سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٦٥٢

الحديث رقم ٦٥٢ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلكم راع…

سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مال سيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفقٌ عَلَيْهِ. (١)

سند حديث: ٦٥٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ:

٦٥٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلكم راع…

يُخْبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ على كلِّ مسلم في المجتمع مسؤوليةً يرعاها ويَتَحَمّلُها،
فالإمامُ والأمير راعٍ فيما استرعاه الله، فعليه حفظُ شرائعهم، وحمايتُهم ممّن جارَ عليهم، ومجاهدة عدوهم، وعدم تضييع حقوقهم،
والرجل في أهل بيته مُكَلَّف بالقيام عليهم بالنفقة، وحسن المعاشرة، وتعليمهم وتأديبهم،
والمرأة في بيت زوجها راعية بحسن تدبير بيته، وتربية أولاده، وهي مسؤولة عن ذلك،
والخادم المملوك والأجير مسؤول في مال سيده بالقيام بحفظ ما في يده منه، وخدمته، وهو مسؤول عن ذلك،
فكل أحد راع فيما استُرْعِيَ عليه، وكل أحد مسؤول عن رعيته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • المسؤولية في المجتمع المسلم عامَّة، وكلٌّ بِحَسَبِهِ وقدرتِه ومسؤوليتِه.
  • عِظَمُ مسؤولية المرأة، وذلك بالقيام بحقِّ بيت زوجها وواجباتِها نحو أولادِها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلكم راع…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم

قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .

وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .

١/٦٥٣- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) متفق عليه.

٢/٦٥٤- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه.

وفي رواية: ((فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)) . وفي رواية لمسلم: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته.

أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عزَّ وجلَّ.

وأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سراً بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.

وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم، ورأوا أمرهم بالخير أمراً بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد.

والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا.

فولاة الأمور لهم حق وعليهم حق.

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣٤، ٣٣) ، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ

وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .

إن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة:

بالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم.

فالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام ونهاه عن ذلك وقال: ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه)) .

وكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، " ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل".

وعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالاً؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالاً، وإذا أعطيت الابن

ريالاً؛ فأعط البنت نصف ريالٍ.

حتى إن السلف- رحمهم الله- كانوا يعدلون بين الأولاد في القُبل؛ يعني إذا حبَّ الولد الصغير وأخوه عنده، حبَّ الولد الثاني؛ لئلا يجحف معهم في التقبيل.

وكذلك أيضاً في الكلام، يجب أن تعدل بينهم، فلا تتكلم مع أحدهم بكلام خشن ومع الآخر بكلام لين.

وكذلك يجب العدل فيمن ولاَّك الله عليهم، فلا تحابِ قريبك لأنه قريبك، ولا الغني لأنه غني، ولا الفقير لأنه فقير، ولا الصديق لأنه صديق، لا تحابِ أحداً فالناس سواء.

حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب العدل بين الخصمين إذا دخلا على القاضي؛ في لفظه ولحظه وكلامه ومجلسه ودخولهما عليه. لا تنظر لهذا نظرة غضب ولهذا نظرة رضا، لا تلن الكلام لهذا والثاني بعكسه. لا تقل لأحدكم كيف أنت؟ كيف أهلك؟ كيف أولادك؟ والثاني لا تقول له مثله، بل اعدل بينهما حتى في هذا.

وكذلك في المجلس لا تجعل أحدهما يجلس على اليمين قريباً منك والثاني تجعله بعيداً عنك؛ بل اجعلها أمامك على حدٍّ سواء.

حتى المؤمن والكافر إذا تخاصما عند القاضي، يجب أن يعدل بينهما في الكلام والنظر والجلوس، فلا يقل للمسلم تعال بجانبي والكافر يبعده؛ بل يجعلهما يجلسان جميعاً أمامه، فالعدل واجب في كل الأمور.

أما الإحسان فهو فضل زائد على العدل، ومع ذلك أمر الله به، لكن

أمره بالعدل واجب، وأمره بالإحسان سنة وتطوع.

(وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) يعني إعطاء ذي القربي، أي القريب حقه. فإن القريب له حق؛ حق الصلة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله.

(وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ينهي عن الفحشاء: الفحشاء هي كل ما يُستفحش من الذنوب؛ كعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والزنا، ونكاح المحارم، وغير ذلك مما يُستفحش شرعاً وعرفاً، والمنكر: هو ما يُنكر، وهو دون الفحشاء كعامة المعاصي. َوالبغي: تجاوز الحد، وهو الاعتداء على الخلق بأخذ أموالهم، والاعتداء على دمائهم وأعراضهم، كل هذا يدخل في البغي.

وبيَّن الله عزّ وجلّ أنه أمر ونهي ليعظنا ويصلح أحوالنا، ولهذا قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .

وسبق لنا الكلام على حديث ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته)) ، وأما حديث معقل بن يسار الذي ذكره المؤلف، فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة.

وهذا يدل على أنه يجب على ولاة الأمور مسؤولون عن الصغيرة والكبيرة، وعليهم أن ينصحوا لمن ولاهم الله عليهم، وأن يبذلوا لهم

النصيحة، وأهمها النصيحة في دين الله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.

ومنها أيضاً: من النصيحة لهم أن يسلك بهم الطرق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، فيمنع عنهم كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، يمنع عنهم الأفكار السيئة، والأخلاق السافلة، وما يؤدى إلى ذلك من المجلات والصحف وغيرها؛ ولهذا يجب على ولي الأمر في البيت وهو الرجل في بيته أن يمنع من وجود هذه الأشياء في بيته؛ الصحف السيئة الفاسدة، الأفكار المنحرفة، الأخلاق السافلة.

وكذلك على ولي الأمر العام يجب عليه أن يمنع هذه الأشياء؛ وذلك لأن هذه الأشياء إذا شاعت بين الناس؛ صار المجتمع مجتمعاً بهيمياً؛ لا يهمه إلا إشباع البطن وشهوة الفرج، وتحل الفوضى، ويزول الأمن، ويكون الشر والفساد، فإذا منع ولي الأمر ما يفسد الخلق سواء كان ولي الأمر صغيراً أو كبيراً، حصل بهذا الخير الكثير.

لو أن كل واحد منا في بيته منع أهله من اقتناء هذه الصحف والمجلات الخليعة الفاسدة، ومن مشاهدة التمثيليات الفاسدة، والمسلسلات الخبيثة، لصلح الناس؛ لأن الناس هم أفراد الشعب؛ أنت في بيتك، والثاني في بيته، والثالث في بيته، وهكذا إذا صلحوا صلح كل شيء. نسأل الله تعالى أن يصلح ولاة أمورنا أن يرزقهم البطانة الصالحة.

٣/٦٥٥- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفُق به)) رواه مسلم.

٤/٦٥٦- وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب أمر ولاة الأمور بالرفق واللين، ورعاية مصالح من استرعاهم الله عليهم. قال في سياق الأحاديث ما نقله عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي هذا يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)) .

وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من تولى أمور المسلمين الخاصة والعامة؛ حتى الإنسان يتولى أمر بيته، وحتى مدير المدرسة يتولى أمر

المدرسة، وحتى المدرس يتولى أمر الفصل، وحتى الإمام يتولى أمر المسجد.

ولهذا قال: ((من ولي من أمر أمتي شيئاً)) . ((وشيئاً)) نكرة في سياق الشرط، وقد ذكر علماء الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ أي شيء يكون، ((فرفق بهم فارفق به)) ، ولكن ما معنى الرفق؟

قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسن أمر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث؛ وهو الدعاء أن الله يشقق عليك والعياذ بالله.

يشق عليه إما بآفات في بدنه، أو في قلبه، أو في صدره، أو في أهله، أو في غير ذلك؛ لأن الحديث مطلق ((فاشقق عليه)) بأي شيء يكون، وربما لا تظهر للناس المشقة، وقد يكون في قلبه نار تلظى والناس لا يعلمون، لكن نحن نعلم أنه إذا شق على الأمة بما لم ينزل به الله سلطاناً؛ فإنه مستحق لهذه الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما الحديث الثاني فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء؛ أي تُبعث فيهم الأنبياء فيصلحون من أحوالهم، " وإنه لا نبي بعدي" فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالنص والإجماع كما قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ

رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: ٤٠) .

ولهذا من ادَّعى النبوة بعده؛ فهو كافر مرتد يجب قتله، ومن صدّق من ادعى النبوة بعده؛ فهو كاذب مرتد يجب قتله إلا أن يتوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له خلفاء؛ خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.

ولهذا قال: ((سيكون خلفاء ويكثرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ يعني: من نفي ببيعته؟ قال: ((الأول فالأول)) فإذا بايعوا الخليفة وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كلّ من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على من أراد الخلافة في حياته، لأن كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزباً يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور.

وفي آخر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمرنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، ونسأل الله الذي لنا، لا نقل هؤلاء ظلموا هؤلاء جاروا، هؤلاء لم يقوموا بالعدل، ثم ننابذهم ولا نطيعهم فيما أمرنا الله به، لا، هذا لا يجوز، يجب أن نوفي لهم بالحق، وأن نسأل الله الحق الذي لنا، كالإنسان الذي له قريب إذا قطعك فصِله، وأسأل الله الذي لك، أما أن تقول لا أصلُ إلا من وصلني، أو لا أطيع من السلطان إلا من لا يظلم ولا يستأثر بالمال ولا غيره، فهذا خطأ، قم أنت بما يجب عليك، واسأل

الله الذي لك.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تسوسهم الأنبياء)) دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هو السياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.

السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين.

وكل طائفة قد بيّن الإسلام حقوقهم، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلاً الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا، وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا.

والمستأمنون يجب أن نؤمنهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦) .

والمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهدهم، ثم إما أن نطمئن إليهم، أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد.

ثلاث حالات كلها مبينة في القرآن؛ فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي لهم بعهدهم، وإن خفناهم فقد قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) ، قل لهم: ليس

بيننا عهدٌ إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم.

والثالث هم الذين نقضوا العهد (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة: ١٢) ، إذا نقضوا العهد فلا إيمان لهم ولا عهد لهم، فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد.

ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين:

إما جاهل بالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط.

أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية، فظن أنهم هم المصيبون.

وأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة، والله الموفق.

٥/٦٥٧- وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أنهُ دخل على عُبيد الله بن زياد، فقال له: أي بُني، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن شر الرعاء الحُطمة)) فإياك أن تكون منهم. متفق عليه.

٦/٦٥٨- وعن أبي مريم الآزدي رضي الله عنه، أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين،

فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)) فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان ما يجب على الرعاة لرعيتهم من الحقوق، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شر الرعاء الحطمة)) الرعاء: جمع راعٍ.

الحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف. فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان:

الفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفاً عليهم؛ بل يكون رفيقاً بهم.

الفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون ليناً مع ضعف، ولكن ليناً بحزم وقوة ونشاط.

وأما الحديث الثاني: ففيه التحذير من اتخاذ الإنسان الذي يوليه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين حاجباً يحول دون خلتهم وفقرهم

وحاجتهم، وأن من فعل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحول بينه وبين حاجته وخلته وفقره.

لما حُدث معاوية رضي الله عنه بهذا الحديث؛ اتخذ رجلاً لحوائج الناس يستقبل الناس وينظر ما حوائجهم، ثم يرفعها إلى معاوية رضي الله عنه بعد أن كان أميراً للمؤمنين.

وهكذا أيضاً، له نوع من الولاية وحاجة الناس إليه؛ فإنه لا ينبغي أن يحتجب دون حوائجهم، ولكن له أن يرتب أموره بحيث يجعل لهؤلاء وقتاً ولهؤلاء وقتاً، حتى لا تنفرط عليه الأمور، الله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

دفنها» قال المصنف: أي كفارة دوام إثم ذلك، أما الابتداء فلا يكفره إلا التوبة أو فضل الله سبحانه وتعالى.)

٧٨ - باب أمر ولاة الأمور

بضم الواو جمع وال كقاض وقضاة وغاز وغزاة (بالرفق برعاياهم) جمع رعية كخطية وخطايا: وهم الذين على ولاة الأمور مراعاة شؤونهم وإصلاح أمورهم (ونصيحتهم) عطف على الرفق وكذا قوله (والشفقة عليهم والنهي) معطوف على أمر (عن غشهم) كتم ضرائرهم عنهم (والتشديد عليهم) في الأحكام وفي الأحوال (وإهمال مصالحهم) بأن يتركها حتى تفوتهم (والغفلة) معطوف على غش: أي والنهي عن الغفلة (عنهم وعن حوائجهم) لأن ذلك يضرّهم معاشاً ومعاداً.

(قال الله تعالى) : ( {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} ) الظرف في محل الحال بيان للموصول، والآية تقدم الكلام عليها وساقها المصنف هنا استدلالاً على ما قدمه من الرفق بالرعايا.

(وقال تعالى) : ( {إن الله يأمر بالعدل} ) بالتوسط في الأمور اعتقاداً وعملاً ( {والإحسان} ) إلى الناس، وعن ابن عباس: العدل التوحيد، والإحسان: الإخلاص فيه (وإيتاء ذي القربى) صلة الرحم ( {وينهي عن الفحشاء} ) ما غلظ من المعاصي كالزنى ( {والمنكر} ) ما ينكره الشرع ( {والبغى} ) العدوان على الناس (يعظكم لعلكم تذكرون) أي تتعظون، وللَّه درّ من قال: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة» ولعل إيرادها عقب قوله: {وأنزلنا عليك الكتاب} () للتنبيه عليه، وجملة يعظكم مستأنفة أو في محل الحال من ضمير يعظكم، والآية مشتملة على

جميع المطالب التي ترجم لها.

١٦٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله يقول: كلكم راع) تشبيه بليغ: أي مثل الراعي، قاله العاقولي وأفرد الخبر اعتباراً بلفظ كل، ويجوز فيها إذا كانت مضافة إلى المعرفة اعتبار لفظها واعتبار معناها (وكلكم مسئول عن رعيته) أي أقام بالحق الذي لها أم لا (الإمام) أي ذو الخلافة العظمى ومثله سائر ولاة الأمور (راع ومسؤول عن رعيته) يحتمل كونه من عطف خبر على مثله نحو زيد كاتب وشاعر، ويحتمل كونه من عطف الجمل: أي وهو مسئول فيكون معطوفاً على الجملة قبله (والرجل راع) أي على أهله وأولاده وخدمه (ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) من بيته هل حفظته أو أضاعته؟ وعن أهله المقامة عليهم، هل قامت بما عليهم لها أم لا؟ (والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) أحفظها عليه أم أضاعها؟ (متفق عليه) تقدم معنى الحديث وتخريجه في باب حق الزوج على امرأته.

٢٦٥٤ - (وعن أبي يعلى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو يسار (معقل بن يسار) بفتح التحتية وبالسين المهملة ابن معبر بضم الميم وفتح العين وتشديد الموحدة، وقيل بإسكان العين وفتح المثناة تحت ابن حراف بضم المهملة، وقيل حسان بدل حراف ابن لأي بن كعب بن نور بن عدنان المزني البصري (رضي الله عنه) شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة وتوفي بها آخر خلافة معاوية، وقيل توفي أيام يزيد، روى له عن رسول الله أربعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. قال أحمد ابن عبد الله العجلي، ليس في الصحابة من يكنى أبا علي غير معقل. وردّ بأنها كنية طلق بن علي. وذكر أبو يحيى أحمد الحاكم أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي ومعقل هذا

هو الذي ينسب إليه نهر معقل البصري وإليه ينسب التمر المعقلي الذي بالبصرة (قال: سمعت رسول الله يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية) أي يفوض إليه رعايتها والرعية بمعنى المرعية (يموت) خبر ما، كذا أعربه ابن مالك في شرح المشارق، والظاهر أنه كما قبله صفة عبد والخبر محذوف (يوم يموت) ظرف مقدم على عامله، والمراد من اليوم فيه إزهاق روحه، وما قبله من حين المعاينة التي لا يقبل عندها التوبة لا قبل ذلك، فإن التوبة قبل المعاينة صحيحة مقبولة والتائب عن جنايته وتقصيره لا يستحق هذا الوعيد (وهو غاشّ لرعيته) جملة حالية من ضمير يموت الأول وهو قيد في الفعل ومقصود بالذكر لأن المعتبر من الفعل هو الحال، بمعنى أن الله ولاه لينصحهم لا ليغشهم فيموت كذلك، والخبر عامل في الظرف قبله وقوله غاش أي خائن (إلا حرم الله عليه الجنة) أي دخولها مع الفائزين الناجين أو مطلقاً إن اعتقد حل غش المسلمين وخيانتهم (متفق عليه) .

(وفي رواية) ذكرها البخاري في كتاب الأحكام قبل الحديث قبله في باب من استرعى رعية فلم ينصح لهم. وظاهر قول المصنف الآتي وفي رواية لمسلم أن هذه لهما كالتي قبلها ولم أره فيه (فلم يحطها) بفتح التحتية وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين: أي يكلؤها، أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه إذا استولى عليه وأحاط به مثلها أي يشملها (بنصحه) فيسعى فيما ينفعهم ودفع ما يضرهم (لم يجد) قيل الصواب إثبات إلا قبل لم لتقدم ما النافية أول الحديث، وقد جاء كذلك في نسخة الصغاني، ولذا قال الكرماني: مفهوم الحديث أنه يجدها وهو عكس المقصود. والجواب أن إلا مقدرة والخبر محذوف. والتقدير: ما من عبد فعل كذا جوزي بحال من الأحوال إلا حرّم الله عليه الجنة ولم يجد عرف الجنة استئناف كالمفسر للخبر المحذوف أو ليست ما نافية، وجازت زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة بل كل في طريق غير الأخرى، وكأنه أراد أن الأصل

في الحديث جمعهما فحفظ بعض ما لم يحفظه بعض وهومحتمل، لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرفت فيه الرواة، ومفعول يجد قوله (رائحة الجنة) أي ابتداء أو مطلقاً على ما تقدم، وقوله فلم يحطها بنصحه بدل قوله في الحديث قبله «يموت يوم يموت» إلى آخر الحديث. زاد الطبراني «وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً» قال في التوشيح: وللطبراني «من مسيرة خمسمائة» وفي الفردوس «ألف عام» وجمع بأن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأشخاص والأعمال وتفاوت الدرجات، فيدركه من شاء من مسيرة ألف عام ومن شاء من مسيرة أربعين أو مائتين، قاله ابن العربي وغيره (وفي رواية لمسلم) أي وما قبلها للبخاري فقط كما أشرنا إليه وإن كان ظاهر الاستصحاب لما قبله أن يكون لهما أيضاً (ما من أمير يلي أمور المسلمين) ما تفيده عموم إضافة الجمع غير مرادة بل الحديث شامل لذى الإمامة العظمى ولغيره من

باقي الولاة، وظاهر أن مثل المسلمين أولى بالعصمة من ذمي ومعاهد لحمرة التعرض لهم حينئذ فيجب على الإمام أن يسعى فيما لهم ويكف عنهم أذى من يؤذيهم بغير طريق مأذون فيه شرعاً، ولعل الاقتصاد عليهم لكونهم أشرف، وقد تقدم بلفظ «يسترعيه الله رعية» فيشمل الجميع (ثم لا يجهد لهم) بفتح الهاء قال في «المصباح» جهد في الأمر من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب (وينصح لهم) بتقدير «لا» قبله لأن الوعيد مرتب على ترك أحدهما لا على ترك المجموع بدليل رواية البخاري السابقة (إلا لم يدخل معهم الجنة) .

٣٦٥٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول في بيتي هذا) الظرف في محل الحال من الضمير المستكن في الفعل وإضافة البيت إليها لكونه سكناها وإلا فهو بالحقيقة له، والإشارة إليه زيادة في الإيضاح ودفعاً لتوهم كون الإخبار في غير بيتها الذي به دفن ومعه صاحباه رضي الله عنهما (اللهمّ من ولي من أمر أمتي شيئاً) التنكير فيه للتعميم فيشمل جليل الولاية ودنيئها، و «من» في قوله «من أمر أمتي» ابتدائية،

ويصح كونها بيانية لشيئاً في محل الحال وكان صفة فلما قدمت أعربت حالاً (فشق عليهم) قولاً وفعلاً (فاشقق عليه) فيكون الجزاء من جنس العمل: أي وقعه في المشاق دنيا كتسليط الأعادي عليه، وأخرى بأنواع التعذيب (ومن ولى من أمر أمتي شيئاً) أتى به ظاهراً مع أن المقام للإضمار بأن يقال «منه» زيادة في الإيضاح لكون غالب شأن ولاة الأمور قلة العلم وبعد الفهم لاشتغالهم بأمور الإمامة وسياستها عن دقائق العلوم ورياستها، فأوضح لتقوم الحجة عليهم فلا يعتذورا بخفاء المراد من عبارة الشارع عليهم وتنبيهاً على السبب الداعي لجزاء الأمير بما فعله فيهم من رفق ومشقة: أي كونهم أمته مضافين لحضرته مستأهلين لذلك السعي في مصالحهم والجهد في دفع ضرائرهم والله أعلم (فرفق بهم) قولاً وفعلاً (فارفق به) دنيا وأخرى، وقد جاء «كما تدين تدان» (رواه مسلم) في المغازي من «صحيحه» ، ورواه النسائي في السير.

٤٦٥٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: كانت بنو إسرائيل) هو اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بالعبرانية، وإسر معناه عبد، وإيل معناه الله: أي عبد الله (تسوسهم الأنبياء كلما هلك تبنى خلفه نبيّ آخر) أي إنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله نبياً يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروه من أحكام التوراة. وفيه إيماء إلى أنه لا بد لرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الطريق وينصف المظلوم من ظالمه، وجملة كلما الخ في محل الحال من فاعل يسوس: أي الأنبياء تترى بعضهم إثر بعض، وجملة (وإنه لا نبي بعدي) معطوفة على كانت بنو إسرائيل واسم إنّ ضمير الشأن وخولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني، والمراد لا نبيّ بعدي: أي فيفعل ما كان يفعل أولئك (وسكون بعدي خلفاء) الظرف في هذه لم أجده في النسخ المصححة من «الصحيحين» بل في «فتح الباري» «وستكون خلفاء» أي بعدي فهو صريح في عدم وجودها في البخاري، ولعله في بعض النسخ عندهما أو عند أحدهما (فيكثرون) بالمثلثة، وحكى عياض أن منهم

من ضبطه بالموحدة وهو تصحيف، ووجه بأن المراد إكبار قبيح فعلهم (قالوا فما) مفعول ثان مقدم لقوله (تأمرنا) ويجوز إعراب ما مبتدأ ويقدر بعد الفعل مفعول، إما صريحاً: أي تأمرناه، أو مع حرف الجر: أي به والفاء فيه جواب شرط مقدر: أي إذا كثر بعدك الخلفاء أو تنازعوا فما تأمرنا نفعل؟ (قال: أوفوا ببيعة الأول) أي بقضيتها من طاعته والانقياد وقتال من بغى عليه وخرج عن طاعته وذلك لانعقاد إمامته لعدم اشتغال الأمر بأحد (ثم أعطوهم حقهم) أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة وهو كالبدل من قوله «أوفوا بطاعة الأول» (واسألوا الله الذي لكم) أي عليهم من الرفق بكم والجهد في مصالحكم والنصيحة لكم إذا لم يقوموا به (فإن الله سائلهم عما استرعاهم) هو كحديث ابن عمر السابق في الباب «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . وفي الحديث تقديم أمر الدين

على أمر الدنيا، لأنه أمر بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكفّ الفتنة والشرّ وتأخير المرء المطالبة بحقه لا يسقطه. وقد وعده الله أن يخلصه له ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل أواخر كتاب الأنبياء من «صحيحه» ومسلم في المغازي، ورواه ابن ماجه.

٥٦٥٧ - (وعن عائذ) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فذال معجمة (ابن عمرو) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الأمر بالمعروف (أنه دخل على عبيد الله) بضم المهملة وفتح الموحدة مصغراً (ابن زياد) بكسر الزاي وبالتحتية وهو أمير العراقين بعد أبيه (فقال) : أي بفتح الهمزة وسكون التحتيّة حرف لنداء القريب، و (بنى) بصيغة التصغير للتحبب والتحنن يطرد في يائه الكسر دلالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً والفتح والإسكان تخفيفاً، وقد قرىء بهذه اللغات في السبع (إني سمعت رسول الله يقول: إن شرّ الرعاء) بكسر الراء آخره ألف ممدودة جمع راع ويجمع على رعاة بضم أوله بزيادة هاء كقاض وقضاة (الحطمة) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية، قال في «النهاية» : هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد

والإصدار ويلقى بعضها على بعض ويعسفها، ضربه مثلاً لوالي السوء، ويقال حطم بلا هاء اهـ. وهو مأخوذ من الحطم: وهو الكسر، والمراد منه لفظ القاسي الذي يظلمهم ولا يرق لهم ولا يرحمهم، وهذا آخر الخبر المرفوع، وقوله (فإياك أن تكون منهم) من كلام عائذ نصيحة لابن زياد وأدرجه في آخر الحديث (متفق عليه) فيه أن الحديث إنما أخرجه مسلم في آخر المغازي، وقد رمز له كذلك الحافظ المزي في «الأطراف» ولم يرمز للبخاري، وكذا اقتصر في «الجامع الصغير» على رمز مسلم وزاد: وأخرجه أحمد، وليس فيه رمز للبحاري. وفي التيسير مختصر جامع الأصول للديبع بعد ذكر حديث معقل المذكور آنفاً: أخرجه الشيخان، وفي أخرى لمسلم عن الحسن البصري: أن عائذ بن عبد

الله دخل علة ابن زياد فذكر الحديث، فبان أنه من أفراد مسلم لا من المتفق عليه، وهذا إن يكن من تحريف الكتاب سبق قلم من المصنف.

٦٦٥٨ - (وعن أبي مريم الأزدى) بفتح الهمزة وسكون الزاي، قال الحافظ في «تبصير المنتبه» : هذا هو الأكثر، ويقال في مثله بإبدال الزاي سينا مهملة نسبة إلى الأزد اهـ. وقال ابن الأثير: هو الكندي، ويقال الأزدي، يعد في الشاميين. قيل إنه غير أبي مريم الغساني، وقيل إنه هو، وقد ذكره ابن منده في ترجمة أبي مريم السلولي فقال: أراه الكندي ولا يبعد، فإن السلول قبيلة من كندة. قال الحافظ المزي في «الأطراف» : قيل إن أبا مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني، وقد روى عليّ بن الحكم النسائي عن أبي الحسن الجزري الشامي قال: قال عمرو ابن مرة لمعاوية فذكره قريباً منه اهـ. روى له عن رسول الله هذا الحديث (رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله يقول: من ولاه الله شيئاً) أيّ شيء كان كما يؤذن به عمومه بكونه نكرة في سياق النفي (من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم) بفتح المعجمة وتشديد اللام في النهاية: هي الحاجة والفقر فهو من عطف المرادف أو الخاص على العام، وكذا عطف قوله (وفقرهم) والجمع بين الثلاثة إطناب. وقال العاقولي بل بين الثلاثة فرق، فالحاجة ما يهتم به الإنسان وإن لم تبلغ

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أُسَامَةُ

ابنُ زَيْدٍ حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ... «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله» ؟! ثُمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أهْلَك مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.

وفيه: أن شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، وأن أحكام الله تعالى يستوي فيها الشريف والوضيع.

[٦٥٢] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخَامَةً في القبلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ في وَجْهِهِ؛ فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إن أحدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبيْنَ القِبلْةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هكذا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فِيما إِذَا كَانَ في غَيْرِ المسجِدِ، فَأمَّا في المسجدِ فَلا يَبصُقُ إلا في ثَوْبِهِ.

في هذا الحديث: النهي عن البصاق قبل القبلة، إذا كان يصلي لأنه يناجي ربه.

٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم

والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال

مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم

قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (٢١٥) ] .

أمر الله تعالى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يلين جانبه لمن اتبعه من المؤمنين، وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب (٢١) ] .

وقال تَعَالَى: {إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل (٩٠) ] .

يأمر تعالى بالعدل، وهو القسط والإِنصاف، وبالإِحسان إلى الناس، وبِصِلة الرحم، وينهى عن الفحشاء، وهي ما قبح من قولٍ أو فعلٍ، وعن المنكر: وهو ما ينكره الشرع، وعن البغي وهو العدوان على الناس.

قال بعض العلماء: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيانٌ لكل شيء وهدىً ورحمةٌ.

[٦٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في

بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مال سيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: وجوب القيام بحق الرعية وإرشادهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، وردعهم عن ما يضرهم في دينهم ودنياهم.

[٦٥٤] وعن أَبي يعلى مَعْقِل بن يَسارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة» . متفقٌ عليه.

وفي رواية: «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّة» .

وفي رواية لمسلم: «مَا مِنْ أميرٍ يلي أمور المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» .

في هذا الحديث: وعيدٌ شديد لمن ولي أمر المسلمين ثم خانهم وغشهم وقدم مصلحته على مصلحتهم.

[٦٥٥] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارفُقْ بِهِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: التنبيه لولاة الأُمور على السعي في مصالح الرعية، والجهد في دفع ضررهم، وما يشق عليهم من قولٍ أو فعل، وعدم الغفلة عن أحوالهم.

[٦٥٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاء، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيكُونُ بَعْدِي خُلفَاءُ فَيَكثرُونَ» ، قالوا: يَا رسول الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّل فَالأَوَّل، ثُمَّ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله الَّذِي لَكُمْ، فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» متفقٌ عليه.

فيه: إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الحق، وينصف المظلوم من ظالمه.

وفيه: الأَمر بوفاء بيعة الخلفية وطاعته، وقتال من بغى عليه، والصبر على ظلمه.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم

قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .

وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .

١/٦٥٣- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) متفق عليه.

٢/٦٥٤- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه.

وفي رواية: ((فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)) . وفي رواية لمسلم: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة)) .

[الشَّرْحُ]

هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته.

أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عزَّ وجلَّ.

وأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سراً بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.

وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم، ورأوا أمرهم بالخير أمراً بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد.

والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا.

فولاة الأمور لهم حق وعليهم حق.

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣٤، ٣٣) ، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ

وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .

إن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة:

بالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم.

فالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام ونهاه عن ذلك وقال: ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه)) .

وكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، " ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل".

وعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالاً؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالاً، وإذا أعطيت الابن

ريالاً؛ فأعط البنت نصف ريالٍ.

حتى إن السلف- رحمهم الله- كانوا يعدلون بين الأولاد في القُبل؛ يعني إذا حبَّ الولد الصغير وأخوه عنده، حبَّ الولد الثاني؛ لئلا يجحف معهم في التقبيل.

وكذلك أيضاً في الكلام، يجب أن تعدل بينهم، فلا تتكلم مع أحدهم بكلام خشن ومع الآخر بكلام لين.

وكذلك يجب العدل فيمن ولاَّك الله عليهم، فلا تحابِ قريبك لأنه قريبك، ولا الغني لأنه غني، ولا الفقير لأنه فقير، ولا الصديق لأنه صديق، لا تحابِ أحداً فالناس سواء.

حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب العدل بين الخصمين إذا دخلا على القاضي؛ في لفظه ولحظه وكلامه ومجلسه ودخولهما عليه. لا تنظر لهذا نظرة غضب ولهذا نظرة رضا، لا تلن الكلام لهذا والثاني بعكسه. لا تقل لأحدكم كيف أنت؟ كيف أهلك؟ كيف أولادك؟ والثاني لا تقول له مثله، بل اعدل بينهما حتى في هذا.

وكذلك في المجلس لا تجعل أحدهما يجلس على اليمين قريباً منك والثاني تجعله بعيداً عنك؛ بل اجعلها أمامك على حدٍّ سواء.

حتى المؤمن والكافر إذا تخاصما عند القاضي، يجب أن يعدل بينهما في الكلام والنظر والجلوس، فلا يقل للمسلم تعال بجانبي والكافر يبعده؛ بل يجعلهما يجلسان جميعاً أمامه، فالعدل واجب في كل الأمور.

أما الإحسان فهو فضل زائد على العدل، ومع ذلك أمر الله به، لكن

أمره بالعدل واجب، وأمره بالإحسان سنة وتطوع.

(وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) يعني إعطاء ذي القربي، أي القريب حقه. فإن القريب له حق؛ حق الصلة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله.

(وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ينهي عن الفحشاء: الفحشاء هي كل ما يُستفحش من الذنوب؛ كعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والزنا، ونكاح المحارم، وغير ذلك مما يُستفحش شرعاً وعرفاً، والمنكر: هو ما يُنكر، وهو دون الفحشاء كعامة المعاصي. َوالبغي: تجاوز الحد، وهو الاعتداء على الخلق بأخذ أموالهم، والاعتداء على دمائهم وأعراضهم، كل هذا يدخل في البغي.

وبيَّن الله عزّ وجلّ أنه أمر ونهي ليعظنا ويصلح أحوالنا، ولهذا قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .

وسبق لنا الكلام على حديث ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته)) ، وأما حديث معقل بن يسار الذي ذكره المؤلف، فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة.

وهذا يدل على أنه يجب على ولاة الأمور مسؤولون عن الصغيرة والكبيرة، وعليهم أن ينصحوا لمن ولاهم الله عليهم، وأن يبذلوا لهم

النصيحة، وأهمها النصيحة في دين الله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.

ومنها أيضاً: من النصيحة لهم أن يسلك بهم الطرق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، فيمنع عنهم كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، يمنع عنهم الأفكار السيئة، والأخلاق السافلة، وما يؤدى إلى ذلك من المجلات والصحف وغيرها؛ ولهذا يجب على ولي الأمر في البيت وهو الرجل في بيته أن يمنع من وجود هذه الأشياء في بيته؛ الصحف السيئة الفاسدة، الأفكار المنحرفة، الأخلاق السافلة.

وكذلك على ولي الأمر العام يجب عليه أن يمنع هذه الأشياء؛ وذلك لأن هذه الأشياء إذا شاعت بين الناس؛ صار المجتمع مجتمعاً بهيمياً؛ لا يهمه إلا إشباع البطن وشهوة الفرج، وتحل الفوضى، ويزول الأمن، ويكون الشر والفساد، فإذا منع ولي الأمر ما يفسد الخلق سواء كان ولي الأمر صغيراً أو كبيراً، حصل بهذا الخير الكثير.

لو أن كل واحد منا في بيته منع أهله من اقتناء هذه الصحف والمجلات الخليعة الفاسدة، ومن مشاهدة التمثيليات الفاسدة، والمسلسلات الخبيثة، لصلح الناس؛ لأن الناس هم أفراد الشعب؛ أنت في بيتك، والثاني في بيته، والثالث في بيته، وهكذا إذا صلحوا صلح كل شيء. نسأل الله تعالى أن يصلح ولاة أمورنا أن يرزقهم البطانة الصالحة.

٣/٦٥٥- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفُق به)) رواه مسلم.

٤/٦٥٦- وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب أمر ولاة الأمور بالرفق واللين، ورعاية مصالح من استرعاهم الله عليهم. قال في سياق الأحاديث ما نقله عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي هذا يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)) .

وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من تولى أمور المسلمين الخاصة والعامة؛ حتى الإنسان يتولى أمر بيته، وحتى مدير المدرسة يتولى أمر

المدرسة، وحتى المدرس يتولى أمر الفصل، وحتى الإمام يتولى أمر المسجد.

ولهذا قال: ((من ولي من أمر أمتي شيئاً)) . ((وشيئاً)) نكرة في سياق الشرط، وقد ذكر علماء الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ أي شيء يكون، ((فرفق بهم فارفق به)) ، ولكن ما معنى الرفق؟

قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسن أمر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث؛ وهو الدعاء أن الله يشقق عليك والعياذ بالله.

يشق عليه إما بآفات في بدنه، أو في قلبه، أو في صدره، أو في أهله، أو في غير ذلك؛ لأن الحديث مطلق ((فاشقق عليه)) بأي شيء يكون، وربما لا تظهر للناس المشقة، وقد يكون في قلبه نار تلظى والناس لا يعلمون، لكن نحن نعلم أنه إذا شق على الأمة بما لم ينزل به الله سلطاناً؛ فإنه مستحق لهذه الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما الحديث الثاني فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء؛ أي تُبعث فيهم الأنبياء فيصلحون من أحوالهم، " وإنه لا نبي بعدي" فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالنص والإجماع كما قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ

رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: ٤٠) .

ولهذا من ادَّعى النبوة بعده؛ فهو كافر مرتد يجب قتله، ومن صدّق من ادعى النبوة بعده؛ فهو كاذب مرتد يجب قتله إلا أن يتوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له خلفاء؛ خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.

ولهذا قال: ((سيكون خلفاء ويكثرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ يعني: من نفي ببيعته؟ قال: ((الأول فالأول)) فإذا بايعوا الخليفة وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كلّ من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على من أراد الخلافة في حياته، لأن كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزباً يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور.

وفي آخر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمرنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، ونسأل الله الذي لنا، لا نقل هؤلاء ظلموا هؤلاء جاروا، هؤلاء لم يقوموا بالعدل، ثم ننابذهم ولا نطيعهم فيما أمرنا الله به، لا، هذا لا يجوز، يجب أن نوفي لهم بالحق، وأن نسأل الله الحق الذي لنا، كالإنسان الذي له قريب إذا قطعك فصِله، وأسأل الله الذي لك، أما أن تقول لا أصلُ إلا من وصلني، أو لا أطيع من السلطان إلا من لا يظلم ولا يستأثر بالمال ولا غيره، فهذا خطأ، قم أنت بما يجب عليك، واسأل

الله الذي لك.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تسوسهم الأنبياء)) دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هو السياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.

السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين.

وكل طائفة قد بيّن الإسلام حقوقهم، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلاً الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا، وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا.

والمستأمنون يجب أن نؤمنهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦) .

والمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهدهم، ثم إما أن نطمئن إليهم، أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد.

ثلاث حالات كلها مبينة في القرآن؛ فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي لهم بعهدهم، وإن خفناهم فقد قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) ، قل لهم: ليس

بيننا عهدٌ إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم.

والثالث هم الذين نقضوا العهد (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة: ١٢) ، إذا نقضوا العهد فلا إيمان لهم ولا عهد لهم، فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد.

ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين:

إما جاهل بالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط.

أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية، فظن أنهم هم المصيبون.

وأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة، والله الموفق.

٥/٦٥٧- وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أنهُ دخل على عُبيد الله بن زياد، فقال له: أي بُني، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن شر الرعاء الحُطمة)) فإياك أن تكون منهم. متفق عليه.

٦/٦٥٨- وعن أبي مريم الآزدي رضي الله عنه، أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين،

فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)) فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان ما يجب على الرعاة لرعيتهم من الحقوق، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شر الرعاء الحطمة)) الرعاء: جمع راعٍ.

الحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف. فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان:

الفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفاً عليهم؛ بل يكون رفيقاً بهم.

الفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون ليناً مع ضعف، ولكن ليناً بحزم وقوة ونشاط.

وأما الحديث الثاني: ففيه التحذير من اتخاذ الإنسان الذي يوليه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين حاجباً يحول دون خلتهم وفقرهم

وحاجتهم، وأن من فعل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحول بينه وبين حاجته وخلته وفقره.

لما حُدث معاوية رضي الله عنه بهذا الحديث؛ اتخذ رجلاً لحوائج الناس يستقبل الناس وينظر ما حوائجهم، ثم يرفعها إلى معاوية رضي الله عنه بعد أن كان أميراً للمؤمنين.

وهكذا أيضاً، له نوع من الولاية وحاجة الناس إليه؛ فإنه لا ينبغي أن يحتجب دون حوائجهم، ولكن له أن يرتب أموره بحيث يجعل لهؤلاء وقتاً ولهؤلاء وقتاً، حتى لا تنفرط عليه الأمور، الله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

دفنها» قال المصنف: أي كفارة دوام إثم ذلك، أما الابتداء فلا يكفره إلا التوبة أو فضل الله سبحانه وتعالى.)

٧٨ - باب أمر ولاة الأمور

بضم الواو جمع وال كقاض وقضاة وغاز وغزاة (بالرفق برعاياهم) جمع رعية كخطية وخطايا: وهم الذين على ولاة الأمور مراعاة شؤونهم وإصلاح أمورهم (ونصيحتهم) عطف على الرفق وكذا قوله (والشفقة عليهم والنهي) معطوف على أمر (عن غشهم) كتم ضرائرهم عنهم (والتشديد عليهم) في الأحكام وفي الأحوال (وإهمال مصالحهم) بأن يتركها حتى تفوتهم (والغفلة) معطوف على غش: أي والنهي عن الغفلة (عنهم وعن حوائجهم) لأن ذلك يضرّهم معاشاً ومعاداً.

(قال الله تعالى) : ( {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} ) الظرف في محل الحال بيان للموصول، والآية تقدم الكلام عليها وساقها المصنف هنا استدلالاً على ما قدمه من الرفق بالرعايا.

(وقال تعالى) : ( {إن الله يأمر بالعدل} ) بالتوسط في الأمور اعتقاداً وعملاً ( {والإحسان} ) إلى الناس، وعن ابن عباس: العدل التوحيد، والإحسان: الإخلاص فيه (وإيتاء ذي القربى) صلة الرحم ( {وينهي عن الفحشاء} ) ما غلظ من المعاصي كالزنى ( {والمنكر} ) ما ينكره الشرع ( {والبغى} ) العدوان على الناس (يعظكم لعلكم تذكرون) أي تتعظون، وللَّه درّ من قال: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة» ولعل إيرادها عقب قوله: {وأنزلنا عليك الكتاب} () للتنبيه عليه، وجملة يعظكم مستأنفة أو في محل الحال من ضمير يعظكم، والآية مشتملة على

جميع المطالب التي ترجم لها.

١٦٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله يقول: كلكم راع) تشبيه بليغ: أي مثل الراعي، قاله العاقولي وأفرد الخبر اعتباراً بلفظ كل، ويجوز فيها إذا كانت مضافة إلى المعرفة اعتبار لفظها واعتبار معناها (وكلكم مسئول عن رعيته) أي أقام بالحق الذي لها أم لا (الإمام) أي ذو الخلافة العظمى ومثله سائر ولاة الأمور (راع ومسؤول عن رعيته) يحتمل كونه من عطف خبر على مثله نحو زيد كاتب وشاعر، ويحتمل كونه من عطف الجمل: أي وهو مسئول فيكون معطوفاً على الجملة قبله (والرجل راع) أي على أهله وأولاده وخدمه (ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) من بيته هل حفظته أو أضاعته؟ وعن أهله المقامة عليهم، هل قامت بما عليهم لها أم لا؟ (والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) أحفظها عليه أم أضاعها؟ (متفق عليه) تقدم معنى الحديث وتخريجه في باب حق الزوج على امرأته.

٢٦٥٤ - (وعن أبي يعلى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو يسار (معقل بن يسار) بفتح التحتية وبالسين المهملة ابن معبر بضم الميم وفتح العين وتشديد الموحدة، وقيل بإسكان العين وفتح المثناة تحت ابن حراف بضم المهملة، وقيل حسان بدل حراف ابن لأي بن كعب بن نور بن عدنان المزني البصري (رضي الله عنه) شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة وتوفي بها آخر خلافة معاوية، وقيل توفي أيام يزيد، روى له عن رسول الله أربعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. قال أحمد ابن عبد الله العجلي، ليس في الصحابة من يكنى أبا علي غير معقل. وردّ بأنها كنية طلق بن علي. وذكر أبو يحيى أحمد الحاكم أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي ومعقل هذا

هو الذي ينسب إليه نهر معقل البصري وإليه ينسب التمر المعقلي الذي بالبصرة (قال: سمعت رسول الله يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية) أي يفوض إليه رعايتها والرعية بمعنى المرعية (يموت) خبر ما، كذا أعربه ابن مالك في شرح المشارق، والظاهر أنه كما قبله صفة عبد والخبر محذوف (يوم يموت) ظرف مقدم على عامله، والمراد من اليوم فيه إزهاق روحه، وما قبله من حين المعاينة التي لا يقبل عندها التوبة لا قبل ذلك، فإن التوبة قبل المعاينة صحيحة مقبولة والتائب عن جنايته وتقصيره لا يستحق هذا الوعيد (وهو غاشّ لرعيته) جملة حالية من ضمير يموت الأول وهو قيد في الفعل ومقصود بالذكر لأن المعتبر من الفعل هو الحال، بمعنى أن الله ولاه لينصحهم لا ليغشهم فيموت كذلك، والخبر عامل في الظرف قبله وقوله غاش أي خائن (إلا حرم الله عليه الجنة) أي دخولها مع الفائزين الناجين أو مطلقاً إن اعتقد حل غش المسلمين وخيانتهم (متفق عليه) .

(وفي رواية) ذكرها البخاري في كتاب الأحكام قبل الحديث قبله في باب من استرعى رعية فلم ينصح لهم. وظاهر قول المصنف الآتي وفي رواية لمسلم أن هذه لهما كالتي قبلها ولم أره فيه (فلم يحطها) بفتح التحتية وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين: أي يكلؤها، أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه إذا استولى عليه وأحاط به مثلها أي يشملها (بنصحه) فيسعى فيما ينفعهم ودفع ما يضرهم (لم يجد) قيل الصواب إثبات إلا قبل لم لتقدم ما النافية أول الحديث، وقد جاء كذلك في نسخة الصغاني، ولذا قال الكرماني: مفهوم الحديث أنه يجدها وهو عكس المقصود. والجواب أن إلا مقدرة والخبر محذوف. والتقدير: ما من عبد فعل كذا جوزي بحال من الأحوال إلا حرّم الله عليه الجنة ولم يجد عرف الجنة استئناف كالمفسر للخبر المحذوف أو ليست ما نافية، وجازت زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة بل كل في طريق غير الأخرى، وكأنه أراد أن الأصل

في الحديث جمعهما فحفظ بعض ما لم يحفظه بعض وهومحتمل، لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرفت فيه الرواة، ومفعول يجد قوله (رائحة الجنة) أي ابتداء أو مطلقاً على ما تقدم، وقوله فلم يحطها بنصحه بدل قوله في الحديث قبله «يموت يوم يموت» إلى آخر الحديث. زاد الطبراني «وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً» قال في التوشيح: وللطبراني «من مسيرة خمسمائة» وفي الفردوس «ألف عام» وجمع بأن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأشخاص والأعمال وتفاوت الدرجات، فيدركه من شاء من مسيرة ألف عام ومن شاء من مسيرة أربعين أو مائتين، قاله ابن العربي وغيره (وفي رواية لمسلم) أي وما قبلها للبخاري فقط كما أشرنا إليه وإن كان ظاهر الاستصحاب لما قبله أن يكون لهما أيضاً (ما من أمير يلي أمور المسلمين) ما تفيده عموم إضافة الجمع غير مرادة بل الحديث شامل لذى الإمامة العظمى ولغيره من

باقي الولاة، وظاهر أن مثل المسلمين أولى بالعصمة من ذمي ومعاهد لحمرة التعرض لهم حينئذ فيجب على الإمام أن يسعى فيما لهم ويكف عنهم أذى من يؤذيهم بغير طريق مأذون فيه شرعاً، ولعل الاقتصاد عليهم لكونهم أشرف، وقد تقدم بلفظ «يسترعيه الله رعية» فيشمل الجميع (ثم لا يجهد لهم) بفتح الهاء قال في «المصباح» جهد في الأمر من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب (وينصح لهم) بتقدير «لا» قبله لأن الوعيد مرتب على ترك أحدهما لا على ترك المجموع بدليل رواية البخاري السابقة (إلا لم يدخل معهم الجنة) .

٣٦٥٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول في بيتي هذا) الظرف في محل الحال من الضمير المستكن في الفعل وإضافة البيت إليها لكونه سكناها وإلا فهو بالحقيقة له، والإشارة إليه زيادة في الإيضاح ودفعاً لتوهم كون الإخبار في غير بيتها الذي به دفن ومعه صاحباه رضي الله عنهما (اللهمّ من ولي من أمر أمتي شيئاً) التنكير فيه للتعميم فيشمل جليل الولاية ودنيئها، و «من» في قوله «من أمر أمتي» ابتدائية،

ويصح كونها بيانية لشيئاً في محل الحال وكان صفة فلما قدمت أعربت حالاً (فشق عليهم) قولاً وفعلاً (فاشقق عليه) فيكون الجزاء من جنس العمل: أي وقعه في المشاق دنيا كتسليط الأعادي عليه، وأخرى بأنواع التعذيب (ومن ولى من أمر أمتي شيئاً) أتى به ظاهراً مع أن المقام للإضمار بأن يقال «منه» زيادة في الإيضاح لكون غالب شأن ولاة الأمور قلة العلم وبعد الفهم لاشتغالهم بأمور الإمامة وسياستها عن دقائق العلوم ورياستها، فأوضح لتقوم الحجة عليهم فلا يعتذورا بخفاء المراد من عبارة الشارع عليهم وتنبيهاً على السبب الداعي لجزاء الأمير بما فعله فيهم من رفق ومشقة: أي كونهم أمته مضافين لحضرته مستأهلين لذلك السعي في مصالحهم والجهد في دفع ضرائرهم والله أعلم (فرفق بهم) قولاً وفعلاً (فارفق به) دنيا وأخرى، وقد جاء «كما تدين تدان» (رواه مسلم) في المغازي من «صحيحه» ، ورواه النسائي في السير.

٤٦٥٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: كانت بنو إسرائيل) هو اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بالعبرانية، وإسر معناه عبد، وإيل معناه الله: أي عبد الله (تسوسهم الأنبياء كلما هلك تبنى خلفه نبيّ آخر) أي إنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله نبياً يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروه من أحكام التوراة. وفيه إيماء إلى أنه لا بد لرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الطريق وينصف المظلوم من ظالمه، وجملة كلما الخ في محل الحال من فاعل يسوس: أي الأنبياء تترى بعضهم إثر بعض، وجملة (وإنه لا نبي بعدي) معطوفة على كانت بنو إسرائيل واسم إنّ ضمير الشأن وخولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني، والمراد لا نبيّ بعدي: أي فيفعل ما كان يفعل أولئك (وسكون بعدي خلفاء) الظرف في هذه لم أجده في النسخ المصححة من «الصحيحين» بل في «فتح الباري» «وستكون خلفاء» أي بعدي فهو صريح في عدم وجودها في البخاري، ولعله في بعض النسخ عندهما أو عند أحدهما (فيكثرون) بالمثلثة، وحكى عياض أن منهم

من ضبطه بالموحدة وهو تصحيف، ووجه بأن المراد إكبار قبيح فعلهم (قالوا فما) مفعول ثان مقدم لقوله (تأمرنا) ويجوز إعراب ما مبتدأ ويقدر بعد الفعل مفعول، إما صريحاً: أي تأمرناه، أو مع حرف الجر: أي به والفاء فيه جواب شرط مقدر: أي إذا كثر بعدك الخلفاء أو تنازعوا فما تأمرنا نفعل؟ (قال: أوفوا ببيعة الأول) أي بقضيتها من طاعته والانقياد وقتال من بغى عليه وخرج عن طاعته وذلك لانعقاد إمامته لعدم اشتغال الأمر بأحد (ثم أعطوهم حقهم) أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة وهو كالبدل من قوله «أوفوا بطاعة الأول» (واسألوا الله الذي لكم) أي عليهم من الرفق بكم والجهد في مصالحكم والنصيحة لكم إذا لم يقوموا به (فإن الله سائلهم عما استرعاهم) هو كحديث ابن عمر السابق في الباب «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . وفي الحديث تقديم أمر الدين

على أمر الدنيا، لأنه أمر بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكفّ الفتنة والشرّ وتأخير المرء المطالبة بحقه لا يسقطه. وقد وعده الله أن يخلصه له ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل أواخر كتاب الأنبياء من «صحيحه» ومسلم في المغازي، ورواه ابن ماجه.

٥٦٥٧ - (وعن عائذ) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فذال معجمة (ابن عمرو) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الأمر بالمعروف (أنه دخل على عبيد الله) بضم المهملة وفتح الموحدة مصغراً (ابن زياد) بكسر الزاي وبالتحتية وهو أمير العراقين بعد أبيه (فقال) : أي بفتح الهمزة وسكون التحتيّة حرف لنداء القريب، و (بنى) بصيغة التصغير للتحبب والتحنن يطرد في يائه الكسر دلالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً والفتح والإسكان تخفيفاً، وقد قرىء بهذه اللغات في السبع (إني سمعت رسول الله يقول: إن شرّ الرعاء) بكسر الراء آخره ألف ممدودة جمع راع ويجمع على رعاة بضم أوله بزيادة هاء كقاض وقضاة (الحطمة) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية، قال في «النهاية» : هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد

والإصدار ويلقى بعضها على بعض ويعسفها، ضربه مثلاً لوالي السوء، ويقال حطم بلا هاء اهـ. وهو مأخوذ من الحطم: وهو الكسر، والمراد منه لفظ القاسي الذي يظلمهم ولا يرق لهم ولا يرحمهم، وهذا آخر الخبر المرفوع، وقوله (فإياك أن تكون منهم) من كلام عائذ نصيحة لابن زياد وأدرجه في آخر الحديث (متفق عليه) فيه أن الحديث إنما أخرجه مسلم في آخر المغازي، وقد رمز له كذلك الحافظ المزي في «الأطراف» ولم يرمز للبخاري، وكذا اقتصر في «الجامع الصغير» على رمز مسلم وزاد: وأخرجه أحمد، وليس فيه رمز للبحاري. وفي التيسير مختصر جامع الأصول للديبع بعد ذكر حديث معقل المذكور آنفاً: أخرجه الشيخان، وفي أخرى لمسلم عن الحسن البصري: أن عائذ بن عبد

الله دخل علة ابن زياد فذكر الحديث، فبان أنه من أفراد مسلم لا من المتفق عليه، وهذا إن يكن من تحريف الكتاب سبق قلم من المصنف.

٦٦٥٨ - (وعن أبي مريم الأزدى) بفتح الهمزة وسكون الزاي، قال الحافظ في «تبصير المنتبه» : هذا هو الأكثر، ويقال في مثله بإبدال الزاي سينا مهملة نسبة إلى الأزد اهـ. وقال ابن الأثير: هو الكندي، ويقال الأزدي، يعد في الشاميين. قيل إنه غير أبي مريم الغساني، وقيل إنه هو، وقد ذكره ابن منده في ترجمة أبي مريم السلولي فقال: أراه الكندي ولا يبعد، فإن السلول قبيلة من كندة. قال الحافظ المزي في «الأطراف» : قيل إن أبا مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني، وقد روى عليّ بن الحكم النسائي عن أبي الحسن الجزري الشامي قال: قال عمرو ابن مرة لمعاوية فذكره قريباً منه اهـ. روى له عن رسول الله هذا الحديث (رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله يقول: من ولاه الله شيئاً) أيّ شيء كان كما يؤذن به عمومه بكونه نكرة في سياق النفي (من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم) بفتح المعجمة وتشديد اللام في النهاية: هي الحاجة والفقر فهو من عطف المرادف أو الخاص على العام، وكذا عطف قوله (وفقرهم) والجمع بين الثلاثة إطناب. وقال العاقولي بل بين الثلاثة فرق، فالحاجة ما يهتم به الإنسان وإن لم تبلغ

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أُسَامَةُ

ابنُ زَيْدٍ حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ... «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله» ؟! ثُمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أهْلَك مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.

وفيه: أن شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، وأن أحكام الله تعالى يستوي فيها الشريف والوضيع.

[٦٥٢] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخَامَةً في القبلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ في وَجْهِهِ؛ فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إن أحدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبيْنَ القِبلْةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هكذا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فِيما إِذَا كَانَ في غَيْرِ المسجِدِ، فَأمَّا في المسجدِ فَلا يَبصُقُ إلا في ثَوْبِهِ.

في هذا الحديث: النهي عن البصاق قبل القبلة، إذا كان يصلي لأنه يناجي ربه.

٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم

والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال

مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم

قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (٢١٥) ] .

أمر الله تعالى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يلين جانبه لمن اتبعه من المؤمنين، وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب (٢١) ] .

وقال تَعَالَى: {إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل (٩٠) ] .

يأمر تعالى بالعدل، وهو القسط والإِنصاف، وبالإِحسان إلى الناس، وبِصِلة الرحم، وينهى عن الفحشاء، وهي ما قبح من قولٍ أو فعلٍ، وعن المنكر: وهو ما ينكره الشرع، وعن البغي وهو العدوان على الناس.

قال بعض العلماء: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيانٌ لكل شيء وهدىً ورحمةٌ.

[٦٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في

بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مال سيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: وجوب القيام بحق الرعية وإرشادهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، وردعهم عن ما يضرهم في دينهم ودنياهم.

[٦٥٤] وعن أَبي يعلى مَعْقِل بن يَسارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة» . متفقٌ عليه.

وفي رواية: «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّة» .

وفي رواية لمسلم: «مَا مِنْ أميرٍ يلي أمور المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» .

في هذا الحديث: وعيدٌ شديد لمن ولي أمر المسلمين ثم خانهم وغشهم وقدم مصلحته على مصلحتهم.

[٦٥٥] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارفُقْ بِهِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: التنبيه لولاة الأُمور على السعي في مصالح الرعية، والجهد في دفع ضررهم، وما يشق عليهم من قولٍ أو فعل، وعدم الغفلة عن أحوالهم.

[٦٥٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاء، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيكُونُ بَعْدِي خُلفَاءُ فَيَكثرُونَ» ، قالوا: يَا رسول الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّل فَالأَوَّل، ثُمَّ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله الَّذِي لَكُمْ، فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» متفقٌ عليه.

فيه: إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الحق، وينصف المظلوم من ظالمه.

وفيه: الأَمر بوفاء بيعة الخلفية وطاعته، وقتال من بغى عليه، والصبر على ظلمه.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر