الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٧١٨
الحديث رقم ٧١٨ من كتاب «كتاب الأدب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
قَوْله: «خَالَفَ الطَّريقَ» يعني: ذَهَبَ في طريقٍ، وَرَجَعَ في طريقٍ آخَرَ.
٩٨ - باب استحباب الذهاب إِلَى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
٧١٨ - عن جابر - رضي الله عنه - قَالَ: كَ
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[كتاب الأدب]
[باب الحياء وفضله والحث على التخلق به]
٦٨١ - عن ابن عمر رضي الله عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه
٦٨٢ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين (كتاب الأدب) (باب الحياء وفضله والحث عليه) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة
منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله عز وجل وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحياء من الإيمان وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان
وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس
٦٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه.
البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان
شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله سبحانه وتعالى إلا استجاب له كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله تسعة وتسعون
اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتاه الله تعالي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق عز وجل لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس
يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت
أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها
المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق
٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر النووي رحمه الله في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها
العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي
ولهذا لما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي
احتلمت؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق
باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق الرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
٧١٩ - عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري قوله: خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر
٧٢٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر النووي رحمه الله (باب استحباب مخالفة الطريق في العيد والجمعة وغيرها من العبادات)
ومعنى مخالفة الطريق: أن يذهب إلى العبادة من طريق ويرجع من الطريق الآخر فمثلا يذهب من الجانب الأيمن ويرجع من الجانب الأيسر وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين كما رواه جابر رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق يعني خرج من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء لم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك؟ فقيل: ليشهد له الطريقان يوم القيامة لأن الأرض يوم القيامة تشهد على ما عمل فيها من خير وشر كما قال الله تبارك وتعالى: يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها تشهد الأرض فتقول عمل على فلان كذا وعمل على فلان كذا فإذا ذهب من طريق ورجع من آخر شهد له الطريقان يوم القيامة بأنه أدى صلاة العيد وقيل من أجل إظهار الشعيرة شعيرة العيد حتى تكتظ الأسواق هنا وهناك ومعلوم أن الناس لا يخرجون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد تجد هذا يخرج من هذا الطريق وهذا من هذا هذا من هذا فإذا انتشر الناس في طرق المدينة صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة لأن صلاة العيد من شعائر الدين والدليل
على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء رحمهم الله هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من
طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها
أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
هذا العام مثلاً (رواه البخاري) في أبواب صلاة الليل وفي الدعوات من «صحيحه» ، ورواه أبو داود في الصلاة، وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي وهو مدني ثقة، وأخرجه النسائي في النكاح وفي النقوء وفي اليوم والليلة، وكذا لخص من «الأطراف» .
٩٨ - باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج
فقد ذهب في صعوده إلى عرفة من طريق ضب وفي رجوعه منها من طريق المأزمين (والغزو والجنازة ونحوها) كالسعي إلى الجمعة والجماعة (من طريق والرجوع من طريق آخر) تأكيد وإلا فتنكير موصوف يدل على مغايرته لما قبله، وقوله (لتكثير مواضع العبادة) علة للتخالف فيما ذكر. وهو أحد الأقوال في مخالفته بين الطريقين في الذهاب إلى العيد.
١٧١٩ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي إذا كان يوم العيد خالف الطريق) أي في خروجه إلى الصلاة ورجوعه منها (رواه البخاري) وعند الترمذي والحاكم في «مستدركه» من حديث أبي هريرة «كان إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره» وبمعناه قول المصنف.
(قوله خالف الطريق: يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر) قال في «فتح
الإله» : ويسن أن يجعل الطويل للذهاب حيث لم يخش فوت نحو جماعة، والقصير للرجوع لأنه ليس قاصداً قربة وإن قلنا يثاب على الرجوع أيضاً على خلاف فيه. واختلفوا في سبب مخالفته بين الطريقين، فقيل جعل الطويل للذهاب ليكثر الثواب، والقصير للرجوع لأنه لا ثواب فيه عن جمع، أو ثوابه أقل، أو لشهادة الطريقين له: أي لفظاً يوم القيامة أو ليتبرّك أهلهما به، أو ليعمهما بركته وخيره، أو لإشاعة ذكر الله فيهما، أو لتصدّقه على فقرائهما، أو لنفاد ما يصدّق به عند الذهاب، أو لزيارة قبور أقاربه فيهما، أو غيظ المنافقين أو الحذر منهم، أو التفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا أو لخسية الرحمة، ورجحه بعض أئمتنا لحديث فيه، وإنما ندب ذلك حتى لمن لم يشاركه في شيء مما ذكر كما تقرر تأسياً به كالرمل والاضطباع اهـ.
٢٧٢٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله كان يخرج) أي من المدينة (من طريق الشجرة) قال السمهودي في «الخلاصة» : يضاف إليها مسجد ذي الحليفة (ويدخل من طريق المعرس) بضم الميم وفتح المهملة والراء المشددة آخره مهملة. قال السمهودي: في مسجد المعرس (وإذا دخل مكة) أيّ دخول (كان يدخل من الثنية العليا) أي من الحجون الثاني (ويخرج من الثنية) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية الطريق الضيقة بين الجبلين (السفلي) هي المسماة بالشبيكة، وحكمة ذلك الذهاب من طريق والعود من أخرى لما ذكر من الحكم، وخصت العليا بالدخول لقصد الدخل موضعاً عالي المقدار والخارج عكسه، ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان حين قال {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم} (إبراهيم: ٣٧) على العليا كما روي عن ابن عباس، قاله السهيلي (متفق عليه) .
tit/٢>٩٩ - باب التسمية في أوله والحمد في آخره
لكرامتها (كالوضوء) فيقدم السليم اليمني من يديه ورجليه وغيره من نحو أقطع الأيمن مطلقاً من جبينه وخديه وطرفي رأسه وأذنيه ويديه ورجليه (والغسل) فيقدم الجانب الأيمن المقبل منه والمدبر على الجانب الأيسر كذلك، بخلاف غسل الميت فيغسل منه الجانب المقبل ثم الأيسر كذلك، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويغسل الجانب المدبر، ثم يحرفه على جنبه الأيمن فيغسل الجانب الأيسر منه. وفارق الحيّ الميت فيما ذكر بعسر غسل جانبي اليمين معاً بالنسبة للميت وسهولته في الحي (والتيمم) وهو كالوضوء فيما سبق من التفصيل (ولبس الثوب) فيدخل كمه الأيمن قبل الأيسر (والنعل والخف والسراويل) فيدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى، والسراويل قبل لفظ جمع لا واحد له، وقيل إنه جمع سراولة (ودخول المسجد) فينزع الرجل اليسرى من النعل أوّلاً ويجعلها على ظهرها ثم اليمنى فيقدمها إلى المسجد ثم اليسرى (والسواك) فيبدأ بجانب الفم الأيمن ويكون إمساك السواك باليد اليمنى (والاكتحال) فيبدأ باليمنى ثلاثاً ثم باليسرى كذلك كما نص عليه ابن حجر الهيثمي في «الإمداد» (وتقليم الأظفار وقص الشارب) الشعر النابت على الشفة العليا، سمى بذلك لأنه يلقي الماء حين الشرب (وحلق الرأس) ظاهر عمومه ولو في غير نسك كما اعتاده الناس من حلقه مطلقاً فيسن البدء باليمين (والسلام من الصلاة والأكل) فيأكل باليمين، وقيل إنه بها واجب لحديث راعي البرّ (والشرب) وهو إدخال المائع إلى الجوف فيأخذ بيده اليمنى إن كان الشرب بها، أو يأخذ نحو الشربة بها (ولمصافحة واستلام الحجر الأسود) افتعال، قيل من السلام بمعنى التحتية، وقيل من السلام بالكسر بمعنى الحجارة لما فيه من لمسها (والخروج من الخلاء) أي المحل الذي أراد لقضاء الحاجة من خلاء أو قضاء (والأخذ والعطاء) أي الإعطاء فيستحب كون كل من المناولة إعطاء وأخذاً باليمنى وظاهر عمومه ولو كان لاكراهة فيه ولا إهانة (وغير ذلك)
أي ما ذكر (مما هو في معناه)
من باب التكريم (ويستحب تقديم اليسرى في ضد ذلك) أي المذكور مما هو من باب الإهانة لاستقذارها (كالامتخاط والبصاق) بضم الباء وهو البزاق مصدر بزق من باب قعد والصاد إبدال منه كما في «المصباح» (على اليسار) متعلق بمحذوف حال منها: أي كائنين من جهته، نعم إن كان بالروضة الشريفة النبوية، أو كان على يساره أحد فليفعل ذلك بين يديه (ودخول الخلاء) أي المحل المراد لقضاء الحاجة (والخروج من المسجد) فيخرج اليسرى منه ويضعها على ظهر النعل ثم اليمنى ويلبسها أولاً ثم يلبس اليسرى (وخلع الخفّ والنعل والسراويل والثوب) وذلك لأن بقاء العضو في الثوب كرامة واليمنى أحق بها، وضده إهانة واليسرى أليق بها (والاستنجاء) بالحجر أو الماء (وفعل المستقذرات) كإزالة الأوساخ من نحو بدنه فلين باليسرى (وأشباه ذلك) المذكور وسكت عما لا تكرمة فيه ولا إهانة كدخول المنزل. وقد اختلف فيه فقيل إنه باليمنى نظراً لعدم وجود الإهانة المقتضية اليسرى. وقيل باليسرى لفقدان التكريم المقتضي بها والراجح الأول.
(قال تعالى) : ( {فأما من أوتى كتابه بيمينه} ) وهم جمع المؤمنين ولو عاصياً كما ذكره جمع، وألف فيه السيد السمهودي مؤلفاً أودعه فتاويه، ولكن قال الحافظ ابن عطية في «تفسيره» : الظاهر أن ذلك يكون للعاصي بعد خروجه من النار، وفيه ندب تناول الكتاب لغيره من سائر المكرمات باليمين ( {فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه} ) قال أبو حيان في «تفسيره النهر» : قال الكسائي: مكسور يقال هاء للرجل، والاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم، وللمرأة هاء بهمزة بغير ياء، وللنساء هاؤن، ومعنى هاؤم خذوا، وهاؤم وإن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية إليه بواسطة إلى وكتابيه يطلبه هاؤم واقرءوا، والبصريون يعملون اقرءوا والكوفيون يعملون هاؤم. وفي الآية دليل على جواز التنازع بين الفعل والإسم اهـ. وقوله (الآيات)
يجوز قراءته بالرفع والنصب وبالخفض كما تقدم توجيهه، وباقي الآيات لا تعلق لها بموضوع الباب وإنما فيها ثناء على الآخذين الكتب باليمين.
(وقال تعالى) : ( {فأصحاب الميمنة} ) هم الذين عن يمين العرش أو كانوا عن يمين آدم عند إخراج ذريته من ظهوره أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم أو أصحاب المنزلة السنية أو أصحاب اليمين ( {ما أصحاب الميمنة} ) أي ما أسعدهم وأعظم ما يجازون به (وأصحاب المشأمة) يقابل الميمنة بالمعاني (ما أصحاب المشأمة) أي ما أشقاهم وأشد عذابهم.
١٧٢١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يعجبه التيمن) أي استعمال اليمين (في شأنه) أي في حاله المهتم به شرعاً (كله) وأبدل من شأنه يإعادة العامل قوله (في طهوره) بدل بعض من كل، وهو بضم الطاء المهملة: استعمال الماء للتطهر وبفتحها الماء المتطهر به فيكون على تقدير مضاف وتقدم بيان التيمن المطلوب فيه (وترجله) بتشديد الجيم: أي تسريحه شعر رأسه (وتنعله) أي إدخاله رجليه في النعل، وقيس بما في الخبر كل ما كان من باب التكريم فاستحبّ كونه باليمين، وأخذ من مفهومه ومن منطوق حديثها استحباب كون اليسرى لما كان من باب الإهانة (متفق عليه) .
٢٧٢٢ - (وعنها قالت: كان يد رسول الله) كذا في الأصول بحدف تاء التأنيث لأن تأنيث اليد مجازى (اليمنى لطهوره) بالضم، ويجوز الفتح على تقدير مضاف (وطعامه) أي تناوله
(وكانت) أثبتت التاء تفنناً في التعبير لفصاحتها (يده اليسرى لخلائه) أي لما فيه من استنجاء وتناول أحجار وإزالة أقذار (وما كان من أذى) بالتنوين كتنحية نحو بصاق ومخاط ومنه تنحية نحو قمل (حديث صحيح رواه أبو داود) في «سننه» (بإسناد صحيح) .
٣٧٢٣ - (وعن أم عطية) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية اسمها نسيبة بالتصغير، ويقال بالتكبير بنت كعب، وقيل بنت الحارث مدنية ثم سكنت البصرة، وكانت تغسل الميتات في عهد رسول الله ويشاركها في النسب أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وليس لأم عمارة حديث في الصحيحن. وروي لأم عطية عن النبيّ أربعون حديثاً أخرج منها في الصحيحين تسعة أحاديث، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، وخرّج عنها الأربعة، وروى عنها محمد وحفصة ابنا سيرين وعبد الملك بن عمير. ووقع في صحيح البخاري ما يوهم أن نسيبة غير أم عطية، وقد بين البخاري عقب ذلك الحديث أنها هي (رضي الله عنها أن النبيّ قال لهن في غسل ابنته زينب) وقيل أم كلثوم (رضي الله عنها ابدأن) بصيغة أمر خطاب جماعة النسوة والخطاب لأم عطية ومن معها من الغاسلات والمعينات عليه بنحو الصبّ والأمر للندب (بميامنها) جمع ميمنة، ففيه استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحيّ وسبق كيفية ذلك فيهما (ومواضع الوضوء منها) لشرف أعضاء الوضوء على باقي البدن (متفق عليه) وهو قطعة من حديث طويل.
٤٧٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: إذا انتعل أحدكم) أي أراد أحدكم يا معشر الأمة الانتعال ومثله إرادة لبس الخف كما تقدم (فليبدأ باليمين) في إدخال النعل لأنه كرامة وهي أحق بها (وإذا نزع) أي أراد النزع لها (فليبدأ بالشمال) لأن بقاء
الرجل في النعل كرامة وتقدم أنها أحق بها (لتكن) الرجل (اليمنى أولهما) بالنصب ظرف لقوله (تنعل) بالفوقية خبر تكون (وآخرهما) بالنصب ظرف لقوله (تنزع) ففيه عطف على معمولي عاملين مختلفين وهو جائز اتفاقاً فالخبر على الخبر والظرف على الظرف، وجملة لتكن الخ كالتأكيد لما قبلها أو إجمال له (متفق عليه) كذا في النسخ من الرياض، والذي في «الجامع الصغير» الاقتصار على رمز مسلم دون البخاري وزاد فيه أنه أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه اهـ. ثم رأيت البخاري أورده كما قال المصنف في كتاب اللباس من «صحيحه» ، ولعل سقوط رمز البخاري من «الجامع الصغير» إن لم يكن من الكتبة غفل حال الكتابة عن كونه فيه، ولا عيب على الإنسان في النسيان.
٥٧٢٥ - (وعن حفصة) أم المؤمنين واستغنى عن ذلك بقوله (رضي الله عنها) فليس في الصحابيات من يسمى بذلك غيرها وهي بنت عمر بن الخطاب العدوية، أمها وأم أخيها عبد الله زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكانت حفصة من المهاجرات وكانت كما تقدم قبل النبي عند خنيس بن حذافة السهمي، وكان حفصة من المهاجرات وكانت كما تقدم قبل النبي عند خنيس بن حذافة السهمي، وكان ممن شهد بدراً وتوفي بالمدينة، وتزوّجها النبيّ عند أكثر العلماء سنة اثنتين من الهجرة بعد عائشة وطلقها ثم راجعها بأمر جبريل له بذلك وقال له إنها صوّامة قوّامة وإنها زوجك في الجنة توفيت حين بايع الحسن معاوية سنة إحدى وأربعين، وقيل خمس وأربعين، وقيل غير ذلك اهـ ملخصاً من «أسد الغابة» . (أن رسول الله كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه) فيوصل بها الطعام والشراب إلى فيه (وثيابه) فيدخل اليد اليمنى في القميص والرجل اليمنى في السروال قبل اليسرى (ويجعل اليسرى لما سوى ذلك) أي سوى ما ذكر وما في معناه من كل ما هو من باب التكريم فيقتضي التياسر فيما لا كرامة له ولا إهانة، أو ما في معناه مما لا إهانة فيه فيخص التياسر بما فيه الإهانة، ويقرب هذا حديث عائشة السابق «وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى» (رواه أبو داود وغيره) والترمذي بإسناد صحيح رواه في «الجامع الصغير»
عنها بلفظ «كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه وشماله لما سوى ذلك» وقال رواه أحمد.
٦٧٢٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: إذا لبستم) أي أردتم اللبس (وإذا توضأتم) أي أردتم أعماله (فابدءوا بأيامنكم) جمع أيمن وهو خلاف الأيسر فيدخل الجانب الأيمن في نحو القميص قبل الأيسر ويقدم اليمنى من يديه ورجليه في الوضوء وغير السليم يتيامن في جميع أعمال الوضوء كما تقدم (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح) ورواه ابن حبان كما في «الجامع الصغير» .
٧٧٢٧ - (وعن أنس أن رسول الله أتى منى) بالصرف وتركه باعتبار البقعة والمكان (فأتى الجمرة) والمعهودة هي جمرة العقبة: أي من غير تراخ عند وصوله إلى منى (فرماها، ثم أتى منزله بمنى) وهو ما بين مسجد الخيف ومحل النحر المشهور، وإلى الأول أقرب من يمين الصاعد إلى عرفة (ثم قال للحلاق) واسمه معمر بن عبد الله العدوي، وقيل أقرب من يمين الصاعد إلى عرفة وقيل خراس بن أمية الكلبى (خذ) أي الرأس لحلقه (وأشار إلى جانبه) أي جانب الرأس (الأيمن) ففيه البدء بيمين المحلوق وهو شق رأسه وعليه الجمهور، وقيل بيمين الحالق وهو شق رأس المحلوق الأيسر وعليه أبو حنيفة (ثم الأيسر ثم جعل) أي النبي، والإسناد إليه مجازي لما يأتي في الحديث بعد أن ذلك من فعل أبي طلحة (يعطيه) أي بعضه لما يأتي فيه أيضاً (الناس) ليكون بركة باقية بين أظهرهم وليذكروه كلما رأوا ذلك فإنه أشار لهم في هذه الحجة مراراً إلى قرب أجله بقوله «لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا» وباقتصاره على نحر ثلاث وستين ناقة من بدنه، وقد أدركت شعرة تزار، اتفق الخلق من السلف على أنها من شعره، وقد فقدت لما سرق بيت صاحبها (متفق عليه) واللفظ لمسلم، ورواه أبو داود
والترمذي والنسائي ذكره المزي.
(وفي رواية) عند مسلم (لما رمى جمرة العقبة ونحر نسكه) بضمتين ويجوز إسكان الثاني: أي هديه الذي ساقه معه (وحلق) أي بعد نحره (ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري) واسمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مالك (وأعطاه إياه) لأنه كان له مزيد خصوصية ومحبة به وبأهله ليست لغيرهم من الأنصار ولا لكثير من المهاجرين. ولذا خصه بدفنه لبنته أم كلثوم وزوجها عثمان حاضر، ولذا خصه الصحابة بأنه الذي حفر القبر الشريف وألحد فيه النبي وبنى فيه اللبن (ثم) أي بعد أن ناول أبا طلحة (ناوله) أي الحلاق (الأيسر، فقال احلق، فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال اقسمه بين الناس) لكن في رواية لمسلم أن الشعر الذي قسمه بين الناس شعر رأسه الأيمن وأن الذي أعطاه أبا طلحة شعر شق الرأس الأيسر، وقد أشار إلى ذلك الآتي في «شرح مسلم» فقال: إعطاؤه لأبي طلحة ليس مخالفاً لقوله فرّقه بين الناس لاحتمال أن يكون إعطاؤه له ليفرقه بينهم، وينبغي النظر في اختلاف الرواية في الجانب الأيسر ففي الأولى أنه فرقه كالأيمن وفي الثنية أنه أعطاه أم سليم وهي امرأة أبي طلحة والجمع بين الروايات. والله أعلم.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
٩٨- باب استحباب الذهاب إِلَى العيد
وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
[٧١٩] عن جابر - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يومُ عيدٍ خَالَفَ الطَّريقَ. رواه البخاري.
قَوْله: «خَالَفَ الطَّريقَ» يعني: ذَهَبَ في طريقٍ، وَرَجَعَ في طريقٍ آخَرَ.
قيل: يستحب أن يجعل الطريق للذهاب حيث لا يخشى الفوات.
[٧٢٠] وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَريق الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَريقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. متفقٌ عَلَيْهِ.
ثنية العليا: هي المسماة الآن ريع الحمول، والسفلى: الشبيكة.
[٩٩- باب استحباب تقديم اليمين]
في كل مَا هو من باب التكريم
كالوضوءِ وَالغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَالخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ وَدُخولِ الْمَسْجِدِ، وَالسِّوَاكِ، وَالاكْتِحَالِ، وَتقليم الأظْفار، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإبْطِ، وَحلقِ الرَّأسِ، وَالسّلامِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالأكْلِ، والشُّربِ، وَالمُصافحَةِ، وَاسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، والخروجِ منَ الخلاءِ، والأخذ والعطاء وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ في معناه. ويُسْتَحَبُّ تَقديمُ
اليسارِ في ضدِ ذَلِكَ، كالامْتِخَاطِ وَالبُصَاقِ عن اليسار، ودخولِ الخَلاءِ، والخروج من المَسْجِدِ، وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسراويلِ والثوبِ، والاسْتِنْجَاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذرَاتِ وأشْبَاه ذَلِكَ.
الجامع لهذا أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التطييب والتكريم، وتقديم اليسرى في كل ما هو من باب الإهانة والاستقذار.
قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بيَمينِهِ فَيْقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيْه} [الحاقة (١٩) ] الآيات، وقَالَ تَعَالَى: {فَأصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ المَشْئَمَةِ مَا أصْحَابُ المَشْئَمَةِ} [الواقعة (٨، ٩) ] .
عن أبي عثمان قال: المؤمن يُعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيَّئاته، فكلما قرأ سيئَّة تغيَّر لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيَّائته قد بُدِّلت حسنات. قال فعند ذلك يقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} .
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة (٢٥) ] قال ابن السائب: تُلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثم يُعطى كتابه.
وقال تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة (٨، ٩) ] .
قال ابن عباس: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أُخرجت الذرية من صلبه، وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا على شمال آدم.
وقال الحسن: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله. وأصحاب المشأمة: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
[٧٢١] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في شَأنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم، واستحباب استعمال اليسرى في ما كان من باب الاستقذار. قال الشارح، ويكون إمساك السواك باليد اليمنى.
[٧٢٢] وعنها قالت: كَانَتْ يَدُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتِ يده الْيُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أذَىً. حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ.
الأذى: كالامتخاط، والاستنجاء، ونحو ذلك.
[٧٢٣] وعن أم عطية رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لهن في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رضي الله عنها: «ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحي.
[٧٢٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدأْ بِالشِّمَالِ. لِتَكُنْ اليُمْنَى أوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: استحباب البداءة باليمين في لبس النعل، وبالشمال في نزعها ويقاس على ذلك لبس الثوب، والسراويل ونحوها.
[٧٢٥] وعن حفصة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ
يجعل يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود وغيره.
[٧٢٦] وعن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأتُمْ، فَابْدَأوا بأيَامِنِكُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.
فيه: مشروعية البداءة بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى في الوضوء، وكذلك في الرجلين.
[٧٢٧] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى مِنىً، فَأتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَىً ونحر، ثُمَّ قَالَ لِلحَلاقِ: «خُذْ» وأشَارَ إِلَى جَانِبهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: لما رمَى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ - رضي الله عنه -، فَأعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ» ، فَحَلَقَهُ فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» .
فيه: البدء بيمين المحلوق. وفيه: فضيلة أبي طلحة، وهو زوج أم سليم، وهو الذي حفر قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[كتاب الأدب]
[باب الحياء وفضله والحث على التخلق به]
٦٨١ - عن ابن عمر رضي الله عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه
٦٨٢ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين (كتاب الأدب) (باب الحياء وفضله والحث عليه) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة
منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله عز وجل وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحياء من الإيمان وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان
وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس
٦٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه.
البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان
شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله سبحانه وتعالى إلا استجاب له كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله تسعة وتسعون
اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتاه الله تعالي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق عز وجل لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس
يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت
أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها
المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق
٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر النووي رحمه الله في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها
العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي
ولهذا لما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي
احتلمت؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق
باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق الرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
٧١٩ - عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري قوله: خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر
٧٢٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر النووي رحمه الله (باب استحباب مخالفة الطريق في العيد والجمعة وغيرها من العبادات)
ومعنى مخالفة الطريق: أن يذهب إلى العبادة من طريق ويرجع من الطريق الآخر فمثلا يذهب من الجانب الأيمن ويرجع من الجانب الأيسر وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين كما رواه جابر رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق يعني خرج من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء لم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك؟ فقيل: ليشهد له الطريقان يوم القيامة لأن الأرض يوم القيامة تشهد على ما عمل فيها من خير وشر كما قال الله تبارك وتعالى: يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها تشهد الأرض فتقول عمل على فلان كذا وعمل على فلان كذا فإذا ذهب من طريق ورجع من آخر شهد له الطريقان يوم القيامة بأنه أدى صلاة العيد وقيل من أجل إظهار الشعيرة شعيرة العيد حتى تكتظ الأسواق هنا وهناك ومعلوم أن الناس لا يخرجون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد تجد هذا يخرج من هذا الطريق وهذا من هذا هذا من هذا فإذا انتشر الناس في طرق المدينة صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة لأن صلاة العيد من شعائر الدين والدليل
على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء رحمهم الله هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من
طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها
أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
هذا العام مثلاً (رواه البخاري) في أبواب صلاة الليل وفي الدعوات من «صحيحه» ، ورواه أبو داود في الصلاة، وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي وهو مدني ثقة، وأخرجه النسائي في النكاح وفي النقوء وفي اليوم والليلة، وكذا لخص من «الأطراف» .
٩٨ - باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج
فقد ذهب في صعوده إلى عرفة من طريق ضب وفي رجوعه منها من طريق المأزمين (والغزو والجنازة ونحوها) كالسعي إلى الجمعة والجماعة (من طريق والرجوع من طريق آخر) تأكيد وإلا فتنكير موصوف يدل على مغايرته لما قبله، وقوله (لتكثير مواضع العبادة) علة للتخالف فيما ذكر. وهو أحد الأقوال في مخالفته بين الطريقين في الذهاب إلى العيد.
١٧١٩ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي إذا كان يوم العيد خالف الطريق) أي في خروجه إلى الصلاة ورجوعه منها (رواه البخاري) وعند الترمذي والحاكم في «مستدركه» من حديث أبي هريرة «كان إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره» وبمعناه قول المصنف.
(قوله خالف الطريق: يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر) قال في «فتح
الإله» : ويسن أن يجعل الطويل للذهاب حيث لم يخش فوت نحو جماعة، والقصير للرجوع لأنه ليس قاصداً قربة وإن قلنا يثاب على الرجوع أيضاً على خلاف فيه. واختلفوا في سبب مخالفته بين الطريقين، فقيل جعل الطويل للذهاب ليكثر الثواب، والقصير للرجوع لأنه لا ثواب فيه عن جمع، أو ثوابه أقل، أو لشهادة الطريقين له: أي لفظاً يوم القيامة أو ليتبرّك أهلهما به، أو ليعمهما بركته وخيره، أو لإشاعة ذكر الله فيهما، أو لتصدّقه على فقرائهما، أو لنفاد ما يصدّق به عند الذهاب، أو لزيارة قبور أقاربه فيهما، أو غيظ المنافقين أو الحذر منهم، أو التفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا أو لخسية الرحمة، ورجحه بعض أئمتنا لحديث فيه، وإنما ندب ذلك حتى لمن لم يشاركه في شيء مما ذكر كما تقرر تأسياً به كالرمل والاضطباع اهـ.
٢٧٢٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله كان يخرج) أي من المدينة (من طريق الشجرة) قال السمهودي في «الخلاصة» : يضاف إليها مسجد ذي الحليفة (ويدخل من طريق المعرس) بضم الميم وفتح المهملة والراء المشددة آخره مهملة. قال السمهودي: في مسجد المعرس (وإذا دخل مكة) أيّ دخول (كان يدخل من الثنية العليا) أي من الحجون الثاني (ويخرج من الثنية) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية الطريق الضيقة بين الجبلين (السفلي) هي المسماة بالشبيكة، وحكمة ذلك الذهاب من طريق والعود من أخرى لما ذكر من الحكم، وخصت العليا بالدخول لقصد الدخل موضعاً عالي المقدار والخارج عكسه، ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان حين قال {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم} (إبراهيم: ٣٧) على العليا كما روي عن ابن عباس، قاله السهيلي (متفق عليه) .
tit/٢>٩٩ - باب التسمية في أوله والحمد في آخره
لكرامتها (كالوضوء) فيقدم السليم اليمني من يديه ورجليه وغيره من نحو أقطع الأيمن مطلقاً من جبينه وخديه وطرفي رأسه وأذنيه ويديه ورجليه (والغسل) فيقدم الجانب الأيمن المقبل منه والمدبر على الجانب الأيسر كذلك، بخلاف غسل الميت فيغسل منه الجانب المقبل ثم الأيسر كذلك، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويغسل الجانب المدبر، ثم يحرفه على جنبه الأيمن فيغسل الجانب الأيسر منه. وفارق الحيّ الميت فيما ذكر بعسر غسل جانبي اليمين معاً بالنسبة للميت وسهولته في الحي (والتيمم) وهو كالوضوء فيما سبق من التفصيل (ولبس الثوب) فيدخل كمه الأيمن قبل الأيسر (والنعل والخف والسراويل) فيدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى، والسراويل قبل لفظ جمع لا واحد له، وقيل إنه جمع سراولة (ودخول المسجد) فينزع الرجل اليسرى من النعل أوّلاً ويجعلها على ظهرها ثم اليمنى فيقدمها إلى المسجد ثم اليسرى (والسواك) فيبدأ بجانب الفم الأيمن ويكون إمساك السواك باليد اليمنى (والاكتحال) فيبدأ باليمنى ثلاثاً ثم باليسرى كذلك كما نص عليه ابن حجر الهيثمي في «الإمداد» (وتقليم الأظفار وقص الشارب) الشعر النابت على الشفة العليا، سمى بذلك لأنه يلقي الماء حين الشرب (وحلق الرأس) ظاهر عمومه ولو في غير نسك كما اعتاده الناس من حلقه مطلقاً فيسن البدء باليمين (والسلام من الصلاة والأكل) فيأكل باليمين، وقيل إنه بها واجب لحديث راعي البرّ (والشرب) وهو إدخال المائع إلى الجوف فيأخذ بيده اليمنى إن كان الشرب بها، أو يأخذ نحو الشربة بها (ولمصافحة واستلام الحجر الأسود) افتعال، قيل من السلام بمعنى التحتية، وقيل من السلام بالكسر بمعنى الحجارة لما فيه من لمسها (والخروج من الخلاء) أي المحل الذي أراد لقضاء الحاجة من خلاء أو قضاء (والأخذ والعطاء) أي الإعطاء فيستحب كون كل من المناولة إعطاء وأخذاً باليمنى وظاهر عمومه ولو كان لاكراهة فيه ولا إهانة (وغير ذلك)
أي ما ذكر (مما هو في معناه)
من باب التكريم (ويستحب تقديم اليسرى في ضد ذلك) أي المذكور مما هو من باب الإهانة لاستقذارها (كالامتخاط والبصاق) بضم الباء وهو البزاق مصدر بزق من باب قعد والصاد إبدال منه كما في «المصباح» (على اليسار) متعلق بمحذوف حال منها: أي كائنين من جهته، نعم إن كان بالروضة الشريفة النبوية، أو كان على يساره أحد فليفعل ذلك بين يديه (ودخول الخلاء) أي المحل المراد لقضاء الحاجة (والخروج من المسجد) فيخرج اليسرى منه ويضعها على ظهر النعل ثم اليمنى ويلبسها أولاً ثم يلبس اليسرى (وخلع الخفّ والنعل والسراويل والثوب) وذلك لأن بقاء العضو في الثوب كرامة واليمنى أحق بها، وضده إهانة واليسرى أليق بها (والاستنجاء) بالحجر أو الماء (وفعل المستقذرات) كإزالة الأوساخ من نحو بدنه فلين باليسرى (وأشباه ذلك) المذكور وسكت عما لا تكرمة فيه ولا إهانة كدخول المنزل. وقد اختلف فيه فقيل إنه باليمنى نظراً لعدم وجود الإهانة المقتضية اليسرى. وقيل باليسرى لفقدان التكريم المقتضي بها والراجح الأول.
(قال تعالى) : ( {فأما من أوتى كتابه بيمينه} ) وهم جمع المؤمنين ولو عاصياً كما ذكره جمع، وألف فيه السيد السمهودي مؤلفاً أودعه فتاويه، ولكن قال الحافظ ابن عطية في «تفسيره» : الظاهر أن ذلك يكون للعاصي بعد خروجه من النار، وفيه ندب تناول الكتاب لغيره من سائر المكرمات باليمين ( {فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه} ) قال أبو حيان في «تفسيره النهر» : قال الكسائي: مكسور يقال هاء للرجل، والاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم، وللمرأة هاء بهمزة بغير ياء، وللنساء هاؤن، ومعنى هاؤم خذوا، وهاؤم وإن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية إليه بواسطة إلى وكتابيه يطلبه هاؤم واقرءوا، والبصريون يعملون اقرءوا والكوفيون يعملون هاؤم. وفي الآية دليل على جواز التنازع بين الفعل والإسم اهـ. وقوله (الآيات)
يجوز قراءته بالرفع والنصب وبالخفض كما تقدم توجيهه، وباقي الآيات لا تعلق لها بموضوع الباب وإنما فيها ثناء على الآخذين الكتب باليمين.
(وقال تعالى) : ( {فأصحاب الميمنة} ) هم الذين عن يمين العرش أو كانوا عن يمين آدم عند إخراج ذريته من ظهوره أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم أو أصحاب المنزلة السنية أو أصحاب اليمين ( {ما أصحاب الميمنة} ) أي ما أسعدهم وأعظم ما يجازون به (وأصحاب المشأمة) يقابل الميمنة بالمعاني (ما أصحاب المشأمة) أي ما أشقاهم وأشد عذابهم.
١٧٢١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يعجبه التيمن) أي استعمال اليمين (في شأنه) أي في حاله المهتم به شرعاً (كله) وأبدل من شأنه يإعادة العامل قوله (في طهوره) بدل بعض من كل، وهو بضم الطاء المهملة: استعمال الماء للتطهر وبفتحها الماء المتطهر به فيكون على تقدير مضاف وتقدم بيان التيمن المطلوب فيه (وترجله) بتشديد الجيم: أي تسريحه شعر رأسه (وتنعله) أي إدخاله رجليه في النعل، وقيس بما في الخبر كل ما كان من باب التكريم فاستحبّ كونه باليمين، وأخذ من مفهومه ومن منطوق حديثها استحباب كون اليسرى لما كان من باب الإهانة (متفق عليه) .
٢٧٢٢ - (وعنها قالت: كان يد رسول الله) كذا في الأصول بحدف تاء التأنيث لأن تأنيث اليد مجازى (اليمنى لطهوره) بالضم، ويجوز الفتح على تقدير مضاف (وطعامه) أي تناوله
(وكانت) أثبتت التاء تفنناً في التعبير لفصاحتها (يده اليسرى لخلائه) أي لما فيه من استنجاء وتناول أحجار وإزالة أقذار (وما كان من أذى) بالتنوين كتنحية نحو بصاق ومخاط ومنه تنحية نحو قمل (حديث صحيح رواه أبو داود) في «سننه» (بإسناد صحيح) .
٣٧٢٣ - (وعن أم عطية) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية اسمها نسيبة بالتصغير، ويقال بالتكبير بنت كعب، وقيل بنت الحارث مدنية ثم سكنت البصرة، وكانت تغسل الميتات في عهد رسول الله ويشاركها في النسب أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وليس لأم عمارة حديث في الصحيحن. وروي لأم عطية عن النبيّ أربعون حديثاً أخرج منها في الصحيحين تسعة أحاديث، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، وخرّج عنها الأربعة، وروى عنها محمد وحفصة ابنا سيرين وعبد الملك بن عمير. ووقع في صحيح البخاري ما يوهم أن نسيبة غير أم عطية، وقد بين البخاري عقب ذلك الحديث أنها هي (رضي الله عنها أن النبيّ قال لهن في غسل ابنته زينب) وقيل أم كلثوم (رضي الله عنها ابدأن) بصيغة أمر خطاب جماعة النسوة والخطاب لأم عطية ومن معها من الغاسلات والمعينات عليه بنحو الصبّ والأمر للندب (بميامنها) جمع ميمنة، ففيه استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحيّ وسبق كيفية ذلك فيهما (ومواضع الوضوء منها) لشرف أعضاء الوضوء على باقي البدن (متفق عليه) وهو قطعة من حديث طويل.
٤٧٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: إذا انتعل أحدكم) أي أراد أحدكم يا معشر الأمة الانتعال ومثله إرادة لبس الخف كما تقدم (فليبدأ باليمين) في إدخال النعل لأنه كرامة وهي أحق بها (وإذا نزع) أي أراد النزع لها (فليبدأ بالشمال) لأن بقاء
الرجل في النعل كرامة وتقدم أنها أحق بها (لتكن) الرجل (اليمنى أولهما) بالنصب ظرف لقوله (تنعل) بالفوقية خبر تكون (وآخرهما) بالنصب ظرف لقوله (تنزع) ففيه عطف على معمولي عاملين مختلفين وهو جائز اتفاقاً فالخبر على الخبر والظرف على الظرف، وجملة لتكن الخ كالتأكيد لما قبلها أو إجمال له (متفق عليه) كذا في النسخ من الرياض، والذي في «الجامع الصغير» الاقتصار على رمز مسلم دون البخاري وزاد فيه أنه أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه اهـ. ثم رأيت البخاري أورده كما قال المصنف في كتاب اللباس من «صحيحه» ، ولعل سقوط رمز البخاري من «الجامع الصغير» إن لم يكن من الكتبة غفل حال الكتابة عن كونه فيه، ولا عيب على الإنسان في النسيان.
٥٧٢٥ - (وعن حفصة) أم المؤمنين واستغنى عن ذلك بقوله (رضي الله عنها) فليس في الصحابيات من يسمى بذلك غيرها وهي بنت عمر بن الخطاب العدوية، أمها وأم أخيها عبد الله زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكانت حفصة من المهاجرات وكانت كما تقدم قبل النبي عند خنيس بن حذافة السهمي، وكان حفصة من المهاجرات وكانت كما تقدم قبل النبي عند خنيس بن حذافة السهمي، وكان ممن شهد بدراً وتوفي بالمدينة، وتزوّجها النبيّ عند أكثر العلماء سنة اثنتين من الهجرة بعد عائشة وطلقها ثم راجعها بأمر جبريل له بذلك وقال له إنها صوّامة قوّامة وإنها زوجك في الجنة توفيت حين بايع الحسن معاوية سنة إحدى وأربعين، وقيل خمس وأربعين، وقيل غير ذلك اهـ ملخصاً من «أسد الغابة» . (أن رسول الله كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه) فيوصل بها الطعام والشراب إلى فيه (وثيابه) فيدخل اليد اليمنى في القميص والرجل اليمنى في السروال قبل اليسرى (ويجعل اليسرى لما سوى ذلك) أي سوى ما ذكر وما في معناه من كل ما هو من باب التكريم فيقتضي التياسر فيما لا كرامة له ولا إهانة، أو ما في معناه مما لا إهانة فيه فيخص التياسر بما فيه الإهانة، ويقرب هذا حديث عائشة السابق «وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى» (رواه أبو داود وغيره) والترمذي بإسناد صحيح رواه في «الجامع الصغير»
عنها بلفظ «كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه وشماله لما سوى ذلك» وقال رواه أحمد.
٦٧٢٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: إذا لبستم) أي أردتم اللبس (وإذا توضأتم) أي أردتم أعماله (فابدءوا بأيامنكم) جمع أيمن وهو خلاف الأيسر فيدخل الجانب الأيمن في نحو القميص قبل الأيسر ويقدم اليمنى من يديه ورجليه في الوضوء وغير السليم يتيامن في جميع أعمال الوضوء كما تقدم (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح) ورواه ابن حبان كما في «الجامع الصغير» .
٧٧٢٧ - (وعن أنس أن رسول الله أتى منى) بالصرف وتركه باعتبار البقعة والمكان (فأتى الجمرة) والمعهودة هي جمرة العقبة: أي من غير تراخ عند وصوله إلى منى (فرماها، ثم أتى منزله بمنى) وهو ما بين مسجد الخيف ومحل النحر المشهور، وإلى الأول أقرب من يمين الصاعد إلى عرفة (ثم قال للحلاق) واسمه معمر بن عبد الله العدوي، وقيل أقرب من يمين الصاعد إلى عرفة وقيل خراس بن أمية الكلبى (خذ) أي الرأس لحلقه (وأشار إلى جانبه) أي جانب الرأس (الأيمن) ففيه البدء بيمين المحلوق وهو شق رأسه وعليه الجمهور، وقيل بيمين الحالق وهو شق رأس المحلوق الأيسر وعليه أبو حنيفة (ثم الأيسر ثم جعل) أي النبي، والإسناد إليه مجازي لما يأتي في الحديث بعد أن ذلك من فعل أبي طلحة (يعطيه) أي بعضه لما يأتي فيه أيضاً (الناس) ليكون بركة باقية بين أظهرهم وليذكروه كلما رأوا ذلك فإنه أشار لهم في هذه الحجة مراراً إلى قرب أجله بقوله «لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا» وباقتصاره على نحر ثلاث وستين ناقة من بدنه، وقد أدركت شعرة تزار، اتفق الخلق من السلف على أنها من شعره، وقد فقدت لما سرق بيت صاحبها (متفق عليه) واللفظ لمسلم، ورواه أبو داود
والترمذي والنسائي ذكره المزي.
(وفي رواية) عند مسلم (لما رمى جمرة العقبة ونحر نسكه) بضمتين ويجوز إسكان الثاني: أي هديه الذي ساقه معه (وحلق) أي بعد نحره (ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري) واسمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مالك (وأعطاه إياه) لأنه كان له مزيد خصوصية ومحبة به وبأهله ليست لغيرهم من الأنصار ولا لكثير من المهاجرين. ولذا خصه بدفنه لبنته أم كلثوم وزوجها عثمان حاضر، ولذا خصه الصحابة بأنه الذي حفر القبر الشريف وألحد فيه النبي وبنى فيه اللبن (ثم) أي بعد أن ناول أبا طلحة (ناوله) أي الحلاق (الأيسر، فقال احلق، فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال اقسمه بين الناس) لكن في رواية لمسلم أن الشعر الذي قسمه بين الناس شعر رأسه الأيمن وأن الذي أعطاه أبا طلحة شعر شق الرأس الأيسر، وقد أشار إلى ذلك الآتي في «شرح مسلم» فقال: إعطاؤه لأبي طلحة ليس مخالفاً لقوله فرّقه بين الناس لاحتمال أن يكون إعطاؤه له ليفرقه بينهم، وينبغي النظر في اختلاف الرواية في الجانب الأيسر ففي الأولى أنه فرقه كالأيمن وفي الثنية أنه أعطاه أم سليم وهي امرأة أبي طلحة والجمع بين الروايات. والله أعلم.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
٩٨- باب استحباب الذهاب إِلَى العيد
وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
[٧١٩] عن جابر - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يومُ عيدٍ خَالَفَ الطَّريقَ. رواه البخاري.
قَوْله: «خَالَفَ الطَّريقَ» يعني: ذَهَبَ في طريقٍ، وَرَجَعَ في طريقٍ آخَرَ.
قيل: يستحب أن يجعل الطريق للذهاب حيث لا يخشى الفوات.
[٧٢٠] وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَريق الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَريقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. متفقٌ عَلَيْهِ.
ثنية العليا: هي المسماة الآن ريع الحمول، والسفلى: الشبيكة.
[٩٩- باب استحباب تقديم اليمين]
في كل مَا هو من باب التكريم
كالوضوءِ وَالغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَالخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ وَدُخولِ الْمَسْجِدِ، وَالسِّوَاكِ، وَالاكْتِحَالِ، وَتقليم الأظْفار، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإبْطِ، وَحلقِ الرَّأسِ، وَالسّلامِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالأكْلِ، والشُّربِ، وَالمُصافحَةِ، وَاسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، والخروجِ منَ الخلاءِ، والأخذ والعطاء وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ في معناه. ويُسْتَحَبُّ تَقديمُ
اليسارِ في ضدِ ذَلِكَ، كالامْتِخَاطِ وَالبُصَاقِ عن اليسار، ودخولِ الخَلاءِ، والخروج من المَسْجِدِ، وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسراويلِ والثوبِ، والاسْتِنْجَاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذرَاتِ وأشْبَاه ذَلِكَ.
الجامع لهذا أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التطييب والتكريم، وتقديم اليسرى في كل ما هو من باب الإهانة والاستقذار.
قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بيَمينِهِ فَيْقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيْه} [الحاقة (١٩) ] الآيات، وقَالَ تَعَالَى: {فَأصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ المَشْئَمَةِ مَا أصْحَابُ المَشْئَمَةِ} [الواقعة (٨، ٩) ] .
عن أبي عثمان قال: المؤمن يُعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيَّئاته، فكلما قرأ سيئَّة تغيَّر لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيَّائته قد بُدِّلت حسنات. قال فعند ذلك يقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} .
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة (٢٥) ] قال ابن السائب: تُلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثم يُعطى كتابه.
وقال تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة (٨، ٩) ] .
قال ابن عباس: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أُخرجت الذرية من صلبه، وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا على شمال آدم.
وقال الحسن: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله. وأصحاب المشأمة: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
[٧٢١] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في شَأنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم، واستحباب استعمال اليسرى في ما كان من باب الاستقذار. قال الشارح، ويكون إمساك السواك باليد اليمنى.
[٧٢٢] وعنها قالت: كَانَتْ يَدُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتِ يده الْيُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أذَىً. حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ.
الأذى: كالامتخاط، والاستنجاء، ونحو ذلك.
[٧٢٣] وعن أم عطية رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لهن في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رضي الله عنها: «ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحي.
[٧٢٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدأْ بِالشِّمَالِ. لِتَكُنْ اليُمْنَى أوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: استحباب البداءة باليمين في لبس النعل، وبالشمال في نزعها ويقاس على ذلك لبس الثوب، والسراويل ونحوها.
[٧٢٥] وعن حفصة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ
يجعل يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود وغيره.
[٧٢٦] وعن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأتُمْ، فَابْدَأوا بأيَامِنِكُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.
فيه: مشروعية البداءة بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى في الوضوء، وكذلك في الرجلين.
[٧٢٧] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى مِنىً، فَأتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَىً ونحر، ثُمَّ قَالَ لِلحَلاقِ: «خُذْ» وأشَارَ إِلَى جَانِبهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: لما رمَى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ - رضي الله عنه -، فَأعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ» ، فَحَلَقَهُ فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» .
فيه: البدء بيمين المحلوق. وفيه: فضيلة أبي طلحة، وهو زوج أم سليم، وهو الذي حفر قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.