنياه.
٣٦- باب النفقة عَلَى العيال
قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف} [البقرة (٢٣٣) ] .
أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن، سواءً كُنَّ في عصمته أو مطلقات بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته.
وَقالَ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلا مَا آتَاهَا} [الطلاق (٧) ] .
هذه الآية نزلت في الإنفاق على المرضعة، وهي عامة في جميع النفقات الواجبة.
وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُه} [سبأ (٣٩) ] .
أي: يعوِّضه عاجلاً أو آجلاً.
[٢٨٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دِينَارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ، وَدِينار أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِينارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ
عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ، أعْظَمُهَا أجْراً الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ» . رواه مسلم.
فيه: أنّ النفقة الواجبة أعظم أجرًا من المندوبة.
[٢٩٠] وعن أَبي عبد الله، ويُقالُ لَهُ: أَبو عبد الرحمن ثَوبَان بن بُجْدُد مَوْلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدينَارٌ يُنْفقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينارٌ يُنْفقُهُ عَلَى أصْحَابهِ في سَبيلِ اللهِ» . رواه مسلم.
قدَّم في هذا الحديث النفقة على العيال في الذكر، اهتمامًا بذلك لأنه أشرف الأنواع.
[٢٩١] وعن أمِّ سَلمَة رَضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، هَلْ لِي أجرٌ فِي بَنِي أَبي سَلَمَة أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكتهمْ هكَذَا وَهكَذَا إنَّمَا هُمْ بَنِيّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: دليل على ثبوت الأجر على نفقة العيال وغيرهم، ولو كان ذلك لازمًا بالطبع.
[٢٩٢] وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - في حديثه الطويل الَّذِي قدمناه في أول الكتاب في باب النِّيَةِ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ: «وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فيِّ امرأتِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
في هذا الحديث: أنّ كل شيء قصد به وجه الله تعالى يثاب عليه فاعله، ولو كان من الملاعبة.
[٢٩٣] وعن أَبي مسعود البدري - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فيه: أنّ النفقة على الأهل وإن كانت واجبة فهي له صدقة إذا احتسبها.
[٢٩٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . حديث صحيح رواه أَبُو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بمعناه، قَالَ: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» .
فيه: عظم إثم من منع نفقة زوجته أو ولده، أو غيرهم ممن تلزمه نفقتهم وكذلك دوابه.
[٢٩٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكانِ يَنْزلَانِ، فَيقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تلَفاً» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
أيهم الخَلَفُ في هذا الحديث، ليتناول المال والثواب وغيرهما، والتَلَفُ يتناول ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال.