الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٧٧٢
الحديث رقم ٧٧٢ من كتاب «كتاب أدب الطعام» في رياض الصالحين، تحت باب: باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شربا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٥ - باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شربًا
٧٧٢ - عن أَبي قتادة - رضي الله عنه -
يبين الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر وانتهى ما معهم من الماء فبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يجدونه أمامهم، مما دعا القوم إلى أن يسرعوا ولا ينتظروا، حتى سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة، وكان منهم أبو قتادة فكان الليل وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعس وأبو قتادة يعضده حتى لا يقع عن الراحلة حتى انتبه له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له بالحفظ كما حفظه، ثم أخبره أن الناس سيختلفون في مكانه عليه الصلاة والسلام وأن أبا بكر وعمر سيخبرونهم بأنه خلفهم وأنهم إن أطاعوهم سيرشدوا، وهذا من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام، ثم ناموا في الليل ولم يوقظهم إلا حر الشمس، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من نام عن الصلاة دون تعمد تركها ليس بمفرط، بل هو معذور، ولكن المفرط من يدع وقت الصلاة يخرج دون أن يصليها، فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين معه وصلوا للقوم وقد كادوا يهلكون من العطش، فبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لن يهلكوا وسيشربوا جميعاً ودعا بإناء أبي قتادة الذي يستخدمه للوضوء وهو قدح صغير، وتوضأ فيه ودعا الناس للشرب منه، فشرب الناس كلهم حتى لم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو قتادة رضي الله عنه، فشرب أبو قتادة بعد أن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن على ساقي القوم أن يشرب آخرهم، وذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا]
٧٧٣ - عن أبي قتادة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتاب أدب الطعام: (باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا) يعني الذي يسقي القوم ماء أو لبنا أو قهوة أو شايا ينبغي أن يكون هو آخرهم شربا من أجل أن يكون مؤثرا على نفسه ومن أجل أن يكون النقص إن كان على نفس الساقي وهذا لاشك أنه أحسن امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذا بأدب النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا كان لا يشتهي أن يشرب فليس بلازم أن يشرب بعدهم إن شاء شرب وإن شاء لا يشرب المهم أن يكون هو الأخير إذا أن يشرب لما في ذلك من الإيثار وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم وإذا كان صاحب البيت فليقدم
إليهم الشراب أو الأكل كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فصاحب البيت يقرب الأكل ويناول الشراب ويكون هو آخر القوم ثم هل الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم في الطعام سواء كان غداء أو عشاء أو فطور أو الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم؟ هذا يرجع إلى عادة الناس فإذا كانت مشاركته أطيب لقلوب الضيوف وأكثر إنياسا فليأكل معهم وإذا كان الأمر بالعكس وجرت العادة أنه لا يأكل الإنسان مع ضيوفه فلا يأكل وإن فهذا أمر يرجع إلى العرف إن كان العرف أن من إكرام الضيف ألا تأكل معه وأن تجعله حرا يأكل ما شاء فلا تأكل وإن كان الأمر بالعكس فكل ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولم يبين نوع الإكرام فيرجع في ذلك إلى ما جرى به عرف الناس
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
١١٥ - باب استحباب كون ساقي القوم
حذف المسقى ليعم سائر الشراب (آخرهم) خبر كون ونصب (شراباً) على التمييز.
١٧٧٣ - (عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي قال: ساقي القوم آخرهم) وقوله (يعني آخرهم شرباً) وقد جاء عند أبي ماجه في حديث ندائه لأهل الصفة وإسقائهم اللبن فقال «ساقي القوم آخرهم شرباً» بل في «الجامع الصغير» حديث «ساقى القوم آخرهم شرباً» رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة ولعل عزوه للترمذي من حيث أصل الحديث لا بجميع ألفاظه تفسيراً لما هو آخر فيه، قال المصنف: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه، قال ابن رسلان: في الحديث إشارة إلى أن من ولي شيئاً من أمر الأمة فعليه السعي فيما ينفعهم ودفع ما يؤذيهم وتقديم مصلحتهم على مصلحته، وكذا في الإطعام والسقي فيبدأ بكبير القوم ثم بمن يليه وهكذا ثم يشرب ما بقي منهم (رواه الترمذي) في الأشربة من «جامعه» (وقال حديث حسن صحيح) ورواه ابن ماجه.
١١٦ - باب جواز
أي إباحة (الشرب من جميع الأواني الطاهرة) ولو نفيسة كياقوت وألماس لكن يكره استعمال النفيس منها لذاته كما ذكر لا لصنعته كإناء مصطنع من نحو خشب فلا كراهة في استعماله (غير الذهب والفضة) أي فيحرم استعمالها في غير ضرورة (وجواز الكرع) بفتح وسكون (وهو الشرب بالفم من النهر وغيره) كالبركة والسيل (بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة) أي لغير ضرورة وكذا يحرم ما موه بهما من باقي الأواني كأن ينحصل بالعرض على النار منه شيء، ويجوز استعمال إناء النقدين المموه بغيره إذا لم يحصل على النار شيء من ذلك، ويحرم المضبب بالذهب مطلقاً وبالفضة إن كانت الضبة كبيرة وكلها أو بعضها للزينة (في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال) والاقتصار على أواني الأكل والشرب في حديث آخر الباب لأنهما الأغلب وإلا فسائر الاستعمال في الحرمة سواء.
١٧٧٤ - (عن أنس رضي الله عنه قال: حضرت الصلاة) بدخول وقتها (فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقي قوم) مع النبي: أي لبعد دورهم أو للزوم الأدب معه كما هي العادة من الجلوس بين يدي الكبير (فأتى النبي بمخضب) الفعل مبني للمجهول، قال الحافظ: والمخضب بكسر الميم وسكون المعجمة الأولى وفتح الثانية آخره موحدة إناء (من حجارة فصغر) بضم الغين المعجمة (المخضب) عن (أن يبسط فيه كفه) أي لا عن ضمها مجموعة أو مبسوطة بعض أصابعها (فتوضأ القوم) أي من الماء التابع من بين أصابعه في ذلك المخضب، ثم القوم في الحديث يحتمل أن يراد منهم الباقون بمجلسه لأن من داره قريب تطهر منه، ويحتمل أن يراد منهم الجميع ويؤيده قوله (كلهم) ويكون تطهيرهم
ثانياً لقرب عهد ذلك الماء بتكوين الله سبحانه كما أمر بالتطهير من ماء المطر وفعله، وقال: إنه حديث عهد بربه: أي بتكوينه ثم يحتمل أن يكون طهرهم الثاني بعد أن صلوا الأول صلاة ما، لأن ذلك الذي يستحب عنده تجديد الوضوء، ويحتمل أنه قيل ذلك ويكون محل ذلك ما إذا كان القصد تجديد الطهارة ليس إلا. أما إذا كان القصد مع ذلك التبرك بذلك الماء أو معنى آخر فلا يعتبر ذلك (قالوا) أي الحاضرون بمجلس أنس وقت تحديثه بذلك (كم كنتم قال ثمانين) أي كنا كذلك فحذفت الجملة لدلالة وجود نظيرها في السؤال عليها (وزيادة. متفق عليه. هذه رواية البخاري) أخرجه في باب علامات النبوة لكن لم أر فيه قوله وزيادة، وفي كتاب الطهارة وفيها قوله وزيادة (وفي رواية له) أي للبخاري في كتاب الطهارة (ولمسلم) في باب الفضائل (أن النبيّ دعا) أي أمر (بإناء من ماء فأتى) بالبناء للمفعول (بقدح رحراح) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال في «النهاية» : هو القريب القعر مع سعة (فيه شيء) أي يسير ولعل التقليل لكونه الميسور إذ ذاك (من ماء فوضع أصابعه فيه) أي في الماء ستراً للسرّ الإلهي، وإلا فكان متمكناً بإقدار الله على ما فعل من غير
الإتيان بشيء من الماء (قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع) بضم الموحدة وكسرها والجملة في محل الحال، وقوله (من بين أصابعه) ظرف لغو متعلق بالفعل، ويجوز إعرابه حالاً فيكون ظرفاً مستقراً (فحزرت) بفتح المهملة والزاي وسكون الراء: أي خرصت (من توضأ ما بين السبعين رجلاً إلى الثمانين) لا تخالف هذه الرواية ما قبلها، لأن هذا بحسب الخرص وذاك بحسب العد والله أعلم.
٢٧٧٥ - (وعن عبد الله بن زيد) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: أتانا النبي فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ) فدل على أن لا منع من استعماله وقوله البعض بالمنع منه رده
بمخالفته النص، ولا يستحب الخروج من الخلاف إذا كان كذلك (رواه البخاري) في الطهارة (الصفر بضم الصاد) المهملة وسكون الفاء بعدها (ويجوز كسرها) قلت: في «المصباح» الصفر كقفل وكسر الصاد لغة (وهو النحاس) قال في «المصباح» بد أن صدر به: وقيل أجوده (والتور إناء كالقدح) قال الأزهري: فتذكره العرب (وهو بالتاء المثناة من فوق) المفتوحة.
٣٧٧٦ - (وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله دخل على رجل من الأنصار) قال الشيخ زكريا في «تحفة القاري» : قيل هو أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري (ومعه صاحب له) هو أبو بكر الصديق. قال في التحفة أيضاً: وعليه فالتنوين للتعظيم (فقال رسول الله) وكان الوقت صائفاً كما في نفس الحديث عند البخاري (إن كان عندك ماء بائت هذه الليلة في شن) بفتح المعجمة وتشديد النون القربة الخلقة، الحكمة في طلب الماء البائت أنه أبرد وأصفى، وحذف جواب إن وهو نحو قوله فاسقنا لدلالة المقام عليه (وإلا) أي وإن لا يوجد ذلك وحقه أن يكتب بالنون بعد الألف وإن كانت مدغمة لفظاً في اللام، والذي وقفت عليه في النسخ كتابته بصورة إلا الاستثنائية وهو من تحريف الكتاب (كرعنا) الكرع تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف، وقد ورد النهي عنه في حديث ابن ماجه وهو للتنزيه وهذا لبيان الجواز وذلك محمول على ما إذا انبطح الشارب على بطنه (رواه البخاري) في الأشربة من «صحيحه» ، قال المزي: ورواه أبو داود وابن ماجه في الأشربة من «سننهما» (الشنّ القربة) ظاهرة مطلق القربة وتقدم أنها بقيد الخلقة، وفي «المصباح» : الشنّ الجلد البالي وهو أنسب بالمقام لأنه يبرد الماء أكثر.
٤٧٧٧ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: إن النبي نهانا) أي معشر الرجال المكلفين وألحق بهم الخنائي احتياطاً (عن الحرير والديباج) أي عن لبسهما، قال في «المصباح» : الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم، ويقال هو معرب. واختلف في الباء فقيل زائدة ووزنه فيعال ولذا يجمع بالياء فيقال ديابيج، وقيل أصيل والأصل دبَّاج بالتضعيف فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولذا يرد في الجمع إلى أصله فيقال دبابيج بموحدتين اهـ (والشرب في إناء الذهب والفضة) وألحق به باقي الإستعمال لهما كالاكتحال بهما لغير تداو والتخلل (وقال هنّ) أي هذه الثلاث المنهيات المعدودات، واستعمال ضمير النسوة فيما دون العشرة هو الأكثر ومنه قوله {أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} (التوبة: ٣٦) (لهم) أي الكفار المدلول عليهم بالسياق (في الدنيا) لأنهم وإن كانوا مخاطبين بالأحكام على الصحيح إلا أنهم لا ورع لهم يحملهم على التمسك بها فكأنها أبيحت لهم (وهي) أي بضمير الواحدة على خلاف الأكثر تفننا في التعبير (لكم في الآخرة) دونهم لأنهم في العذاب المهين، وفيه إيماء إلى حسن ثمرة التقوى وسوء عاقبة المعصية (متفق عليه) روياه في اللباس.
٥٧٧٨ - (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال: الذي يشرب في آنية) بفتح الهمزة وبعدها ألف لينة وبعدها نون مكسورة: أي وعاء (الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) يجوز فيه النصب على أن فاعل الفعل مضمر يعود على الشارب المفهوم من يشرب، وبه صرح الأزهري فقال: نار منصوب، ويجرجر بمعنى يلقى، وهذا مثل قوله تعالى: {إنما
يأكلون في بطونهم ناراً} (النساء: ١٠) ويؤيده الرواية الآتية آخر البار ناراً من جهنم والرفع على أنها فاعل الفعل، وجاز تذكيره للفصل بينه وبينه مع أن تأنيثه مجازي وتقدم معناها (متفق عليه) روياه في اللباس أيضاً (وفي رواية لمسلم) الحديث المذكور وقال إن على ابن مسهر أحد أشياخه في هذا الحديث زاد (إن الذي يأكل ويشرب) الواو فيه يحتمل كونها على بابها من أصل الجمع فيكون فيه وعيد كل منهما على انفراده من حديث آخر، ويحتمل أنها فيه بمعنى أو (في آنية الفضة والذهب) في الواو الاحتمالان المذكوران ويؤيد الثاني الرواية بعده قال مسلم وليس في حديث أحد منهم: أي أشياخه في هذا الحديث ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر (وفي رواية له) أي لمسلم في الحديث المذكور من حديث أم سلمة أيضاً، لكن من غير طريق الحديث قبله فلا يشكل بما تقدم عن مسلم لأن كلامه في حديث نافع عنها فليس عند رواته ذكر ذينك إلا عند ابن مسهر فقط، وهذه الرواية الأخيرة ليست من رواية نافع عنها بل من رواية ابن أخيها عبد الله ابن عبد الرحمن عنها والله أعلم (من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم) ففيه الوعيد الشديد في استعمال أواني النقدين المنصوص منه على الأكل والشرب لأنهما أغلب أنواعه فسائره مثلهما في الحرمة، وقضية هذه الأحاديث أن ذلك من الكبائر وبه صرح ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» ، وظاهر أن محل حرمة ذلك حيث لا ضرورة، وإلا فمن وجد إناء أحدهما وليس عنده ما يصنع فيه طعامه المائع أو الرطب الذي يتلوّث سوى
الأرض، فيجوز له استعمال ذلك حينئذ «لأن الضرورات تبيح المحظورات» «وإذا ضاق الأمر اتسع» ، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: ٧٨) .
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
لا يَشْرَبَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ» . رواه مسلم
النهي محمول على التنزيه، والتقيؤ محمول على الاستحباب إذا لم يكن الشرب قائمًا لعذر.
١١٥- باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً
[٧٧٣] عن أَبي قتادة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ساقي القوم آخِرُهُمْ شُرْباً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال النووي: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما، فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه.
[١١٦- باب جواز الشرب]
من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة
وجواز الكرع
- وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد -
وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل
والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
[٧٧٤] عن أنس - رضي الله عنه - قال: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فقامَ مَن كَانَ قَريبَ الدَّارِ إِلَى أهْلِهِ، وبَقِيَ قَوْمٌ، فأُتِيَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قالوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وزيادة. متفق عَلَيْهِ، هذه رواية البخاري.
وفي رواية لَهُ ولمسلم: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بإناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أصابعَهُ فِيهِ. قَالَ أنسٌ: فَجَعلْتُ أنْظُرُ
إِلَى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْن أصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانينَ.
في الحديث: علم من أعلام النبوة. والرحراح: الواسع المنبسط قريب القعر.
وفيه: جواز الوضوء من إناء الخشب ونحوه.
[٧٧٥] وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: أتَانَا النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْر فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.
«الصُّفْر» : بضم الصاد، ويجوز كسرها، وَهُوَ النُّحاس، و «التَّوْر» : كالقدح، وَهُوَ بالتاء المثناة من فوق.
فيه: جواز الوضوء في إناء الصفر ونحوه.
[٧٧٦] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ باتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلا كَرَعْنَا» . رواه البخاري.
«الشنّ» : القِربة.
في الحديث: جواز الكرع للحاجة إليه.
[٧٧٧] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا عَن الحَرِير، وَالدِّيباجِ، والشُّربِ في آنِيَة الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: «هي لَهُمْ في الدُّنْيَا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الديباج: نوع من الحرير، وعطفه عليه من عطف العام على الخاص.
وفيه: تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير، وأن ذلك للكفار في الدنيا، وللمؤمن في الآخرة.
[٧٧٨] وعن أُمِّ سلمة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» .
وفي رواية لَهُ: «مَنْ شَرِبَ في إناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَاً مِنْ جَهَنَّم» .
فيه: الوعيد الشديد في استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ويقاس على ذلك سائر الاستعمالات.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا]
٧٧٣ - عن أبي قتادة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتاب أدب الطعام: (باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا) يعني الذي يسقي القوم ماء أو لبنا أو قهوة أو شايا ينبغي أن يكون هو آخرهم شربا من أجل أن يكون مؤثرا على نفسه ومن أجل أن يكون النقص إن كان على نفس الساقي وهذا لاشك أنه أحسن امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذا بأدب النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا كان لا يشتهي أن يشرب فليس بلازم أن يشرب بعدهم إن شاء شرب وإن شاء لا يشرب المهم أن يكون هو الأخير إذا أن يشرب لما في ذلك من الإيثار وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم وإذا كان صاحب البيت فليقدم
إليهم الشراب أو الأكل كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فصاحب البيت يقرب الأكل ويناول الشراب ويكون هو آخر القوم ثم هل الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم في الطعام سواء كان غداء أو عشاء أو فطور أو الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم؟ هذا يرجع إلى عادة الناس فإذا كانت مشاركته أطيب لقلوب الضيوف وأكثر إنياسا فليأكل معهم وإذا كان الأمر بالعكس وجرت العادة أنه لا يأكل الإنسان مع ضيوفه فلا يأكل وإن فهذا أمر يرجع إلى العرف إن كان العرف أن من إكرام الضيف ألا تأكل معه وأن تجعله حرا يأكل ما شاء فلا تأكل وإن كان الأمر بالعكس فكل ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولم يبين نوع الإكرام فيرجع في ذلك إلى ما جرى به عرف الناس
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
١١٥ - باب استحباب كون ساقي القوم
حذف المسقى ليعم سائر الشراب (آخرهم) خبر كون ونصب (شراباً) على التمييز.
١٧٧٣ - (عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي قال: ساقي القوم آخرهم) وقوله (يعني آخرهم شرباً) وقد جاء عند أبي ماجه في حديث ندائه لأهل الصفة وإسقائهم اللبن فقال «ساقي القوم آخرهم شرباً» بل في «الجامع الصغير» حديث «ساقى القوم آخرهم شرباً» رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة ولعل عزوه للترمذي من حيث أصل الحديث لا بجميع ألفاظه تفسيراً لما هو آخر فيه، قال المصنف: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه، قال ابن رسلان: في الحديث إشارة إلى أن من ولي شيئاً من أمر الأمة فعليه السعي فيما ينفعهم ودفع ما يؤذيهم وتقديم مصلحتهم على مصلحته، وكذا في الإطعام والسقي فيبدأ بكبير القوم ثم بمن يليه وهكذا ثم يشرب ما بقي منهم (رواه الترمذي) في الأشربة من «جامعه» (وقال حديث حسن صحيح) ورواه ابن ماجه.
١١٦ - باب جواز
أي إباحة (الشرب من جميع الأواني الطاهرة) ولو نفيسة كياقوت وألماس لكن يكره استعمال النفيس منها لذاته كما ذكر لا لصنعته كإناء مصطنع من نحو خشب فلا كراهة في استعماله (غير الذهب والفضة) أي فيحرم استعمالها في غير ضرورة (وجواز الكرع) بفتح وسكون (وهو الشرب بالفم من النهر وغيره) كالبركة والسيل (بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة) أي لغير ضرورة وكذا يحرم ما موه بهما من باقي الأواني كأن ينحصل بالعرض على النار منه شيء، ويجوز استعمال إناء النقدين المموه بغيره إذا لم يحصل على النار شيء من ذلك، ويحرم المضبب بالذهب مطلقاً وبالفضة إن كانت الضبة كبيرة وكلها أو بعضها للزينة (في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال) والاقتصار على أواني الأكل والشرب في حديث آخر الباب لأنهما الأغلب وإلا فسائر الاستعمال في الحرمة سواء.
١٧٧٤ - (عن أنس رضي الله عنه قال: حضرت الصلاة) بدخول وقتها (فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقي قوم) مع النبي: أي لبعد دورهم أو للزوم الأدب معه كما هي العادة من الجلوس بين يدي الكبير (فأتى النبي بمخضب) الفعل مبني للمجهول، قال الحافظ: والمخضب بكسر الميم وسكون المعجمة الأولى وفتح الثانية آخره موحدة إناء (من حجارة فصغر) بضم الغين المعجمة (المخضب) عن (أن يبسط فيه كفه) أي لا عن ضمها مجموعة أو مبسوطة بعض أصابعها (فتوضأ القوم) أي من الماء التابع من بين أصابعه في ذلك المخضب، ثم القوم في الحديث يحتمل أن يراد منهم الباقون بمجلسه لأن من داره قريب تطهر منه، ويحتمل أن يراد منهم الجميع ويؤيده قوله (كلهم) ويكون تطهيرهم
ثانياً لقرب عهد ذلك الماء بتكوين الله سبحانه كما أمر بالتطهير من ماء المطر وفعله، وقال: إنه حديث عهد بربه: أي بتكوينه ثم يحتمل أن يكون طهرهم الثاني بعد أن صلوا الأول صلاة ما، لأن ذلك الذي يستحب عنده تجديد الوضوء، ويحتمل أنه قيل ذلك ويكون محل ذلك ما إذا كان القصد تجديد الطهارة ليس إلا. أما إذا كان القصد مع ذلك التبرك بذلك الماء أو معنى آخر فلا يعتبر ذلك (قالوا) أي الحاضرون بمجلس أنس وقت تحديثه بذلك (كم كنتم قال ثمانين) أي كنا كذلك فحذفت الجملة لدلالة وجود نظيرها في السؤال عليها (وزيادة. متفق عليه. هذه رواية البخاري) أخرجه في باب علامات النبوة لكن لم أر فيه قوله وزيادة، وفي كتاب الطهارة وفيها قوله وزيادة (وفي رواية له) أي للبخاري في كتاب الطهارة (ولمسلم) في باب الفضائل (أن النبيّ دعا) أي أمر (بإناء من ماء فأتى) بالبناء للمفعول (بقدح رحراح) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال في «النهاية» : هو القريب القعر مع سعة (فيه شيء) أي يسير ولعل التقليل لكونه الميسور إذ ذاك (من ماء فوضع أصابعه فيه) أي في الماء ستراً للسرّ الإلهي، وإلا فكان متمكناً بإقدار الله على ما فعل من غير
الإتيان بشيء من الماء (قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع) بضم الموحدة وكسرها والجملة في محل الحال، وقوله (من بين أصابعه) ظرف لغو متعلق بالفعل، ويجوز إعرابه حالاً فيكون ظرفاً مستقراً (فحزرت) بفتح المهملة والزاي وسكون الراء: أي خرصت (من توضأ ما بين السبعين رجلاً إلى الثمانين) لا تخالف هذه الرواية ما قبلها، لأن هذا بحسب الخرص وذاك بحسب العد والله أعلم.
٢٧٧٥ - (وعن عبد الله بن زيد) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: أتانا النبي فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ) فدل على أن لا منع من استعماله وقوله البعض بالمنع منه رده
بمخالفته النص، ولا يستحب الخروج من الخلاف إذا كان كذلك (رواه البخاري) في الطهارة (الصفر بضم الصاد) المهملة وسكون الفاء بعدها (ويجوز كسرها) قلت: في «المصباح» الصفر كقفل وكسر الصاد لغة (وهو النحاس) قال في «المصباح» بد أن صدر به: وقيل أجوده (والتور إناء كالقدح) قال الأزهري: فتذكره العرب (وهو بالتاء المثناة من فوق) المفتوحة.
٣٧٧٦ - (وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله دخل على رجل من الأنصار) قال الشيخ زكريا في «تحفة القاري» : قيل هو أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري (ومعه صاحب له) هو أبو بكر الصديق. قال في التحفة أيضاً: وعليه فالتنوين للتعظيم (فقال رسول الله) وكان الوقت صائفاً كما في نفس الحديث عند البخاري (إن كان عندك ماء بائت هذه الليلة في شن) بفتح المعجمة وتشديد النون القربة الخلقة، الحكمة في طلب الماء البائت أنه أبرد وأصفى، وحذف جواب إن وهو نحو قوله فاسقنا لدلالة المقام عليه (وإلا) أي وإن لا يوجد ذلك وحقه أن يكتب بالنون بعد الألف وإن كانت مدغمة لفظاً في اللام، والذي وقفت عليه في النسخ كتابته بصورة إلا الاستثنائية وهو من تحريف الكتاب (كرعنا) الكرع تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف، وقد ورد النهي عنه في حديث ابن ماجه وهو للتنزيه وهذا لبيان الجواز وذلك محمول على ما إذا انبطح الشارب على بطنه (رواه البخاري) في الأشربة من «صحيحه» ، قال المزي: ورواه أبو داود وابن ماجه في الأشربة من «سننهما» (الشنّ القربة) ظاهرة مطلق القربة وتقدم أنها بقيد الخلقة، وفي «المصباح» : الشنّ الجلد البالي وهو أنسب بالمقام لأنه يبرد الماء أكثر.
٤٧٧٧ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: إن النبي نهانا) أي معشر الرجال المكلفين وألحق بهم الخنائي احتياطاً (عن الحرير والديباج) أي عن لبسهما، قال في «المصباح» : الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم، ويقال هو معرب. واختلف في الباء فقيل زائدة ووزنه فيعال ولذا يجمع بالياء فيقال ديابيج، وقيل أصيل والأصل دبَّاج بالتضعيف فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولذا يرد في الجمع إلى أصله فيقال دبابيج بموحدتين اهـ (والشرب في إناء الذهب والفضة) وألحق به باقي الإستعمال لهما كالاكتحال بهما لغير تداو والتخلل (وقال هنّ) أي هذه الثلاث المنهيات المعدودات، واستعمال ضمير النسوة فيما دون العشرة هو الأكثر ومنه قوله {أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} (التوبة: ٣٦) (لهم) أي الكفار المدلول عليهم بالسياق (في الدنيا) لأنهم وإن كانوا مخاطبين بالأحكام على الصحيح إلا أنهم لا ورع لهم يحملهم على التمسك بها فكأنها أبيحت لهم (وهي) أي بضمير الواحدة على خلاف الأكثر تفننا في التعبير (لكم في الآخرة) دونهم لأنهم في العذاب المهين، وفيه إيماء إلى حسن ثمرة التقوى وسوء عاقبة المعصية (متفق عليه) روياه في اللباس.
٥٧٧٨ - (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال: الذي يشرب في آنية) بفتح الهمزة وبعدها ألف لينة وبعدها نون مكسورة: أي وعاء (الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) يجوز فيه النصب على أن فاعل الفعل مضمر يعود على الشارب المفهوم من يشرب، وبه صرح الأزهري فقال: نار منصوب، ويجرجر بمعنى يلقى، وهذا مثل قوله تعالى: {إنما
يأكلون في بطونهم ناراً} (النساء: ١٠) ويؤيده الرواية الآتية آخر البار ناراً من جهنم والرفع على أنها فاعل الفعل، وجاز تذكيره للفصل بينه وبينه مع أن تأنيثه مجازي وتقدم معناها (متفق عليه) روياه في اللباس أيضاً (وفي رواية لمسلم) الحديث المذكور وقال إن على ابن مسهر أحد أشياخه في هذا الحديث زاد (إن الذي يأكل ويشرب) الواو فيه يحتمل كونها على بابها من أصل الجمع فيكون فيه وعيد كل منهما على انفراده من حديث آخر، ويحتمل أنها فيه بمعنى أو (في آنية الفضة والذهب) في الواو الاحتمالان المذكوران ويؤيد الثاني الرواية بعده قال مسلم وليس في حديث أحد منهم: أي أشياخه في هذا الحديث ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر (وفي رواية له) أي لمسلم في الحديث المذكور من حديث أم سلمة أيضاً، لكن من غير طريق الحديث قبله فلا يشكل بما تقدم عن مسلم لأن كلامه في حديث نافع عنها فليس عند رواته ذكر ذينك إلا عند ابن مسهر فقط، وهذه الرواية الأخيرة ليست من رواية نافع عنها بل من رواية ابن أخيها عبد الله ابن عبد الرحمن عنها والله أعلم (من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم) ففيه الوعيد الشديد في استعمال أواني النقدين المنصوص منه على الأكل والشرب لأنهما أغلب أنواعه فسائره مثلهما في الحرمة، وقضية هذه الأحاديث أن ذلك من الكبائر وبه صرح ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» ، وظاهر أن محل حرمة ذلك حيث لا ضرورة، وإلا فمن وجد إناء أحدهما وليس عنده ما يصنع فيه طعامه المائع أو الرطب الذي يتلوّث سوى
الأرض، فيجوز له استعمال ذلك حينئذ «لأن الضرورات تبيح المحظورات» «وإذا ضاق الأمر اتسع» ، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: ٧٨) .
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
لا يَشْرَبَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ» . رواه مسلم
النهي محمول على التنزيه، والتقيؤ محمول على الاستحباب إذا لم يكن الشرب قائمًا لعذر.
١١٥- باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً
[٧٧٣] عن أَبي قتادة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ساقي القوم آخِرُهُمْ شُرْباً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال النووي: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما، فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه.
[١١٦- باب جواز الشرب]
من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة
وجواز الكرع
- وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد -
وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل
والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
[٧٧٤] عن أنس - رضي الله عنه - قال: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فقامَ مَن كَانَ قَريبَ الدَّارِ إِلَى أهْلِهِ، وبَقِيَ قَوْمٌ، فأُتِيَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قالوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وزيادة. متفق عَلَيْهِ، هذه رواية البخاري.
وفي رواية لَهُ ولمسلم: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بإناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أصابعَهُ فِيهِ. قَالَ أنسٌ: فَجَعلْتُ أنْظُرُ
إِلَى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْن أصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانينَ.
في الحديث: علم من أعلام النبوة. والرحراح: الواسع المنبسط قريب القعر.
وفيه: جواز الوضوء من إناء الخشب ونحوه.
[٧٧٥] وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: أتَانَا النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْر فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.
«الصُّفْر» : بضم الصاد، ويجوز كسرها، وَهُوَ النُّحاس، و «التَّوْر» : كالقدح، وَهُوَ بالتاء المثناة من فوق.
فيه: جواز الوضوء في إناء الصفر ونحوه.
[٧٧٦] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ باتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلا كَرَعْنَا» . رواه البخاري.
«الشنّ» : القِربة.
في الحديث: جواز الكرع للحاجة إليه.
[٧٧٧] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا عَن الحَرِير، وَالدِّيباجِ، والشُّربِ في آنِيَة الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: «هي لَهُمْ في الدُّنْيَا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الديباج: نوع من الحرير، وعطفه عليه من عطف العام على الخاص.
وفيه: تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير، وأن ذلك للكفار في الدنيا، وللمؤمن في الآخرة.
[٧٧٨] وعن أُمِّ سلمة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» .
وفي رواية لَهُ: «مَنْ شَرِبَ في إناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَاً مِنْ جَهَنَّم» .
فيه: الوعيد الشديد في استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ويقاس على ذلك سائر الاستعمالات.