قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم. قلتُ: يَا رسول الله، إنّي حَدِيثُ عَهْدٍ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٧٠٠

الحديث رقم ٧٠٠ من كتاب «كتاب الأدب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب الوعظ والاقتصاد فيه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، إني…

قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم. قلتُ: يَا رسول الله، إنّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإسْلَامِ، وَإنَّ مِنّا رِجَالًا يَأتُونَ الْكُهّانَ؟ قَالَ: «فَلَا تَأتِهِمْ» قُلْتُ: وَمِنّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْء يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ». رواه مسلم. (١)

«الثُكْلُ» بضم الثاءِ المُثلثة: المُصيبَةُ وَالفَجِيعَةُ. «مَا كَهَرَنِي» أيْ: مَا نَهَرَنِي.

سند حديث: ٧٠٠ - وعن مُعاوِيَة بن الحكم السُّلَمي - رضي…

٧٠٠ - وعن مُعاوِيَة بن الحكم السُّلَمي - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَا أنَا أُصَلّي مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي القَوْمُ بِأبْصَارِهِمْ! فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأيديهم عَلَى أفْخَاذِهِمْ! فَلَمَّا رَأيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لكِنّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَبِأبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَني، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي. قَالَ: «إنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِراءةُ القُرْآنِ»، أَوْ كَمَا

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، إني…

يخبر معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه عما حصل له عندما كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلوات الجماعة، إذ سَمع رجلا عَطَس فَحَمِد الله، فَبَادره رضي الله عنه : بقوله: (يَرحمك الله) على أصله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا عَطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله)، ولم يعلم رضي الله عنه أن استحباب تشميت العاطس إنما هو في غير الصلاة.
"فَرَمَانِي القوم بأبْصَارهم" أي: أشاروا إليه بأبصارهم من غير كلام، ونظروا إليه نظر زَجر، إلا أنه رضي الله عنه لم يعلم سبب إنكارهم عليه، فما كان منه إلا أن خاطبهم بقوله: "وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ"، والمعنى: وافقدها لي فإني هَلكت.
ما شَأنُكُم؟ أي: ما حالكم وأمركم."تنظرون إليَّ" أي: لماذا تنظرون إليَّ نظر الغَضَب؟.
"فجعلوا يضربون بأيْدِيهم على أفْخَاذِهم" أي: أنهم زادوا في الإنكار عليه بضرب الأيدي على الأفخاذ، ففهم منهم أنهم يريدون منه أن يَسكت، وأن ينتهي عن الكلام، فَسَكت، "فلما رأيتهم يُصَمِّتُونَنِي لكنِّي سَكَتُّ" والمعنى: لما عرفت أنهم يأمرونني بالسكوت عن الكلام، عَجبت لجهلي بقبح ما ارتكبت، ومُبالغتهم في الإنكار علي وأردت أن أُخَاصِمهم، لكني سكت امتثالاً؛ لأنهم أعلم مني، ولم أعمل بمقتضى غضبي، ولم أسأل عن السبب.
"فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي: انتهى وفرغ من صلاته.
"فَبِأَبِي هو وأمِّي" أي: مُفَدَّى بأبي وأمِّي، وهذا ليس بقسم، وإنما هي تَفدية بالأب والأم.
"ما رأيت معَلِّما قَبْلَه ولا بَعده أحْسَن تَعليما منه"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفه ولم ينهره، بل بَيَّن له الحكم الشرعي بطريقة أدعى للقبول والإذعان.
"فوالله، ما كَهَرَنِي" لم ينهَرني ولم يغلظ عليَّ بالقول.
"وَلَا ضَرَبني" لم يؤدبني بالضرب على ما اقترفته من مخالفة.
"وَلَا شَتَمَنِي" ما أغلظ علي بالقول بل بَيَّن لي الحكم الشرعي بِرفق، حيث قال لي: "إن هذه الصلاة لا يَصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن"، يعني: لا يحل في الصلاة كلام الناس الذي هو التَّخاطب فيما بينهم وقد كان ذلك سَائغا في أول الإسلام ثم نسخ، وإنما الذي في الصلاة: التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
"قلت: يا رسول الله، إنِّي حديث عَهد بِجَاهلية" يعني: قريب عهد بجاهلية، والجاهلية: تُطلق على ما قبل ورود الشَّرع سُموا جاهلية؛ لكثرة جهالاتهم وفُحْشِهم.
"وقد جاء الله بالإسلام" يعني: انتقلت عن الكفر إلى الإسلام، ولم أعرف بعد أحكام الدِّين.
"وإن مِنَّا رجَالا يَأتون الكُهَّان" أي: إن من أصحابه من يَأتي الكُهان، ويسألهم عن أمور غيبية تحدث في المستقبل.
"فقال: فلا تَأْتِهِم" وإنما نُهي عن إتيان الكُهان؛ لأنهم يتكلمون في أمور غيبية قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يلبِّسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان.
"قال: ومِنَّا رجَال يَتَطَيَّرُونَ"، التَّطير : التَّشاؤم بِمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان.
وكانت العرب معروفة بالتَّطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا، ثم رأى الطَّير ذهبت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله.
"قال: ذَاك شَيء يَجِدونه في صُدورهم، فلا يَصُدَّنَّهُمْ" الطِّيَرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة، ولا عَتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير مُكتسب لهم فلا تَكليف به، ولكن لا يمتنعوا بسببه من التَّصرف في أمورهم، فهذا هو الذي يَقدرون عليه وهو مُكتسب لهم، فيقع به التَّكليف، فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن العمل بالطِّيرة، والامتناع من تصرفاتهم بسببها، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النَّهي عن التَّطير، والطِّيرة هنا: محمولة على العمل بها، لا على ما يجده الإنسان في نفسه من غير عمل على مقتضاه عندهم.
"قال قلت: ومِنَّا رجال يَخُطُّونَ"، الخَط عند العرب: أن يأتي الرَّجُل العرَّاف وبَين يديه غُلام، فيأمره بأن يَخُط في الرَّمْل خطوطا كثيرة، ثم يأمره أن يَمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى آخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها زوجًا؛ فهو دليل الفلاح والظَّفر، وإن كان فردا؛ فهو دليل الخَيبة واليأس.
"قال: كان نَبِي من الأنبياء يَخُطُّ"، أي: يضرب خطوطا كخطوط الرَّمْل فيعرف الأمور بالفراسة بتوسط تلك الخطوط، وقيل هو إدريس أو دانيال -عليهما الصلاة والسلام-.
"فمن وافق خَطَه" أي: خط ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- "فَذَاك" أي: من وافق خط ذاك النبي فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، ويحتمل: أن هذا نُسخ في شَرعِنا، ويحتمل: أن يكون إباحة الخط؛ علما لنبوة ذاك النبي، وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك، فالحديث يدل على تحريم العمل بعلم الخَط، لا على جوازه، كما يدل على بطلان طريقة الناس في علم الرَّمْل وفسادها؛ لأن الموافقة تقتضي العلم به، والعلم يكون بأحد طريقين:
أحدهما: النَّص الصريح الصحيح في بيان كيفية هذا العلم.
والثاني: النقل المتواتر من زمن ذلك النبي إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلا الأمرين منتفٍ.
وينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الأنبياء لا يدعون علم الغيب، ولا يخبرون الناس أنهم يعلمون الغيب، وما أخبروا الناس به من الغيب إنما هو من إيحاء الله إليهم فلا يَنسبونه إلى أنفسهم، كما قال الله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن 26، 27]؛ لأن الغيب مما اختص الله بعلمه، فلا يَدَّعيه أحدٌ لنفسه إلا كان مُدَّعياً لبعض خصائص الربوبية، وهذا ما يفعله أرباب هذه الصِّناعة، فظهر بهذا دَجل هؤلاء في دعوى أن هذا النبي الكريم معلم لهم.
"قال: وكانت لي جَارية تَرعى غَنَما لي قِبَل أُحُدٍ والْجَوَّانِيَّةِ"، يعني: كانت له جارية تَرعى غَنمه في موضع قريب من جَبل أُحدٍ.
"فَاطَّلَعْتُ ذات يوم فإذا الذِّيب قد ذهب بِشَاة من غَنَمِهَا" يعني: علم أن الذئب قد افترس شاة من الشِّياه، والغنم له لكنه قال: (غنمها) أي: التي تقوم هي برعايتها.
"وأنا رجُلٌ من بَني آدم، آسَف كما يَأْسَفُونَ" الأسف: الغَضب، والمعنى: أنني غضبت عليها بسبب أكل الذِّئب لشاة من الشِّياه؛ فأردت أن أضربها ضربا شديدا على ما هو مقتضى الغَضب.
"لكني صَكَكْتُهَا صَكَّة" إلا أنني لم أفعل، بل اقتصرت على أن لطمتها لطْمَة، "فَأَتَيْت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعظَّم ذلك عليَّ"، بعد أن لطَمها جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالقصة، فأكْبَر لطْمَه إياها، أي: أعْظَمه.
فلما رأى معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قد تَأثر من فعله ذلك، وأخذ في نَفسه، قال: "قلت: يا رسول الله أفلا أُعْتِقُهَا؟" يعني: أُحررها من العبودية جراء ضَربي إياها، قال: «ائْتِنِي بها» فَأَتَيْتُهُ بها، فقال لها: «أَيْن الله؟» أي: أين المَعبود المستحق الموصوف بصفات الكمال؟. وفي رواية: (أين رَبُّك؟) فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا السؤال التأكد أنها موحدة، فخاطبها بما يُفهم قصده؛ إذ علامة الموحدين اعتقادهم أن الله في السماء.
"قالت: في السَّماء" ومعنى في السماء: العلو، وأنه سبحانه فوق كل شيء وفوق عَرشه الذي هو سقف المخلوقات.
قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنها مُؤْمِنَةٌ».
فلما شَهِدت بعلو الله تعالى وبرسالته صلى الله عليه وسلم أمر بِعتقها؛ لأن ذلك دليل على إيمانها وسلامة معتقدها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن المُصلِّي إذا عَطس؛ شُرع له أن يَحمد الله في نفسه.
  • إنكار المُنكر على المُخالف؛ لقوله: (فرمَاني القوم بأبصارهم..).
  • أن الحرَكة اليَسِيرة في الصلاة لا تبطلها؛ لقوله (فجعلوا يَضربون بأيْدِيهم على أفْخَاذِهم).
  • جواز تَفْدِية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأبَوين.
  • حُسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- ورِفقه بالجاهل، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعَنِّفه ولم يُوَبِّخه، بل أرشده إلى الصواب بطريقة أدعى إلى القَبول -صلى الله عليه وسلم-.
  • جواز الحَلف من غير استحلاف؛ لقوله: (فوالله..) ما لم يكن عادة.
  • أن ما يتعلق بخطاب الباري -جلا وعلا- لا تبطل به الصلاة، فلو قال المُصلِّي: (ربِّ أسألك، ربِّ أستغفرك، ربِّ أشكرك)؛ لأن هذا ليس مما يتداوله الناس بينهم، بل هو دعاء وعبادة.
  • ظاهره أنه لا فرق بين كون الكلام قليلا أو كثيرا، ولا فرق بين صلاة النَّفل والفَرض؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- (لا يصلح فيها شيء).
  • أن الصلاة لا تبطل بالكلام الصادر عن غير قصد.
  • أن من تكلم في الصلاة جاهلا بالحُكم فلا إعادة عليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر مُعاوية -رضي الله عنه- بإعادة الصلاة لجَهله، ويلحق به النَّاسي، ومن سَبق لسَانه، ومن تكلم بغير قصد.
  • قوله: "كلام النَّاس" ظاهره ولو كان الكلام من حرف واحد، كقول المصلي لشخص: (عِ) أمر من الوَعي، فهذا كلام تبطل به الصلاة، أما ما لا يسمى كلاما كما لو تنحنح وقال :"أح، أح" لم تبطل به الصلاة؛ لأنه لا يسمى كلاما.
  • أنَّ مُخَاطبة الناس في الصَّلاة إعراضٌ عن مناجاة الله -تعالى-.
  • يستحب للمصلِّي ويتأكَّد عليه حضورُ قلبه في الصَّلاة، فلا يلهيه عن معانيها وأحوالها مُلْهٍ، بل يُفْرِغُ قلبه ويستجمعه؛ لاستحضار ما يقولُ فيها ويفعل.
  • أن التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن واجبات الصلاة.
  • أن أحكام الشَّرع تُؤخذ بالتَّدرج، فيعَلَّم المُسلم الجديد أمور الدَّين شيئا فشيئا.
  • انتشار الكِهانة والتَّطَير قبل الإسلام.
  • النَّهي عن إتيان الكُهَّان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعطون من الحُلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين.
  • أن الشعور بالتشاؤم شيء لا يَأثم بمجرده؛ لأن هذه من الأمور القلبية التي لا يؤاخذ عليها الإنسان، بل إذا عمل بمقتضاه.
  • جواز رَعي المرأة للأغنام، وانْفِرادها في البرية إذا أمِنَت الفِتْنَة.
  • تَعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- لإهَانة المُسلم، سواء كان بضربه أو سَبِّه أو نحو ذلك.
  • دليل على إثبات عُلو الله -تعالى- وأنه فوق عِباده بَائن من خَلقِه.
  • أن الاعتراف بعُلو الله على خَلقه دليل على إيمان العَبد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، إني…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[كتاب الأدب]

[باب الحياء وفضله والحث على التخلق به]

٦٨١ - عن ابن عمر رضي الله عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه

٦٨٢ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين (كتاب الأدب) (باب الحياء وفضله والحث عليه) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة

منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله عز وجل وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحياء من الإيمان وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان

وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس

٦٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه.

البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان

شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله سبحانه وتعالى إلا استجاب له كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله تسعة وتسعون

اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتاه الله تعالي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ

والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق عز وجل لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس

يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت

أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها

المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق

٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه

[الشَّرْحُ]

ثم ذكر النووي رحمه الله في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها

العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي

ولهذا لما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي

احتلمت؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق

[باب الوعظ والاقتصاد فيه]

قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}

٦٩٩ - وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا متفق عليه.

يتخولنا: يتعهدنا.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه اله تعالى: (باب الوعظ والاقتصاد فيه) وذلك لعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به الوعظ: هو ذكر الأحكام الشرعية مقرونة بالترغيب أو الترهيب، كأن نقول للإنسان مثلا إنه يجب عليك كذا وكذا فاتق الله، وقم بما أوجب الله عليك وما أشبه ذلك.

وأعظم واعظ هو كتاب الله عز وجل فإن الله يقول:.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين فأعظم ما يوعظ به كتاب الله عز وجل، لأنه جامع بين الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، والمتقين والفجار، فهو أعظم كتاب يوعظ به.

ولكن إنما يكون كذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أما من قست قلوبهم والعياذ بالله فقد قال الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون} وهكذا المؤمن كلما قرأ من كتاب الله ازداد إيمانا بالله واستبشر بما جعل الله في قلبه من النور من هذا الكتاب العظيم {.

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} نعوذ بالله من ذلك فينبغي لإنسان أن يعظ الناس بالقرآن وبالسنة، وبكلام الأئمة، وبكل ما يلين القلوب ويوجهها إلى الله عز وجل ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن ينبغي الاقتصاد في الموعظة،

فلا تكثر على الناس فتملهم، وتكره إليهم القرآن والسنة وكلام أهل العلم، لأن النفوس إذا ملت كلت، وتعبت وسئمت وكرهت الحق وإن كان حقا ولهذا كان أحكم الواعظين من الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة، ما يكثر عليهم لئلا يملوا ويسأموا ويكرهوا ما يقال من الحق ثم صدر المؤلف هذا الباب بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ادع إلى سبيل ربك: يعني إلى دين الله، لأن سبيل الله هو دين الله حيث أنه يوصل إلى الله تعالى، فمن سلك هذا الدين أوصله إلى الله سبحانه وتعالي، ولأن هذا الدين وضعه الله عز وجل وشرعه لعباده، ولهذا أضيف إليه فقيل: سبيل الله {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بثلاثة أمور: أولا: الحكمة: وذلك بأن تنزل الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لأن بعض الأماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الأزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الأشخاص لا ينبغي أن تعظهم في حال من الأحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة ولهذا قال:

{بالحكمة} قال العلماء: الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها ثانيا: الموعظة الحسنة: يعني: اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، موعظة تلين القلب وترققه وتوجهه إلى الله بشرط أن تكون حسنة، إن كان الترغيب فيها أولى فبالترغيب وإن كان الترهيب والتخويف فيها أولى فبالترهيب والتخويف وكذلك تكون حسنة من حيث الأسلوب والصياغة وكذلك تكون حسنة من حيث الإقناع بحيث تأتي بموعظة تكون فيها أدلة مقنعة أدلة شرعية وأدلة عقلية تسند الشرعية لأن بعض الناس يقنع بالأدلة الشرعية كالمؤمنين الخلص، فإن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ومن الناس من لا يكتفي بالأدلة الشرعية بل يحتاج أن تنسد الأدلة الشرعية عنده بأدلة عقلية، ولهذا يستدل الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بالأدلة العقلية على ما أوحاه إلى نبيه من الأدلة الشرعية انظر مثلا إلى البعث بعد الموت، فالبعث بعد الموت أنكره الكفار وقالوا: من يحيى العظام وهي رميم؟ كيف يموت الإنسان وتأكل الأرض عظامه ولحمه وجلده، ثم يبعث؟ فأجاب الله:

{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} من الذي خلق هذه العظام أول مرة هو الله وإعادة الخلق أهون من ابتدائه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} {أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى} هذه أدلة عقلية الاستدلال بالمبدأ على المعاد وكذلك يستدل الله سبحانه وتعالى على إمكان البعث بإحياء الأرض بعد موتها فإن الله تعالى ينزل المطر على أرض هامدة قاحلة، ليس فيها حياة ولا نبات فتصبح الأرض مخضرة بهذا المطر من الذي أحيا هذا النبات إلا الله؟ فالذي أحيا هذا النبات بعد يبسه وموته قادر على إحياء الموتى ولابد من حياة أخرى لأنه ليس من الحكمة أن الله ينشئ هذا الخلق ويمدهم بالنعم والرزق وينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، ويشرع الجهاد لأعدائه ثم تكون المسألة مجرد دنيا تروح، فهذا لا يمكن، وهذا خلاف الحكمة، بل لابد من حياة أخرى هي الحياة الحقيقية كما قال تعالى: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} ثم قال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني: إذا وعظت موعظة

حسنة وصار الإنسان يجادل ولم يقبل فجادله ولا تنسحب لكن جادل بالتي هي أحسن من حيث الأسلوب، ومن حيث العرض، ومن حيث الإقناع، إذا استدل عليك بدليل فحاول إبطال دليله، فإذا كان إبطال دليله يطول فانتقل إلى دليل آخر، ولا تأخذ في الجدال معه، بل انتقل إلى دليل آخر لا يستطيع مجادلتك فيه.

انظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما حاجة الرجل في الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} يعني وأنت لا تستطيع أن تحيى وتميت {قال أنا أحيي وأميت} كيف يحيى ويميت هذا المجادل المعاند؟ كان يؤتي بالرجل المستحق للقتل فيقول: لا تقتلوه ويؤتي بالرجل لا يستحق القتل فيقول: اقتلوه فجعل هذه التمويه إحياء وإماتة فقال إبراهيم: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ولم يجادله على قوله: أنا أحيى وأميت، وإلا لو جادله لقال أنت لم تحي ولم تمت حقيقة وإنما تفعل سبب الموت فيموت وهو القتل وترفع موجب القتل فلا يقتل لكنه عدل عن هذا إلى شيء لا يستطيع الخصم أن يتحرك معه أو أن ينطق قال: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} فلم يستطع ردا ولهذا قال: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فالحاصل أن الله يقول: {وجادلهم بالتي هي أحسن} وفهم من الآية أن من لا يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن فلا يجادل، لأنه قد يأتي إنسان مؤمن حقا وليس عنده إشكال لما معه من الإيمان لكن يجادله ألد خصم فيعجز عن مقاومته ففي هذه الحال لا تجادل لأنك إن جادلت لن تجادل بالتي هي أحسن اتركه إلى وقت آخر أو إلى أن يأتي أحد أقوى منك في المجادلة فيجادله

٧٠٠ - وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا في الخطبة رواه مسلم مئنة بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة دالة على فقهه

٧٠١ - وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله

فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قلبه ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أنبأنا وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان؟ قال: فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في (باب الوعظ والاقتصاد فيه وعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به) وسبق الكلام عن الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب وهي قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم ذكر المؤلف أحاديث منها: حديث عمار بن ياسر أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه يعني: صلاة الجمعة فصلاة الجمعة لها خطبتان قبلها: فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: وإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه وهذا وإن كان ظاهرا في خطبة الجمعة فهو عام أيضا حتى في الخطب العارضة لا ينبغي للإنسان أن يطيل على الناس كلما قصر كان أحسن لوجهين الوجه الأول: ألا يمل الناس الوجه الثاني: أن يستوعبوا ما قال لأن الكلام إذا طال ضيع بعضه بعضا فإذا كان قصيرا مهضوما مستوعبا انتفع به وكذلك لا يلحقهم الملل وأما طول الصلاة فالمراد أن تكون كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليست طويلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على معاذ إطالته في صلاة العشاء وأنكر على الرجل الآخر إطالته في صلاة الفجر وقال: أيها الناس إن منكم منفرين فالمراد بطول الصلاة هنا الطول الموفق لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إذا كان الإنسان إماما أما إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء

ولا أحد يمنعه لأنه يعامل نفسه بنفسه ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة أطيلوها كما ورد وأقصروا الخطبة لكن لابد من خطبة تثير المشاعر ويحصل بها الموعظة والانتفاع.

ثم ذكر المؤلف حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه بينما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إذ عطس رجل من القوم فقال الحمد لله فقال له معاوية يرحمك الله لأنك إذا سمعت العاطس يحمد الله بعد عطاسه وجب عليك أن تشمته فتقول يرحمك الله حتى ولو كنت تقرأ أو تطالع أو تراجع أما في الصلاة فلا يجوز لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولهذا أنكر الناس بأعينهم على معاوية فرموه بأبصارهم فقال واثكل أمياه ماذا صنعت؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونه فسكت ومضى في صلاته فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما أحسن تعليما منه لا قبله ولا بعده والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما خاطبه بلطف وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام

فهذه موعظة قصيرة مفيدة انتفع بها معاوية ونقلها إلى من بعده وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن يلتفت المصلى أو ينظر إذا كان ذلك لمصلحة أو حاجة، وإلا فالأفضل أن يكون نظره إلى موضع سجوده وفي حال الجلوس يكون نظرة إلى موضع إشارته لأن الجالس في التشهد أو بين السجدتين يرفع إصبعه قليلا ويشير بها عند الدعاء، فيكون نظره إلى موضع إشارته، وأما في حال القيام والركوع فينظر إلى موضع سجوده وقال بعض العلماء ينظر تلقاء وجهه، والأمر في هذا واسع، إن شاء نظر إلى موضع سجوده، وإن شاء نظر تلقاء وجهه، لكن إذا حصلت حاجة والتفت فإن ذلك لا بأس به وفيه أيضا: أن العمل اليسير في الصلاة لا يضر لأن الصحابة جعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفق النساء

وفيه دليل: على أن الكلام في الصلاة لا يجوز وأنه مبطل لها، إلا إذا كان الإنسان جاهلا أو ناسيا أو غافلا، فمثلا لو أن أحدا سلم عليك وأنت تصلي أو دق الباب وأن تصلي فقلت غافلا ادخل أو قلت: وعليكم السلام ناسيا أو غافلا، فصلاتك صحيحة لأن الله لا يؤاخذ الإنسان بالجهل أو النسيان أو بالغفلة {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعلم بالرفق واللين وهذا هديه صلى الله عليه وسلم وهو أسوة أمته فالذي ينبغي للإنسان أن ينزل الناس منازلهم فالمعاند المكابر يخاطب بخطاب يليق به والجاهل الملتمس للعلم يخاطب بخطاب يليق به ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والصلاة كما نعلم فيها قراءة قرآن وفيها تكبير وفيها تسبيح وفيها دعاء وفيها تشهد وفي الحديث: الثناء على الوعظ إذا كانت عظته جيدة وليس عنده عنف وهذا يشجع أهل الوعظ على أن يلتزموا بهذه الطريقة التي التزم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي سياق حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وإن الله تعالى قد جاء بالإسلام قال هذا الكلام ليبين حاله من قبل وحاله من بعد وليتحدث بنعمة الله عليه حيث كانوا في جاهلية لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما جرت به العادات بينهم وجاءنا الله بهذا الإسلام بالنور المبين والفرقان العظيم فبين الحق من الباطل وبين النافع من الضار وبين الإيمان من الكفر والتوحيد من الشرك إلى غير ذلك مما من الله به على هذه الأمة بالإسلام ثم قال رضي الله عنه وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم الكهان كانوا رجالا تنزل عليهم شياطين الجن بما يسمعون من خبر السماء ثم يحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب فإذا صدقوا في واحد من مائة اتخذهم الناس حكاما ولهذا يأتون إليهم ويتحاكمون إليهم فالكاهن عبارة عن رجل يأتيه الشيطان يخبره بما سمع من خبر السماء ويضيف إلى هذا الخبر أشياء كثيرة من الكذب يأتيهم

الناس فيسألونهم ما حالنا؟ ما مستقبلنا؟ يسألونهم عن أمور مستقبلة عامة أو خاصة فيخبرونهم بما وسمعوا من أخبار الشياطين قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم كلمة واحدة لا تأت الكهان وهل تظن أن معاوية أو غيره من الصحابة إذا قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام لا تفعلوا أن يفعلوا؟ لا، لا نظن ذلك فإنهم ليسوا كحال كثير من الناس اليوم يكرر عليه النهي ولكنه لا ينتهي أو يتأول ويقول: النهي للكراهة أو النهي للأدب أو لخلاف الأولي أو ما أشبه ذلك ثم اعلم أن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل وإذا أتاه الإنسان فله ثلاث حالات: الحلة الأولى: أن يأتيه يسأله ولا يصدقه فثبت في صحيح مسلم أن من فعل هذا لا تقبل له صلاة أربعين يوما الحالة الثانية: أن يأتيه يسأله ويصدقه فهذا كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ووجه كفره أن تصديقه إياه يتضمن تكذيب قول الله جل وعلا: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} لأن الكاهن

يخبر عن الغيب في المستقبل فإذا صدقته فمضمونه أنك تكذب هذه الآية فيكون ذلك كفرا الحالة الثالثة: أن يسأل الكاهن ليكذبه وإنما يسأله اختبارا فهذا لا بأس به وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد عما أضمر له فقال له: الدخ يعني: الدخان فقال له النبي عليه الصلاة والسلام اخسأ فلن تعدو قدرك فإذا سأله ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس فإن هذا لا بأس به بل إن هذا يكون محمودا مطلوبا لما في ذلك من إبطال الباطل ثم سأل معاوية رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالا آخر قال ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والتطير: هو التشاؤم بالأشياء وكان العرب يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور فإذا طار يمينا فله حال وإن طار يسارا فله حال وإن اتجه أماما فله حال أو رجع فله حال حسب اصطلاحات العرب وخرافاتهم

فكانوا يتطيرون فيجعلون الطيور هي التي تمضيهم أو تردهم إذا كان الطير مثلا عن اليسار قال هذا نذير سوء فلا أسافر إذا طار يمينا قال هذا سفر مبارك حيث اليمين من اليمن والبركة وهكذا اصطلاحات عندهم فكانوا يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور وربما تشاءموا من الأيام وربما تشاءموا من الشهور وربما تشاءموا فيما يصنعون من الأصوات وربما تشاءموا حتى من الأشخاص حتى إنه يوجد الآن أناس إذا خرج أحدهم من بيته ثم لاقاة شخص قبيح المنظر قال هذا اليوم سوء وتشاءم وإذا لقي رجلا جميل الوجه قال: هذا اليوم خير فتفاءل & فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والإنسان إذا ركن إلى التطير تنغصت عليه حاله وربما يصنع الجني ما يكره ليبقى دائما في غم وهم ولكن لا تشاءم وكان العرب يتشاءمون من شهر شوال في النكاح يقولون الذي يتزوج في شهر شوال لا يوفق في زواجه هكذا كانوا يقولون فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شوال عقد عليها

في شوال ودخل بها في شوال فتقول أيكم أحظى إليه مني؟ لا شك أن عائشة أحب النساء إليه بعد أن تزوجها ومع ذلك عقد عليها في شوال ودخل عليها في شوال والعرب لجهلهم وسخافتهم يقولون: الذي يتزوج في شوال لا يوفق ونحن الآن نشاهد أناسا يتزوجون في شوال ولا يكون فيهم إلا الخير فالمهم أنه يجب عليك أن تمحو من قلبك التطير والتشاؤم وكن دائما متفائلا واجعل الدنيا أمامك واسعة واجعل الطريق أمامك دائما مفتوحا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن فاجعل نفسك دائما في تفاؤل والذي يريده الله سيكون لكن كن مسروا فرحا فالدنيا أمامك واسعة والطريق مفتوح ودائما كن في تفاؤل ودائما كن واسع الصدر فهذا هو الخير أما التشاؤم والانقباض وأن يجعل الإنسان باله في كل شيء فإن الدنيا ستضيق عليه

فمن محاسن الإسلام أنه ألغى الطيرة وأثبت الفأل لأن الفأل خير والطيرة شر

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[كتاب الأدب]

[باب الحياء وفضله والحث على التخلق به]

٦٨١ - عن ابن عمر رضي الله عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه

٦٨٢ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين (كتاب الأدب) (باب الحياء وفضله والحث عليه) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة

منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله عز وجل وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحياء من الإيمان وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان

وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس

٦٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه.

البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان

شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله سبحانه وتعالى إلا استجاب له كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله تسعة وتسعون

اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتاه الله تعالي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ

والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق عز وجل لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس

يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت

أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها

المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق

٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه

[الشَّرْحُ]

ثم ذكر النووي رحمه الله في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها

العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي

ولهذا لما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي

احتلمت؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق

[باب الوعظ والاقتصاد فيه]

قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}

٦٩٩ - وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا متفق عليه.

يتخولنا: يتعهدنا.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه اله تعالى: (باب الوعظ والاقتصاد فيه) وذلك لعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به الوعظ: هو ذكر الأحكام الشرعية مقرونة بالترغيب أو الترهيب، كأن نقول للإنسان مثلا إنه يجب عليك كذا وكذا فاتق الله، وقم بما أوجب الله عليك وما أشبه ذلك.

وأعظم واعظ هو كتاب الله عز وجل فإن الله يقول:.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين فأعظم ما يوعظ به كتاب الله عز وجل، لأنه جامع بين الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، والمتقين والفجار، فهو أعظم كتاب يوعظ به.

ولكن إنما يكون كذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أما من قست قلوبهم والعياذ بالله فقد قال الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون} وهكذا المؤمن كلما قرأ من كتاب الله ازداد إيمانا بالله واستبشر بما جعل الله في قلبه من النور من هذا الكتاب العظيم {.

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} نعوذ بالله من ذلك فينبغي لإنسان أن يعظ الناس بالقرآن وبالسنة، وبكلام الأئمة، وبكل ما يلين القلوب ويوجهها إلى الله عز وجل ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن ينبغي الاقتصاد في الموعظة،

فلا تكثر على الناس فتملهم، وتكره إليهم القرآن والسنة وكلام أهل العلم، لأن النفوس إذا ملت كلت، وتعبت وسئمت وكرهت الحق وإن كان حقا ولهذا كان أحكم الواعظين من الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة، ما يكثر عليهم لئلا يملوا ويسأموا ويكرهوا ما يقال من الحق ثم صدر المؤلف هذا الباب بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ادع إلى سبيل ربك: يعني إلى دين الله، لأن سبيل الله هو دين الله حيث أنه يوصل إلى الله تعالى، فمن سلك هذا الدين أوصله إلى الله سبحانه وتعالي، ولأن هذا الدين وضعه الله عز وجل وشرعه لعباده، ولهذا أضيف إليه فقيل: سبيل الله {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بثلاثة أمور: أولا: الحكمة: وذلك بأن تنزل الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لأن بعض الأماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الأزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الأشخاص لا ينبغي أن تعظهم في حال من الأحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة ولهذا قال:

{بالحكمة} قال العلماء: الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها ثانيا: الموعظة الحسنة: يعني: اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، موعظة تلين القلب وترققه وتوجهه إلى الله بشرط أن تكون حسنة، إن كان الترغيب فيها أولى فبالترغيب وإن كان الترهيب والتخويف فيها أولى فبالترهيب والتخويف وكذلك تكون حسنة من حيث الأسلوب والصياغة وكذلك تكون حسنة من حيث الإقناع بحيث تأتي بموعظة تكون فيها أدلة مقنعة أدلة شرعية وأدلة عقلية تسند الشرعية لأن بعض الناس يقنع بالأدلة الشرعية كالمؤمنين الخلص، فإن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ومن الناس من لا يكتفي بالأدلة الشرعية بل يحتاج أن تنسد الأدلة الشرعية عنده بأدلة عقلية، ولهذا يستدل الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بالأدلة العقلية على ما أوحاه إلى نبيه من الأدلة الشرعية انظر مثلا إلى البعث بعد الموت، فالبعث بعد الموت أنكره الكفار وقالوا: من يحيى العظام وهي رميم؟ كيف يموت الإنسان وتأكل الأرض عظامه ولحمه وجلده، ثم يبعث؟ فأجاب الله:

{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} من الذي خلق هذه العظام أول مرة هو الله وإعادة الخلق أهون من ابتدائه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} {أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى} هذه أدلة عقلية الاستدلال بالمبدأ على المعاد وكذلك يستدل الله سبحانه وتعالى على إمكان البعث بإحياء الأرض بعد موتها فإن الله تعالى ينزل المطر على أرض هامدة قاحلة، ليس فيها حياة ولا نبات فتصبح الأرض مخضرة بهذا المطر من الذي أحيا هذا النبات إلا الله؟ فالذي أحيا هذا النبات بعد يبسه وموته قادر على إحياء الموتى ولابد من حياة أخرى لأنه ليس من الحكمة أن الله ينشئ هذا الخلق ويمدهم بالنعم والرزق وينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، ويشرع الجهاد لأعدائه ثم تكون المسألة مجرد دنيا تروح، فهذا لا يمكن، وهذا خلاف الحكمة، بل لابد من حياة أخرى هي الحياة الحقيقية كما قال تعالى: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} ثم قال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني: إذا وعظت موعظة

حسنة وصار الإنسان يجادل ولم يقبل فجادله ولا تنسحب لكن جادل بالتي هي أحسن من حيث الأسلوب، ومن حيث العرض، ومن حيث الإقناع، إذا استدل عليك بدليل فحاول إبطال دليله، فإذا كان إبطال دليله يطول فانتقل إلى دليل آخر، ولا تأخذ في الجدال معه، بل انتقل إلى دليل آخر لا يستطيع مجادلتك فيه.

انظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما حاجة الرجل في الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} يعني وأنت لا تستطيع أن تحيى وتميت {قال أنا أحيي وأميت} كيف يحيى ويميت هذا المجادل المعاند؟ كان يؤتي بالرجل المستحق للقتل فيقول: لا تقتلوه ويؤتي بالرجل لا يستحق القتل فيقول: اقتلوه فجعل هذه التمويه إحياء وإماتة فقال إبراهيم: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ولم يجادله على قوله: أنا أحيى وأميت، وإلا لو جادله لقال أنت لم تحي ولم تمت حقيقة وإنما تفعل سبب الموت فيموت وهو القتل وترفع موجب القتل فلا يقتل لكنه عدل عن هذا إلى شيء لا يستطيع الخصم أن يتحرك معه أو أن ينطق قال: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} فلم يستطع ردا ولهذا قال: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فالحاصل أن الله يقول: {وجادلهم بالتي هي أحسن} وفهم من الآية أن من لا يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن فلا يجادل، لأنه قد يأتي إنسان مؤمن حقا وليس عنده إشكال لما معه من الإيمان لكن يجادله ألد خصم فيعجز عن مقاومته ففي هذه الحال لا تجادل لأنك إن جادلت لن تجادل بالتي هي أحسن اتركه إلى وقت آخر أو إلى أن يأتي أحد أقوى منك في المجادلة فيجادله

٧٠٠ - وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا في الخطبة رواه مسلم مئنة بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة دالة على فقهه

٧٠١ - وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله

فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قلبه ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أنبأنا وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان؟ قال: فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في (باب الوعظ والاقتصاد فيه وعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به) وسبق الكلام عن الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب وهي قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم ذكر المؤلف أحاديث منها: حديث عمار بن ياسر أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه يعني: صلاة الجمعة فصلاة الجمعة لها خطبتان قبلها: فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: وإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه وهذا وإن كان ظاهرا في خطبة الجمعة فهو عام أيضا حتى في الخطب العارضة لا ينبغي للإنسان أن يطيل على الناس كلما قصر كان أحسن لوجهين الوجه الأول: ألا يمل الناس الوجه الثاني: أن يستوعبوا ما قال لأن الكلام إذا طال ضيع بعضه بعضا فإذا كان قصيرا مهضوما مستوعبا انتفع به وكذلك لا يلحقهم الملل وأما طول الصلاة فالمراد أن تكون كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليست طويلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على معاذ إطالته في صلاة العشاء وأنكر على الرجل الآخر إطالته في صلاة الفجر وقال: أيها الناس إن منكم منفرين فالمراد بطول الصلاة هنا الطول الموفق لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إذا كان الإنسان إماما أما إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء

ولا أحد يمنعه لأنه يعامل نفسه بنفسه ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة أطيلوها كما ورد وأقصروا الخطبة لكن لابد من خطبة تثير المشاعر ويحصل بها الموعظة والانتفاع.

ثم ذكر المؤلف حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه بينما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إذ عطس رجل من القوم فقال الحمد لله فقال له معاوية يرحمك الله لأنك إذا سمعت العاطس يحمد الله بعد عطاسه وجب عليك أن تشمته فتقول يرحمك الله حتى ولو كنت تقرأ أو تطالع أو تراجع أما في الصلاة فلا يجوز لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولهذا أنكر الناس بأعينهم على معاوية فرموه بأبصارهم فقال واثكل أمياه ماذا صنعت؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونه فسكت ومضى في صلاته فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما أحسن تعليما منه لا قبله ولا بعده والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما خاطبه بلطف وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام

فهذه موعظة قصيرة مفيدة انتفع بها معاوية ونقلها إلى من بعده وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن يلتفت المصلى أو ينظر إذا كان ذلك لمصلحة أو حاجة، وإلا فالأفضل أن يكون نظره إلى موضع سجوده وفي حال الجلوس يكون نظرة إلى موضع إشارته لأن الجالس في التشهد أو بين السجدتين يرفع إصبعه قليلا ويشير بها عند الدعاء، فيكون نظره إلى موضع إشارته، وأما في حال القيام والركوع فينظر إلى موضع سجوده وقال بعض العلماء ينظر تلقاء وجهه، والأمر في هذا واسع، إن شاء نظر إلى موضع سجوده، وإن شاء نظر تلقاء وجهه، لكن إذا حصلت حاجة والتفت فإن ذلك لا بأس به وفيه أيضا: أن العمل اليسير في الصلاة لا يضر لأن الصحابة جعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفق النساء

وفيه دليل: على أن الكلام في الصلاة لا يجوز وأنه مبطل لها، إلا إذا كان الإنسان جاهلا أو ناسيا أو غافلا، فمثلا لو أن أحدا سلم عليك وأنت تصلي أو دق الباب وأن تصلي فقلت غافلا ادخل أو قلت: وعليكم السلام ناسيا أو غافلا، فصلاتك صحيحة لأن الله لا يؤاخذ الإنسان بالجهل أو النسيان أو بالغفلة {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعلم بالرفق واللين وهذا هديه صلى الله عليه وسلم وهو أسوة أمته فالذي ينبغي للإنسان أن ينزل الناس منازلهم فالمعاند المكابر يخاطب بخطاب يليق به والجاهل الملتمس للعلم يخاطب بخطاب يليق به ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والصلاة كما نعلم فيها قراءة قرآن وفيها تكبير وفيها تسبيح وفيها دعاء وفيها تشهد وفي الحديث: الثناء على الوعظ إذا كانت عظته جيدة وليس عنده عنف وهذا يشجع أهل الوعظ على أن يلتزموا بهذه الطريقة التي التزم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي سياق حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وإن الله تعالى قد جاء بالإسلام قال هذا الكلام ليبين حاله من قبل وحاله من بعد وليتحدث بنعمة الله عليه حيث كانوا في جاهلية لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما جرت به العادات بينهم وجاءنا الله بهذا الإسلام بالنور المبين والفرقان العظيم فبين الحق من الباطل وبين النافع من الضار وبين الإيمان من الكفر والتوحيد من الشرك إلى غير ذلك مما من الله به على هذه الأمة بالإسلام ثم قال رضي الله عنه وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم الكهان كانوا رجالا تنزل عليهم شياطين الجن بما يسمعون من خبر السماء ثم يحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب فإذا صدقوا في واحد من مائة اتخذهم الناس حكاما ولهذا يأتون إليهم ويتحاكمون إليهم فالكاهن عبارة عن رجل يأتيه الشيطان يخبره بما سمع من خبر السماء ويضيف إلى هذا الخبر أشياء كثيرة من الكذب يأتيهم

الناس فيسألونهم ما حالنا؟ ما مستقبلنا؟ يسألونهم عن أمور مستقبلة عامة أو خاصة فيخبرونهم بما وسمعوا من أخبار الشياطين قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم كلمة واحدة لا تأت الكهان وهل تظن أن معاوية أو غيره من الصحابة إذا قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام لا تفعلوا أن يفعلوا؟ لا، لا نظن ذلك فإنهم ليسوا كحال كثير من الناس اليوم يكرر عليه النهي ولكنه لا ينتهي أو يتأول ويقول: النهي للكراهة أو النهي للأدب أو لخلاف الأولي أو ما أشبه ذلك ثم اعلم أن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل وإذا أتاه الإنسان فله ثلاث حالات: الحلة الأولى: أن يأتيه يسأله ولا يصدقه فثبت في صحيح مسلم أن من فعل هذا لا تقبل له صلاة أربعين يوما الحالة الثانية: أن يأتيه يسأله ويصدقه فهذا كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ووجه كفره أن تصديقه إياه يتضمن تكذيب قول الله جل وعلا: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} لأن الكاهن

يخبر عن الغيب في المستقبل فإذا صدقته فمضمونه أنك تكذب هذه الآية فيكون ذلك كفرا الحالة الثالثة: أن يسأل الكاهن ليكذبه وإنما يسأله اختبارا فهذا لا بأس به وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد عما أضمر له فقال له: الدخ يعني: الدخان فقال له النبي عليه الصلاة والسلام اخسأ فلن تعدو قدرك فإذا سأله ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس فإن هذا لا بأس به بل إن هذا يكون محمودا مطلوبا لما في ذلك من إبطال الباطل ثم سأل معاوية رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالا آخر قال ومنا رجال يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والتطير: هو التشاؤم بالأشياء وكان العرب يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور فإذا طار يمينا فله حال وإن طار يسارا فله حال وإن اتجه أماما فله حال أو رجع فله حال حسب اصطلاحات العرب وخرافاتهم

فكانوا يتطيرون فيجعلون الطيور هي التي تمضيهم أو تردهم إذا كان الطير مثلا عن اليسار قال هذا نذير سوء فلا أسافر إذا طار يمينا قال هذا سفر مبارك حيث اليمين من اليمن والبركة وهكذا اصطلاحات عندهم فكانوا يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور وربما تشاءموا من الأيام وربما تشاءموا من الشهور وربما تشاءموا فيما يصنعون من الأصوات وربما تشاءموا حتى من الأشخاص حتى إنه يوجد الآن أناس إذا خرج أحدهم من بيته ثم لاقاة شخص قبيح المنظر قال هذا اليوم سوء وتشاءم وإذا لقي رجلا جميل الوجه قال: هذا اليوم خير فتفاءل & فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والإنسان إذا ركن إلى التطير تنغصت عليه حاله وربما يصنع الجني ما يكره ليبقى دائما في غم وهم ولكن لا تشاءم وكان العرب يتشاءمون من شهر شوال في النكاح يقولون الذي يتزوج في شهر شوال لا يوفق في زواجه هكذا كانوا يقولون فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شوال عقد عليها

في شوال ودخل بها في شوال فتقول أيكم أحظى إليه مني؟ لا شك أن عائشة أحب النساء إليه بعد أن تزوجها ومع ذلك عقد عليها في شوال ودخل عليها في شوال والعرب لجهلهم وسخافتهم يقولون: الذي يتزوج في شوال لا يوفق ونحن الآن نشاهد أناسا يتزوجون في شوال ولا يكون فيهم إلا الخير فالمهم أنه يجب عليك أن تمحو من قلبك التطير والتشاؤم وكن دائما متفائلا واجعل الدنيا أمامك واسعة واجعل الطريق أمامك دائما مفتوحا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن فاجعل نفسك دائما في تفاؤل والذي يريده الله سيكون لكن كن مسروا فرحا فالدنيا أمامك واسعة والطريق مفتوح ودائما كن في تفاؤل ودائما كن واسع الصدر فهذا هو الخير أما التشاؤم والانقباض وأن يجعل الإنسان باله في كل شيء فإن الدنيا ستضيق عليه

فمن محاسن الإسلام أنه ألغى الطيرة وأثبت الفأل لأن الفأل خير والطيرة شر

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد