انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٨١

الحديث رقم ٥٨١ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - كلما كان ليلتها من…

انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ، فَيقولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ (١)». رواه مسلم. (٢)

سند حديث: ٥٨١ - وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَ

٥٨١ - وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَ

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - كلما كان ليلتها من…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٦٦- بابُ استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر

١/٥٨١- عن بُريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبُور فزُروها)) رواهُ مسلم.

٢/٥٨٢- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرُجُ من آخر الليل إلى البقيعِ فيقولُ: ((السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنينَ، وآتاكم ما تُوعدون، غداً مؤجلُون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقدِ)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله في كتاب رياض الصالحين: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.

زيارة القبور: يعني الخروج إليها امتثالاً؛ بل اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقبور هي دور الأموات، وذلك أن الإنسان له أربعة دور:

الأولى: في بطن أمه.

الثانية: الدنيا.

والثالثة: القبور.

والرابعة: الآخرة وهي المقر وهي النهاية والغاية- جعلنا الله وإياكم من الفائزين فيها.

هذه الدار- أعني دار القبور- كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارتها؛ خوفاً من الشرك بأهل القبور؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية، فنهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سداً لذرائع الشرك؛ لأن الشرك لما كان أمره عظيماً؛ سدّ النبي صلى الله عليه وسلم كل ذريعة وكل باب يوصل إليه.

وكلما كانت المعصية عظيمة؛ كانت وسائلها أشد منعاً. الزنا مثلاً فاحشة، وسائله من النظر والخلوة وما أشبه ذلك محرمة.

وكذلك فإن الشرك أعظم الظلم، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك)) .

فلما كان الناس يعظمون القبور؛ نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فما استقر الإيمان في قلوبهم؛ أذن لهم فقال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرُ الآخرة)) .

فرفع النبي صلى الله عليه وسلم وأباح الزيارة، بل رغبَّ فيها لقوله: ((فإنها تذكر الآخرة)) . والذي يذكر الآخرة ينبغي للإنسان أن يعمل به؛ لأن القلب إذا نسي الآخرة؛ غفل واشتغل بالدنيا، وأضاع الدنيا والآخرة؛ لأن من أضاع

الآخرة؛ فقد أضاع الدنيا والآخرة.

فينبغي أن نزور القبور؛ ولكن نزورها لنفعها أو للانتفاع بها؟ الأول: لنفعها، ليدعوا للأموات لا ليدعوهم، فيخرج الإنسان ويسلم على القبور، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان عندها، خرج من آخر الليل فسلّم على أهل البقيع وقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) .

ثم يقول: " اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وهذه الدعوة يرجى أن تشمل من كان من أهل بقيع الغرقد إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد بهم أهل بقيع الغرقد الذين كانوا أهله في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فقط، فلا يشمل من يأتي بعدهم.

ولكن من كان من أهل الرحمة؛ فهو من أهل الرحمة، سواء حصلت له هذه الدعوة أم لم تحصل، ومن كان من أهل الشقاء؛ فإنه لا تشمله هذه الدعوة ولا ينتفع بها.

المهم أن الإنسان ينبغي له أن يزور القبور في كل وقت، في الليل، في النهار، في الصباح، في المساء، في يوم الجمعة، في غير يوم الجمعة، ليس لها وقت محدد، وكلما غفل قلبك واندمجت نفسك في الحياة الدنيا؛ فاخرج إلى القبور، وتفكر في هؤلاء القوم الذين كانوا بالأمس مثلك على الأرض يأكلون ويشربون ويتمتعون، والآن أين ذهبوا؟ صاروا الآن مرتهنين بأعمالهم، لم ينفعهم إلا عملهم كما أخبر بذلك النبي عليه

الصلاة والسلام أنه قال: ((يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى علمه)) .

ففكِّر في هؤلاء القوم، ثم سلِّم عليهم: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)) والظاهر - والله أعلم- أنهم يردّون السلام؛ لأنه يسلم عليهم بصيغة الخطاب ((السلام عليكم)) ، ويحتمل أن يُراد بذلك السلام مجرد الدعاء فقط، سواء سمعوا أم لم يسمعوا، أجابوا أم لم يجيبوا.

فعلى كل حال على الإنسان أن يدعو لهم ويقول مقرراً المصير الحتمي: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) إن شاء الله هذه تعود إلى وقت اللحوق وليس إلى اللحوق؛ لأن اللحوق متيقن، والمتيقن لا يقيد بالمشيئة لكن تعود إلى وقت اللحوق؛ لأن كل واحد منا لا يدري متى يلحق، فيكون معنى قوله: ((إنا إن شاء الله بكم لاحقون)) أي: وإنا متى شاء الله بكم لاحقون، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس: ٢٣، ٢٢) . ثم يدعو لهم بالدعاء الذي جاءت به السنة، فإن لم يعرف شيئاً منه؛ دعا بما تيسر: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، ثم ينصرف. هكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يزور المقبرة.

وأما ما يفعله بعض الجهال من البقاء هناك، والتمرغ على التراب، والطواف بالقبر، وما أشبه ذلك، فكله أمر منكر؛ وبدعة محظورة، فإن اعتقد أن هؤلاء الأموات ينفعون أو يضرون؛ كان مشركاً والعياذ بالله خارجاً عن الإسلام؛ لأن هؤلاء الأموات لا ينفعون ولا يضرّون، لا يستطيعون الدعاء لك، ولا يشفعون لك إلا بأذن الله.

وليس هذا وقت الشفاعة أيضاً، وقت الشفاعة يوم القيامة، فلا ينفعك شيء منهم إذا دعوتهم أو سألتهم الشفاعة أو ما أشبه ذلك.

والواجب على إخواننا الذين يوجد مثل هذا في بلادهم الواجب عليهم أن ينصحوا هؤلاء الجهال، وأن يبينوا لهم أن الأموال لا ينفعونهم، حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفع الناس وهو ميت، وكان الصحابة رضي اله عنهم إذا أصابهم الجدب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حياته جاءوا إليه وقالوا: استسق الله لنا، فيستقي الله لهم.

لكن لما مات لم يأتِ الصحابة إلى قبره يقولون: ادعُ الله أن يسقينا، وقبره إلى جانب المسجد ليس بعيداً، لكن لما أجدبت الأرض في عهد عمر، وحصل القحط قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، يعني أنهم كانوا يسألون الرسول أن يدعو له بالسقا فيسقون، وإنا نستسقي إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم يقوم العباس فيدعو الله.

ولم يقل: يا رسول الله، ادعُ الله أن يسقينا، ادعُ الله أن يرفع عنا القحط؛ لأنه رضي الله عنه يعلم أن ذلك غير ممكن، والإنسان إذا مات انقطع علمه، ولا يمكن أن يعمل إي عمل كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث)) ، فلا يستطيع الميت أن يستغفر لك، ولا أن يدعو لك؛ لأنه انقطع عن العمل.

فالحاصل أن زيارة القبور لمنفعة أهل القبور لا لمنفعة الزائر، إلا فيما يناله من الأجر عند الله عزّ وجلَّ، أما أن ينتفع بهم بزيارته إياهم فلا؛ لكن ينتفع بالأجر الذي يحصل له، وينتفع بالموعظة التي تحصل لقلبه إذا وفقه الله تعالى للاتعاظ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يعلقون رجاءهم بالله.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

بشهادته «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» (قلت فالنصف) الفاء فيه عاطفة على ما قبله: أي أجعل لك النصف (قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالثلثين، قال: ما شئت. فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل) يحتمل الاستفهام لتناسب ما قبله ويحتمل الإخبار: أي فإذا أجعل (لك صلاتي كلها) إذ ما بقي بعد الثلثين ما يستفهم عن زيادته عليها مما له وقع حتى ينتقل بعده إلى الجملة، فأخبر بذلك لأن الأمر انتهى إليه ووقف عنده، والمعنى: أصرف جميع أوقات دعائي لنفسي للصلاة عليه أو جميع صلواتي وثوابها إليه على ما عرفت (قال: إذن تكفي همك) المتعلق بالدارين بدليل ما جاء في رواية سندها حسن «قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذن يكفيك الله أمر دنياك وآخرتك» وبفرض صحة هذه الرواية فلا مانع من تعدد القصة وأنها وقعت لأبي ولغيره ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه أنها مشتملة على امتثال أمر الله تعالى وعلى ذكره وتعظيمه وتعظيم رسوله، وقد جاء في الحديث القدسي «من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة الله وملائكته عليه عشراً أو سبعين أو ألفاً كما جاء بذلك روايات، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب،

فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بمثلها فضلا عن أنفس منها، وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته (ويغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين لرضا الحق عنك ومن رضى عنه لا يعذبه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه عبد بن حميد في «مسنده» وأحمد بن منيع والروياني والحاكم وصححه.

٦٦ - باب استحباب زيارة القبور للرجال

القبور: جمع قبر وهو معروف، وهو مما أكرم به بنو آدم، وأول من سنه الغراب حين

قتل قابيل أخاه هابيل. وقد قيل إن بني إسرائيل أول من أقبر وليس بشيء كذا في لغات المناج، وخرج بالرجال النساء والخناثى فيكره لهم على الصحيح مطلقاً خشية الفتنة وارتفاع أصواتهن بالبكاء نعم يسنّ لهن زيارته. قال بعضهم: وكذا مآثر الأنبياء والعلماء والأولياء، قال الأذرعى: إن صح فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين اهـ. وظاهره أنه لا يرتضيه لكن ارتضاه غير واحد بل جزموا به. والحق أن يفصل بين أن تذهب بمشهد كذهابها للمسجد فيشترط فيه ما يشترط ثمة من كونها عجوزاً ليست متزينة بطيب ولا حليّ ولا ثوب زينة كما في الجماعة بل أولى، وأن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب فيسنّ لها ولو شابة، إذ لا خشية فتنة هنا، ويفرق بين نحو العلماء والأقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوّارهم يعود عليهم منهم مدد أخروى لا ينكره إلا المجرمون، بخلاف الأقارب. فاندفع قول الأذرعي إن صح الخ، كذا في «التحفة» لابن حجر (وما يقوله الزائر) أي من التحتية والدعاء لهم وما مع ذلك.

١٥٨١ - (عن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة ثم هاء تأنيث، وهو ابن الحصيب بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية بعدها فموحدة، ابن الحارث الأسلمي. أسلم (رضي الله عنه) قبل بدر ولم يشهدها، وقيل أسلم بعدها، وشهد خيبر، روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وسبعة وسبعون حديثاً، منها في الصحيحين أربعة عشر، اتفقا على واحد منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر، روى عنه ابناه والشعبي وأبو المليح الهذلي، سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو، وتوفى بها سنة ثنتين أو ثلاث وستين، وهو آخر الصحابة موتاً بخراسان وبقى ولده بها (قال: قال رسول الله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور) لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة التي كانوا يألفونها على القبور (فزوروها) نسخ لذلك النهي لما تمهدت القواعد واتضحت الأحكام، فعلموا ما ينفع وما يضرّ، فحينئذ طلبها منهم وعللها كما في رواية أخرى لمسلم بأنها تذكر الآخرة: أي لأنها ترقّ القلوب بذكر الموت وأحواله وما بعده، وأكد في تحفظهم عن عادة الجاهلية كما صح: ألا يقولوا هجرا: أي باطلا لأجل ما في ذلك من التذكير بالآخرة خلاف ما هذا. والقاعدة الأصولية أن الأمر بعد الحظر للإباحة على أنه اعتضد بتكرر زيارته للأموات وبالإجماع على طلبها، بل حكى ابن عبد البرّ عن بعضهم وجوبها، واتفقوا على ندبها للرجال في قبور المسلمين وإن بلوا، لأنه يبقى منه عجب الذنب ولبقاء الروح

بمحل القبر، وأخذوا من تعليله بأنها تذكر الآخرة قصر استحبابها على من قصد بها التفكر في الموت ومآل الدنيا إلى ماذا؟ مع الترحم والاستغفار والتلاوة والدعاء لهم، وهي لمن كان يعرفهم في الدنيا آكد. وقد قسم المصنف الزيارة إلى أقسام، لأنها إما لمجرد تذكر الموت والآخرة فيكفي رؤية القبور من غير معرفة أصحابها، وإما لنحو الدعاء فيسن لكل مسلم، وإما للتبرك فيسن لأهل الخير لأن لهم في برازخهم

تصرفات وبركات لا يحصى مددها. وإما لأداء حق نحو صديق ووالد لخبر أبي نعيم «من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة كان كحجة» ولفظ رواية البيهقي «غفر له وكتب له براءة» وإما رحمة وتأنساً لخبر أنس «ما يكون الميت في قبره إذا رأى من كان يحبه في الدنيا» ولا يسن سفر الرجل لأجل الزيارة إلا لقبر نبيّ أو عالم أو صالح، وشذّ الروياني فقال: يحرم السفر لها في غير ما استثنى (رواه مسلم) أول حديث فيه أشياء كان نهى عنها ثم نسخ ذلك النهي وأباحها، في «الجامع الصغير» «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» رواه ابن ماجة وابن مسعود، وحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترقّ القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً» رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس اهـ.

٢٥٨٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما) «ما» فيه وقتية، فلذا وصلت بها كل في الخط ونصبت على الظرفية (كان ليلتها) أي باعتبار دور القسم (من رسول الله) متعلق بالليلة لأنها بمعنى النصيب أو بمحذوف أي التي تخصها منه (يخرج) جواب كلما لأنه وإن كان ظرفا فيه معنى الشرط لعمومه وهو العامل فيه وهما خبر كان، وذلك حكاية معنى كلامها لا لفظه، فكأن الراوي قال عن عائشة كان عادته أن يخرج (من آخر الليل إلى بقيع) بالموحدة فالقاف فالتحتية فالمهملة بوزن سميع (الغرقد) بالغين المعجمة والراء والقاف والدّال المهملة وزن جعفر. قال في «النهاية» : هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك واحدته الغرقدة، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان

فيها غرقد وقطع (رواه مسلم) وآخره «فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع أهل الغرقد» .

٣٥٨٣ - (وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان النبي يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) جمع مقبرة، ورواه في «المشكاة» «القبور» (أن يقول قائلهم) أن ومنصوبها في تأويل مصدر مفعول يعلمهم وإذا ظرف له، ولا يصح كونه ظرفا ليقول مقدراً قبله يدل عليه منصوب أن المذكورة بعد، نظير ما قيل فى فيه من قوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف: ٢٠) أي علمهم قولهم، وفيه يخرجوا إلى القبور ويصلوها (السلام عليكم) أخذ منه أفضلية تعريف السلام على تنكيره والرد على من قال الأولى أن يقال للأموات عليكم السلام لأنهم ليسوا أهلاً للخطاب، والحديث «إن عليك السلام تحية الموتى» وردّ بأن الخطاب لا فرق في النظر إليه بين تقدمه وتأخره على أن الصواب أن الميت أهل للخطاب مطلقاً، لأن روحه وإن كانت في أعلى عليين لها مزيد تعلق بالقبر فيعرف من يأتي، ومن لا كما دل عليه الخبر الصحيح «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام» والحديث إخبار عن عادتهم في الجاهلية لا تعليم لهم، أو المراد بالموتى كفار الجاهلية: أي تحية موتى القلوب فلا تفعلوه (أهل الديار) بالنصب على الاختصاص وهو الأصح، أو النداء وأيد بوروده في رواية أخرى «يا أهل الديار» فكانت تلك قرينة على إرادة النداء هنا وتقدير أداته وترجيحه على الاختصاص وإن كان أفصح وبالجر بدل من كم، والمراد بالديار القبور، وسميت بذلك لأنها للموتى من حيث اجتماعهم كالديار للأحياء (من المؤمنين والمسلمين) بيان لأهل الديار ولللاحتراز عمن قد يكون في المقبرة من خارج عن

الملة من الجاهلية (وإنا إن شاء الله) أتى به للتبرك امتثالا للآية أو تعليق بالنظر للحوق بهم في هذا المكان بعينه أو للموت على الإسلام أو أنّ إن فيه بمعنى إذ كما قيل به في قوله تعالى: {وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: ١٧٥) (بكم للاحقون نسأل الله) استئناف على طريقة أسلوب الحكيم، فإنهم لما سلموا عليهم

ودعوا لهم خبروا أنهم لاحقون بهم، قال لسان حالهم: جئتمونا فلم لا تدعوا لنا بدعاء جامع وتشركوا أنفسكم فيه معنا كما هو السنة؟ فقالوا نسأل الله (لنا ولكم العافية) وهي الأمن من مكره (رواه مسلم) في الجنائز، رواه أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه لا في رواية أبي القاسم، ورواه النسائي وابن ماجه.

٤٥٨٤ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور بالمدينة، فأقبل عليهم بوجهه) ضمير المذكرين العقلاء باعتبار من فيها من الأموات بتغليبهم على من سواهم. ويؤخذ منه سنّ استقبال وجه الميت بوجه الزائر حال السلام عليه، وظاهر الحديث استمرار ذلك حال الدعاء أيضاً وعليه العمل كما قالوه، لكن السنة عندنا أنه حال الدعاء يستقبل القبلة كما علم ذلك من أحاديث أخرى في مطلق الدعاء، وقدمت على هذا الحديث لاحتمال أنه إنما أقبل بوجهه حال السلام، قال أصحابنا: ويسنّ التأدب مع الميت حال زيارته كما كان يفعل معه حال حياته أي ولو تقديراً بأن أدرك زمنه (فقال: السلام على أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) وقدم نفسه اهتماما وفيما مرّ إعلاما بأن من أدب الداعي للغير أن يشرك فيه نفسه وأن يقدمها لحديث «ابدأ بنفسك» (أنتم سلفنا) قيل هو مجاز من سلف المال فكأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر المقابل لصبره عليه، وقيل حقيقة لأن سلف الإنسان من مات قبله ممن يعزّ عليه وبهذا سمى الصدر الأول من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالسلف الصالح، ومن خص اسم السلف بالتابعين فقد أبعد، والذي دل عليه كلامهم في مواضع ما ذكرنا، وضابطه القرون الثلاثة التي شهد بخيريتها (ونحن

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

والراجفة: هي النفخة الأولى.

والرادفة: الثانية.

قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر (٦٨) ] .

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جاء الموت بما فيه» . أي: من الأهوال عند الاحتضار، وفي القبر وأهواله.

وقوله: فكم أجعل لك من صلاتي، أي: من دعائي.

وفيه: جواز ذكر الإنسان صالح عمله، لغرض كالاستفتاء ونحوه.

[٦٦- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر]

[٥٨١] عن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوروها» . رواه مسلم.

النهي عن زيارة القبور كان في أول الإِسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة، وأفعالهم التي كانوا يألفونها عند القبور، فلما علموا أحكام الشرع أمرهم بزيارتها لأنها تذكر الآخرة.

وروى الحاكم عن أنس مرفوعًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها ترق القلب، وتُدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا ... هَجْرًا» .

[٥٨٢] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٦٦- بابُ استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر

١/٥٨١- عن بُريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبُور فزُروها)) رواهُ مسلم.

٢/٥٨٢- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرُجُ من آخر الليل إلى البقيعِ فيقولُ: ((السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنينَ، وآتاكم ما تُوعدون، غداً مؤجلُون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقدِ)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله في كتاب رياض الصالحين: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.

زيارة القبور: يعني الخروج إليها امتثالاً؛ بل اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقبور هي دور الأموات، وذلك أن الإنسان له أربعة دور:

الأولى: في بطن أمه.

الثانية: الدنيا.

والثالثة: القبور.

والرابعة: الآخرة وهي المقر وهي النهاية والغاية- جعلنا الله وإياكم من الفائزين فيها.

هذه الدار- أعني دار القبور- كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارتها؛ خوفاً من الشرك بأهل القبور؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية، فنهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سداً لذرائع الشرك؛ لأن الشرك لما كان أمره عظيماً؛ سدّ النبي صلى الله عليه وسلم كل ذريعة وكل باب يوصل إليه.

وكلما كانت المعصية عظيمة؛ كانت وسائلها أشد منعاً. الزنا مثلاً فاحشة، وسائله من النظر والخلوة وما أشبه ذلك محرمة.

وكذلك فإن الشرك أعظم الظلم، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك)) .

فلما كان الناس يعظمون القبور؛ نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فما استقر الإيمان في قلوبهم؛ أذن لهم فقال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرُ الآخرة)) .

فرفع النبي صلى الله عليه وسلم وأباح الزيارة، بل رغبَّ فيها لقوله: ((فإنها تذكر الآخرة)) . والذي يذكر الآخرة ينبغي للإنسان أن يعمل به؛ لأن القلب إذا نسي الآخرة؛ غفل واشتغل بالدنيا، وأضاع الدنيا والآخرة؛ لأن من أضاع

الآخرة؛ فقد أضاع الدنيا والآخرة.

فينبغي أن نزور القبور؛ ولكن نزورها لنفعها أو للانتفاع بها؟ الأول: لنفعها، ليدعوا للأموات لا ليدعوهم، فيخرج الإنسان ويسلم على القبور، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان عندها، خرج من آخر الليل فسلّم على أهل البقيع وقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) .

ثم يقول: " اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وهذه الدعوة يرجى أن تشمل من كان من أهل بقيع الغرقد إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد بهم أهل بقيع الغرقد الذين كانوا أهله في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فقط، فلا يشمل من يأتي بعدهم.

ولكن من كان من أهل الرحمة؛ فهو من أهل الرحمة، سواء حصلت له هذه الدعوة أم لم تحصل، ومن كان من أهل الشقاء؛ فإنه لا تشمله هذه الدعوة ولا ينتفع بها.

المهم أن الإنسان ينبغي له أن يزور القبور في كل وقت، في الليل، في النهار، في الصباح، في المساء، في يوم الجمعة، في غير يوم الجمعة، ليس لها وقت محدد، وكلما غفل قلبك واندمجت نفسك في الحياة الدنيا؛ فاخرج إلى القبور، وتفكر في هؤلاء القوم الذين كانوا بالأمس مثلك على الأرض يأكلون ويشربون ويتمتعون، والآن أين ذهبوا؟ صاروا الآن مرتهنين بأعمالهم، لم ينفعهم إلا عملهم كما أخبر بذلك النبي عليه

الصلاة والسلام أنه قال: ((يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى علمه)) .

ففكِّر في هؤلاء القوم، ثم سلِّم عليهم: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)) والظاهر - والله أعلم- أنهم يردّون السلام؛ لأنه يسلم عليهم بصيغة الخطاب ((السلام عليكم)) ، ويحتمل أن يُراد بذلك السلام مجرد الدعاء فقط، سواء سمعوا أم لم يسمعوا، أجابوا أم لم يجيبوا.

فعلى كل حال على الإنسان أن يدعو لهم ويقول مقرراً المصير الحتمي: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) إن شاء الله هذه تعود إلى وقت اللحوق وليس إلى اللحوق؛ لأن اللحوق متيقن، والمتيقن لا يقيد بالمشيئة لكن تعود إلى وقت اللحوق؛ لأن كل واحد منا لا يدري متى يلحق، فيكون معنى قوله: ((إنا إن شاء الله بكم لاحقون)) أي: وإنا متى شاء الله بكم لاحقون، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس: ٢٣، ٢٢) . ثم يدعو لهم بالدعاء الذي جاءت به السنة، فإن لم يعرف شيئاً منه؛ دعا بما تيسر: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، ثم ينصرف. هكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يزور المقبرة.

وأما ما يفعله بعض الجهال من البقاء هناك، والتمرغ على التراب، والطواف بالقبر، وما أشبه ذلك، فكله أمر منكر؛ وبدعة محظورة، فإن اعتقد أن هؤلاء الأموات ينفعون أو يضرون؛ كان مشركاً والعياذ بالله خارجاً عن الإسلام؛ لأن هؤلاء الأموات لا ينفعون ولا يضرّون، لا يستطيعون الدعاء لك، ولا يشفعون لك إلا بأذن الله.

وليس هذا وقت الشفاعة أيضاً، وقت الشفاعة يوم القيامة، فلا ينفعك شيء منهم إذا دعوتهم أو سألتهم الشفاعة أو ما أشبه ذلك.

والواجب على إخواننا الذين يوجد مثل هذا في بلادهم الواجب عليهم أن ينصحوا هؤلاء الجهال، وأن يبينوا لهم أن الأموال لا ينفعونهم، حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفع الناس وهو ميت، وكان الصحابة رضي اله عنهم إذا أصابهم الجدب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حياته جاءوا إليه وقالوا: استسق الله لنا، فيستقي الله لهم.

لكن لما مات لم يأتِ الصحابة إلى قبره يقولون: ادعُ الله أن يسقينا، وقبره إلى جانب المسجد ليس بعيداً، لكن لما أجدبت الأرض في عهد عمر، وحصل القحط قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، يعني أنهم كانوا يسألون الرسول أن يدعو له بالسقا فيسقون، وإنا نستسقي إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم يقوم العباس فيدعو الله.

ولم يقل: يا رسول الله، ادعُ الله أن يسقينا، ادعُ الله أن يرفع عنا القحط؛ لأنه رضي الله عنه يعلم أن ذلك غير ممكن، والإنسان إذا مات انقطع علمه، ولا يمكن أن يعمل إي عمل كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث)) ، فلا يستطيع الميت أن يستغفر لك، ولا أن يدعو لك؛ لأنه انقطع عن العمل.

فالحاصل أن زيارة القبور لمنفعة أهل القبور لا لمنفعة الزائر، إلا فيما يناله من الأجر عند الله عزّ وجلَّ، أما أن ينتفع بهم بزيارته إياهم فلا؛ لكن ينتفع بالأجر الذي يحصل له، وينتفع بالموعظة التي تحصل لقلبه إذا وفقه الله تعالى للاتعاظ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يعلقون رجاءهم بالله.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

بشهادته «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» (قلت فالنصف) الفاء فيه عاطفة على ما قبله: أي أجعل لك النصف (قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالثلثين، قال: ما شئت. فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل) يحتمل الاستفهام لتناسب ما قبله ويحتمل الإخبار: أي فإذا أجعل (لك صلاتي كلها) إذ ما بقي بعد الثلثين ما يستفهم عن زيادته عليها مما له وقع حتى ينتقل بعده إلى الجملة، فأخبر بذلك لأن الأمر انتهى إليه ووقف عنده، والمعنى: أصرف جميع أوقات دعائي لنفسي للصلاة عليه أو جميع صلواتي وثوابها إليه على ما عرفت (قال: إذن تكفي همك) المتعلق بالدارين بدليل ما جاء في رواية سندها حسن «قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذن يكفيك الله أمر دنياك وآخرتك» وبفرض صحة هذه الرواية فلا مانع من تعدد القصة وأنها وقعت لأبي ولغيره ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه أنها مشتملة على امتثال أمر الله تعالى وعلى ذكره وتعظيمه وتعظيم رسوله، وقد جاء في الحديث القدسي «من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة الله وملائكته عليه عشراً أو سبعين أو ألفاً كما جاء بذلك روايات، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب،

فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بمثلها فضلا عن أنفس منها، وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته (ويغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين لرضا الحق عنك ومن رضى عنه لا يعذبه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه عبد بن حميد في «مسنده» وأحمد بن منيع والروياني والحاكم وصححه.

٦٦ - باب استحباب زيارة القبور للرجال

القبور: جمع قبر وهو معروف، وهو مما أكرم به بنو آدم، وأول من سنه الغراب حين

قتل قابيل أخاه هابيل. وقد قيل إن بني إسرائيل أول من أقبر وليس بشيء كذا في لغات المناج، وخرج بالرجال النساء والخناثى فيكره لهم على الصحيح مطلقاً خشية الفتنة وارتفاع أصواتهن بالبكاء نعم يسنّ لهن زيارته. قال بعضهم: وكذا مآثر الأنبياء والعلماء والأولياء، قال الأذرعى: إن صح فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين اهـ. وظاهره أنه لا يرتضيه لكن ارتضاه غير واحد بل جزموا به. والحق أن يفصل بين أن تذهب بمشهد كذهابها للمسجد فيشترط فيه ما يشترط ثمة من كونها عجوزاً ليست متزينة بطيب ولا حليّ ولا ثوب زينة كما في الجماعة بل أولى، وأن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب فيسنّ لها ولو شابة، إذ لا خشية فتنة هنا، ويفرق بين نحو العلماء والأقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوّارهم يعود عليهم منهم مدد أخروى لا ينكره إلا المجرمون، بخلاف الأقارب. فاندفع قول الأذرعي إن صح الخ، كذا في «التحفة» لابن حجر (وما يقوله الزائر) أي من التحتية والدعاء لهم وما مع ذلك.

١٥٨١ - (عن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة ثم هاء تأنيث، وهو ابن الحصيب بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية بعدها فموحدة، ابن الحارث الأسلمي. أسلم (رضي الله عنه) قبل بدر ولم يشهدها، وقيل أسلم بعدها، وشهد خيبر، روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وسبعة وسبعون حديثاً، منها في الصحيحين أربعة عشر، اتفقا على واحد منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر، روى عنه ابناه والشعبي وأبو المليح الهذلي، سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو، وتوفى بها سنة ثنتين أو ثلاث وستين، وهو آخر الصحابة موتاً بخراسان وبقى ولده بها (قال: قال رسول الله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور) لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة التي كانوا يألفونها على القبور (فزوروها) نسخ لذلك النهي لما تمهدت القواعد واتضحت الأحكام، فعلموا ما ينفع وما يضرّ، فحينئذ طلبها منهم وعللها كما في رواية أخرى لمسلم بأنها تذكر الآخرة: أي لأنها ترقّ القلوب بذكر الموت وأحواله وما بعده، وأكد في تحفظهم عن عادة الجاهلية كما صح: ألا يقولوا هجرا: أي باطلا لأجل ما في ذلك من التذكير بالآخرة خلاف ما هذا. والقاعدة الأصولية أن الأمر بعد الحظر للإباحة على أنه اعتضد بتكرر زيارته للأموات وبالإجماع على طلبها، بل حكى ابن عبد البرّ عن بعضهم وجوبها، واتفقوا على ندبها للرجال في قبور المسلمين وإن بلوا، لأنه يبقى منه عجب الذنب ولبقاء الروح

بمحل القبر، وأخذوا من تعليله بأنها تذكر الآخرة قصر استحبابها على من قصد بها التفكر في الموت ومآل الدنيا إلى ماذا؟ مع الترحم والاستغفار والتلاوة والدعاء لهم، وهي لمن كان يعرفهم في الدنيا آكد. وقد قسم المصنف الزيارة إلى أقسام، لأنها إما لمجرد تذكر الموت والآخرة فيكفي رؤية القبور من غير معرفة أصحابها، وإما لنحو الدعاء فيسن لكل مسلم، وإما للتبرك فيسن لأهل الخير لأن لهم في برازخهم

تصرفات وبركات لا يحصى مددها. وإما لأداء حق نحو صديق ووالد لخبر أبي نعيم «من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة كان كحجة» ولفظ رواية البيهقي «غفر له وكتب له براءة» وإما رحمة وتأنساً لخبر أنس «ما يكون الميت في قبره إذا رأى من كان يحبه في الدنيا» ولا يسن سفر الرجل لأجل الزيارة إلا لقبر نبيّ أو عالم أو صالح، وشذّ الروياني فقال: يحرم السفر لها في غير ما استثنى (رواه مسلم) أول حديث فيه أشياء كان نهى عنها ثم نسخ ذلك النهي وأباحها، في «الجامع الصغير» «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» رواه ابن ماجة وابن مسعود، وحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترقّ القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً» رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس اهـ.

٢٥٨٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما) «ما» فيه وقتية، فلذا وصلت بها كل في الخط ونصبت على الظرفية (كان ليلتها) أي باعتبار دور القسم (من رسول الله) متعلق بالليلة لأنها بمعنى النصيب أو بمحذوف أي التي تخصها منه (يخرج) جواب كلما لأنه وإن كان ظرفا فيه معنى الشرط لعمومه وهو العامل فيه وهما خبر كان، وذلك حكاية معنى كلامها لا لفظه، فكأن الراوي قال عن عائشة كان عادته أن يخرج (من آخر الليل إلى بقيع) بالموحدة فالقاف فالتحتية فالمهملة بوزن سميع (الغرقد) بالغين المعجمة والراء والقاف والدّال المهملة وزن جعفر. قال في «النهاية» : هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك واحدته الغرقدة، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان

فيها غرقد وقطع (رواه مسلم) وآخره «فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع أهل الغرقد» .

٣٥٨٣ - (وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان النبي يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) جمع مقبرة، ورواه في «المشكاة» «القبور» (أن يقول قائلهم) أن ومنصوبها في تأويل مصدر مفعول يعلمهم وإذا ظرف له، ولا يصح كونه ظرفا ليقول مقدراً قبله يدل عليه منصوب أن المذكورة بعد، نظير ما قيل فى فيه من قوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف: ٢٠) أي علمهم قولهم، وفيه يخرجوا إلى القبور ويصلوها (السلام عليكم) أخذ منه أفضلية تعريف السلام على تنكيره والرد على من قال الأولى أن يقال للأموات عليكم السلام لأنهم ليسوا أهلاً للخطاب، والحديث «إن عليك السلام تحية الموتى» وردّ بأن الخطاب لا فرق في النظر إليه بين تقدمه وتأخره على أن الصواب أن الميت أهل للخطاب مطلقاً، لأن روحه وإن كانت في أعلى عليين لها مزيد تعلق بالقبر فيعرف من يأتي، ومن لا كما دل عليه الخبر الصحيح «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام» والحديث إخبار عن عادتهم في الجاهلية لا تعليم لهم، أو المراد بالموتى كفار الجاهلية: أي تحية موتى القلوب فلا تفعلوه (أهل الديار) بالنصب على الاختصاص وهو الأصح، أو النداء وأيد بوروده في رواية أخرى «يا أهل الديار» فكانت تلك قرينة على إرادة النداء هنا وتقدير أداته وترجيحه على الاختصاص وإن كان أفصح وبالجر بدل من كم، والمراد بالديار القبور، وسميت بذلك لأنها للموتى من حيث اجتماعهم كالديار للأحياء (من المؤمنين والمسلمين) بيان لأهل الديار ولللاحتراز عمن قد يكون في المقبرة من خارج عن

الملة من الجاهلية (وإنا إن شاء الله) أتى به للتبرك امتثالا للآية أو تعليق بالنظر للحوق بهم في هذا المكان بعينه أو للموت على الإسلام أو أنّ إن فيه بمعنى إذ كما قيل به في قوله تعالى: {وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: ١٧٥) (بكم للاحقون نسأل الله) استئناف على طريقة أسلوب الحكيم، فإنهم لما سلموا عليهم

ودعوا لهم خبروا أنهم لاحقون بهم، قال لسان حالهم: جئتمونا فلم لا تدعوا لنا بدعاء جامع وتشركوا أنفسكم فيه معنا كما هو السنة؟ فقالوا نسأل الله (لنا ولكم العافية) وهي الأمن من مكره (رواه مسلم) في الجنائز، رواه أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه لا في رواية أبي القاسم، ورواه النسائي وابن ماجه.

٤٥٨٤ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور بالمدينة، فأقبل عليهم بوجهه) ضمير المذكرين العقلاء باعتبار من فيها من الأموات بتغليبهم على من سواهم. ويؤخذ منه سنّ استقبال وجه الميت بوجه الزائر حال السلام عليه، وظاهر الحديث استمرار ذلك حال الدعاء أيضاً وعليه العمل كما قالوه، لكن السنة عندنا أنه حال الدعاء يستقبل القبلة كما علم ذلك من أحاديث أخرى في مطلق الدعاء، وقدمت على هذا الحديث لاحتمال أنه إنما أقبل بوجهه حال السلام، قال أصحابنا: ويسنّ التأدب مع الميت حال زيارته كما كان يفعل معه حال حياته أي ولو تقديراً بأن أدرك زمنه (فقال: السلام على أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) وقدم نفسه اهتماما وفيما مرّ إعلاما بأن من أدب الداعي للغير أن يشرك فيه نفسه وأن يقدمها لحديث «ابدأ بنفسك» (أنتم سلفنا) قيل هو مجاز من سلف المال فكأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر المقابل لصبره عليه، وقيل حقيقة لأن سلف الإنسان من مات قبله ممن يعزّ عليه وبهذا سمى الصدر الأول من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالسلف الصالح، ومن خص اسم السلف بالتابعين فقد أبعد، والذي دل عليه كلامهم في مواضع ما ذكرنا، وضابطه القرون الثلاثة التي شهد بخيريتها (ونحن

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

والراجفة: هي النفخة الأولى.

والرادفة: الثانية.

قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر (٦٨) ] .

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جاء الموت بما فيه» . أي: من الأهوال عند الاحتضار، وفي القبر وأهواله.

وقوله: فكم أجعل لك من صلاتي، أي: من دعائي.

وفيه: جواز ذكر الإنسان صالح عمله، لغرض كالاستفتاء ونحوه.

[٦٦- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر]

[٥٨١] عن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوروها» . رواه مسلم.

النهي عن زيارة القبور كان في أول الإِسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة، وأفعالهم التي كانوا يألفونها عند القبور، فلما علموا أحكام الشرع أمرهم بزيارتها لأنها تذكر الآخرة.

وروى الحاكم عن أنس مرفوعًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها ترق القلب، وتُدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا ... هَجْرًا» .

[٥٨٢] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله