٣٣٩ - وعن أَبي محمد جبيرِ بن مطعم - رضي الله عنه: أن رَسُول الله - صلى الله…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٣٣٩

الحديث رقم ٣٣٩ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ٣٣٩ - وعن أبي محمد جبير بن مطعم - رضي الله…

٣٣٩ - وعن أَبي محمد جبيرِ بن مطعم - رضي الله عنه: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» قَالَ سفيان في روايته: يَعْنِي: قَاطِع رَحِم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (١)

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ٣٣٩ - وعن أبي محمد جبير بن مطعم - رضي الله…

يُخبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن قَطَع عن أقاربه ما يَجِب لهم من الحقوق، أو آذاهم وأساء إليهم، فهو مُستحق ألَّا يدخلَ الجنة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب.
  • صلة الرحم تكون حسب المتعارف عليه، فتختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص.
  • صلة الرحم تكون بالزيارة، والصدقة، والإحسان إليهم، وعيادة المرضى، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وغير ذلك.
  • كلما كانت قطيعة الرحم في الأقرب كانت أشدَّ إثمًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ٣٣٩ - وعن أبي محمد جبير بن مطعم - رضي الله…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٤١ ـ باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم]

قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد: ٢٢، ٢٣] .

وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ) [الرعد: ٢٥] .

وقال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .

١/٣٣٦ ـ وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ: باب تحريم العقوق وقطيعة الأرحام. العقوق بالنسبة للوالدين، وقطيعة الأرحام بالنسبة للأقارب غير

الوالدين.

والعقوق مأخوذ من العق وهو القطع، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع؛ لأنها تعق: يعني تقطع رقبتها عند الذبح.

والعقوق من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد عليه من الكتاب والسنة وكذلك قطيعة الرحم. قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) يعني أنكم إذا توليتم أفسدتم في الأرض، وقطعتم الرحم وحقت عليكم اللعنة، وأعمى الله أبصاركم.

(وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) المراد بالأبصار هنا البصيرة وليس بصر العين، والمراد أن الله تعالى يعمي بصيرة الإنسان والعياذ بالله، حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً.

وهذه عقوبة أخروية ودنيوية:

أما الأخروية: فقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [النساء: ٥٢] .

وأما الدنيوية: فقوله: (فَأَصَمَّهُمْ) ، يغني: أصم آذانهم عن سماع الحق والانتفاع به، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) عن رؤية الحق والانتفاع به.

وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: ٢٥] ، ميثاق العهد: توكيده، فينقضون العهد، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من القرابات وغيرهم، ويفسدون في الأرض بكثرة المعاصي (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) واللعنة تعني الطرد والإبعاد عن رحمة الله، (وَلَهُمْ سُوءُ

الدَّارِ) أي سوء العاقبة.

وقال الله تبارك تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .

فأمر الله بالإحسان إلى الوالدين، وقال إن بلغا عندك الكبر أحدهما أو كلاهما؛ إما الأم أو الأب، أو الأم والأب جمعياً فزجرت منهم؛ لأن الإنسان إذا كبر قد يصل إلى الهرم وأرذل العمر فيتعب، فقال حتى في هذه الحال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) أي: لا تقل إني متضجر منكما (وَلا تَنْهَرْهُمَا) أي: عند القول، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) يعني: طيباً حسناً يدخل السرور عليهما، ويزيل عنهما الكآبة والحزن، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني: ذل لهما مهما بلغت من علو المنزلة، كما تعلو الطيور، فاخفض لهما جناح الذل، وتذلل لهما رحمة بهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) فارحمهما أنت، وادع الله أن يرحمهما.

هذا هو الذي أمر الله به بالنسبة للوالدين في حال الكبر، وأما في حال السباب؛ فإن الوالد في الغالب يكون مستغنياً عن ولده ولا يهمه.

ثم ذكر المؤلف حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ، هذا من أكبر الكبائر.

فالإشراك كبيرة في حق الله، وعقوق الوالدين كبيرة في حق من

هم أحق الناس بالولاية والرعاية، وهما الوالدان.

وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس أي: معتمداً على يده، فجلس واستقام في جلسته وقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) .

هذا أيضاً من أكبر الكبائر، وإنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا؛ لأن هذا ضرره عظيم، وعاقبته وخيمة.

وقول الزور يعني: الكذب، وشهادة الزور أي: الذي يشهد بالكذب والعياذ بالله، وما أرخص شهادة الزور اليوم عند كثير من الناس، يظن الشاهد أنه أحسن إلى من شهد له، ولكنه أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.

أما إساءته إلى نفسه فلأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ بل من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى المشهود له فلأنه سلطه على ما لا يستحق وأكله الباطل، وأما إساءته إلى المشهود عليه فظاهرة؛ فإنه ظلمه واعتدى عليه، ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر والعياذ بالله.

ولا تظن أنك إذا شهدت لأحد زوراً أنك محسن إليه، لا والله بل أنت مسيء إليه، وللأسف فكثير من الناس الآن يشهد عند الحكومة في المسائل بأن فلاناً هو المستحق، ويلبسون على الحكومة، ويستعيرون أسماء ليست بصحيحة، كل هذا من أجل أن ينالوا شيئاً من الدنيا، لكنهم خسروا الدنيا والآخرة بهذا الكذب والعياذ بالله.

وهذا الحديث يوجب للعاقل الحذر من هذه الأمور الأربعة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور.

٢/٣٣٧ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)) رواه البخاري.

((واليمين الغموس)) التي يحلفها كاذباً عامداً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم.

٣/٣٣٨ ـ وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه!)) قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟! قال: ((نعم؛ يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) متفق عليه.

وفي رواية: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه!)) قيل يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) .

٤/٣٣٩ ـ وعن أبي محمد جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) قال سفيان في روايته: قاطع رحم. متفق عليه.

٥/٣٤٠ ـ وعن أبي عيسى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم

قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) متفق عليه

قوله: ((منعاً)) معناه: منع ما وجب عليه. و ((هات)) : طلب ما ليس له. و ((وأد البنات)) معناه: دفنهن في الحياة. و ((قيل وقال)) معناه: الحديث بكل ما يسمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.

و ((إضاعة المال)) : تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، و ((كثرة السؤال)) : الإلحاح فيما لا حاجة إليه.

وفي الباب أحاديث سبقت في الباب قبله كحديث ((وأقطع من قطعك)) ، وحديث: ((من قطعني قطعه الله)) .

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث كلها تدل على تحريم قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقد سبق لها نظائر، ومما فيه زيادة عما سبق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) يعني سبهما ولعنهما كما جاء ذلك في رواية أخرى: ((لعن الله من لعن والديه)) قالوا: يا رسول الله، كيف يشتم الرجل والديه؟ لأن هذا أمر مستغرب، وأمر بعيد.

قال ((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) .

وذلك تحذير من أن يكون الإنسان سبباً في شتم والديه بأن يأتي إلى شخص فيشتم والدي الشخص، فيقابله الشخص الآخر بالمثل ويشتم والديه، ولا يعني ذلك أنه يجوز للثاني أن يشتم والدي الرجل؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنه في العادة والطبيعة أن الإنسان يجازي غيره يمثل ما فعل به، فإذا سبه سبه.

وذلك كما قال تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨] ، لذلك لما كان سبباً في سب والديه؛ كان عليه إثم ذلك.

ثم ذكر المؤلف حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات)) .

الشاهد من هذا الحديث قوله: ((عقوق الأمهات)) وهو قطع ما يجب لهن من البر، أما وأد البنات فهو دفنهن أحياء، وذلك لأنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويقولون: إن إبقاء البنت عند الرجل مسبة له.

فكانوا والعياذ بالله يأتون بالبنت فيحفرون لها حفرة ويدفنونها وهي حية. قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩] ، فحرم الله ذلك، وهو لاشك من أكبر الكبائر، وإذا كان قتل الأجنبي المؤمن سبباً للخلود في النار كما قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)

[النساء: ٩٣] ، فالقرابة أشد وأشد.

((ومنعاً وهات)) يعني أن يكون الإنسان جموعاً منوعاً؛ يمنع ما يجب عليه بذله من المال، ويطلب ما ليس له، فهات: يعني أعطوني المال، ومنعاً: أي يمنع ما يجب عليه، فإن هذا أيضاً مما حرمه الله عز وجل؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يمنع ما يجب عليه بذله من الله، ولا يجوز أن يسأل ما لا يستحق، فكلاهما حرام، لهذا قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات)) .

((وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) ، كره وحرم ليس بينهما فرق؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، ولكن هذا والله أعلم من باب اختلاف التعبير فقط.

((كره لكم قيل وقال)) يعني نقل الكلام، وكثرة ما يتكلم الإنسان ويثرثر به، وأن يكون ليس له هم إلا الكلام في الناس، قالوا كذا وقيل كذا، ولا سيما إذا كان هذا في أعراض أهل العلم وأعراض ولاة الأمور، فإنه يكون أشد وأشد كراهة عند الله عز وجل.

والإنسان المؤمن هو الذي لا يقول إلا خيراً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت)) .

وكثرة السؤال يحتمل أن يكون المراد السؤال عن العلم، ويحتمل أن

يكون المراد السؤال عن المال.

أما الأول: وهو كثرة السؤال عن العلم فهذا إنما يكره إذا كان الإنسان لا يريد إلا إعنات المسؤول، والإشقاق عليه، وإدخال السآمة والملل عيه، أما إذا كان يريد العلم فإنه لا ينهى عن ذلك، ولا يكره ذلك، وقد كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كثير السؤال، فقد قيل له: بم أدركت العلم؟ قال: أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول.

لكن إذا كان قصد السائل الإشقاق على المسؤول والإعنات عليه، وإلحاق السآمة به، أو تلقط زلاته لعله يزل فيكون في ذلك قدح فيه، فإن هذا المكروه.

وأما الثاني: وهو سؤال المال فإن كثرة السؤال قد تلحق الإنسان بأصحاب الشح والطمع، ولهذا لا يجوز للإنسان سؤال المال إلا عند الحاجة، أو إذا كان يرى أن المسؤول يمن عليه أن يسأله، كما لو كان صديقاً لك قوي الصداقة، قريباً جداً، فسألته حاجة وأنت تعرف أنه يكون بذلك ممنوناً، فهذا لا بأس به، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك:؛ فلا يجوز أن تسأل إلا عند الضرورة.

وأما إضاعة المال فهو بذله في غير فائدة لا دينية ولا دنيوية؛ لأن هذا أيضاً إضاعة له لأن الله تعالى قال: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [النساء: ٥] ، فالمال قيام للناس؛ تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله الإنسان في غير ذلك فهذا إضاعة له، وأقبح من ذلك أن يبذله في محرم، فيرتكب في هذا محظورين:

المحظور الأول: إضاعة المال.

والمحظور الثاني: ارتكاب المحرم.

فالأموال يجب أن يحافظ عليها الإنسان، وألا يضعها وألا يبذلها إلا فيما فيه مصلحة له دينية أو دنيوية.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٤١ - باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم

المراد من العقوق عقوق الوالدين أو أحدهما، وهو من الكبائر، مأخوذ من العق. وهو لغة القطع والمخالفة، وشرعاً قيل ضابطه أن تعصيه في جائز وليس هذا الإطلاق بمرضيّ؛ وقال بعضهم: طالما بحثت عن ضابطه فلم أجده، والذي آل إليه كلام أئمتنا أن ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به تأذياً ليس بالهين، لكن هل المراد بقولهم ليس بالهين بالنسبة للوالد حتى أن ما تأذى به كثيراً وهو عرفاً بخلاف ذلك كبيرة، أو بالنسبة للعرف فما عده أهله مما لا يتأذى به كثيراً ليس بكبيرة وإن تأذى كثيراً. كل محتمل ولم يبينوه، والذي يظهر أن المراد الثاني بدليل أنه لو أمر ولده بنحو فراق حليلته لم يلزمه طاعته وإن تأذى بذلك كثيراً، فعلمنا أنه ليس المناط وجود التأذي الكثير، بل أن يكون ذلك من شأنه أنه يتأذى به كثيراً، وقطيعة الرحم ضد صلته وتقدم في الباب قبله ما تعرف منه، وكذا تقدم فيه في حديث أبي هريرة أوائل الكلام على ما يتعلق بقول المصنف.

(قال الله تعالى) : ( {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الدين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} ) .

(وقال تعالى) : ( {والذين ينقضون عهد ا} ) أي ما عهده الله إليهم من التكاليف والأحكام (من بعد ميثاقه) أي ما أوثقه به من الإقرار والقبول.t وفي «رسالة الاستعارة» للخوجة أبي القاسم السمرقندي جوز صاحب الكشاف كونه: أي الأمر الذي أثبت للمشبه من خواص المشبه به استعارة تحقيقية في بعض المواد كما في قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} (البقرة: ٢٧) استعير الحبل المضمر في النفس للعهد بجامع الوصلة على سبيل الكناية واستعير النقض لإبطاله: أي إبطال العهد على سبيل التصريح بجامع مطلق الإبطال اهـ. ( {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} ) بدل من

الضمير المجرور، والمراد به الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس ( {ويفسدون في الأرض} ) بالظلم وتهييج الفتن ( {أولئك لهم اللعنة} ) البعد من الله سبحانه ( {ولهم سوء الدار} ) عذاب جهنم أمر سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة - عقبي الدار - وتقدم الكلام في الباب قبله على قوله:

(وقال تعالى) : ( {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ) فيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية ( {وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا} ) والكاف في «كما» يحتمل أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: {كما هداكم} (البقرة: ١٩٨) على أحد الأقوال. وحينئذٍ فيحتمل أن يكون لبيان سبب دعائك لهما، ويحتمل أن يكون للتنظير والمراد رحمة تامة بالغة كما بالغا جهدهما في تربيتي حال صغرى وانقطاعي ثم كان اللائق بالترجمة تقديم هذه الآية لأن فيها النهي عن العقوق بالتصريح، وبالقياس الأولويّ، وباللازم من الأمر بالبر والإحسان إليهما، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والآيتان في القطيعة، إلا أن يقال إنهما شاملان للعقوق لأنه من قطع الأرحام، ومن قطع ما أمر الله به أن يوصل فذكر له من الكتاب دليلاً شاملاً لتحريمه وتحريم غيره من القطيعة ثم ذكر ما يخصه اهتماماً به.

١٣٣٦ - (وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب النية أول الكتاب (قال: قال رسول الله: ألا) حرف استفتاح وأتى بها ليتنبه المخاطب من غفلته ليتوجه لسماع ما يلقى إليه فيقرّ في قلبه ولذا إنما يؤتى بها فيما يهتم بأمره (أنبئكم بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، والصحيح، بل الصواب أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن للكبيرة حدا، فالمختار أنها ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب أو في السنة وإن لم يكن فيه حد وهو بمعنى قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وقلة الديانة. ومن أحسن ما ألف فيها وأجمع كتاب «الزواجر عن اقتراف الكبائر» لشيخ شيوخنا المحقق شهاب

الدين أحمد بن حجر الهيثمي رحمه الله (قلنا: بلى يا رسول الله) فائدته مع عدم الاحتياج إليه الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته وما ينشأ منها من بيان الشريعة، وإلى استجلاء شيء من كمالاته وعلومه التي أوتيها بعد رسالته (قال: الإشراك با) أي الكفر بأنواعه (وعقوق الوالدين) أو أحدهما، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالباً أو يجر إليه وتقدم تعريف أول الباب. فإن قلت: أكبر الكبائر لا يكون إلا واحداً وهو الشرك فكيف تعدد هنا؟ وأيضاً فنحو القتل والزنا أكبر من العقوق فلم حذفا وذكر هو؟ قلت: ادعاء أن الأكبر لا يكون إلا واحداً إنما هو إن أريد الحقيقة، أما إن أريد الأكبر النسبي فهو يكون متعدداً، ولا شك أن الأكبر بالنسبة إلى بقية الكبائر أمور أشار إليها وإلى أمثالها النبي بقوله: «اتقوا السبع الموبقات» الحديث، وحينئذٍ فالأكبر هنا لتعدده في الجواب مراد به الأمر النسبي، وإنما ترك ذكر القتل ونحوه في هذا الحديث لأنه علم من أحاديث أخر أن ذلك من أكبر الكبائر، على أنه كان يراعي في مثل ذلك أحوال الحاضرين، وعليه يحمل اختلاف الأحاديث نحو «أفضل الأعمال الصلاة» وأخرى «أفضل الأعمال الجهاد» وأخرى «أفضل الأعمال بر الوالدين» وغير ذلك من نظائر

له لا تخفى (وكان متكئاً فجلس) تنبيهاً على عظم إثم وقبح شهادة الزور، فيفيد تأكيد تحريمه وتعظيم قبحه، وسبب الاهتمام به حتى جلس بعد اتكائه سهولة وقوع الناس فيه وتهاونهم به، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرفه عنه الطبع، والحوامل على الزور كثيرة جداً كالعداوة والحسد، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنه لأن مفسدته متعدية إلى الغير بخلاف ما معه فقاصرة عليه (فقال: ألا وقول الزور) يحتمل كون الواو استئنافية لعظم قبح هذا الذنب ومزيد إثمه، ويحتمل أنها عاطفة على محذوف: أي اتركوا ما ذكر من الكبائر وقول الزور وهو الكذب على الغير (وشهادة الزور) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التوكيد، فإنا لو حملنا القول على إطلاقه لزم كون الكذبة الواحدة كبيرة وليس كذلك، قال: ولا شك أن عظم الذنب ومراتبه متفاوتة بتفاوت مفاسده، ومنه قوله تعالى:

{ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} (النساء: ١١٢) (فما زال يكررها) أي هذه الكلمة باعتبار المعنى اللغوي، أو الشهادة لأنها أقرب مذكور

وقول الزور بمعناه (حتى قلنا: ليته سكت) أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه وخشية أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبة له والشفقة عليه (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من «صحيحه» أولها الشهادات، ورواه مسلم في الإيمان، ورواه الترمذي في مواضع من «جامعه» منها البر ومنها الشهادات وقال: حسن صحيح.

٢٣٣٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي) بإثبات الياء كما هو الأفصح كما تقدم (رضي الله عنهما عن النبي قال: الكبائر) أي منها والاقتصار عليها كأنه لاقتضاء المقام ذكرها لتقصير بعض الحاضرين في شأنها أو لكونها أعظم الكبائر إثماً وأشدها جرماً (الإشراك) أي الكفر (با وعقوق الوالدين وقتل النفس) التي حرم الله قتلها عدواناً (واليمين الغموس) الغين المعجمة والسين (رواه البخاري) وأحمد والترمذي والنسائي كما في «الجامع الصغير» .

(اليمين الغموس) المد دور في الحجر (التي يحلفها) أي الحالف، نظيره قوله تعالى: {اعدلوا هو} (المائدة: ٣) أي العدل (كاذباً عامداً) حال من فاعل يحلف (سميت غموساً) بفتح الغين (لأنها تغمس الحالف في الإثم) لأنه حلف كاذباً على علم منه، فغموس فعول بمعنى فاعل كما في «المصباح» .

٣٣٣٨ - (وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من الكبائر) أي بعضها: ولا ينافي ما تقدم وما

بعده أنه من أكبرها لأنه لا يخرج بذلك عن كونها بعضاً منها (شتم الرجل) أي المكلف ومثله المكلفة (والديه) بفتح الدال: أي أمه وأباه ويلحق بهما في ذلك من له عليه ولادة من أصوله، ولو قرىء بكسر الدال على الجمع لشملهم إلا أن تمنع منه الرواية، ويدل على المشبه قوله يسبّ أبا الرجل الخ (قالوا: يا رسول الله وهل يشتم) بكسر التاء، ففي «المصباح» أنه من باب ضرب (الرجل والديه؟) استفهام استبعاد أن يصدر ذلك من ذي عقل ولب، فإن من كان ذلك شأنه تدعوه معرفة حقهما إلى القيام ببرّهما وشكرهما فضلاً عن الوقوع في شتمهما، فهو استبعاد لوقوع ذلك الموصوف بالرجولية المعربة عن الكمال (قال نعم) أي يشتم لكن بالتسبب فيه لا بالمباشرة (يسبّ أبا الرجل فيسبّ) أي المسبوب أبوه (أباه) أي أبا الساب (ويسبّ أمه فيسبّ أمه. متفق عليه) . قال السيوطي في «المرقاة» : قال النووي: فيه تحريم الوسائل والذرائع.

(وفي رواية) أي لهما أيضاً عنه وقد رواها كذلك البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان ورواها أبو داود في الأدب والنسائي في الزينة وقال: صحيح، ذكره الحافظ المزي، لكن لم يذكر أن في قوله: (إن من أكبر الكبائر) أي النسبية وهي كذلك متعددة كما تقدم، أما أكبر الكبائر فالشرك با (أن يلعن الرجل والديه) وهو السبب في وجوده والقائم بمصالحه عند كمال ضعفه وحاجته (قال: يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه) كأن حكمة تقديم الأب في الذكر أن الغالب عدم ذكر النساء حتى في مقام المدح، ولذا قيل: سترة الحرم من الكرم.

٤٣٣٩ - (وعن أبي محمد) ويقال أبو عدي (جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها راء (ابن مطعم) بصيغة الفاعل من أطعم، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن

قصي القرشي النوفليّ (رضي الله عنه) أسلم عام خيبر، وقيل يوم فتح مكة، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستون حديثاً، اتفقا على ستة منها، وانفرد البخاري ومسلم بحديث. روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع وسعيد بن المسيب وآخرون. قال الزبير بن بكار: وكان من حكماء قريش وساداتهم، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقال قتيبة: سنة تسع وخمسين اهـ. من التهذيب للمصنف (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يدخل الجنة قاطع) أي مع الفائزين الناجين أو أبداً إن كان مستحلاً للقطيعة مع علمه بتحريمها (قال سفيان) هو ابن عيينة (في روايته) لهذا الحديث فإن الحديث عندهما من طريقه ومن طريق عقيل ومن طريق مالك ومن طريق عبد الرزاق، أربعتهم عن الزهري عن جبير، ذكره الحافظ المزي في «الأطراف» (يعني) النبي بقوله: «قاطع» المجمل المحتمل لمعان (قاطع الرحم) وكأنه لعظم إثمه ومزيد الاعتناء به لا ينصرف هذا اللفظ إلا إليه ادّعاء.

٥٣٤٠ - (وعن أبي عيسى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد (المغيرة) قال ابن السكيت وآخرون من أهل اللغة بضم الميم وكسرها والضم أشهر (ابن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن أبي معتب بالعين المهملة المفتوحة ابن مالك بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء ابن قيس بن عيلان بالمهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي (رضي الله عنه) أسلم عام الخندق، وروي له عن النبي مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، روى عنه أبو أمامة الباهلي والمسور بن مخرمة وفزة المزني الصحابيون، ومن التابعين جماعات، ولاه عمر البصرة مدة ثم نقل عنها فولاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل فأقر عثمان عليها ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشام، وذهبت عينه يوم

اليرموك، وشهد القادسية وفتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان وشهد الحكمين، واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين، وهو أوّل من وضع ديوان البصرة اهـ ملخصاً من «التهذيب» (عن النبي قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) اقتصر عليهن مع تحريم عقوق الآباء أيضاً لأن الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن وعجزهن بخلاف الآباء ولينبه على تقديم برّهن على برّ الأب في التلطف والخير ونحو ذلك، ويل هو من تخصيص الشيء بالذكر إظهاراً لعظم توقعه، والأمهات جمع أمهة وهي لمن لا يعقل بخلاف الأم فإنه أعم (ومنعاً) لما يجب أداؤه من الحق (وهات) الاستكثار من حق الغير بغير حق: أي حرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، ثم منعاً بالتنوين وفي رواية بغير التنوين وهو بسكون النون مصدر منع يمنع، وأما هات بكسر التاء أمر من الإيتاء والأصل آت بهمزة ممدودة قلبت ألفاً. قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقا ويكون ذكر

هنا مع ضده ثم أعيد مطلقاً تأكيداً للنهي عنه، ثم ما ذكر من أن منعاً مكتوب بالألف كذا في الأصل، لكن قال ابن مالك في «التوضيح» : إنه من المكتوب على لغة ربيعة، ومنع بحذف الألف على لغتهم لأنهم يقفون على المنوّن المنصوب بالسكون فلا يكتبون الألف. وقيل حذفها لأن تنوين منعاً أبدل واواً وأدغم في الواو فصار اللفظ: يعني بعد قلبها واواً مشددة كاللفظ، يقول وشبهه فجعلت صورة الخط مطابقة للفظه، ويمكن أن يكون الأصل ومنع حق فحذف المضاف وبقيت هيئة الإضافة اهـ (ووأد) بسكون الهمزة: أي دفن (البنات) بأن يدفنّ أحياء، يقال وأد بنته وأدا من باب وعد: دفنها حية فهي موءودة كذا في «المصباح» ، وإنما خص البنات بتحريم وأدهن لأنه هو الواقع فتوجه النهي إليه لا أن الحكم مخصوص بالبنات بل هو حكم عام. يقال أوّل من وأد البنات قيس بن عاصم التميمي، كان أغار عليه بعض أعدائه فأخذ بنته فاتخذها لنفسه ثم اصطلحا فخير بنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعته العرب على ذلك. وكانوا فيه فريقين منهم من يفعله خشية الإقتار، ومن يفعله خشية العار، ومن العرب من لا يفعل ذلك. وكان صعصعة بن ناجية التميمي وهو جد الفرزدق أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يراد فعل ذلك منها فيفديها منهم بمال فينفق عليها، وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام فأسلما، ولهما صحبة، وكانوا في الوأد على طريقين:

أحدهما أن يأمر امرأته عند الوضع أن تطلق بجانب حفيرة فإن وضعت ذكراً أبقاه وإلا ألقاها فيها. وثانيهما أن يصبر على البنت إلى أن تصير سداسية ثم يأخذها وقد زينتها أمها، فيأتي بها إلى حفرة كان حفرها قبل فيقول لها انظري قعرها، ويرميها من ورائها ويطمها بالتراب (وكره لكم قيل وقال) قال الحافظ في «الفتح» في رواية الشعبي: كان ينهى عن قيل وقال، كذلك كثر في جميع المواضع بغير التنوين، ووقع في رواية الكشميني هنا

قيلاً وقالاً، والأشهر الأوّل، وفيه تعقب على من زعم أنه جائز ولم يقع في الرواية. وقال الجوهري: قيل وقال اسمان، يقال: كثر القيل والقال كذا جزم باسميتهما واستدل له بدخول أل عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة وأشار إلى ترجيح الأوّل. وقال المحبّ الطبري: فيه أوجه:

أحدهما أنهما مصدران، والمراد من الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ وكرر المصدر مبالغة في الزجر.

وثانيها المراد حكاية أقوال الناس والبحث عنها ليخبره غيره فيقول قال فلان وقيل لفلان، فالنهي عنه إما للزجر وهو الاستكثار منه، وإما لشي مخصوص، وهو ما يكرهه المحكي عنه. قلت: وعليه فهما بفتح اللام حكاية للفعل الماضي وكذا على الوجه الثالث الآتي، واقتصر على الأوّل منهما ابن أقبرس في «شرح الشفاء» فقال: يريد به المنع من التبرّع بنقل الأخبار، فعاد لما فيه من هتك الستار وكشف الأسرار، وقد أشار إلى أن ذلك ليس من محسنات الإسلام بقوله: «من حسن أسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفيه من جهة المعنى موافقة لقوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا} » (النور: ١٩) الآية، لأن الله تعالى ستار. ويخص من هذا نقل الأخبار النافعة لا سيما إذا كانت صحيحة عن ثقة اهـ.

ثالثها أن في ذلك الإكثار الزلل إذ هو مخصوص بمن ينقل لا عن تثبت ولكن تقليداً لمن سمعه ولا يحتاط اهـ. وقول المصنف معناه الخ شامل للآخرين. وفي «المشكاة» قوله قيل: وقيل بناهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على أنهما مصدران ولذا دخل عليهما أل فيما يعرف القيل من القال اهـ بمعناه. وفي

«المصباح» : القيل والقال اسمان من قال يقول لا مصدران قاله ابن السكيت ويعربان بحسب العوامل، وفي «الارتشاف» هما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين واستعملا استعمال الأسماء وأبقى فتحهما ليدل على ما كانا عليه، قال: ويدل عليه ما في الحديث «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قيل وقال» بالفتح وحكى الوجهين في «التهذيب» ، ولا يستعمل القيل والقال إلا في الشر اهـ. (وكثرة السؤال) أي سؤال المال لنفسه من غير حاجة والسؤال عن المشكلات والمعضلات من غير ضرورة وعن أخبار الناس وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله فقد يكره ذلك، فالأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعم الجميع وذلك لأنه اسم جنس محلى بأل فيعم، أما سؤال المال للغير فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفس لحاجة فلا كراهة بشرط عدم الإلحاح وذل نفسه زيادة على ذل السؤال والمسؤول، فإن فقد شرط حرم قال الفاكهاني: يتعجب ممن كره السؤال مطلقاً مع وجوده في عصر النبي وصالحي السلف من غير نكير، قال العلقمي لعل من كرهه أراد أنه خلاف الأولى ولا يلزم من وقوعه وتقديره تغير صفته، وينبغي حمل السؤال منهم على أنه كان عن حاجة. وفي قوله من غير نكير نظر ففي الأحاديث الكثيرة ذم السؤال فيها كفاية في إنكار ذلك (وإضاعة المال) أي بإنفاقه في غير وجه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية، والمنع من إضاعته لأن الله تعالى جعله قياماً لمصالح العباد وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح إما في المبذر أو في حق الغير، ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البرّ لتحصيل ثواب الآخرة

ما لم يفوّت حقاً آخر أهم. قال التقى السبكي في «الحلبيات» : الضابط في إضاعة المال ألا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإذا انتفيا حرم قطعاً، وإن وجد أحدهما وجوداً له حال وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز قطعاً، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت الضابط، فعلى الفقيه أن يرى فيما لا ينتشر منه رأيه. وأما ما ينتشر فقد تعرض له أحكام، فالإنفاق في المعصية كله حرام، ولا نظر فيما يحصل في مطلوبه من اللذة الحسية وقضاء الشهوة النفية. وأما إنفاقه في مباحات الملاذّ فهو موضع اختلاف، وظاهر قوله:

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} (الفرقان: ٦٧) أن الزائد غير اللائق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل كثيراً في غرض يسير عده العقلاء مضيعاً بخلاف عكسه، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والاستقراض والأدب، ومسلم في الأحكام، قال الطيبي: وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو يستتبع جميع الأخلاق الجميلة (قوله منعاً) أي بالتنوين (معناه منع ما وجب عليه) أي أداؤه (وهات)

أي معناه في المشهور (طلب ما ليس له) أي أخذه، وتقدم قول آخر أنه نهي عن مطلق السؤال، ثم هو محتمل لدخوله في النهي بأن يكون خطاباً لاثنين كأن ينهى الطالب عما لا يستحقه وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب لئلا يعينه على الإثم، قاله الحافظ في «الفتح» ، وعليه فيكون المعنى: وكره لكم هات سؤالاً وإجابة للسائل بها (وقيل وقال) ظاهره أنهما في الحديث بالبناء على الفتح، ويحتمل أن يكونا مرفوعين: أي والمراد منهما شيء واحد ولذا قال (معناه الحديث) اسم مصدر من التحديث (بكل ما يسمعه) من أقوال الناس (فيقول قيل كذا) مما قصد به بيان المحكي ولم يتعلق الغرض بتعيين من صدر عنه ذلك (وقال فلان كذا) مما تعلق الغرض فيه بهما معاً (مما لا يعلم صحته ولا يظنها) بيان لما يسمعه (وكفى بالمرء) الظاهر أن الباء مزيدة في المفعول للتأكيد، و (إثماً) تمييز وليس مفعولاً ثانياً لأن المتعدي إليهما كفى بمعنى وفي نحو قوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} (الأحزاب: ٢٥) لا بمعنى حسب، بل قد يكون حينئذٍ لازماً نحو {كفى با} ومتعدياً لواحد كالحديث، وقوله (أن يحدث) فاعل كفى أي تحديثه (بكل ما سمع) من غير تثبت واحتياط وقدمت في حديث «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته» في باب النفقة على العيال، عن المظهري أنّ يحبس مبتدأ وكفى خبره مقدماً عليه أو خبر مبتدأ محذوف وظاهر جريان ذلك هنا أيضاً (وإضاعة المال تبذيره) في «المصباح» :

بذرت الكلام: فرقته، وبذّرته بالتثقيل مبالغة وتكثير، ومنه اشتق التبذير في المال لأنه تفريق في غير القصد اهـ. (وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها) من إتلاف أو في معصية، وقوله: (من مقاصد الآخرة والدنيا) بيان للوجوه المأذون فيها (وترك حفظه) معطوف على تبذيره لأوّليته أو على صرفه لقربه، وإنما يكون ترك الحفظ إضاعة للمال إذا كان (مع إمكان الحفظ) أما إذا عمّ الحريق أو النهب وما تمكن من حفظه فضاع عليه بذلك فلا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٤١- باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم]

قَالَ الله تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد (٢٢، ٢٣) ] .

يقول تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} ، أي: فلعلكم إن توليتم، أي: أعرضتم عن الدين، وفارقتم أحكام القرآن أن تفسدوا في الأرض بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتقطِّعوا أرحامكم.

قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم، وأعمى أبصارهم عن الحق، وهذا نهي من الله تعالى عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا.

وَقالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد (٢٥) ] .

لما ذكر تعالى السعداء الذين يوفون بعهد الله، ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أنْ يوصل، ذكر الأشقياء الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهي عامة في الرحم وغيرها من أمور الدين، ويفسدون في الأرض بالمعاصي أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار.

وَقالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء (٢٣، ٢٤) ] .

في هذه الآية الكريمة: الأمر ببرّ الوالدين، والنهي عن عقوقهما، والأدب في ذلك.

[٣٣٦] وعن أَبي بكرة نُفَيع بن الحارث - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» - ثلاثاً - قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُول الله! قَالَ: «الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» ، وكان مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ» . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الذنوب: فيها صغائر وكبائر. فالكبيرة: ما توعّد صاحبها بغضب أو لعنة أو نار.

قوله: (وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» . سبب الاهتمام به، سهولة وقوع الناس فيه، وتهاونهم به، والحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغير ذلك؛ ولأن مفسدته متعدية إلى الغير.

وأما الشرك فإنه ينبو عنه القلب السليم، والعقوق يصرف عنه الطبع.

وقوله: (حتى قلنا: ليته يسكت) ، أي: شفقة عليه.

[٣٣٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» . رواه البخاري.

«اليمين الغموس» : التي يحلفها كاذباً عامداً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالِفَ في الإثم.

الاقتصار على هذه الأربع لكونها أعظم الكبائر إثمًا، وأشدِّها جُرمًا، ومن ذلك السبع الموبقات.

[٣٣٨] وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مِنَ الكَبَائِر شَتْمُ الرَّجُل وَالِدَيهِ» . قالوا: يَا رَسُول الله، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية: «إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!» ، قِيلَ: يَا رَسُول الله! كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟! قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .

قوله: (هل يشتم الرجل والديه؟) استفهامُ استبعاد أنْ يصدر ذلك من ذي دين أو عقل، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك يقع بالتسبب في سبِّهما.

[٣٣٩] وعن أَبي محمد جبيرِ بن مطعم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» . قَالَ سفيان في روايته: يَعْنِي: قَاطِع رَحِم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

فيه: وعيد شديد لمن قطع رحمه.

وفيه: عظم إثم قاطع الرحم.

[٣٤٠] وعن أَبي عيسى المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأمَّهَاتِ، وَمَنْعاً وهاتِ، وَوَأْد البَنَاتِ، وكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قوله: «مَنْعاً» مَعنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجَب عَلَيهِ، وَ «هَاتِ» : طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ. وَ «وَأْد البَنَاتِ» مَعنَاهُ: دَفنُهُنَّ في الحَيَاةِ، وَ «قيلَ وَقالَ» مَعْنَاهُ: الحَديث بكُلّ مَا يَسمَعهُ، فيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ،

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٤١ ـ باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم]

قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد: ٢٢، ٢٣] .

وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ) [الرعد: ٢٥] .

وقال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .

١/٣٣٦ ـ وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ: باب تحريم العقوق وقطيعة الأرحام. العقوق بالنسبة للوالدين، وقطيعة الأرحام بالنسبة للأقارب غير

الوالدين.

والعقوق مأخوذ من العق وهو القطع، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع؛ لأنها تعق: يعني تقطع رقبتها عند الذبح.

والعقوق من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد عليه من الكتاب والسنة وكذلك قطيعة الرحم. قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) يعني أنكم إذا توليتم أفسدتم في الأرض، وقطعتم الرحم وحقت عليكم اللعنة، وأعمى الله أبصاركم.

(وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) المراد بالأبصار هنا البصيرة وليس بصر العين، والمراد أن الله تعالى يعمي بصيرة الإنسان والعياذ بالله، حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً.

وهذه عقوبة أخروية ودنيوية:

أما الأخروية: فقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [النساء: ٥٢] .

وأما الدنيوية: فقوله: (فَأَصَمَّهُمْ) ، يغني: أصم آذانهم عن سماع الحق والانتفاع به، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) عن رؤية الحق والانتفاع به.

وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: ٢٥] ، ميثاق العهد: توكيده، فينقضون العهد، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من القرابات وغيرهم، ويفسدون في الأرض بكثرة المعاصي (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) واللعنة تعني الطرد والإبعاد عن رحمة الله، (وَلَهُمْ سُوءُ

الدَّارِ) أي سوء العاقبة.

وقال الله تبارك تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .

فأمر الله بالإحسان إلى الوالدين، وقال إن بلغا عندك الكبر أحدهما أو كلاهما؛ إما الأم أو الأب، أو الأم والأب جمعياً فزجرت منهم؛ لأن الإنسان إذا كبر قد يصل إلى الهرم وأرذل العمر فيتعب، فقال حتى في هذه الحال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) أي: لا تقل إني متضجر منكما (وَلا تَنْهَرْهُمَا) أي: عند القول، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) يعني: طيباً حسناً يدخل السرور عليهما، ويزيل عنهما الكآبة والحزن، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني: ذل لهما مهما بلغت من علو المنزلة، كما تعلو الطيور، فاخفض لهما جناح الذل، وتذلل لهما رحمة بهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) فارحمهما أنت، وادع الله أن يرحمهما.

هذا هو الذي أمر الله به بالنسبة للوالدين في حال الكبر، وأما في حال السباب؛ فإن الوالد في الغالب يكون مستغنياً عن ولده ولا يهمه.

ثم ذكر المؤلف حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ، هذا من أكبر الكبائر.

فالإشراك كبيرة في حق الله، وعقوق الوالدين كبيرة في حق من

هم أحق الناس بالولاية والرعاية، وهما الوالدان.

وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس أي: معتمداً على يده، فجلس واستقام في جلسته وقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) .

هذا أيضاً من أكبر الكبائر، وإنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا؛ لأن هذا ضرره عظيم، وعاقبته وخيمة.

وقول الزور يعني: الكذب، وشهادة الزور أي: الذي يشهد بالكذب والعياذ بالله، وما أرخص شهادة الزور اليوم عند كثير من الناس، يظن الشاهد أنه أحسن إلى من شهد له، ولكنه أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.

أما إساءته إلى نفسه فلأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ بل من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى المشهود له فلأنه سلطه على ما لا يستحق وأكله الباطل، وأما إساءته إلى المشهود عليه فظاهرة؛ فإنه ظلمه واعتدى عليه، ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر والعياذ بالله.

ولا تظن أنك إذا شهدت لأحد زوراً أنك محسن إليه، لا والله بل أنت مسيء إليه، وللأسف فكثير من الناس الآن يشهد عند الحكومة في المسائل بأن فلاناً هو المستحق، ويلبسون على الحكومة، ويستعيرون أسماء ليست بصحيحة، كل هذا من أجل أن ينالوا شيئاً من الدنيا، لكنهم خسروا الدنيا والآخرة بهذا الكذب والعياذ بالله.

وهذا الحديث يوجب للعاقل الحذر من هذه الأمور الأربعة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور.

٢/٣٣٧ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)) رواه البخاري.

((واليمين الغموس)) التي يحلفها كاذباً عامداً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم.

٣/٣٣٨ ـ وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه!)) قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟! قال: ((نعم؛ يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) متفق عليه.

وفي رواية: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه!)) قيل يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) .

٤/٣٣٩ ـ وعن أبي محمد جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) قال سفيان في روايته: قاطع رحم. متفق عليه.

٥/٣٤٠ ـ وعن أبي عيسى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم

قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) متفق عليه

قوله: ((منعاً)) معناه: منع ما وجب عليه. و ((هات)) : طلب ما ليس له. و ((وأد البنات)) معناه: دفنهن في الحياة. و ((قيل وقال)) معناه: الحديث بكل ما يسمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.

و ((إضاعة المال)) : تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، و ((كثرة السؤال)) : الإلحاح فيما لا حاجة إليه.

وفي الباب أحاديث سبقت في الباب قبله كحديث ((وأقطع من قطعك)) ، وحديث: ((من قطعني قطعه الله)) .

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث كلها تدل على تحريم قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقد سبق لها نظائر، ومما فيه زيادة عما سبق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) يعني سبهما ولعنهما كما جاء ذلك في رواية أخرى: ((لعن الله من لعن والديه)) قالوا: يا رسول الله، كيف يشتم الرجل والديه؟ لأن هذا أمر مستغرب، وأمر بعيد.

قال ((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) .

وذلك تحذير من أن يكون الإنسان سبباً في شتم والديه بأن يأتي إلى شخص فيشتم والدي الشخص، فيقابله الشخص الآخر بالمثل ويشتم والديه، ولا يعني ذلك أنه يجوز للثاني أن يشتم والدي الرجل؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنه في العادة والطبيعة أن الإنسان يجازي غيره يمثل ما فعل به، فإذا سبه سبه.

وذلك كما قال تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨] ، لذلك لما كان سبباً في سب والديه؛ كان عليه إثم ذلك.

ثم ذكر المؤلف حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات)) .

الشاهد من هذا الحديث قوله: ((عقوق الأمهات)) وهو قطع ما يجب لهن من البر، أما وأد البنات فهو دفنهن أحياء، وذلك لأنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويقولون: إن إبقاء البنت عند الرجل مسبة له.

فكانوا والعياذ بالله يأتون بالبنت فيحفرون لها حفرة ويدفنونها وهي حية. قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩] ، فحرم الله ذلك، وهو لاشك من أكبر الكبائر، وإذا كان قتل الأجنبي المؤمن سبباً للخلود في النار كما قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)

[النساء: ٩٣] ، فالقرابة أشد وأشد.

((ومنعاً وهات)) يعني أن يكون الإنسان جموعاً منوعاً؛ يمنع ما يجب عليه بذله من المال، ويطلب ما ليس له، فهات: يعني أعطوني المال، ومنعاً: أي يمنع ما يجب عليه، فإن هذا أيضاً مما حرمه الله عز وجل؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يمنع ما يجب عليه بذله من الله، ولا يجوز أن يسأل ما لا يستحق، فكلاهما حرام، لهذا قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات)) .

((وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) ، كره وحرم ليس بينهما فرق؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، ولكن هذا والله أعلم من باب اختلاف التعبير فقط.

((كره لكم قيل وقال)) يعني نقل الكلام، وكثرة ما يتكلم الإنسان ويثرثر به، وأن يكون ليس له هم إلا الكلام في الناس، قالوا كذا وقيل كذا، ولا سيما إذا كان هذا في أعراض أهل العلم وأعراض ولاة الأمور، فإنه يكون أشد وأشد كراهة عند الله عز وجل.

والإنسان المؤمن هو الذي لا يقول إلا خيراً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت)) .

وكثرة السؤال يحتمل أن يكون المراد السؤال عن العلم، ويحتمل أن

يكون المراد السؤال عن المال.

أما الأول: وهو كثرة السؤال عن العلم فهذا إنما يكره إذا كان الإنسان لا يريد إلا إعنات المسؤول، والإشقاق عليه، وإدخال السآمة والملل عيه، أما إذا كان يريد العلم فإنه لا ينهى عن ذلك، ولا يكره ذلك، وقد كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كثير السؤال، فقد قيل له: بم أدركت العلم؟ قال: أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول.

لكن إذا كان قصد السائل الإشقاق على المسؤول والإعنات عليه، وإلحاق السآمة به، أو تلقط زلاته لعله يزل فيكون في ذلك قدح فيه، فإن هذا المكروه.

وأما الثاني: وهو سؤال المال فإن كثرة السؤال قد تلحق الإنسان بأصحاب الشح والطمع، ولهذا لا يجوز للإنسان سؤال المال إلا عند الحاجة، أو إذا كان يرى أن المسؤول يمن عليه أن يسأله، كما لو كان صديقاً لك قوي الصداقة، قريباً جداً، فسألته حاجة وأنت تعرف أنه يكون بذلك ممنوناً، فهذا لا بأس به، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك:؛ فلا يجوز أن تسأل إلا عند الضرورة.

وأما إضاعة المال فهو بذله في غير فائدة لا دينية ولا دنيوية؛ لأن هذا أيضاً إضاعة له لأن الله تعالى قال: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [النساء: ٥] ، فالمال قيام للناس؛ تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله الإنسان في غير ذلك فهذا إضاعة له، وأقبح من ذلك أن يبذله في محرم، فيرتكب في هذا محظورين:

المحظور الأول: إضاعة المال.

والمحظور الثاني: ارتكاب المحرم.

فالأموال يجب أن يحافظ عليها الإنسان، وألا يضعها وألا يبذلها إلا فيما فيه مصلحة له دينية أو دنيوية.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٤١ - باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم

المراد من العقوق عقوق الوالدين أو أحدهما، وهو من الكبائر، مأخوذ من العق. وهو لغة القطع والمخالفة، وشرعاً قيل ضابطه أن تعصيه في جائز وليس هذا الإطلاق بمرضيّ؛ وقال بعضهم: طالما بحثت عن ضابطه فلم أجده، والذي آل إليه كلام أئمتنا أن ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به تأذياً ليس بالهين، لكن هل المراد بقولهم ليس بالهين بالنسبة للوالد حتى أن ما تأذى به كثيراً وهو عرفاً بخلاف ذلك كبيرة، أو بالنسبة للعرف فما عده أهله مما لا يتأذى به كثيراً ليس بكبيرة وإن تأذى كثيراً. كل محتمل ولم يبينوه، والذي يظهر أن المراد الثاني بدليل أنه لو أمر ولده بنحو فراق حليلته لم يلزمه طاعته وإن تأذى بذلك كثيراً، فعلمنا أنه ليس المناط وجود التأذي الكثير، بل أن يكون ذلك من شأنه أنه يتأذى به كثيراً، وقطيعة الرحم ضد صلته وتقدم في الباب قبله ما تعرف منه، وكذا تقدم فيه في حديث أبي هريرة أوائل الكلام على ما يتعلق بقول المصنف.

(قال الله تعالى) : ( {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الدين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} ) .

(وقال تعالى) : ( {والذين ينقضون عهد ا} ) أي ما عهده الله إليهم من التكاليف والأحكام (من بعد ميثاقه) أي ما أوثقه به من الإقرار والقبول.t وفي «رسالة الاستعارة» للخوجة أبي القاسم السمرقندي جوز صاحب الكشاف كونه: أي الأمر الذي أثبت للمشبه من خواص المشبه به استعارة تحقيقية في بعض المواد كما في قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} (البقرة: ٢٧) استعير الحبل المضمر في النفس للعهد بجامع الوصلة على سبيل الكناية واستعير النقض لإبطاله: أي إبطال العهد على سبيل التصريح بجامع مطلق الإبطال اهـ. ( {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} ) بدل من

الضمير المجرور، والمراد به الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس ( {ويفسدون في الأرض} ) بالظلم وتهييج الفتن ( {أولئك لهم اللعنة} ) البعد من الله سبحانه ( {ولهم سوء الدار} ) عذاب جهنم أمر سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة - عقبي الدار - وتقدم الكلام في الباب قبله على قوله:

(وقال تعالى) : ( {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ) فيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية ( {وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا} ) والكاف في «كما» يحتمل أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: {كما هداكم} (البقرة: ١٩٨) على أحد الأقوال. وحينئذٍ فيحتمل أن يكون لبيان سبب دعائك لهما، ويحتمل أن يكون للتنظير والمراد رحمة تامة بالغة كما بالغا جهدهما في تربيتي حال صغرى وانقطاعي ثم كان اللائق بالترجمة تقديم هذه الآية لأن فيها النهي عن العقوق بالتصريح، وبالقياس الأولويّ، وباللازم من الأمر بالبر والإحسان إليهما، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والآيتان في القطيعة، إلا أن يقال إنهما شاملان للعقوق لأنه من قطع الأرحام، ومن قطع ما أمر الله به أن يوصل فذكر له من الكتاب دليلاً شاملاً لتحريمه وتحريم غيره من القطيعة ثم ذكر ما يخصه اهتماماً به.

١٣٣٦ - (وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب النية أول الكتاب (قال: قال رسول الله: ألا) حرف استفتاح وأتى بها ليتنبه المخاطب من غفلته ليتوجه لسماع ما يلقى إليه فيقرّ في قلبه ولذا إنما يؤتى بها فيما يهتم بأمره (أنبئكم بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، والصحيح، بل الصواب أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن للكبيرة حدا، فالمختار أنها ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب أو في السنة وإن لم يكن فيه حد وهو بمعنى قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وقلة الديانة. ومن أحسن ما ألف فيها وأجمع كتاب «الزواجر عن اقتراف الكبائر» لشيخ شيوخنا المحقق شهاب

الدين أحمد بن حجر الهيثمي رحمه الله (قلنا: بلى يا رسول الله) فائدته مع عدم الاحتياج إليه الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته وما ينشأ منها من بيان الشريعة، وإلى استجلاء شيء من كمالاته وعلومه التي أوتيها بعد رسالته (قال: الإشراك با) أي الكفر بأنواعه (وعقوق الوالدين) أو أحدهما، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالباً أو يجر إليه وتقدم تعريف أول الباب. فإن قلت: أكبر الكبائر لا يكون إلا واحداً وهو الشرك فكيف تعدد هنا؟ وأيضاً فنحو القتل والزنا أكبر من العقوق فلم حذفا وذكر هو؟ قلت: ادعاء أن الأكبر لا يكون إلا واحداً إنما هو إن أريد الحقيقة، أما إن أريد الأكبر النسبي فهو يكون متعدداً، ولا شك أن الأكبر بالنسبة إلى بقية الكبائر أمور أشار إليها وإلى أمثالها النبي بقوله: «اتقوا السبع الموبقات» الحديث، وحينئذٍ فالأكبر هنا لتعدده في الجواب مراد به الأمر النسبي، وإنما ترك ذكر القتل ونحوه في هذا الحديث لأنه علم من أحاديث أخر أن ذلك من أكبر الكبائر، على أنه كان يراعي في مثل ذلك أحوال الحاضرين، وعليه يحمل اختلاف الأحاديث نحو «أفضل الأعمال الصلاة» وأخرى «أفضل الأعمال الجهاد» وأخرى «أفضل الأعمال بر الوالدين» وغير ذلك من نظائر

له لا تخفى (وكان متكئاً فجلس) تنبيهاً على عظم إثم وقبح شهادة الزور، فيفيد تأكيد تحريمه وتعظيم قبحه، وسبب الاهتمام به حتى جلس بعد اتكائه سهولة وقوع الناس فيه وتهاونهم به، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرفه عنه الطبع، والحوامل على الزور كثيرة جداً كالعداوة والحسد، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنه لأن مفسدته متعدية إلى الغير بخلاف ما معه فقاصرة عليه (فقال: ألا وقول الزور) يحتمل كون الواو استئنافية لعظم قبح هذا الذنب ومزيد إثمه، ويحتمل أنها عاطفة على محذوف: أي اتركوا ما ذكر من الكبائر وقول الزور وهو الكذب على الغير (وشهادة الزور) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التوكيد، فإنا لو حملنا القول على إطلاقه لزم كون الكذبة الواحدة كبيرة وليس كذلك، قال: ولا شك أن عظم الذنب ومراتبه متفاوتة بتفاوت مفاسده، ومنه قوله تعالى:

{ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} (النساء: ١١٢) (فما زال يكررها) أي هذه الكلمة باعتبار المعنى اللغوي، أو الشهادة لأنها أقرب مذكور

وقول الزور بمعناه (حتى قلنا: ليته سكت) أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه وخشية أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبة له والشفقة عليه (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من «صحيحه» أولها الشهادات، ورواه مسلم في الإيمان، ورواه الترمذي في مواضع من «جامعه» منها البر ومنها الشهادات وقال: حسن صحيح.

٢٣٣٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي) بإثبات الياء كما هو الأفصح كما تقدم (رضي الله عنهما عن النبي قال: الكبائر) أي منها والاقتصار عليها كأنه لاقتضاء المقام ذكرها لتقصير بعض الحاضرين في شأنها أو لكونها أعظم الكبائر إثماً وأشدها جرماً (الإشراك) أي الكفر (با وعقوق الوالدين وقتل النفس) التي حرم الله قتلها عدواناً (واليمين الغموس) الغين المعجمة والسين (رواه البخاري) وأحمد والترمذي والنسائي كما في «الجامع الصغير» .

(اليمين الغموس) المد دور في الحجر (التي يحلفها) أي الحالف، نظيره قوله تعالى: {اعدلوا هو} (المائدة: ٣) أي العدل (كاذباً عامداً) حال من فاعل يحلف (سميت غموساً) بفتح الغين (لأنها تغمس الحالف في الإثم) لأنه حلف كاذباً على علم منه، فغموس فعول بمعنى فاعل كما في «المصباح» .

٣٣٣٨ - (وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من الكبائر) أي بعضها: ولا ينافي ما تقدم وما

بعده أنه من أكبرها لأنه لا يخرج بذلك عن كونها بعضاً منها (شتم الرجل) أي المكلف ومثله المكلفة (والديه) بفتح الدال: أي أمه وأباه ويلحق بهما في ذلك من له عليه ولادة من أصوله، ولو قرىء بكسر الدال على الجمع لشملهم إلا أن تمنع منه الرواية، ويدل على المشبه قوله يسبّ أبا الرجل الخ (قالوا: يا رسول الله وهل يشتم) بكسر التاء، ففي «المصباح» أنه من باب ضرب (الرجل والديه؟) استفهام استبعاد أن يصدر ذلك من ذي عقل ولب، فإن من كان ذلك شأنه تدعوه معرفة حقهما إلى القيام ببرّهما وشكرهما فضلاً عن الوقوع في شتمهما، فهو استبعاد لوقوع ذلك الموصوف بالرجولية المعربة عن الكمال (قال نعم) أي يشتم لكن بالتسبب فيه لا بالمباشرة (يسبّ أبا الرجل فيسبّ) أي المسبوب أبوه (أباه) أي أبا الساب (ويسبّ أمه فيسبّ أمه. متفق عليه) . قال السيوطي في «المرقاة» : قال النووي: فيه تحريم الوسائل والذرائع.

(وفي رواية) أي لهما أيضاً عنه وقد رواها كذلك البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان ورواها أبو داود في الأدب والنسائي في الزينة وقال: صحيح، ذكره الحافظ المزي، لكن لم يذكر أن في قوله: (إن من أكبر الكبائر) أي النسبية وهي كذلك متعددة كما تقدم، أما أكبر الكبائر فالشرك با (أن يلعن الرجل والديه) وهو السبب في وجوده والقائم بمصالحه عند كمال ضعفه وحاجته (قال: يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه) كأن حكمة تقديم الأب في الذكر أن الغالب عدم ذكر النساء حتى في مقام المدح، ولذا قيل: سترة الحرم من الكرم.

٤٣٣٩ - (وعن أبي محمد) ويقال أبو عدي (جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها راء (ابن مطعم) بصيغة الفاعل من أطعم، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن

قصي القرشي النوفليّ (رضي الله عنه) أسلم عام خيبر، وقيل يوم فتح مكة، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستون حديثاً، اتفقا على ستة منها، وانفرد البخاري ومسلم بحديث. روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع وسعيد بن المسيب وآخرون. قال الزبير بن بكار: وكان من حكماء قريش وساداتهم، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقال قتيبة: سنة تسع وخمسين اهـ. من التهذيب للمصنف (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يدخل الجنة قاطع) أي مع الفائزين الناجين أو أبداً إن كان مستحلاً للقطيعة مع علمه بتحريمها (قال سفيان) هو ابن عيينة (في روايته) لهذا الحديث فإن الحديث عندهما من طريقه ومن طريق عقيل ومن طريق مالك ومن طريق عبد الرزاق، أربعتهم عن الزهري عن جبير، ذكره الحافظ المزي في «الأطراف» (يعني) النبي بقوله: «قاطع» المجمل المحتمل لمعان (قاطع الرحم) وكأنه لعظم إثمه ومزيد الاعتناء به لا ينصرف هذا اللفظ إلا إليه ادّعاء.

٥٣٤٠ - (وعن أبي عيسى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد (المغيرة) قال ابن السكيت وآخرون من أهل اللغة بضم الميم وكسرها والضم أشهر (ابن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن أبي معتب بالعين المهملة المفتوحة ابن مالك بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء ابن قيس بن عيلان بالمهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي (رضي الله عنه) أسلم عام الخندق، وروي له عن النبي مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، روى عنه أبو أمامة الباهلي والمسور بن مخرمة وفزة المزني الصحابيون، ومن التابعين جماعات، ولاه عمر البصرة مدة ثم نقل عنها فولاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل فأقر عثمان عليها ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشام، وذهبت عينه يوم

اليرموك، وشهد القادسية وفتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان وشهد الحكمين، واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين، وهو أوّل من وضع ديوان البصرة اهـ ملخصاً من «التهذيب» (عن النبي قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) اقتصر عليهن مع تحريم عقوق الآباء أيضاً لأن الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن وعجزهن بخلاف الآباء ولينبه على تقديم برّهن على برّ الأب في التلطف والخير ونحو ذلك، ويل هو من تخصيص الشيء بالذكر إظهاراً لعظم توقعه، والأمهات جمع أمهة وهي لمن لا يعقل بخلاف الأم فإنه أعم (ومنعاً) لما يجب أداؤه من الحق (وهات) الاستكثار من حق الغير بغير حق: أي حرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، ثم منعاً بالتنوين وفي رواية بغير التنوين وهو بسكون النون مصدر منع يمنع، وأما هات بكسر التاء أمر من الإيتاء والأصل آت بهمزة ممدودة قلبت ألفاً. قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقا ويكون ذكر

هنا مع ضده ثم أعيد مطلقاً تأكيداً للنهي عنه، ثم ما ذكر من أن منعاً مكتوب بالألف كذا في الأصل، لكن قال ابن مالك في «التوضيح» : إنه من المكتوب على لغة ربيعة، ومنع بحذف الألف على لغتهم لأنهم يقفون على المنوّن المنصوب بالسكون فلا يكتبون الألف. وقيل حذفها لأن تنوين منعاً أبدل واواً وأدغم في الواو فصار اللفظ: يعني بعد قلبها واواً مشددة كاللفظ، يقول وشبهه فجعلت صورة الخط مطابقة للفظه، ويمكن أن يكون الأصل ومنع حق فحذف المضاف وبقيت هيئة الإضافة اهـ (ووأد) بسكون الهمزة: أي دفن (البنات) بأن يدفنّ أحياء، يقال وأد بنته وأدا من باب وعد: دفنها حية فهي موءودة كذا في «المصباح» ، وإنما خص البنات بتحريم وأدهن لأنه هو الواقع فتوجه النهي إليه لا أن الحكم مخصوص بالبنات بل هو حكم عام. يقال أوّل من وأد البنات قيس بن عاصم التميمي، كان أغار عليه بعض أعدائه فأخذ بنته فاتخذها لنفسه ثم اصطلحا فخير بنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعته العرب على ذلك. وكانوا فيه فريقين منهم من يفعله خشية الإقتار، ومن يفعله خشية العار، ومن العرب من لا يفعل ذلك. وكان صعصعة بن ناجية التميمي وهو جد الفرزدق أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يراد فعل ذلك منها فيفديها منهم بمال فينفق عليها، وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام فأسلما، ولهما صحبة، وكانوا في الوأد على طريقين:

أحدهما أن يأمر امرأته عند الوضع أن تطلق بجانب حفيرة فإن وضعت ذكراً أبقاه وإلا ألقاها فيها. وثانيهما أن يصبر على البنت إلى أن تصير سداسية ثم يأخذها وقد زينتها أمها، فيأتي بها إلى حفرة كان حفرها قبل فيقول لها انظري قعرها، ويرميها من ورائها ويطمها بالتراب (وكره لكم قيل وقال) قال الحافظ في «الفتح» في رواية الشعبي: كان ينهى عن قيل وقال، كذلك كثر في جميع المواضع بغير التنوين، ووقع في رواية الكشميني هنا

قيلاً وقالاً، والأشهر الأوّل، وفيه تعقب على من زعم أنه جائز ولم يقع في الرواية. وقال الجوهري: قيل وقال اسمان، يقال: كثر القيل والقال كذا جزم باسميتهما واستدل له بدخول أل عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة وأشار إلى ترجيح الأوّل. وقال المحبّ الطبري: فيه أوجه:

أحدهما أنهما مصدران، والمراد من الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ وكرر المصدر مبالغة في الزجر.

وثانيها المراد حكاية أقوال الناس والبحث عنها ليخبره غيره فيقول قال فلان وقيل لفلان، فالنهي عنه إما للزجر وهو الاستكثار منه، وإما لشي مخصوص، وهو ما يكرهه المحكي عنه. قلت: وعليه فهما بفتح اللام حكاية للفعل الماضي وكذا على الوجه الثالث الآتي، واقتصر على الأوّل منهما ابن أقبرس في «شرح الشفاء» فقال: يريد به المنع من التبرّع بنقل الأخبار، فعاد لما فيه من هتك الستار وكشف الأسرار، وقد أشار إلى أن ذلك ليس من محسنات الإسلام بقوله: «من حسن أسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفيه من جهة المعنى موافقة لقوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا} » (النور: ١٩) الآية، لأن الله تعالى ستار. ويخص من هذا نقل الأخبار النافعة لا سيما إذا كانت صحيحة عن ثقة اهـ.

ثالثها أن في ذلك الإكثار الزلل إذ هو مخصوص بمن ينقل لا عن تثبت ولكن تقليداً لمن سمعه ولا يحتاط اهـ. وقول المصنف معناه الخ شامل للآخرين. وفي «المشكاة» قوله قيل: وقيل بناهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على أنهما مصدران ولذا دخل عليهما أل فيما يعرف القيل من القال اهـ بمعناه. وفي

«المصباح» : القيل والقال اسمان من قال يقول لا مصدران قاله ابن السكيت ويعربان بحسب العوامل، وفي «الارتشاف» هما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين واستعملا استعمال الأسماء وأبقى فتحهما ليدل على ما كانا عليه، قال: ويدل عليه ما في الحديث «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قيل وقال» بالفتح وحكى الوجهين في «التهذيب» ، ولا يستعمل القيل والقال إلا في الشر اهـ. (وكثرة السؤال) أي سؤال المال لنفسه من غير حاجة والسؤال عن المشكلات والمعضلات من غير ضرورة وعن أخبار الناس وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله فقد يكره ذلك، فالأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعم الجميع وذلك لأنه اسم جنس محلى بأل فيعم، أما سؤال المال للغير فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفس لحاجة فلا كراهة بشرط عدم الإلحاح وذل نفسه زيادة على ذل السؤال والمسؤول، فإن فقد شرط حرم قال الفاكهاني: يتعجب ممن كره السؤال مطلقاً مع وجوده في عصر النبي وصالحي السلف من غير نكير، قال العلقمي لعل من كرهه أراد أنه خلاف الأولى ولا يلزم من وقوعه وتقديره تغير صفته، وينبغي حمل السؤال منهم على أنه كان عن حاجة. وفي قوله من غير نكير نظر ففي الأحاديث الكثيرة ذم السؤال فيها كفاية في إنكار ذلك (وإضاعة المال) أي بإنفاقه في غير وجه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية، والمنع من إضاعته لأن الله تعالى جعله قياماً لمصالح العباد وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح إما في المبذر أو في حق الغير، ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البرّ لتحصيل ثواب الآخرة

ما لم يفوّت حقاً آخر أهم. قال التقى السبكي في «الحلبيات» : الضابط في إضاعة المال ألا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإذا انتفيا حرم قطعاً، وإن وجد أحدهما وجوداً له حال وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز قطعاً، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت الضابط، فعلى الفقيه أن يرى فيما لا ينتشر منه رأيه. وأما ما ينتشر فقد تعرض له أحكام، فالإنفاق في المعصية كله حرام، ولا نظر فيما يحصل في مطلوبه من اللذة الحسية وقضاء الشهوة النفية. وأما إنفاقه في مباحات الملاذّ فهو موضع اختلاف، وظاهر قوله:

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} (الفرقان: ٦٧) أن الزائد غير اللائق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل كثيراً في غرض يسير عده العقلاء مضيعاً بخلاف عكسه، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والاستقراض والأدب، ومسلم في الأحكام، قال الطيبي: وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو يستتبع جميع الأخلاق الجميلة (قوله منعاً) أي بالتنوين (معناه منع ما وجب عليه) أي أداؤه (وهات)

أي معناه في المشهور (طلب ما ليس له) أي أخذه، وتقدم قول آخر أنه نهي عن مطلق السؤال، ثم هو محتمل لدخوله في النهي بأن يكون خطاباً لاثنين كأن ينهى الطالب عما لا يستحقه وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب لئلا يعينه على الإثم، قاله الحافظ في «الفتح» ، وعليه فيكون المعنى: وكره لكم هات سؤالاً وإجابة للسائل بها (وقيل وقال) ظاهره أنهما في الحديث بالبناء على الفتح، ويحتمل أن يكونا مرفوعين: أي والمراد منهما شيء واحد ولذا قال (معناه الحديث) اسم مصدر من التحديث (بكل ما يسمعه) من أقوال الناس (فيقول قيل كذا) مما قصد به بيان المحكي ولم يتعلق الغرض بتعيين من صدر عنه ذلك (وقال فلان كذا) مما تعلق الغرض فيه بهما معاً (مما لا يعلم صحته ولا يظنها) بيان لما يسمعه (وكفى بالمرء) الظاهر أن الباء مزيدة في المفعول للتأكيد، و (إثماً) تمييز وليس مفعولاً ثانياً لأن المتعدي إليهما كفى بمعنى وفي نحو قوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} (الأحزاب: ٢٥) لا بمعنى حسب، بل قد يكون حينئذٍ لازماً نحو {كفى با} ومتعدياً لواحد كالحديث، وقوله (أن يحدث) فاعل كفى أي تحديثه (بكل ما سمع) من غير تثبت واحتياط وقدمت في حديث «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته» في باب النفقة على العيال، عن المظهري أنّ يحبس مبتدأ وكفى خبره مقدماً عليه أو خبر مبتدأ محذوف وظاهر جريان ذلك هنا أيضاً (وإضاعة المال تبذيره) في «المصباح» :

بذرت الكلام: فرقته، وبذّرته بالتثقيل مبالغة وتكثير، ومنه اشتق التبذير في المال لأنه تفريق في غير القصد اهـ. (وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها) من إتلاف أو في معصية، وقوله: (من مقاصد الآخرة والدنيا) بيان للوجوه المأذون فيها (وترك حفظه) معطوف على تبذيره لأوّليته أو على صرفه لقربه، وإنما يكون ترك الحفظ إضاعة للمال إذا كان (مع إمكان الحفظ) أما إذا عمّ الحريق أو النهب وما تمكن من حفظه فضاع عليه بذلك فلا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٤١- باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم]

قَالَ الله تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد (٢٢، ٢٣) ] .

يقول تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} ، أي: فلعلكم إن توليتم، أي: أعرضتم عن الدين، وفارقتم أحكام القرآن أن تفسدوا في الأرض بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتقطِّعوا أرحامكم.

قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم، وأعمى أبصارهم عن الحق، وهذا نهي من الله تعالى عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا.

وَقالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد (٢٥) ] .

لما ذكر تعالى السعداء الذين يوفون بعهد الله، ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أنْ يوصل، ذكر الأشقياء الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهي عامة في الرحم وغيرها من أمور الدين، ويفسدون في الأرض بالمعاصي أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار.

وَقالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء (٢٣، ٢٤) ] .

في هذه الآية الكريمة: الأمر ببرّ الوالدين، والنهي عن عقوقهما، والأدب في ذلك.

[٣٣٦] وعن أَبي بكرة نُفَيع بن الحارث - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» - ثلاثاً - قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُول الله! قَالَ: «الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» ، وكان مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ» . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الذنوب: فيها صغائر وكبائر. فالكبيرة: ما توعّد صاحبها بغضب أو لعنة أو نار.

قوله: (وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» . سبب الاهتمام به، سهولة وقوع الناس فيه، وتهاونهم به، والحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغير ذلك؛ ولأن مفسدته متعدية إلى الغير.

وأما الشرك فإنه ينبو عنه القلب السليم، والعقوق يصرف عنه الطبع.

وقوله: (حتى قلنا: ليته يسكت) ، أي: شفقة عليه.

[٣٣٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» . رواه البخاري.

«اليمين الغموس» : التي يحلفها كاذباً عامداً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالِفَ في الإثم.

الاقتصار على هذه الأربع لكونها أعظم الكبائر إثمًا، وأشدِّها جُرمًا، ومن ذلك السبع الموبقات.

[٣٣٨] وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مِنَ الكَبَائِر شَتْمُ الرَّجُل وَالِدَيهِ» . قالوا: يَا رَسُول الله، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية: «إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!» ، قِيلَ: يَا رَسُول الله! كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟! قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .

قوله: (هل يشتم الرجل والديه؟) استفهامُ استبعاد أنْ يصدر ذلك من ذي دين أو عقل، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك يقع بالتسبب في سبِّهما.

[٣٣٩] وعن أَبي محمد جبيرِ بن مطعم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» . قَالَ سفيان في روايته: يَعْنِي: قَاطِع رَحِم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

فيه: وعيد شديد لمن قطع رحمه.

وفيه: عظم إثم قاطع الرحم.

[٣٤٠] وعن أَبي عيسى المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأمَّهَاتِ، وَمَنْعاً وهاتِ، وَوَأْد البَنَاتِ، وكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قوله: «مَنْعاً» مَعنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجَب عَلَيهِ، وَ «هَاتِ» : طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ. وَ «وَأْد البَنَاتِ» مَعنَاهُ: دَفنُهُنَّ في الحَيَاةِ، وَ «قيلَ وَقالَ» مَعْنَاهُ: الحَديث بكُلّ مَا يَسمَعهُ، فيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ،

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل