٧٩٦ - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبل�…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٧٩٦

الحديث رقم ٧٩٦ من كتاب «كتاب اللباس» في رياض الصالحين، تحت باب: باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ٧٩٦ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال…

٧٩٦ - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبلٌ إزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَتَوَضّأ» فَقَالَ لَهُ رجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، مَا لَكَ أمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «إنّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبلٍ». رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم. (١)

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ٧٩٦ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال…

بينا رجل بصحراء واسعة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة يقول: اسق بستان فلان، فابتعد ذلك السحاب عن مقصده، فأفرغ ماءه في أرض ذات حجارة سود، فإذا مسيل من تلك المسايل قد استوعب الماء كله، فتتبع الرجل الماء، فوجد رجلا قائما في حديقته يحول الماء من مكان إلى مكان من حديقته بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان - للاسم الذي سمع في السحابة - فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع في حديقتك من الخير حتى تستحق هذه الكرامة-، قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها من زرع الحديقة وثمرها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأصرف في الحديقة للزراعة والعمارة ثلثه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل.
  • الصدقة تنتج بالبركة والمعونة من الله -تعالى-.
  • فضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال.
  • من الملائكة من هو موكل بالأرزاق أو السحاب.
  • إثبات كرامات الأولياء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ٧٩٦ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

باب صفة طول القميص والكم والإزرار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء

٧٩٠ - عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضى الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن

٧٩١ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال له أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست ممن يفعله خيلاء رواه البخاري، وروي مسلم بعضه

٧٩٢ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا متفق عليه

٧٩٣ - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أسفل الكعبين من الإزار

ففي النار رواه البخاري

٧٩٤ - وعن أبي ذر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم وفي رواية له: المسبل إزاره

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث التي ذكرها النووي رحمه الله في (كتاب اللباس) فيها أحاديث تدل على أن أحب الثياب إلى رسول الله القميص وذلك أن القميص أستر من الإزار والرداء وكانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يلبسون الإزار والرداء أحيانا يلبسون القميص وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب القميص لأنه أستر ولأنه قطعة واحدة يلبسها الإنسان مرة واحدة فهي أسهل من أن يلبس الإزار أولا الرداء ثانيا ولكن مع ذلك لو كنت في بلد يعتادون لباس الأزر والأردية ولبست مثلهم فلا حرج والمهم ألا تخالف لباس أهل بلدك فتقع في

الشهرة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة وفي هذه الأحاديث أيضا دليل على أن كم القميص يكون إلى الرسغ والرسغ هو الوسط بين الكوع والكرسوع لأن الإنسان له مرفق وهو المفصل الذي بين العضد والذراع وله كوع كرسوع ورسغ فالكوع هو طرف الذراع مما يلي الكف من جهة الإبهام والكرسوع: طرف عظم الذراع مما يلي الكف من جهة الخنصر وأما الرسغ فهو ما بينهما وعلي هذا قول الناظم:

وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ...

الخنصر الكرسوع والرسغ ما وسط

وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع ...

فخذ بالعلم واحذر من الغلط

والعوام إذا أرادوا ضرب المثل بالإنسان الأبله قالوا هذا رجل لا يعرف كوعه من كرسوعه وأكثر الناس يظنون أن الكوع: هو المرفق الذي إليه منتهى الوضوء ولكن ليس كذلك فما عند مفصل الكف من الذراع مما يلي الخنصر هو الكرسوع وما يلي الإبهام فهو الكوع وما بينهما فهو الرسغ والنبي عليه الصلاة والسلام كان قميصه إلى الرسغ ثم ذكر المؤلف حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله

عنهما في إسبال الثياب وإسبال الثياب يقع على وجهين الوجه الأول: أن يجر الثوب خيلاء الوجه الثاني: أن ينزل الثوب أسفل من الكعبين من غير خيلاء أما الأول: وهو الذي يجر ثوبه خيلاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أربع عقوبات والعياذ بالله: لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه يعني نظر رحمة ولا يزكيه وله عذاب أليم أربع عقوبات بها المرء إذا جر ثوبه خيلاء ولما سمع أبو بكر بهذا الحديث قال: رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده يعني فهل يشملني هذا الوعيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يضع هذا خيلاء فزكاه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا يصنع هذا خيلاء وإنما العقوبة على من فعله خيلاء أما من لم يفعله خيلاء فعقوبته أهون ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما أسفل من الكعبين ففي النار ولم يذكر إلا عقوبة واحدة ثم هذه العقوبة أيضا لا تعم البدن كله إنما تختص بما فيه المخالفة وهو ما نزل من الكعب فإذا نزل ثوب الإنسان أو مشلحه أو سرواله إلى أسفل من الكعب فإنه

يعاقب على هذا النازل بالنار ولا يشمل النار كل الجسد إنما يكوي بالنار والعياذ بالله بقدر ما نزل ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة فإنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه توضؤا ولم يسبغوا الوضوء فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار فهنا جعل العقوبة على الأعقاب يعني العراقيب التي لم يسبغوا وضوءها فالعقاب بالنار يكون عاما كأن يحرق الإنسان كله بالنار والعياذ بالله ويكون في بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة ولا غرابة في ذلك وبهذا نعرف قول النووي رحمه الله بتحريم الإسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء والصحيح أنه حرام سواء أكان لخيلاء أم لغير خيلاء بل الصحيح أنه من كبائر الذنوب لأن كبائر الذنوب كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصة ففيه الوعيد بالنار إذا كان لغير الخيلاء وفيه وعيد بالعقوبات الأربع إذا كان خيلاء لا يكلمه الله يوم القيامة

ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وختم المؤلف بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قرأها ثلاث مرات وإنما فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن ينتبه الإنسان لأن اللفظ إذا جاء مجملا ولا سيما مع التكرار ينتبه له الإنسان حتى إذا جاءه التفصيل والبيان ورد على نفس متشوقة تطلب البيان فقال أبو ذر يا رسول الله خابوا وخسروا من هؤلاء؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب الأول المسبل: يعني الذي يجر ثوبه خيلاء والثاني المنان: الذي يمن بما أعطى، إذا أحسن إلى أحد بشيء جعل يمن عليه: فعلت بك كذا وفعلت بك كذا والمن من كبائر الذنوب، لأن عليه هذا الوعيد، وهو مبطل الأجر لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فيقول: والله لقد اشتريتها بعشرة وهو لم يشترها إلا بثمانية أو يقول: أعطيت فيها عشرة وهو لم

يعط فيها إلا ثمانية فيحلف على هذا فهذا ممن يستحق هذه العقوبات الأربع لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم نسأل الله العافية

٧٩٦ - وعن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين قال: لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى قل السلام عليك قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قلت: اعهد لي قال: لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلي الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه رواه أبو داود والترمذي فإسناد

صحيح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) عن جابر بن سليم رضي الله عنه أنه قدم المدينة فرأى رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدورا عنه يعني أنهم يأخذون بما يقول وبما يوجه لأنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأل من هذا؟ لأنه رجل لا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: رسول الله فجاء إليه فقال: أنت رسول الله؟ قال: نعم ولكنه قال: عليك السلام فقدم الخبر فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: عليك السلام تحية الموتى يعني أنهم كانوا في الجاهلية يسلمون على الأموات هكذا كما قال الشاعر

عليك سلام الله قيس بن عامر ... ورحمته ما شاء أن يترحم

فكانوا في الجاهلية إذا اسلموا على الأموات يقولون عليك

السلام لكن الإسلام نسخ هذا وصار السلام يقال لمن ابتدئ به السلام عليك حتى الموتى كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج إليهم إلى المقبرة يسلم فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين ولا يقول: عليكم السلام وفي قوله عليه الصلاة والسلام: قل السلام عليك دليل على أن الإنسان إذا سلم على الواحد يقول: السلام عليك وهكذا جاء أيضا في حديث الرجل الذي يسمى المسيء في صلاته أنه جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك بالإفراد وهذا هو الأفضل وقال بعض العلماء: تقول السلام عليكم، تريد بذلك أن تسلم على الإنسان الذي سلمت عليه ومن معه من الملائكة ولكن الذي وردت به السنة أولى واحسن أن تقول: السلام عليك إلا إذا كانوا جماعة فإنك تسلم عليهم بلفظ السلام عليكم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أنه رسول رب العالمين الذي يكشف الضر ويجلب النفع فإذا ضاعت البعير في فلاة من الأرض فدعوت الله سبحانه وتعالى ردها عليك يقول: وإذا أصابك سنة يعني جدبا في الأرض وعدم نبات فدعوت الله كشفه عنك أنبت الأرض لك وكذلك إذا أصابك الضر فدعوت الله كشفه

عنك كما قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ فبين له أنه أي الرب عز وجل يجلب لعباده الخير وأنه إذا دعاه عبده لم يخب وهكذا كل دعاء تدعو به ربك فإنك لا تخيب لو لم يأتك من هذا إلا أن الدعاء عبادة تؤجر عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لكفى وإذا لم يكن هناك موانع تمنع إجابة الدعاء فإن الله تعالى إما أن يعطيك ما سألت وتراه رأي العين تدعو الله بالشيء فيحصل وإما أن يكشف عنك من الضر ما هو أعظم وإما أن يدخر ذلك لك عنده وإلا فلن يخيب من دعا الله عز وجل أبدا ولكن إياك أن تستبطئ الإجابة فتقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي فإن الشيطان قد يلقي في قلبك هذا ويقول: كم دعوت الله من مرة وما جاءك مطلوب؟ ثم يقنطك من رحمة الله والعياذ بالله وهذه من كبائر الذنوب القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب ولا تقنط من رحمة الله ولو تأخرت إجابة الدعاء فأنت لا تدري ما هو الخير؟ ما أمرك الله تعالى بالدعاء إلا وهو يريد أن يستجيب لك كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

لكنك تستعجل انتظر وألح على الله بالدعاء فربما أن الله عز وجل يؤخر إجابتك لأجل أن تكثر من الدعاء فتزداد حسناتك وتعرف قدر نفسك وتعرف قدر حاجتك إلى الله عز وجل فهذا خير فإياك أن تستعجل وألح على الله في الدعاء والله سبحانه وتعالى يحب الملحين في الدعاء المبالغين فيه لأن الإنسان يدعو من إليه المنتهى عز وجل من بيده ملكوت كل شيء وسواء كان ذلك في صلاتك أو في خلواتك ادع الله بما شئت حتى وأنت تصلي ادع الله بما شئت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء وقال حين ذكر التشهد ثم ليتخذ من الدعاء ما شاء الله فليس للإنسان أحد سوى الله فليلجأ إليه في كل دقيقة وجليل حتى إنه جاء في الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع شراك النعل أدني شيء يسأله الله عز وجل لأن السؤال عبادة والتجاء إلى الله عز

وجل وإنابة إليه وارتباط به سبحانه وتعالى يكون قلبك دائما مع الله سبحانه وتعالى فأكثر من الدعاء ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر جابر بن سليم ألا يحقرن من المعروف شيئا كل معروف افعله سواء كان قولا أو فعلا أو جاها أو أي شيء لا تحقر شيئا من المعروف فإن المعروف من الإحسان والله سبحانه وتعالى يحب المحسنين فلو ساعدت إنسانا على تحميل متاعه في السيارة فهذا معروف لو أدنيت له شيئا يحتاج إليه فهذا من المعروف لو أعطيته القلم يكتب به فهذا من المعروف لو أعطيته حافظة من أجل أن يحفظ بها شيئا من الأشياء فهذا من المعروف أحسن فإن الله يحب المحسنين واعلم أن هناك قاعدة إذا ذكرها الإنسان سهل عليه الإحسان وهي ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وما ظنك إذا كان الله في حاجتك؟ هل تتعثر الأمور؟ الجواب: لا إذا كان الله في حاجتك يساعدك على حاجتك ويعينك عليها فلا شك أنها سوف تسهل فأنت كلما

كنت في حاجة أخيك كان الله في حاجتك فأكثر من المعروف أكثر من الإحسان ولا تحقرن شيئا ولو كان قليلا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة أي لا تحقر ولو هذا الشيء القليل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم: وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف لما قال: لا تحقرن من المعروف شيئا بين أن من المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق لا معبس ولا مكفهر بل يكون منبسطا وذلك لأن هذا يدخل السرور على أخيك وكل أدخل السرور على أخيك فإنه معروف وإحسان والله يحب المحسنين وهذا لا شك أنه خير إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون المرء الذي يخاطبك من المصلحة ألا تلقاه بوجه منبسط كأن يكون قد فعل شيئا لا يحمد عليه فلا تلقه بوجه منبسط تعزيزا له لأجل أن يرتدع ويتأدب ولكل مقام مقال ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يرفع إزاره إلي نصف الساق فإن أبي فإلى الكعبين وهذا يدل على أن رفع الإزار إلى نصف الساق أفضل ولكن لا حرج أن ينزل إلى الكعبين وذلك لأن هذا من باب

الرخصة وليس بلازم أن يرفع الإنسان إزاره إلي نصف الساق أو يرى أن ذلك حتم عليه وأن الذي لا يرفع قد خالف السنة لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: فإن أبيت إلى الكعبين ولم يقل فإن أبيت فعليك كذا وكذا من الوعيد فدل ذلك على أن الأمر في هذا واسع وقد مر علينا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده وقلنا إن هذا يدل على أن إزار أبي بكر رضي الله عنه كان نازلا عن نصف الساق وأن هذا لا بأس به فلا ينبغي للإنسان أن يشدد على نفسه أو على الناس بحيث يرى أنه لزام عليه أن يجعل سرواله أو ثوابه أو (مشلحه) إلى نصف الساق فالأمر في هذا واسع هو سنة ولكن مع ذلك الأمر فيه واسع ولله الحمد بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن سليم من المخيلة يعني أن يختال في مشيته أو ثوبه أو عمامته أو (مشلحه) أو كلامه أو أي شيء يفعله خيلاء فإن الله لا يحب ذلك {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فالإنسان ينبغي له أن يكون متواضعا دائما في لباسه ومشيته وهيئته وكل أحواله لأن من تواضع لله رفعه الله فهذه الآداب التي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته ينبغي للإنسان أن

يتأدب بها لأنه يحصل على أمرين أولا: امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} ثانيا: التحلي بحسن الخلق من خلال التأدب بهذه الآداب الراقية التي لا يستطيع أحد من البشر أن يوجه الناس إلى آداب مثلها أبدا لأن الآداب التي جاء بها الشرع هي خير الآداب ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فإنما وبال ذلك عليه وذلك أن الإنسان ينبغي له أن يعفو ويصفح ولا يجعل كل كلمة يسمعها مقياسا له في الحكم على الناس تغاض عن الشيء واعف واصفح فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس ويثيبهم على ذلك وأنت إذا عيرته أو سببته بما تعلم فيه طال النزاع وربما حصل بذلك العداوة والبغضاء فإذا كففت وسكت هدأت الأمور وهذا شيء مجرب أن الإنسان إذا ساب أحدا قد سبه طال السباب بينهما وحصل تفرق وتباغض وإذا سكت فإنه قد يكون أنفع كما قال الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} يعني قالوا قولا يسلمون به إما

أن يقولوا مثلا: جزاك الله خيرا أعرض عن هذا اترك الكلام وما أشبه ذلك وال الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} {خذ العفو} يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس ولا ترد من الناس أن يكونوا على أكمل حال بالنسبة لك الناس ليسوا على هواك لكن خذ منهم ما عفى وما سهل وما صعب فلا تطلبه ولهذا قال: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الجاهل إذا سابك أو شتمك أو ما أشبه ذلك فأعرض عنه فإن هذا هو الخير وهو المصلحة والمنفعة

٧٩٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب وتوضأ ثم جاء، فقال اذهب وتوضأ فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم

[الشَّرْحُ]

في الأحاديث السابقة بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وأن ما أسفل من الكعبين ففي النار وبينا أن هذا من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للإنسان أن يلبس ثوبا نازلا عن الكعب وأما ما كان على حذاء الكعب يعني على وزن الكعب فلا بأس به وكذلك ما ارتفع إلى نصف الساق فما بين نصف الساق إلى الكعب كله من الألبسة المرخص فيها والإنسان في حل وفي سعة إذا لبس إزارا أو سروالا أو قميصا أو (مشلحا) يكون فيما بين ذلك وأما ما نزل عن الكعب فحرام بكل حال بل هو من كبائر الذنوب ثم اختلف العلماء رحمهم الله فيما لو صلى الإنسان وهو مسبل يعني قد نزل ثوبه أو سرواله أو إزاره أو (مشلحه) الذي يستر ولا يشف اختلف في هذا أهل العلم هل تصح صلاته أو لا تصح؟ فمن العلماء من قال إنها لا تصح صلاته لأنه لبس ثوبا محرما والله سبحانه وتعالى إنما أباح لنا أن نلبس ما أحل لنا فإن قوله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

يعني ثيابكم يريد بها ما أباح لنا وما أحله لنا وأما ما حرمه علينا فلسنا مأمورين به بل نحن منهيون عنه واستدل الذين يقولون: إن الله لا يقبل صلاته إذا أسبل بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مسبلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم رجع فقال: اذهب فتوضأ ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: إنه يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة مسبل وهذا نص صريح في أن الله لا يقبل صلاة المسبل يعني فتكون صلاته فاسدة ويلزم بإعادتها والمؤلف يقول رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ولكن هذا فيه نظر فإن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحيح من أقوال العلماء أن صلاة المسبل صحيحة ولكنه آثم ومثل ذلك أيضا من لبس ثوبا محرما عليه كثوب سرقه الإنسان فصلى به أو ثوب فيه تصاوير فيه صليب مثلا أو فيه صور حيوان فكل هذا يحرم لبسه في الصلاة وفي خارج الصلاة فإذا صلى الإنسان في مثل هذا فالصلاة صحيحة لكنه آثم بلبسه هذا هو القول الراجح في هذه المسألة لأن النهي هنا ليس نهيا خاصا بالصلاة فلبس الثوب المحرم عام في الصلاة وغيرها فلا

يختص بها فلا يبطلها هذه هي القاعدة التي أخذ بها جمهور العلماء رحمهم الله وهي القاعدة الصحيحة وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا للنزاع لكنه ضعيف فمن ضعفه قال صلاة المسبل صحيحة ومن صححه قال صلاة المسبل غير صحيحة وعلى كل حال فإن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله عز وجل وألا يتخذ من نعمته وسيلة لغضبه والعياذ بالله فإن من بارز الله بالعصيان وقيل له: إن الثواب النازل عن الكعب حرام ومن كبائر الذنوب ولكنه لم يبال بهذا فهذا استعان بنعمة الله على معصية الله نسأل الله العافية

٧٩٨ - وعن قيس بن بشر التغلبي قال أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء قال كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له سهل ابن الحنظلية وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا فرغ هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل إلى جنبه لو رأيتنا حين التقينا نحن

والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسا، فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سبحان الله؟ لا بأس أن يؤجر ويحمد فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: نعم فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه قال فمر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش

رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه وقد روي له مسلم

[الشَّرْحُ]

في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في قصة ابن الحنظلة رضي الله عنه عبر وفوائد حيث كان رجلا يحب التفرد ما هو إلا صلاة ثم تسبيح ثم في شأن أهله يعني أنه لا يحب أن يذهب عمره سدي مع الناس في القيل والقال والكلام الفارغ الذي ليس فيه فائدة يصلي ويسبح ويكون في أهله فمر ذات يوم بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو جالس مع أصحابه فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني أعطنا كلمة أو قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك فذكر ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث سرية ثم قدمت السرية والسرية يعني الجيش القليل أقل من أربعمائة نفر، يذهبون يقاتلون الكفار إذا لم يسلموا فقدموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجلس أحدهم في المكان الذي يجلس فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، وجعل يتحدث عن السرية وما صنعته وذكر رجلا راميا يرمي ويقول: خذها وأنا الغلام الغفاري يفتخر

والحرب لا بأس أن الإنسان يفتخر فيها أمام العدو ولهذا جاز للإنسان في مقابلة الأعداء أن يمشي الخيلاء وأن يتبختر في مشيته وأن يضع على عمامته ريش النعام وما أشبه ذلك مما يعد مفخرة لأن هذا يغيظ الأعداء وكل شيء يغيظ الكفار فلك فيه أجر عند الله حتى الكلام الذي يغيظ الكافر ويذله هو عز لك عند الله عز وجل وأجر هذا الغلام الغفاري كان يفتخر ويقول خذها يعني خذ الرمية وأنا الغلام الغفاري فقال بعض الحاضرين بطل أجره لأنه افتخر إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وهذا صحيح أن الله لا يحب كل مختال فخور إلا في الحرب فقال الآخر لا بأس في ذلك فصار بينهم كلام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون فقال: سبحان الله يعني تنزيها لله عز وجل عن كل عيب ونقص لأن الله تعالى كامل الصفات من كل وجه ليس في علمه قصور ولا في قدرته قصور ولا في حكمته قصور ولا في عزته قصور كل صفاته جل وعلا كاملة من جميع الوجوه قال: سبحان الله يعني كيف تتنازعون في هذا؟ لا بأس أن يحمد ويؤجر يعني يجمع الله له بين خيري الدين والدنيا يحمد بأنه رجل شجاع رام وأنه يؤجر عند الله عز وجل فلا بأس في هذا

وكان عامر بن الأكوع رضي الله عنه لما لحق القوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فلا بأس أن يفتخر الإنسان في حال الحرب بنفسه وقوته وعشيرته وما أشبه ذلك ومر ابن الحنظلية بأبي الدرداء يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها لأن الخيل في ذلك الوقت هي المركوب الذي يركب به في الجهاد في سبيل الله والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها فيكون الإنفاق على الخيل من الصدقات لأنها تستعمل في الجهاد في سبيل الله ثم مر به مرة آخرى فقال: كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثنى على رجل إلا أنه قال: لولا طول جمته وإسبال إزاره الجمة: الشعر يعني أنه عنده شيء من الخيلاء هذا الرجل قد أطال شعره وأطال ثوبه، فسمع الرجل بذلك فقص جمته حتى صارت إلى كتفه وقصر ثوبه

وفي هذا: دليل على أن طول الجمة يعني الشعر للرجال من المخيلة وأن الشعر للرجل لا يتجاوز الكتف أو شحمة الأذن أو ما أشبه ذلك لأن الذي يحتاج إلى التجمل بالرأس هي المرأة فإن المرأة هي التي تحتاج إلى التجمل وفي هذا إشارة إلى أن الرجل لا يجوز لهم أن يتشبهوا بالنساء في الشعر أو غير الشعر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والله سبحانه وتعالى جعل الذكور جنسا والإناث جنسا وأحل لكل واحد منهما ما يناسبه فلا يجوز أن يلحق الرجال بالنساء ولا أعلم أن أحدا من المسلمين ألحق النساء بالرجال في كل شيء لكن الكفار الذين انتكسوا ونكس الله فطرتهم وطبيعتهم هم اللذين يقدمون النساء ويقولون لابد أن تشارك المرأة الرجل حتى لا يحصل فرق ولا شك أن هذا خلاف الفطرة التي جبل الله عليها الخلق وخلاف الشريعة التي جاءت بها الرسل فالنساء لهن خصائص والرجال لهم خصائص ثم إن الرجل سمع ذلك فقص جمته وفيه دليل على امتثال

الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واسترشادهم بإرشاده وأنهم كانوا يتسابقون إلي تنفيذ ما يقول وهذا علامة الإيمان أما المتباطئ في تنفيذ أمر الله ورسوله، فإن فيه شبها من المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، تجده مثلا يخبر عن حكم الله ورسوله في شيء، ثم يتباطأ ويتثاقل وكأنما وضع رأسه صخرة والعياذ بالله ثم يذهب إلى كل عالم لعله يجد رخصة مع أن العلماء قالوا إن تتبع الرخص من الفسق والعياذ بالله والمتتبع للرخص فاسق حتى إن بعضهم قال: إن من تتبع الرخص فقد تزندق أي صار زنديقا فعلى الإنسان إذا بلغه أمر الله ورسوله من شخص يثق به في علمه وفي دينه ألا يتردد، وأقول في علمه ودينه لأن من الناس من هو دين ملتزم متق لكن ليس عنده علم، تجده يحفظ حديثا من أحاديث الرسول ثم يقوم يتكلم في الناس وكأنه إمام من الأئمة، وهذا يجب الحذر منه ومن فتاواه، لأنه قد يخطئ كثيرا لقلة علمه ومن الناس من يكون عنده علم واسع لكن له هوى والعياذ بالله، يفتي الناس بما يرضى الناس لا بما يرضي الله، وهذا يسمى عالم الأمة.

فالعلماء ثلاثة أقسام: عالم دولة، وعالم أمة.

أما عالم الملة: فهو الذي ينشر دين الإسلام، ويفتي بدين الإسلام عن علم، ولا يبالي بما دل عليه الشرع أوافق أهواء الناس أم لم يوافق.

وأما عالم الدولة: فهو الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتي بما تريد الدولة، ولو كان في ذلك تحريف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأما عالم الأمة: فهو الذي ينظر ماذا يرضى الناس، إذا رأى الناس على شيء أفتي بما يرضيهم، ثم يحاول أن يحرف نصوص الكتاب والسنة من أجل موافقة أهواء الناس نسأل الله أن يجعلنا من علماء الملة العاملين بها فالمهم أن الإنسان يجب عليه ألا يغرر بدينه وألا يغتر، بل يكون مطمئنا حتى يجد من يثق به في علمه ودينه ويأخذ دينه منه كما قال أحد السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

فهذا العلم دين وطريق إلى الله عز وجل، ثم إن هؤلاء المغرمين بالكفار، وتقليدهم والعياذ بالله تجدهم يقلدون الكفار في الملابس، فإذا جاءت هذه المجلات التي يسمونها البردة وغيرها اشتروها مباشرة وذهبوا بها إلى أهل البيت، وقالوا: انظروا إلى هذه الملابس، فتجد صورا خليعة وألبسه مخالفة للشريعة، والنساء

لقصرهن نظرا ونقصهن عقلا ودينا، إذا رأت شيئا يعجبها يمليه عليها هواها قالت لزوجها: أريد مثل هذا، أو ذهبت بنفسها إلى الخياط ليصنع لها مثل هذه الألبسة الفاضحة فيصبح الشعب المسلم في زيه كزي الشعب الكافر والعياذ بالله، وهذه مسألة خطيرة قال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم ومن ذلك الآن ما تفعله النساء برؤوسهن، كان النساء إلى عهد قريب تفرح المرأة إذا طال شعرها، والخاطب إذا خطب امرأة كان يسأل عن شعرها أطويل هو أم قصير؟ أما الآن فصار الأمر بالعكس المرأة تقص رأسها حتى يكون قريبا من رأس الرجل أو مثل رأس الرجل نسأل الله العافية.

ثم بدأن أيضا بستعملن ما يسمى بالخنفسة، تجد المرأة تقص سوالف رأسها مقدم الرأس والباقي يبقى مقصرا مشرفا، كل هذا تقليد، كل هذا بسبب الغفلة من الرجال عن النساء، والواجب أن تكون رجلا في بيتك، رجلا بمعنى الكلمة في تكون كأنك خشبة عند أهلك.

إذا رأيت أهلك مقصرين في واجب لله عز وجل مرهم به، وإذا كان الشرع يجيز لك أن تضرب فاضرب، إذا رأيتهم يخالفون الشرع في شيء من الأمور الأخرى فألزمهم بالشرع، لأنك مسئول أعطاك النبي صلى الله عليه وسلم إمارة على أهلك الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ما نصبك فلان وفلان ما نصبك أمير البلد ولا الوزير ولا الملك ولا غيره نصبك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنت أمير في بيتك الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، ولم يقل: راع وسكت، ولو كان كذلك لهان الأمر لكن قال: ومسئول عن رعيته فانظر ماذا يكون جوابك إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله فعلينا أن ننتبه إلى هذه الأمور قبل أن يجترفنا السيل الجرار الذي لا يبقى ولا يذر والعياذ بالله ثم تنقلب عاداتنا وأحوالنا كأحوال النصارى ثم ذكر في بقية الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن يخرج الرجل على وجه يرضي قال: إنكم قادمون على إخوانكم يعني فاصلحوا أحوالكم واصلحوا ثيابكم لأنه من المعروف فيما سبق أن المسافر تكون ثيابه رثة ويكون شعره شعثا ويكون عليه الغبار، ليس الأمر كاليوم فاليوم تسافر بالطائرات نظيفة ونزيهة وليس فيها شيء لكن فيما سبق كان الأمر على العكس من هذا فأمرهم أن يصلحوا أحوالهم يعني الشعر الشعث

يرجل ويصلح وكذلك يتنظف الإنسان ويلبس الثياب التي ليست ثياب سفر حتى لقي الناس دون أن يشمئزوا منه.

وفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الأمور ولا يكون غافلا حتى جمال الثياب فإنه لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر قالوا: يا رسول الله كلنا يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال يعني يحب التجمل، ليكن ثوبك حسنا ونعلك حسنا وهيئتك حسنة إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق يعني رد الحق أن الإنسان يستكبر عن الحق يقال: هذا حق فيعرض والعياذ بالله وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم وألا يراهم شيئا قال رجل لابنه يا بني كيف ترى الناس؟ قال: أراهم ملوكا قال هم يرونك كذلك وقال آخر لابنه: كيف ترى الناس قال: لا أراهم شيئا قال: هم كذلك يرونك يعني إذا رأيت الناس ملوكا فهم يجعلونك ملكا وإذا لم ترهم شيئا لا تكون أنت شيئا عندهم فالناس ينظرون إليك بقدر ما تنظر إليهم

٧٩٩ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه رواه أبو داود بإسناد صحيح

٨٠٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزارى استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال: زد فزدت، فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين رواه مسلم.

٨٠١ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبرا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

هذه أحاديث ثلاثة ساقها النووي رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) منها: حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا جناح، أو قال: لا حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه فقسم النبي صلى الله عليه وسلم طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة إلى نصف الساق.

والقسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب والقسم الثالث: كبيرة من كبائر الذنوب وهو ما نزل عن الكعبين ولكنه لم يكن بطرا القسم الرابع: من جر ثوبه خيلاء أو بطرا وهو أشد من الذي قبله فصارت الأقسام أربعة: قسم هو السنة وقسم جائز وقسم محرم بل من كبائر الذنوب لكنه دون الذي بعده، والقسم الرابع من جره خيلاء، فإن الله تعالى لا ينظر إليه وفي هذا: دليل على أن من أنزل ثوبه إزارا أو قميصا أو سروالا

أو (مشلحا) إلى أسفل من الكعبين فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير الخيلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في هذا الحديث بين ما كان خيلاء وما لم يكن كذلك فالذي جعله خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة وإذا ضممنا هذا الحديث إلى حديث أبي ذر السابق قلنا: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.

أما ما دون الكعبين، فإنه يعاقب عليه بالنار فقط، ولكن لا تحصل له العقوبات الأربع ثم ذكر حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يرفع إزاره، فرفعه ثم قال: زد ثم قال: زد: حتى قال رجل: إلى أين يا رسول الله؟ قال: إلى أنصاف الساقين يعني الزيادة إلى فوق لا تتجاوز نصف الساق من فوق، لكنها من نصف الساق إلى الكعب كل هذا جائز، وكلما ارتفع نصف الساق فهو أفضل.

وأما حيث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء أن يرخين ذيولهن يعني أسفل ثيابهن إلى شبر، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، فقال عليه الصلاة والسلام: فيرخينه ذراعا لا يزدن لأن المرأة قدمها عورة، فإذا برز للناس ورأوه فإن ذلك قد

يكون فيه فتنة فإذا نزلت ثوبها وجعلت تمشي سترت قدمها وفي هذا: دليل على وجوب تغطية الوجه، لأنه إذا كانت القدم يجب سترها مع أن الفتنة فيها أقل من الفتنة في الوجه فستر الوجه من باب أولى، ولا يمكن للشريعة التي نزلت من لدن حكيم خبير أن تقول للنساء يغطين أقدامهن ولا يغطين وجوههن، لأن هذا تناقض، بل هذا إعطاء للحكم في شيء وحجب الحكم عن شيء أولى منه، وهذا لا يتصور في الشريعة العادلة هي الميزان، ولهذا جانب الصواب من قال من العلماء إنه يجب أن تستر القدمان ولا يجب أن يستر الوجه والعينان، هذا لا يمكن أبدا، والصواب الذي لا شك فيه عندنا فيه، أنه لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها إلا لزوجها أو محارمها

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

وحديث الباب بالنسبة للمخيط وحديث الحبرة بالنسبة لغيره (رواه أبو داود والترمذي) في «جامعه» و «شمائله» من طرق متعددة وفي بعضها يزيادة «يلبسه» كما تقدم (وقال) في «جامعه» (حديث حسن) .

١١٩ - باب صفة طول القميص والكم والإزار

هو ما يستر أسافل البدن ويقابله الرداء (وطرف العمامة) أي بيان قدر الطول المشروع فيما ذكر (وتحريم إسبال) أي إرخاء (شيء من ذلك) أي المذكور من القميص وما بعده (على سبيل الخيلاء) بضم المعجمة وفتح التحتية: أي الكبر أو الإعجاب (وكراهته) تنزيهاً (من غير خيلاء) والمراد أن الإرخاء زيادة على المشروع في الطول: إما مكروه وإما حرام.

١٧٩٠ - (عن أسماء) بالمد (بنت يزيد) بفتح التحتية الأولى وكسر الزاي وسكون التحتية بعدها دال مهملة ابن السكن بفتح المهملة والكاف وبالنون (الأنصارية) قال في «التقريب» : تكنى أم سلمة ويقال أم عامر صحابية لها أحاديث تقدمت ترجمتها (رضي الله عنها) في باب فضل الجوع (قالت: كان كم) بضم الكاف وتشديد الميم (قميص رسول الله إلى الرسغ) كذا في نسخ الرياض بالسين، قال ابن حجر الهيثمي في «شرح الشمائل» : هو بالصاد عند أبي داود والمصنف وبالسين عند غيرهما، قيل ولعله أراد عند الترمذي في «جامعه» وإلا فنسخ «الشمائل» بالسين بلا خلاف اهـ. ومنه يعلم أن كتابته بالسين هنا من الكتاب، وقال التوربستى: هو بالسين المهملة وبالصاد لغة فيه، وفي «القاموس» : الرسع بضم وضمتين ثم قال:

والرصغ اهـ. والرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ، وأما غير القميص فالسنة ألا يجاوز رؤوس الأصابع، ولا يخالف هذا الحديث ما أورده ابن الجوزي في الوفاء من حديث ابن عباس «كان رسول الله يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه» بحمل ذلك على تعدد القميص أو أن حديث الباب على التقريب والتخمين وذاك على التعيين (رواه أبو داود والترمذي) في «جامعه» وشمائله (وقال: حديث حسن) .

٢٧٩١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: من جر) أي سحب على وجه الأرض لطوله حتى مسها (ثوبه) وهو شامل لجميع أنواعه وذكر الإزار في رواية «من جرّ إزاره» لا يخصه لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص على أنه إنما ذكر كما قال الطبري، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الأزر والأردية، فلما اعتيد لبس القميص تركا فكان حكمهما في ذلك حكمهما (خيلاء) منصوب على أنه مفعول له (ويجوز) نصبه على أنه مفعول مطلق: أي جرّ خيلاء فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو على الحال: أي ذا خيلاء (لم ينظر الله إليه) أي نظر رضا ورحمة (يوم القيامة) الذي هو يوم الدين (فقال أبو بكر) أي الصديق (رضي الله عنه يا رسول الله إن إزاري يسترخي) أي لنحافة بدنه (إلا أن أتعاهد ذلك منه) أي بالشد والرفع أفأدخل في الوعيد المقتضي لكون فعل ذلك كبيرة (فقال رسول الله: إنك لست ممن يفعله) إفرد الضمير نظراً للفظ من (خيلاء) ففيه بيان أن قوام الأعمال بالنيات وأنها تختلف أحكامها بحسب اختلافها، وفيه أن الوعيد لمن فعل ذلك عجباً أو كبراً، لا لمن وقع له ذلك لا يقصد ذلك ولو لقصد آخر لا محظور فيه (رواه البخاري) في اللباس وأبو داود

والنسائي في «سننهما» (وروى مسلم) في اللباس (بعضه) وهو قوله «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء» وأورده من طرق بألفاظ متقاربة.

٣٧٩٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: لا ينظر الله) أي نظر رضا (يوم القيامة) خص بالذكر لأنه محل الرحمة المستمرة بخلاف رحمة الدنيا فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث، قاله في «الفتح» ، أو لأنه يوم الجزاء وإلا ففاعل ذلك لا يرضى الله بفعله دنيا وأخرى ولا ينظر الله إليه لذلك أصلاً (إلى من جر إزاره بطراً) بفتح الموحدة والمهملة هو بوزن الأشر ومعناه: وهو كفر النعمة وعدم شكرها والمراد لازم ذلك: أي عجباً وخيلاء فيكون ما قبله كالمفسر له (متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ في اللباس ولفظ مسلم عن أبي هريرة عن النبي «إن الله لا ينظر إلى من يجرّ إزاره بطراً» .

٤٧٩٣ - (وعنه عن النبيّ قال: ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) قال الحافظ في «الفتح» : ما موصولة وبعض صلته محذوف وهو كان وأسفل خبره وهو منصوب قلت: لا يتعين على النصب تقدير كان، بل يجوز أن يكون أسفل ظرفاً وقع صلة والله أعلم. ويجوز الرفع على ما هو أسفل وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلاً ماضياً ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة بأسفل. قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار فكنى بالثوب عن لابسه، ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة، وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، ويحتمل أن يكون تبيينه المراد الشخص نفسه،

والمعنى: ماأسفل من الكعبين الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير: لابس أسفل ما سفل من الكعبين، أو التقدير: أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار، أو فيه تقديم وتأخير: أي ما سفل من الإزار من الكعبين في النار، وكل ذلك مستفاد من استحالة الإزار في النار حقيقة. وأخرج عبد الرزاق أن نافعاً سئل عن ذلك فقال: وما ذنب الثياب، بل هو من القدمين جاء، لكن يقتضي إدخال نفس الثوب في النار. فعليه لا مانع من حمل الحديث على ظاهره ويكون من باب قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء: ٩٨) ويكون في الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أن من يتعاطاها أحق بذلك، والفاء في قوله ففي النار مزيدة: لتضمن «ما» معنى الشرط، ثم هذا محمول على من فعل ذلك خيلاء وبطراً كما تقدم ما يدل له، ومحل الكراهة لمن أرخى إزاره عن كعبه إذا لم يكن عذر، وإلا فمن برجله جراح يؤذيه الذباب وأسبل إزاره ليسلم من أذاها فلا كراهة، نبه عليه الحافظ زين الدين العراقي في «شرح الترمذي» ، واستدل له بإذن النبي لابن عوف في لبس الحرير لحكة والجامع تعاطي ما حرم في كل للضرورة، والحديث في الرجال لما سيأتي في حديث ابن عمر عن أم سلمة (رواه البخاري) في اللباس.

٥٧٩٤ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي قال: ثلاثة لا يكلمهم الله) قيل المراد الإعراض عنهم وقيل لا يكلمهم كلام رضا يسرهم بل كلام غضب وسخط (يوم القيامة ولا ينظر إليهم) أي يعرض عنهم، ونظره تعالى إلى عبده رحمته ولطفه به (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وقيل لا يثني عليهم (ولهم عذاب أليم) أي مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه (قال فقرأها) أي فتلا هذه الجملة (رسول الله ثلاث مرار) ليثبت عند السامعين فيكون أبلغ في النفع «ومرار» بكسر الميم وتخفيف الراءين بينهما ألف جمع تكسير

لمرة (قال أبو ذرّ خابوا وخسروا) أي المحدث عنهم بالوعيد المذكور (من هم) ليعرفوا بأعيانهم أو بأوصافهم (يا رسول الله» قال: المسبل) بصيغة الفاعل من الإسبال المرخي لثوبه الجار له خيلاء فهو مخصوص بذلك (والمنان) أي الذي يذكر إحسانه ممتناً به على المحسن إليه، والمبالغة قيد في الوعيد المذكور لما فيه من المبالدة المقتضى لكونه من الكبائر وإلا فالمن حرام وإن لم يتكرر، قال تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} (البقرة: ٢٦٤) (والمنفق) بصيغة الفاعل من الإنفاق (سلعته) بكسر المهملة الأولى وسكون اللام أي المكثر طلاب بضاعته (بالحلف) بفتح فكسر: أي القسم (الكاذب) كقوله والله إنها حسنة والله إنها فريدة (رواه مسلم) في كتاب الأيمان ورواه أبو داود في اللباس من «سننه» (وفي رواية له) فيه (المسبل إزاره) وتقدم عن ابن جرير حكمة تخصيصه بالذكر وإلا فالحكم شامل لسائر الملبوس، وتقدم أن ذكره في هذه الرواية لا يخصص عموم الأحاديث المطلقة.

٦٧٩٥ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ قال الإسبال) أي الإرخاء (في الإزار) وهو ما يستر به أسافل البدن (والقميص) أي إرخاء كل منهم عن الكعب (والعمامة) أي بإطالة عذبتها (من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) أي إذا لم يتب من ذلك أما جرّ ما ذكر بغير الخيلاء فمكروه إلا لعذر كالصديق أو لضرورة كذي الجراحة القاصد بإطالة ثوبه سترها من الذباب ليسلم من أذاها (رواه أبو داود) في اللباس من «سننه» (والنسائي بإسناد صحيح) أي باعتبار منتهى الإسناد وهو حسين الجعفي عن سالم عن ابن عمر وإلا ففيما قبل ذلك الإسناد متعدد، ورواه ابن ماجه في «سننه» أيضاً.

٧٧٩٦ - (وعن أبي جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد التحتية مصغر كما نص عليه الحافظ في «تبصير المنتبه» وما وقع في «المفاتيح شرح المصابيح» أنه بفتح الجيم خطأ (جابر بن سليم) مصغر قال المزي في «الأطراف» : ويقال سليم بن جابر، قال ابن الأثير: والأول أصح (الهجمي) بضم الهاء وفتح الجيم نسبة إلى الهجيم بن عمرو بن تميم، عداده في أهل البصرة (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله أحاديث وليس عنه في الصحيحين شيء (قال: رأيت) أي أبصرت (رجلاً) التنوين فيه للتعظيم بدليل وصفه بقوله (يصدر) بضم الدال (الناس عن رأيه) أي يرجعون عن رأيه: أي يرجعون إلى ما يظهر من صدره من الرأي الذي يرشدهم إليه (لا يقول لهم شيئاً إلا صدروا) بفتح الدال (عنه) بعد سماعه كما يصدر الوارد عن الورد بعد الذي يشرب من مائه، قال ابن رمد ملاك: وكان للنبيّ بئر يسمى الصادر وإنه يصدر عنها بالري (فقلت) لهم (من هذا؟ فقالوا رسول الله) بحذف المبتدأ المدلول عليه بوجوده في جملة السؤال (قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين) عند الترمذي أنه قال «عليك السلام يا رسول الله ثلاثاً» (قال: لا تقل عليك السلام) وعلل ذلك بقوله على طريق الاستئناف البياني (عليك السلام تحية الموتى) يعني باعتبار عادة شعر الجاهلية لا أن ذلك المشروع في السلام عليهم لأنه سلم عليهم كالأحياء فقال «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وقيل أراد بالموتى كفار الجاهلية، قال ابن رسلان: ثم تقدم الدعاء على الضمير في الدعاء بالخير، أما في الشرّ فيقدم الضمير نحو وإن عليكم لعنتي عليهم دائرة السوء اهـ، وفيه تعقب بحديث «ألعنك بلعنة الله» إذ قدم الدعاء على ضمير المخاطب (قل السلام عليك) فيه إفراد الضمير وجمعه إذا كان المخاطب به مفرداً. فالجمع باعتبار من معه من الملكين (قال: قلت أنت) بتقدير همزة الاستفهام قبله: أي أأنت (رسول الله) (قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضرّ) بضم الضاد المعجمة هو الفقر

والفاقة وبفتحها مصدر ضره يضره من باب قتل إذا فعل به مكروهاً كذا في «المصباح» وبه يعلم أنه بالضم (فدعوته) يتضرع وافتقار (كشفه) أي رفع ذلك عنك (وإن أصابك عام سنة) بالإضافة، وفي بعض نسخ أبي داود بالتنوين ورفع عام صفة لها

والأول أصوب: أي عام شدة ومجاعة. قال المنذري: السنة هي العام الفحط الذي لم تنبت الأرض فيه

شيئاً سواء نزل عليها غيث أم لا (فدعوته أنبتها لك) أي أوجد لك فيها النبات ونماه بفضله (وإذا كنت بأرض) بالتنوين (قفر) وهي الأرض الخالية من الأنيس التي لا ماء بها ولا ناس، وفي «المصباح» هي: المفازة التي لا ماء بها ولا نبات وجمع القفر أقفار (أو) أرض (فلاة) أي لا ماء فيها وجمعها فلا كحصاة وحصى (فضلت راحلتك) في تلك الأرض (فدعوته) أي بدعاء مستجمع لشرائط الإجابة، ومنها كون الداعي عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته وتسخيره وكون الدعاء باضطرار وافتقار، فإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل (ردها عليك، قال) أي جابر (قلت له) أي النبي أي بعد الإسلام بالله تعالى وبه (اعهد إلى) بفتح الهاء من العهد بمعنى الوصية ومنه حديث على «عهد إلى النبيّ» أي أوصى إلى (قال: لا تسبن أحداً) السبّ الشتم وهو حرام، ولا يجوز للمسبوب الانتصار ممن سابه إلا بمثل ما سبه به ما لم يكن كذباً أو قذفاً، وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرىء من حقه وبقي عليه حق الابتداء (قال) جابر (فما سببت بعده حرّاً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة) وأشار به إلى كمال الامتثال وعدم المشاحنة في شيء من ذلك، وجملة قال ومقوله معترضة بين جملة لا تسبن أحداً وجملة (ولا تحقرن) بكسر القاف يعني لا تترك (من المعروف شيئاً) احتقاراً له واستهانة لقدره فكل معروف وإن قلّ نفعه فهو صدقه ينمو أجره إلى يوم القيامة، والتنوين في شيء للتحقير والتقليل كما يدل عليه المقدم (و) لا تحقر (أن) بفتح

الهمزة (تكلم) بضم الفوقية (أخاك) المؤمن (وأنت منبسط إليه وجهك) بالرفع فاعل ما قبله، والمعنى: لا تحقر خطابك لأخيك وفي وجهك البشر له كأنك مستبشر بحديثه لما في ذلك من إدخال السرور عليه وجلب وداده المأمور به بقوله «وكونوا عباد الله إخواناً» ثم علل النهي عن احتقارك ذلك بقوله (إن ذلك) أي المتكلم أو المذكور (من المعروف) وإن قل، والخطاب مع البشر (من المعروف) أي الذي يطلبه الشرع، ومثل ذلك لا ينبغي احتقار شيء منه (وأرفع

إزارك) ومثله باقي الثياب كما تقدم (إلى نصف الساق) وفي الحديث «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وذلك لحصول الغرض به من لبس الثوب وهو ستر العورة، وفيه مع ذلك تواضع وإعراض عن رعونة النفس (فإن أبيت) عبر عن عدم فعل ذلك بالإباء إيماء إلى شرف مكانه، قال: إن تركت فعل ذلك المرقى لك الدرجات في الجنة (فإلى الكعبين) أي فأرفعه عن جانب الأرض إليهما فلا جناح فيما بين الكعبين إلى نصف الساقين (وإياك) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوباً (وإسبال الإزار) أي احذر تلاقي نفسك وإسبال الإزار فحذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني فانتصب، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل لتعذر اتصال الضمير، قاله ابن هشام في «التوضيح» / وفي مثله لابن الحاجب طريق آخر في مثل ذلك (فإنها) تلك الهيئة المدلول عليها بالسياق، والسياق (من المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة من الاختيال والكبر واحتقار الناس والعجب عليهم، وظاهر أن ذلك محمول على من قصد ذلك أو أن من شأنها ذلك فذلك نهى عنها تحريماً بقصد ذلك وتنزيهاً عند عدم قصده (وإن الله لا يحبّ) أي لا يوافق أو لا يرضى (المخيلة) أي النفوس ذوات الخيلاء فلا يظهر عليهم أثر النعمة في الآخرة وفيه وعيد للمتكبر والمختال (إن امرؤ شتمك) مبين لفعل الشرط المحذوف العامل في امرىء: أي إن شتمك امرؤ وحذف جوابه وهو فلا تشتمه اكتفاء بدلالة المذكور بعده عليه، والنهي

للتنزيه وإلا فيجوز الاستيفاء بالشرط المذكور قريباً (أو عيرك بما يعلم فيك) من الذنب والأفعال القبيحة (فلا تعيره بما تعلم فيه) فقد روى أحمد عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» يقال عيرته بفعل كذا: إذا قبحته عليه ونسبته إليه (فإنما وبال) بفتح الواو وتخفيف الموحدة: أي ثقل (ذلك) ووخامته (عليه) مأخوذ من وبل المرتع بضم الموحدة وبالاً إذا وخم، ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى سوء قبل في سوء العاقبة وبال، والمراد به في الحديث العذاب في الآخرة، وقد يعجل بعضه في الدنيا (رواه أبو داود والترمذي) في اللباس (بالإسناد الصحيح. قال الترمذي: حديث صحيح) .

٨٧٩٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل) بالرفع مبتدأ وجملة (يصلي) خبره والجملة الإسمية مستأنفة ولم أر من عيَّن الرجل (مسبلاً إزاره) بصيغة الفاعل ونصب الإزار مفعولاً به، ويجوز قراءته بصيغة المفعول ورفع إزاره نائب فاعله والأول أنسب بقوله آخر الحديث «إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل» (قال له رسول الله: اذهب فتوضأ) فذهب عقب الأمر من غير توان كما تومىء إليه الفاء (فتوضأ) الوضوء الشرعي لأن الأصل فيما جاء في الشرعيات من الألفاظ حمل المعنى الشرعي حتى يجىء ما يصرفه عنه (ثم جاء) أي إلى النبي، لعل الإتيان بثم لتراخي مجيئه عن الوضوء لاشتغاله بأمر كسنة الوضوء (فقال: اذهب فتوضأ) أي ثانياً (فقال له رجل) ويحتمل أن تكون بمعنى عن: أي فقال عن المأمور: أي سائلاً عن سبب أمره بما أمر به أولاً الضمير فيه للنبي: أي فقال رجل للنبي واللام للتبليغ، وثانياً وسكوته عنه آخراً (يا رسول الله مالك) مبتدأ وخبر وجملة (أمرته أن يتوضأ) في محل نصب على الحال (ثم سكتّ عنه) بترك الأمر بذلك (قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره) أي بطول ثوبه وإرساله إذا مشى حتى يصل إلى الأرض وفعله ذلك كان تكبرا واختيالاً، فيحتمل والله أعلم أن يكون أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفراً لذنبه، فقد جاء أن الطهور مكفر للذنوب، فمن ذلك حديث البراء بإسناد حسن عن عثمان مرفوعاً «لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» فلما كان في إسبال الإزار من الإثم ما فيه أمره بالوضوء ثانياً ليكون تكفيراً لذنب الإسبال ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها «صحيحه» وإن لم تقبل كما قال (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل) ويحتمل أن يكون الأمر بإعادة الوضوء للإخلال بلمعة من أعضائه وبإخلال طهارته لا يصح الوضوء ولم يؤمر بإعادة الصلاة لأنها نفل، والله أعلم.

والمراد من قوله لا يقبل: لا يكفر ذنوبه ولا يطهر قلبه من الآثام وإن أسقطت عنه الطلب (رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط

مسلم) في الصلاة وفي اللباس من «سننه» .

٩٧٩٨ - (وعن قيس بن بشر التغلبي) بالفوقية المعجمة وكسر اللام الشامي. قال الحافظ في «التقريب» : مقبول ممن عاصر صغار التابعين روى عنه أبو داود. قال تلميذه ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» : قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً (قال: أخبرني أبي) بشر بن قيس التغلبي، قال في «التقريب» : من أهل قنَّسرين بكسر القاف وتشديد النون وسكون المهملة الأولى، صدوق من كبار التابعين خرّج له أبو داود (وكان جليساً لأبي الدرداء) يحتمل أن تكون حالية بإضمار قد، وأن تكون معطوفة على جملة أخبرني أبي (قال: كان بدمشق) بكسرا لدال وفتح الميم مدينة بالشام (رجل من أصحاب النبي) جمع صاحب بمعنى صحابي أي من صحابته (يقال له سهل) ابن الربيع بن عمرو بن عديّ (ابن الحنظلية) هي أمة، وقيل أم جده، وهي من بني حنظلة ابن تميم وسهل أوسيّ بايع تحت الشجرة، وكان زاهداً معتزلاً عابداً نزل دمشق. قال ابن الأثير: ومات بها أول خلافة معاوية ولا عقب له، وكان يقول: لأن يكون لي عقب أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس. قال الحافظ في «التقريب» : الحنظلية أمة أو من أمهاته، واختلف في اسم أبيه اهـ. ولم يحك كل من ابن الأثير وابن رسلان خلافاً في اسم أبيه (وكان رجلاً متوحداً) بالحاء المهملة: أي بحب التوحد وهو الانفراد عن الناس (قل ما يجالس الناس) أي قلت مجالسته الناس، في «ما» فيه مصدرية فلذا كانت في الأصول مفصولة عن الفعل والكافة توصل به (إنما هو) أي سهل (صلاة) أي ذو صلاة أو إنما شغله صلاة فحذف المبتدأ المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل مرفوعاً (فإذا فرغ) منها (فإنما هو تسبيح) لله عزّ وجل: أي تنزيه له عما لا يليق به (وتكبير) أي ثناء عليه بإثبات الكبرياء والعظمة، ويحتمل أن

المراد الكناية عن كونه في غير

الصلاة ملازم ذكر الله تعالى بأيّ نوع منه لا بخصوص هين وها أقرب (حتى يأتي أهله) غاية لمقدر: أي يستمر على ذلك إلى أن يأتيهم فيشغله ما يحتاج إليه من أمرهم عن ذلك فيشغل به (فمر بنا ونحن) جلوس (عند أبي الدرداء) الصحابي الجليل المشهور واسمه عويمر، وقيل عامر، وعويمر لقب له، ابن زيد ابن قيس الأنصاري وقد تقدمت ترجمته (فقال له أبو الدرداء: كلمة) بالنصب بفعل محذوف: أي قل لنا كلمة أو تكلم كلمة فهي مفعول به أو مفعول مطلق تنفعنا (أي بثوابها إذا عملنا بها) ولا تضرّك (أي لا يعود عليك من الإتيان بها ضرر قال: بعث رسول الله سرية) بفتح فكسر فتشديد التحتية: هي قطعة من الجيش يبعثها الإمام إلى العدو، وسميت به لأنها تكون سراة العسكر أي خلاصته الذي هو النفيس منه وقيل لسيرهم ليلاً (فقدمت) بكسر الدال: أي وصلت من البعث (فجاء رجل منهم) لم يسمه ابن رسلان في شرحه ولا السيوطي في «حواشيه» (فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله) فيه أن من ألف مجلسه لإقراء أو إفتاء ثم قام منه جاز لغيره الجلوس فيه زمن غيبته، ثم إن كانت المفارقة له بغير عذر سقط حقه منه بعد العودة إليه وإلا فلا (فقال لرجل إلى جنبه) أي من الصحابة الذين يحضرون مجلس النبي (لو رأيتنا) بفتح الفوقية أي أبصرتنا (حين التقينا نحن والعدوّ) بالرفع عطف على الضمير المتصل لتأكيده بالمنفصل (فحمل فلان) أي على شخص من العدو (فطعن) أي برمحه العدو (فقال) عند طعنته إياه (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة العدوّ (فقال) عند طعنته إياه (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة لبني غفار قبيلة أبي ذرّ.

وفيه جواز قول الإنسان ذلك حال الحرب والتعريف بنفسه بذكر اسمه أو نسبه أو شهرته إذا كان بطلاً شجاعاً ليرهب عدوّه (كيف ترى في قوله هذا) أي ما رأيك في قوله المذكور مفتخراً به (قال) أي الرجل المحدث بذلك (ما أراه) بضم الهمزة: أي أظنه (إلا قد بطل أجره) لأنه أظهر عمله وافتخر على القوم (فسمع بذلك) المذكور منهما (آخر فقال: ما أرى) بفتح الهمزة بذلك القول (بأساً) لأن فيه إرهاباً للكفرة (فتنازعا) في ذلك

(حتى سمع رسول الله) حذف المفعول: أي سمع تنازعهما فيه، وحتى غاية لمقدر، أي وانتشر تنازعهما إلى أن وصل رسول الله (فقال: سبحان الله) فيه استعمال التسبيح عند التعجب من الشيء، وقد عقد له المصنف باباً في كتاب «الأذكار» ، وكذا يقال في ذلك لا إله إلا الله ونحوها (لا بأس أن يؤجر) بالبناء للمفعول: أي بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد) بالبناء للمفعول أيضاً: أي يثنى عليه بالثناء الحسن في الدار الدنيا: أي لا منع من حصولهما معاً، ففيه حثّ على قول أنا فلان في الحرب إذا كان مشهوراً بالشجاعة قاصداً بذلك إرهاب الكفرة وإخافتهم لا الفخر والخيلاء (فرأيت أبا الدرداء سرّ بذلك) لما فيه من أن النفع الدنيوي لا ينافي الثواب الأخروي وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً - قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل: ٩٧) . وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: ٤٦) (وجعل يرفع رأسه إليه) أي بعد أن كان خافضه (ويقول أنت سمعت ذلك من رسول الله؟) بتقدير همزة الاستفهام قبل الضمير: أي أأنت سمعته (فيقول نعم، فما زال أبو الدرداء يعيد عليه) القول (حتى إني لأقول) اللام معينة لكسر همزة «إن» لا لأنها تكون في خبر المفتوحة (يبركن على ركبيته) مبالغة في التواضع كما هو شأن المتعلم بين يدي المعلم (قال) أي بشر (فمرّ بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء كلمة) أي

اذكر لنا أو قل لنا كلمة (تنفعنا) وإسناد النفع إليها مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب كما علم مما تقدم (ولا تضرّك قال: قال لنا رسول الله: المنفق على الخيل) في رعيها وسقيها وعلفها ونحو ذلك، والمراد الخيل المعدة لسبيل الله تعالى من الجهاد وإعانة منقطع بإركابه عليها (كالباسط يده بالصدقة) أي الذي يفتح يده باصدقة أبداً (لا يقبضها) بكسر الموحدة بإمساك ما فيها، ورواه ابن حبان في «صحيحه» «مثل المنفق على الخيل كالمتكفف بالصدقة، فقلت لعمر: ما المتكفف بالصدقة؟ قال: «الذي يعطي بكفه» وزاد الطبراني في «الأوسط» «وأهلها معانون عليها، والمنفق

عليها كالباسط يده في الصدقة وأرواثها لأهلها عند الله يوم القيامة من مسك الجنة» (ثم مرّ بنا يوماً آخر فقال أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرّك) فيه طلب العلم والاستزادة منه وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد، وإنما وصف أبو الدرداء الكلمة بما وصفها به لما مرّ من أن المخاطب كان قليل الكلام مع الناس خوفاً من أن يقع منه ما يضرّ به في دينه، فوصف مطلوبه بقوله ولا تضرّك ليسعفه به (قال: قال رسول الله: نعم الرجل خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية. وهو ابن فاتك بفاء وبعد الألف فوقية مكسورة كما ضبطه المنذري/ قال: وكنيته أبو يحيى، وقيل أبو أيمن، وقال غيره: هو خريم ابن أخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك (الأسيدي) وقيل فاتك لقب أبيه أخرم، شهد بدراً مع أخيه سبرة، وقيل إن خريماً وابنه أيمن أسلما يوم الفتح، وقد صحح البخاري وغيره أن خريماً وأخاه شهد بدراً ونزل خريم بالرقة (لولا طول جمته) بضم الجيم وتشديد الميم: ويه الشعر إذا طال حتى بلغ المنكبين وسقط عليهما. والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة التي ألمت بالمنكب (وإسبال) أي إرخاء (إزاره) حذف جواب لولا لدلالة ما قبله عليه وفيه أن إطالة الجمة وإسبال الإزار تدافع المدح وتمانع الرفعة الدينية لأن ذلك

منهي عنه على سبيل الحرمة تارة والكراهة أخرى (فبلغ ذلك) أي الحديث (خريما فعجل) بكسر الجيم: أي سبق وبادر وهو من باب المسابقة إلى فعل البرّ خوفاً من عائق (فأخذ شفرة) بفتح الشين المعجمة: هي السكين العريضة (فقطع بهاجمته) حتى بلغت (إلى أذنيه ورفع إزاره) حتى بلغ (إلى أنصاف ساقيه) وقد قيل في قوله تعالى:

{وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) أي قصر وشمر لأن تقصير الثياب إلى أنصاف الساقين طهرة لها من الأنجاس والأوساخ (ثم مرّ بنا) أي رابعاً (يوماً آخر، فقال أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرّك) .

فيه الاستكثار من العلم والاستفادة من العالم كما مرّ (قال: سمعت رسول الله يقول) لما قفل من غزو (إنكم) أي في غد (قادمون على إخوانكم) من المؤمنين (فأصلحوا رحالكم) جمع

رحل أي ما أنتم راكبون عليه (وأصلحوا لباسكم) من رداء أو إزار أو عمامة ونحو ذلك.

ففيه تحسين المرء ثوبه وكذا بدنه لملاقاة إخوانه ورؤية أعينهم، فإن رؤيتهم تمتد إلى الظواهر دون البواطن حذراً من ذمهم ولومهم واسترواحاً إلى توقيرهم واحترامهم فإن ذلك مطلوب في الشريعة، وفي الحديث دليل أن على الإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الإخوان واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه، وهذه مرايأة في المباحاة وليس من باب الكبر، بل من باب إظهار نعمة الله سبحانه والتحدث بها (حتى) غائية ويصح كونها تعليلية للأمر قبلها (تكونوا كأنكم شامة) بسكون الهمزة وتخفيف الميم قال ابن الأثير: الشامة هي الحال في الجسد معروفة (في الناس) المراد منه كونوا في أحسن هيئة وزيّ حتى تظهروا للناس ظهور الشامة في البدن (فإن الله لا يحبّ الفحش) أي لا يرضى ذا الفحش وهو من تكون هيئته ولباسه وقوله فاحشاً (ولا التفحش) ولا يرضى الرجل ذا الفحش: أي المتكلف الفحش والفاعل له قصداً.

(رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا) أي المحدثون (في توثيقه وتضعيفه وقد روى له مسلم) لم يرمز الحافظ في «التقريب» لرواية قيس عن مسلم بل اقتصر على رمز روايته عن أبي داود، ومثله في «الكاشف» للحافظ الذهبي وظاهر كلام المصنف أنه روى له الصحيح وهو المتبادر من عبارته.

١٠٧٩٩ - (وعن أبي سعيدالخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إزرة) قال المنذري: ضبطها بعضهم بضم الهمزة، والصواب كسرها لأن المراد هنا الهيئة في الاتزار كالجلسة لهيئة الجلوس لا المرة الواحدة (المسلم) وعند ابن ماجه «إزرة المؤمن» أي الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن (إلى نصف الساق) لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع (ولا حرج أو) شك من الراوي (لا

جناح) وهما بمعنى واحد: أي لا شيء من اللوم على المؤمن إذا أرخى ثوبه (فيما بينه وبين الكعبين) فالإرخاء إليهما جائز بلا كراهة وإلى ما فوقهما من نصف الساق (وما كان أسفل من الكعبين) أي من الثياب وعند النسائي من الإزار (فهو في النار) مستحبّ هو من تسمية الشيء بما يؤول إليه أمره في الآخرة غالباً، وقيل كناية عن تحريم ذلك لأن فعل الحرام يقتضي دخول النار في الآخرة فسماه الله باسمه، والمراد بالتحريم من أسبله قصداً للتكبر والخيلاء وإلا فيكره لغير النساء، فالحديث كنظيره من حديث الصحيح السابق مطلق محمول على ما ذكر (ومن جر إزاره بطراً) بفتح أوليه مفعول له ويجوز فتح أوله وكسر ثانيه فيكون حالاً، ووقع لابن رسلان عكس ما ذكرنا وهو سبق من القلم والبطر، تقدم أنه الطغيان عند تتابع نعم الله تعالى وعافيته (لم ينظر الله إليه) أي نظر رحمة ويحتمل أن ذلك يوم القيامة كما جاء مقيداً به في الخبر الصحيح ويحتمل أن ذلك عام للدارين ولا يقيده لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه (رواه أبو داود) في اللباس من «سننه» كالذي قبله (بإسناد صحيح) .

١١٨٠٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله وفي إزاري استرخاء) جملة مركبة من خبر مقدم هو الظرف: أي متعلقة ومبتدأ مؤخر في محل نصب على الحال، والمراد أن فيه إسبالاً (فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته) أي إلى الكعبين أو قريب منهما (ثم قال: زد) أي في الرفع لكونه أطيب وأطهر (فزدت) أي حتى بلغت به أنصاف الساقين (فما زلت أتحراها) أي أقصدها (بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه: أي بعد ذلك الأمر الصادر منه ففيه مزيد اعتنائه بالسنة وملازمته للاتباع (فقال بعض القوم: إلى أين؟) أي كان انتهاء الرفع المأمور به (قال: إلى أنصاف الساقين) جمع المضاف إلى المثنى مع أنه مثنى دفعا لثقل تكرار ذلك ومنه قوله تعالى: {فقد صغت

قلوبكما} (التحريم: ٤) وهذه اللغة أفصح من لغة تثنيته نحو جاءك غلاماً الرجلين ومن لغة إفراده نحو نصف ساقيه (رواه مسلم) .

١٢٨٠١ - (وعنه قال: قال رسول الله: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) أي نظر رحمة. وقال الزين العراقي في «شرح الترمذي» : عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر، لأن من نظر إلى متواضع رحمه أو إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. وقال الكرماني في نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية، لأن من اعتد بالشخص التفت إليه ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة وهو الله تعالى مجاز بمعنى الإحسان، وظاهر الحديث أن الوعيد في جره كذلك فيخرج من أطال ثوبه كذلك، غير أنه لم يجره حال مشيه بل يشمره، ويحتمل شموله لذلك، والمراد أن هذا شأن ذلك، وبه صرح في «الفتح» فقال: التقييد بالجرّ للغالب والبطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه (فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن) أي وهن مأمورات بإرسالها.

قال تعالى: {يا أيها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} (الأحزاب: ٥٩) أي والوعيد المذكور في الحديث يشمله فيتعارضان، فقال النبي منبهاً على أن ذلك فيمن زاد على المشروع قاصداً ما ذكر فيه والمشروع لهن إرساله للآية فلا شيء عليهن فيه كما حكت عنه بقولها (قال: يرخين شبراً) هو ما بين الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد (قالت إذن تنكشف أقدامهن) أي لصغر ذلك فربما نشب بعود أو حجر فانكشفت أقدامهن وبعض سوقهن (قال: فيرخينه ذراعاً) قال ابن رسلان: والظاهر أن المراد به ذراع اليد، قال أهل اللغة: الذراع اليدان من كل حيوان، لكنه من الإنسان فيمن المرافق إلى أطراف الأصابع، وذراع القماش قريب منه فإنه ست قبضات

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي رواية: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ.

وفي رواية: أنَّ هذِهِ القَضِيَّةَ كَانَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

في الحديث: استحباب الإبعاد لقضاء الحاجة، وجواز لبس الصوف.

وفيه: مشروعية مسح الخفين إذا لبسهما على طهارة.

[١١٨- باب استحباب القميص]

[٧٨٩] عن أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها قالت: كَانَ أحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمِيص. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: وجه أحبية القميص أنه أستر للأعضاء من الإزار، والرداء لأنه أقل مؤنة، وأخف على البدن، ولابسه أكثر تواضعًا. وروي أنه كان قميص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطنًا قصير الطول والكمين.

١١٩- باب صفة طول القميص والكُم والإزار

وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء

وكراهته من غير خيلاء

[٧٩٠] عن أسماءَ بنتِ يزيد الأنصاريَّةِ رَضِيَ الله عنها، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرُّسْغِ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

الرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ. وأما غير القميص فالسنَّة أن لا بجاوز رؤوس الأصابع.

[٧٩١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ جَرَّ

ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رسول الله، إنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إِلا أنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ» . رواه البخاري وروى مسلم بعضه.

فيه: وعيدٌ شديدٌ لمن سحب ثوبه تكبرً وإعجابًا بنفسه.

وفيه: أن من وقع له ذلك بغير قصد لا محظور فيه، وأن الأحكام تختلف بسحب النية.

[٧٩٢] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزاره بَطَراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

إنما ذكر الإزار، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الإزار والأردية، والوعيد الشامل لجميع أنواع الثياب.

[٧٩٣] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أسْفَل مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإزْارِ فَفِي النار» رواه البخاري.

قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن لابسه. ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة. ومحل الكراهة إذا لم يكن عذر من جروح في قدمه ونحوها.

[٧٩٤] وعن أَبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فقَرأها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مِرار، قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا

وَخَسِرُوا! مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ» . رواه مسلم

وفي رواية لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» .

فيه: الوعيد الشديد لهؤلاء الثلاثة.

[٧٩٥] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الإسْبَالُ في الإزار، وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئاً خُيَلاءَ لَمْ ينْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسناد صحيح.

فيه: أن الوعيد شامل لجميع الملبوسات.

[٧٩٦] وعن أَبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيْم - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ، لا يَقُولُ شَيْئاً إِلا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالوا: رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله – مرّتين – قَالَ: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى، قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: أنْتَ رسول اللهِ؟ قَالَ: «أنَا رسول الله الَّذِي إِذَا أصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَه عَنْكَ، وَإِذَا أصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ. قَالَ: «لا تَسُبَّنَ أحَداً» قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً، وَلا عَبْداً، وَلا بَعِيراً، وَلا شَاةً، «ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وأَنْ تُكَلِّمَ أخَاكَ وَأنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أبَيْتَ فَإلَى الكَعْبَينِ،

وَإيَّاكَ وَإسْبَالَ الإزَار فَإنَّهَا مِنَ المخِيلَةِ. وَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ؛ وَإن امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: أن الإزار يكون رفعه من نصف الساق إلى الكعبين. وأن الإسبال لا يجوز لأنه من الاختيال، والكبر، والإعجاب.

[٧٩٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبلٌ إزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ... «اذْهَبْ فَتَوَضّأ» فَقَالَ لَهُ رجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، مَا لَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «إنّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبلٍ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم.

يقال: إنما أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفرًا لذنبه كما ورد أن الطهور مكفر للذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها صحيحة، وإن لم تقبل.

[٧٩٨] وعن قيس بن بشر التَّغْلِبيِّ، قَالَ: أخْبَرَني أَبي - وكان جَلِيساً لأَبِي الدرداء - قَالَ: كَانَ بِدمَشْق رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقال لَهُ سهل بن الْحَنْظَلِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّداً قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُوَ صَلَاةٌ، فإذا فَرَغَ فَإنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبيرٌ حَتَّى يَأتي أهْلَهُ، فَمَرَّ بنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبي الدَّرداء، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدرداءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ.

قَالَ: بَعَثَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأيْتَنَا حِيْنَ التَقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأنَا الغُلَامُ الغِفَاريُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إِلا قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ.

فَسَمِعَ بِذلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أرَى بِذلِكَ بَأساً، فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «سُبْحَانَ الله؟ لا بَأسَ أنْ يُؤجَرَ وَيُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيقول: نَعَمْ، فما زال يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ، كَالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقَةِ لا يَقْبضُهَا» ، ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيمٌ الأسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ!» فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْماً فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزارَهُ إِلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوانِكُمْ، فَأصْلِحُوا رِحَالكُمْ، وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ؛ فإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّش» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ، إِلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ روى لَهُ مسلم.

في هذا الحديث: أن إطالة الجمة والإسبال تدافع المدح وتمانع الرفعة

الدينية لأن ذلك منهيٍّ عنه على سبيل الحرمة تارةً، والكراهة أخرى.

وفيه: جواز قول الإنسان في الحرب: أنا ابن فلان إذا كان شجاعًا ليرهب عدوه، وأنه لا مانع من حصول الحمد والأجر.

وفيه: طلب العلم والاستزادة منه. وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد.

وفيه: طلب حسن الهيئة وجمال الزي والاحتراز من ألم المذمة، وطلب راحة الإخوان، واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه.

[٧٩٩] وعن أَبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلا حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فمَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

قوله: «إزرة المسلم إلى نصف الساق» ، وعند ابن ماجة: «إزرة المؤمن» ، أي: الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن إلى نصف الساق، لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس، وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع، ولا كراهة في إرخائه إلى ما فوق الكعبين، ويحرم إرخاء الثياب تحت الكعبين.

[٨٠٠] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مررتُ عَلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي إزَارِي استرخاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبدَ اللهِ ارْفَعْ إزَارَكَ» فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ» فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أتَحَرَّاهَا بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: إِلَى أينَ؟ فَقَالَ: إِلَى أنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواه مسلم.

فيه مزيد اعتناء ابن عمر بالسنة، وملازمته للاتباع.

[٨٠١] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

باب صفة طول القميص والكم والإزرار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء

٧٩٠ - عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضى الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن

٧٩١ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال له أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست ممن يفعله خيلاء رواه البخاري، وروي مسلم بعضه

٧٩٢ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا متفق عليه

٧٩٣ - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أسفل الكعبين من الإزار

ففي النار رواه البخاري

٧٩٤ - وعن أبي ذر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم وفي رواية له: المسبل إزاره

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث التي ذكرها النووي رحمه الله في (كتاب اللباس) فيها أحاديث تدل على أن أحب الثياب إلى رسول الله القميص وذلك أن القميص أستر من الإزار والرداء وكانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يلبسون الإزار والرداء أحيانا يلبسون القميص وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب القميص لأنه أستر ولأنه قطعة واحدة يلبسها الإنسان مرة واحدة فهي أسهل من أن يلبس الإزار أولا الرداء ثانيا ولكن مع ذلك لو كنت في بلد يعتادون لباس الأزر والأردية ولبست مثلهم فلا حرج والمهم ألا تخالف لباس أهل بلدك فتقع في

الشهرة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة وفي هذه الأحاديث أيضا دليل على أن كم القميص يكون إلى الرسغ والرسغ هو الوسط بين الكوع والكرسوع لأن الإنسان له مرفق وهو المفصل الذي بين العضد والذراع وله كوع كرسوع ورسغ فالكوع هو طرف الذراع مما يلي الكف من جهة الإبهام والكرسوع: طرف عظم الذراع مما يلي الكف من جهة الخنصر وأما الرسغ فهو ما بينهما وعلي هذا قول الناظم:

وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ...

الخنصر الكرسوع والرسغ ما وسط

وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع ...

فخذ بالعلم واحذر من الغلط

والعوام إذا أرادوا ضرب المثل بالإنسان الأبله قالوا هذا رجل لا يعرف كوعه من كرسوعه وأكثر الناس يظنون أن الكوع: هو المرفق الذي إليه منتهى الوضوء ولكن ليس كذلك فما عند مفصل الكف من الذراع مما يلي الخنصر هو الكرسوع وما يلي الإبهام فهو الكوع وما بينهما فهو الرسغ والنبي عليه الصلاة والسلام كان قميصه إلى الرسغ ثم ذكر المؤلف حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله

عنهما في إسبال الثياب وإسبال الثياب يقع على وجهين الوجه الأول: أن يجر الثوب خيلاء الوجه الثاني: أن ينزل الثوب أسفل من الكعبين من غير خيلاء أما الأول: وهو الذي يجر ثوبه خيلاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أربع عقوبات والعياذ بالله: لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه يعني نظر رحمة ولا يزكيه وله عذاب أليم أربع عقوبات بها المرء إذا جر ثوبه خيلاء ولما سمع أبو بكر بهذا الحديث قال: رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده يعني فهل يشملني هذا الوعيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يضع هذا خيلاء فزكاه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا يصنع هذا خيلاء وإنما العقوبة على من فعله خيلاء أما من لم يفعله خيلاء فعقوبته أهون ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما أسفل من الكعبين ففي النار ولم يذكر إلا عقوبة واحدة ثم هذه العقوبة أيضا لا تعم البدن كله إنما تختص بما فيه المخالفة وهو ما نزل من الكعب فإذا نزل ثوب الإنسان أو مشلحه أو سرواله إلى أسفل من الكعب فإنه

يعاقب على هذا النازل بالنار ولا يشمل النار كل الجسد إنما يكوي بالنار والعياذ بالله بقدر ما نزل ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة فإنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه توضؤا ولم يسبغوا الوضوء فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار فهنا جعل العقوبة على الأعقاب يعني العراقيب التي لم يسبغوا وضوءها فالعقاب بالنار يكون عاما كأن يحرق الإنسان كله بالنار والعياذ بالله ويكون في بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة ولا غرابة في ذلك وبهذا نعرف قول النووي رحمه الله بتحريم الإسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء والصحيح أنه حرام سواء أكان لخيلاء أم لغير خيلاء بل الصحيح أنه من كبائر الذنوب لأن كبائر الذنوب كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصة ففيه الوعيد بالنار إذا كان لغير الخيلاء وفيه وعيد بالعقوبات الأربع إذا كان خيلاء لا يكلمه الله يوم القيامة

ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وختم المؤلف بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قرأها ثلاث مرات وإنما فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن ينتبه الإنسان لأن اللفظ إذا جاء مجملا ولا سيما مع التكرار ينتبه له الإنسان حتى إذا جاءه التفصيل والبيان ورد على نفس متشوقة تطلب البيان فقال أبو ذر يا رسول الله خابوا وخسروا من هؤلاء؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب الأول المسبل: يعني الذي يجر ثوبه خيلاء والثاني المنان: الذي يمن بما أعطى، إذا أحسن إلى أحد بشيء جعل يمن عليه: فعلت بك كذا وفعلت بك كذا والمن من كبائر الذنوب، لأن عليه هذا الوعيد، وهو مبطل الأجر لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فيقول: والله لقد اشتريتها بعشرة وهو لم يشترها إلا بثمانية أو يقول: أعطيت فيها عشرة وهو لم

يعط فيها إلا ثمانية فيحلف على هذا فهذا ممن يستحق هذه العقوبات الأربع لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم نسأل الله العافية

٧٩٦ - وعن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين قال: لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى قل السلام عليك قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قلت: اعهد لي قال: لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلي الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه رواه أبو داود والترمذي فإسناد

صحيح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) عن جابر بن سليم رضي الله عنه أنه قدم المدينة فرأى رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدورا عنه يعني أنهم يأخذون بما يقول وبما يوجه لأنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأل من هذا؟ لأنه رجل لا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: رسول الله فجاء إليه فقال: أنت رسول الله؟ قال: نعم ولكنه قال: عليك السلام فقدم الخبر فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: عليك السلام تحية الموتى يعني أنهم كانوا في الجاهلية يسلمون على الأموات هكذا كما قال الشاعر

عليك سلام الله قيس بن عامر ... ورحمته ما شاء أن يترحم

فكانوا في الجاهلية إذا اسلموا على الأموات يقولون عليك

السلام لكن الإسلام نسخ هذا وصار السلام يقال لمن ابتدئ به السلام عليك حتى الموتى كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج إليهم إلى المقبرة يسلم فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين ولا يقول: عليكم السلام وفي قوله عليه الصلاة والسلام: قل السلام عليك دليل على أن الإنسان إذا سلم على الواحد يقول: السلام عليك وهكذا جاء أيضا في حديث الرجل الذي يسمى المسيء في صلاته أنه جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك بالإفراد وهذا هو الأفضل وقال بعض العلماء: تقول السلام عليكم، تريد بذلك أن تسلم على الإنسان الذي سلمت عليه ومن معه من الملائكة ولكن الذي وردت به السنة أولى واحسن أن تقول: السلام عليك إلا إذا كانوا جماعة فإنك تسلم عليهم بلفظ السلام عليكم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أنه رسول رب العالمين الذي يكشف الضر ويجلب النفع فإذا ضاعت البعير في فلاة من الأرض فدعوت الله سبحانه وتعالى ردها عليك يقول: وإذا أصابك سنة يعني جدبا في الأرض وعدم نبات فدعوت الله كشفه عنك أنبت الأرض لك وكذلك إذا أصابك الضر فدعوت الله كشفه

عنك كما قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ فبين له أنه أي الرب عز وجل يجلب لعباده الخير وأنه إذا دعاه عبده لم يخب وهكذا كل دعاء تدعو به ربك فإنك لا تخيب لو لم يأتك من هذا إلا أن الدعاء عبادة تؤجر عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لكفى وإذا لم يكن هناك موانع تمنع إجابة الدعاء فإن الله تعالى إما أن يعطيك ما سألت وتراه رأي العين تدعو الله بالشيء فيحصل وإما أن يكشف عنك من الضر ما هو أعظم وإما أن يدخر ذلك لك عنده وإلا فلن يخيب من دعا الله عز وجل أبدا ولكن إياك أن تستبطئ الإجابة فتقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي فإن الشيطان قد يلقي في قلبك هذا ويقول: كم دعوت الله من مرة وما جاءك مطلوب؟ ثم يقنطك من رحمة الله والعياذ بالله وهذه من كبائر الذنوب القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب ولا تقنط من رحمة الله ولو تأخرت إجابة الدعاء فأنت لا تدري ما هو الخير؟ ما أمرك الله تعالى بالدعاء إلا وهو يريد أن يستجيب لك كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

لكنك تستعجل انتظر وألح على الله بالدعاء فربما أن الله عز وجل يؤخر إجابتك لأجل أن تكثر من الدعاء فتزداد حسناتك وتعرف قدر نفسك وتعرف قدر حاجتك إلى الله عز وجل فهذا خير فإياك أن تستعجل وألح على الله في الدعاء والله سبحانه وتعالى يحب الملحين في الدعاء المبالغين فيه لأن الإنسان يدعو من إليه المنتهى عز وجل من بيده ملكوت كل شيء وسواء كان ذلك في صلاتك أو في خلواتك ادع الله بما شئت حتى وأنت تصلي ادع الله بما شئت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء وقال حين ذكر التشهد ثم ليتخذ من الدعاء ما شاء الله فليس للإنسان أحد سوى الله فليلجأ إليه في كل دقيقة وجليل حتى إنه جاء في الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع شراك النعل أدني شيء يسأله الله عز وجل لأن السؤال عبادة والتجاء إلى الله عز

وجل وإنابة إليه وارتباط به سبحانه وتعالى يكون قلبك دائما مع الله سبحانه وتعالى فأكثر من الدعاء ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر جابر بن سليم ألا يحقرن من المعروف شيئا كل معروف افعله سواء كان قولا أو فعلا أو جاها أو أي شيء لا تحقر شيئا من المعروف فإن المعروف من الإحسان والله سبحانه وتعالى يحب المحسنين فلو ساعدت إنسانا على تحميل متاعه في السيارة فهذا معروف لو أدنيت له شيئا يحتاج إليه فهذا من المعروف لو أعطيته القلم يكتب به فهذا من المعروف لو أعطيته حافظة من أجل أن يحفظ بها شيئا من الأشياء فهذا من المعروف أحسن فإن الله يحب المحسنين واعلم أن هناك قاعدة إذا ذكرها الإنسان سهل عليه الإحسان وهي ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وما ظنك إذا كان الله في حاجتك؟ هل تتعثر الأمور؟ الجواب: لا إذا كان الله في حاجتك يساعدك على حاجتك ويعينك عليها فلا شك أنها سوف تسهل فأنت كلما

كنت في حاجة أخيك كان الله في حاجتك فأكثر من المعروف أكثر من الإحسان ولا تحقرن شيئا ولو كان قليلا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة أي لا تحقر ولو هذا الشيء القليل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم: وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف لما قال: لا تحقرن من المعروف شيئا بين أن من المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق لا معبس ولا مكفهر بل يكون منبسطا وذلك لأن هذا يدخل السرور على أخيك وكل أدخل السرور على أخيك فإنه معروف وإحسان والله يحب المحسنين وهذا لا شك أنه خير إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون المرء الذي يخاطبك من المصلحة ألا تلقاه بوجه منبسط كأن يكون قد فعل شيئا لا يحمد عليه فلا تلقه بوجه منبسط تعزيزا له لأجل أن يرتدع ويتأدب ولكل مقام مقال ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يرفع إزاره إلي نصف الساق فإن أبي فإلى الكعبين وهذا يدل على أن رفع الإزار إلى نصف الساق أفضل ولكن لا حرج أن ينزل إلى الكعبين وذلك لأن هذا من باب

الرخصة وليس بلازم أن يرفع الإنسان إزاره إلي نصف الساق أو يرى أن ذلك حتم عليه وأن الذي لا يرفع قد خالف السنة لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: فإن أبيت إلى الكعبين ولم يقل فإن أبيت فعليك كذا وكذا من الوعيد فدل ذلك على أن الأمر في هذا واسع وقد مر علينا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده وقلنا إن هذا يدل على أن إزار أبي بكر رضي الله عنه كان نازلا عن نصف الساق وأن هذا لا بأس به فلا ينبغي للإنسان أن يشدد على نفسه أو على الناس بحيث يرى أنه لزام عليه أن يجعل سرواله أو ثوابه أو (مشلحه) إلى نصف الساق فالأمر في هذا واسع هو سنة ولكن مع ذلك الأمر فيه واسع ولله الحمد بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن سليم من المخيلة يعني أن يختال في مشيته أو ثوبه أو عمامته أو (مشلحه) أو كلامه أو أي شيء يفعله خيلاء فإن الله لا يحب ذلك {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فالإنسان ينبغي له أن يكون متواضعا دائما في لباسه ومشيته وهيئته وكل أحواله لأن من تواضع لله رفعه الله فهذه الآداب التي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته ينبغي للإنسان أن

يتأدب بها لأنه يحصل على أمرين أولا: امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} ثانيا: التحلي بحسن الخلق من خلال التأدب بهذه الآداب الراقية التي لا يستطيع أحد من البشر أن يوجه الناس إلى آداب مثلها أبدا لأن الآداب التي جاء بها الشرع هي خير الآداب ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فإنما وبال ذلك عليه وذلك أن الإنسان ينبغي له أن يعفو ويصفح ولا يجعل كل كلمة يسمعها مقياسا له في الحكم على الناس تغاض عن الشيء واعف واصفح فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس ويثيبهم على ذلك وأنت إذا عيرته أو سببته بما تعلم فيه طال النزاع وربما حصل بذلك العداوة والبغضاء فإذا كففت وسكت هدأت الأمور وهذا شيء مجرب أن الإنسان إذا ساب أحدا قد سبه طال السباب بينهما وحصل تفرق وتباغض وإذا سكت فإنه قد يكون أنفع كما قال الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} يعني قالوا قولا يسلمون به إما

أن يقولوا مثلا: جزاك الله خيرا أعرض عن هذا اترك الكلام وما أشبه ذلك وال الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} {خذ العفو} يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس ولا ترد من الناس أن يكونوا على أكمل حال بالنسبة لك الناس ليسوا على هواك لكن خذ منهم ما عفى وما سهل وما صعب فلا تطلبه ولهذا قال: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الجاهل إذا سابك أو شتمك أو ما أشبه ذلك فأعرض عنه فإن هذا هو الخير وهو المصلحة والمنفعة

٧٩٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب وتوضأ ثم جاء، فقال اذهب وتوضأ فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم

[الشَّرْحُ]

في الأحاديث السابقة بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وأن ما أسفل من الكعبين ففي النار وبينا أن هذا من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للإنسان أن يلبس ثوبا نازلا عن الكعب وأما ما كان على حذاء الكعب يعني على وزن الكعب فلا بأس به وكذلك ما ارتفع إلى نصف الساق فما بين نصف الساق إلى الكعب كله من الألبسة المرخص فيها والإنسان في حل وفي سعة إذا لبس إزارا أو سروالا أو قميصا أو (مشلحا) يكون فيما بين ذلك وأما ما نزل عن الكعب فحرام بكل حال بل هو من كبائر الذنوب ثم اختلف العلماء رحمهم الله فيما لو صلى الإنسان وهو مسبل يعني قد نزل ثوبه أو سرواله أو إزاره أو (مشلحه) الذي يستر ولا يشف اختلف في هذا أهل العلم هل تصح صلاته أو لا تصح؟ فمن العلماء من قال إنها لا تصح صلاته لأنه لبس ثوبا محرما والله سبحانه وتعالى إنما أباح لنا أن نلبس ما أحل لنا فإن قوله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

يعني ثيابكم يريد بها ما أباح لنا وما أحله لنا وأما ما حرمه علينا فلسنا مأمورين به بل نحن منهيون عنه واستدل الذين يقولون: إن الله لا يقبل صلاته إذا أسبل بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مسبلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم رجع فقال: اذهب فتوضأ ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: إنه يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة مسبل وهذا نص صريح في أن الله لا يقبل صلاة المسبل يعني فتكون صلاته فاسدة ويلزم بإعادتها والمؤلف يقول رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ولكن هذا فيه نظر فإن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحيح من أقوال العلماء أن صلاة المسبل صحيحة ولكنه آثم ومثل ذلك أيضا من لبس ثوبا محرما عليه كثوب سرقه الإنسان فصلى به أو ثوب فيه تصاوير فيه صليب مثلا أو فيه صور حيوان فكل هذا يحرم لبسه في الصلاة وفي خارج الصلاة فإذا صلى الإنسان في مثل هذا فالصلاة صحيحة لكنه آثم بلبسه هذا هو القول الراجح في هذه المسألة لأن النهي هنا ليس نهيا خاصا بالصلاة فلبس الثوب المحرم عام في الصلاة وغيرها فلا

يختص بها فلا يبطلها هذه هي القاعدة التي أخذ بها جمهور العلماء رحمهم الله وهي القاعدة الصحيحة وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا للنزاع لكنه ضعيف فمن ضعفه قال صلاة المسبل صحيحة ومن صححه قال صلاة المسبل غير صحيحة وعلى كل حال فإن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله عز وجل وألا يتخذ من نعمته وسيلة لغضبه والعياذ بالله فإن من بارز الله بالعصيان وقيل له: إن الثواب النازل عن الكعب حرام ومن كبائر الذنوب ولكنه لم يبال بهذا فهذا استعان بنعمة الله على معصية الله نسأل الله العافية

٧٩٨ - وعن قيس بن بشر التغلبي قال أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء قال كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له سهل ابن الحنظلية وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا فرغ هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل إلى جنبه لو رأيتنا حين التقينا نحن

والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسا، فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سبحان الله؟ لا بأس أن يؤجر ويحمد فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: نعم فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه قال فمر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش

رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه وقد روي له مسلم

[الشَّرْحُ]

في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في قصة ابن الحنظلة رضي الله عنه عبر وفوائد حيث كان رجلا يحب التفرد ما هو إلا صلاة ثم تسبيح ثم في شأن أهله يعني أنه لا يحب أن يذهب عمره سدي مع الناس في القيل والقال والكلام الفارغ الذي ليس فيه فائدة يصلي ويسبح ويكون في أهله فمر ذات يوم بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو جالس مع أصحابه فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني أعطنا كلمة أو قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك فذكر ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث سرية ثم قدمت السرية والسرية يعني الجيش القليل أقل من أربعمائة نفر، يذهبون يقاتلون الكفار إذا لم يسلموا فقدموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجلس أحدهم في المكان الذي يجلس فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، وجعل يتحدث عن السرية وما صنعته وذكر رجلا راميا يرمي ويقول: خذها وأنا الغلام الغفاري يفتخر

والحرب لا بأس أن الإنسان يفتخر فيها أمام العدو ولهذا جاز للإنسان في مقابلة الأعداء أن يمشي الخيلاء وأن يتبختر في مشيته وأن يضع على عمامته ريش النعام وما أشبه ذلك مما يعد مفخرة لأن هذا يغيظ الأعداء وكل شيء يغيظ الكفار فلك فيه أجر عند الله حتى الكلام الذي يغيظ الكافر ويذله هو عز لك عند الله عز وجل وأجر هذا الغلام الغفاري كان يفتخر ويقول خذها يعني خذ الرمية وأنا الغلام الغفاري فقال بعض الحاضرين بطل أجره لأنه افتخر إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وهذا صحيح أن الله لا يحب كل مختال فخور إلا في الحرب فقال الآخر لا بأس في ذلك فصار بينهم كلام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون فقال: سبحان الله يعني تنزيها لله عز وجل عن كل عيب ونقص لأن الله تعالى كامل الصفات من كل وجه ليس في علمه قصور ولا في قدرته قصور ولا في حكمته قصور ولا في عزته قصور كل صفاته جل وعلا كاملة من جميع الوجوه قال: سبحان الله يعني كيف تتنازعون في هذا؟ لا بأس أن يحمد ويؤجر يعني يجمع الله له بين خيري الدين والدنيا يحمد بأنه رجل شجاع رام وأنه يؤجر عند الله عز وجل فلا بأس في هذا

وكان عامر بن الأكوع رضي الله عنه لما لحق القوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فلا بأس أن يفتخر الإنسان في حال الحرب بنفسه وقوته وعشيرته وما أشبه ذلك ومر ابن الحنظلية بأبي الدرداء يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها لأن الخيل في ذلك الوقت هي المركوب الذي يركب به في الجهاد في سبيل الله والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها فيكون الإنفاق على الخيل من الصدقات لأنها تستعمل في الجهاد في سبيل الله ثم مر به مرة آخرى فقال: كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثنى على رجل إلا أنه قال: لولا طول جمته وإسبال إزاره الجمة: الشعر يعني أنه عنده شيء من الخيلاء هذا الرجل قد أطال شعره وأطال ثوبه، فسمع الرجل بذلك فقص جمته حتى صارت إلى كتفه وقصر ثوبه

وفي هذا: دليل على أن طول الجمة يعني الشعر للرجال من المخيلة وأن الشعر للرجل لا يتجاوز الكتف أو شحمة الأذن أو ما أشبه ذلك لأن الذي يحتاج إلى التجمل بالرأس هي المرأة فإن المرأة هي التي تحتاج إلى التجمل وفي هذا إشارة إلى أن الرجل لا يجوز لهم أن يتشبهوا بالنساء في الشعر أو غير الشعر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والله سبحانه وتعالى جعل الذكور جنسا والإناث جنسا وأحل لكل واحد منهما ما يناسبه فلا يجوز أن يلحق الرجال بالنساء ولا أعلم أن أحدا من المسلمين ألحق النساء بالرجال في كل شيء لكن الكفار الذين انتكسوا ونكس الله فطرتهم وطبيعتهم هم اللذين يقدمون النساء ويقولون لابد أن تشارك المرأة الرجل حتى لا يحصل فرق ولا شك أن هذا خلاف الفطرة التي جبل الله عليها الخلق وخلاف الشريعة التي جاءت بها الرسل فالنساء لهن خصائص والرجال لهم خصائص ثم إن الرجل سمع ذلك فقص جمته وفيه دليل على امتثال

الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واسترشادهم بإرشاده وأنهم كانوا يتسابقون إلي تنفيذ ما يقول وهذا علامة الإيمان أما المتباطئ في تنفيذ أمر الله ورسوله، فإن فيه شبها من المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، تجده مثلا يخبر عن حكم الله ورسوله في شيء، ثم يتباطأ ويتثاقل وكأنما وضع رأسه صخرة والعياذ بالله ثم يذهب إلى كل عالم لعله يجد رخصة مع أن العلماء قالوا إن تتبع الرخص من الفسق والعياذ بالله والمتتبع للرخص فاسق حتى إن بعضهم قال: إن من تتبع الرخص فقد تزندق أي صار زنديقا فعلى الإنسان إذا بلغه أمر الله ورسوله من شخص يثق به في علمه وفي دينه ألا يتردد، وأقول في علمه ودينه لأن من الناس من هو دين ملتزم متق لكن ليس عنده علم، تجده يحفظ حديثا من أحاديث الرسول ثم يقوم يتكلم في الناس وكأنه إمام من الأئمة، وهذا يجب الحذر منه ومن فتاواه، لأنه قد يخطئ كثيرا لقلة علمه ومن الناس من يكون عنده علم واسع لكن له هوى والعياذ بالله، يفتي الناس بما يرضى الناس لا بما يرضي الله، وهذا يسمى عالم الأمة.

فالعلماء ثلاثة أقسام: عالم دولة، وعالم أمة.

أما عالم الملة: فهو الذي ينشر دين الإسلام، ويفتي بدين الإسلام عن علم، ولا يبالي بما دل عليه الشرع أوافق أهواء الناس أم لم يوافق.

وأما عالم الدولة: فهو الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتي بما تريد الدولة، ولو كان في ذلك تحريف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأما عالم الأمة: فهو الذي ينظر ماذا يرضى الناس، إذا رأى الناس على شيء أفتي بما يرضيهم، ثم يحاول أن يحرف نصوص الكتاب والسنة من أجل موافقة أهواء الناس نسأل الله أن يجعلنا من علماء الملة العاملين بها فالمهم أن الإنسان يجب عليه ألا يغرر بدينه وألا يغتر، بل يكون مطمئنا حتى يجد من يثق به في علمه ودينه ويأخذ دينه منه كما قال أحد السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

فهذا العلم دين وطريق إلى الله عز وجل، ثم إن هؤلاء المغرمين بالكفار، وتقليدهم والعياذ بالله تجدهم يقلدون الكفار في الملابس، فإذا جاءت هذه المجلات التي يسمونها البردة وغيرها اشتروها مباشرة وذهبوا بها إلى أهل البيت، وقالوا: انظروا إلى هذه الملابس، فتجد صورا خليعة وألبسه مخالفة للشريعة، والنساء

لقصرهن نظرا ونقصهن عقلا ودينا، إذا رأت شيئا يعجبها يمليه عليها هواها قالت لزوجها: أريد مثل هذا، أو ذهبت بنفسها إلى الخياط ليصنع لها مثل هذه الألبسة الفاضحة فيصبح الشعب المسلم في زيه كزي الشعب الكافر والعياذ بالله، وهذه مسألة خطيرة قال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم ومن ذلك الآن ما تفعله النساء برؤوسهن، كان النساء إلى عهد قريب تفرح المرأة إذا طال شعرها، والخاطب إذا خطب امرأة كان يسأل عن شعرها أطويل هو أم قصير؟ أما الآن فصار الأمر بالعكس المرأة تقص رأسها حتى يكون قريبا من رأس الرجل أو مثل رأس الرجل نسأل الله العافية.

ثم بدأن أيضا بستعملن ما يسمى بالخنفسة، تجد المرأة تقص سوالف رأسها مقدم الرأس والباقي يبقى مقصرا مشرفا، كل هذا تقليد، كل هذا بسبب الغفلة من الرجال عن النساء، والواجب أن تكون رجلا في بيتك، رجلا بمعنى الكلمة في تكون كأنك خشبة عند أهلك.

إذا رأيت أهلك مقصرين في واجب لله عز وجل مرهم به، وإذا كان الشرع يجيز لك أن تضرب فاضرب، إذا رأيتهم يخالفون الشرع في شيء من الأمور الأخرى فألزمهم بالشرع، لأنك مسئول أعطاك النبي صلى الله عليه وسلم إمارة على أهلك الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ما نصبك فلان وفلان ما نصبك أمير البلد ولا الوزير ولا الملك ولا غيره نصبك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنت أمير في بيتك الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، ولم يقل: راع وسكت، ولو كان كذلك لهان الأمر لكن قال: ومسئول عن رعيته فانظر ماذا يكون جوابك إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله فعلينا أن ننتبه إلى هذه الأمور قبل أن يجترفنا السيل الجرار الذي لا يبقى ولا يذر والعياذ بالله ثم تنقلب عاداتنا وأحوالنا كأحوال النصارى ثم ذكر في بقية الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن يخرج الرجل على وجه يرضي قال: إنكم قادمون على إخوانكم يعني فاصلحوا أحوالكم واصلحوا ثيابكم لأنه من المعروف فيما سبق أن المسافر تكون ثيابه رثة ويكون شعره شعثا ويكون عليه الغبار، ليس الأمر كاليوم فاليوم تسافر بالطائرات نظيفة ونزيهة وليس فيها شيء لكن فيما سبق كان الأمر على العكس من هذا فأمرهم أن يصلحوا أحوالهم يعني الشعر الشعث

يرجل ويصلح وكذلك يتنظف الإنسان ويلبس الثياب التي ليست ثياب سفر حتى لقي الناس دون أن يشمئزوا منه.

وفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الأمور ولا يكون غافلا حتى جمال الثياب فإنه لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر قالوا: يا رسول الله كلنا يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال يعني يحب التجمل، ليكن ثوبك حسنا ونعلك حسنا وهيئتك حسنة إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق يعني رد الحق أن الإنسان يستكبر عن الحق يقال: هذا حق فيعرض والعياذ بالله وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم وألا يراهم شيئا قال رجل لابنه يا بني كيف ترى الناس؟ قال: أراهم ملوكا قال هم يرونك كذلك وقال آخر لابنه: كيف ترى الناس قال: لا أراهم شيئا قال: هم كذلك يرونك يعني إذا رأيت الناس ملوكا فهم يجعلونك ملكا وإذا لم ترهم شيئا لا تكون أنت شيئا عندهم فالناس ينظرون إليك بقدر ما تنظر إليهم

٧٩٩ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه رواه أبو داود بإسناد صحيح

٨٠٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزارى استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال: زد فزدت، فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين رواه مسلم.

٨٠١ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبرا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

هذه أحاديث ثلاثة ساقها النووي رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) منها: حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا جناح، أو قال: لا حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه فقسم النبي صلى الله عليه وسلم طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة إلى نصف الساق.

والقسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب والقسم الثالث: كبيرة من كبائر الذنوب وهو ما نزل عن الكعبين ولكنه لم يكن بطرا القسم الرابع: من جر ثوبه خيلاء أو بطرا وهو أشد من الذي قبله فصارت الأقسام أربعة: قسم هو السنة وقسم جائز وقسم محرم بل من كبائر الذنوب لكنه دون الذي بعده، والقسم الرابع من جره خيلاء، فإن الله تعالى لا ينظر إليه وفي هذا: دليل على أن من أنزل ثوبه إزارا أو قميصا أو سروالا

أو (مشلحا) إلى أسفل من الكعبين فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير الخيلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في هذا الحديث بين ما كان خيلاء وما لم يكن كذلك فالذي جعله خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة وإذا ضممنا هذا الحديث إلى حديث أبي ذر السابق قلنا: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.

أما ما دون الكعبين، فإنه يعاقب عليه بالنار فقط، ولكن لا تحصل له العقوبات الأربع ثم ذكر حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يرفع إزاره، فرفعه ثم قال: زد ثم قال: زد: حتى قال رجل: إلى أين يا رسول الله؟ قال: إلى أنصاف الساقين يعني الزيادة إلى فوق لا تتجاوز نصف الساق من فوق، لكنها من نصف الساق إلى الكعب كل هذا جائز، وكلما ارتفع نصف الساق فهو أفضل.

وأما حيث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء أن يرخين ذيولهن يعني أسفل ثيابهن إلى شبر، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، فقال عليه الصلاة والسلام: فيرخينه ذراعا لا يزدن لأن المرأة قدمها عورة، فإذا برز للناس ورأوه فإن ذلك قد

يكون فيه فتنة فإذا نزلت ثوبها وجعلت تمشي سترت قدمها وفي هذا: دليل على وجوب تغطية الوجه، لأنه إذا كانت القدم يجب سترها مع أن الفتنة فيها أقل من الفتنة في الوجه فستر الوجه من باب أولى، ولا يمكن للشريعة التي نزلت من لدن حكيم خبير أن تقول للنساء يغطين أقدامهن ولا يغطين وجوههن، لأن هذا تناقض، بل هذا إعطاء للحكم في شيء وحجب الحكم عن شيء أولى منه، وهذا لا يتصور في الشريعة العادلة هي الميزان، ولهذا جانب الصواب من قال من العلماء إنه يجب أن تستر القدمان ولا يجب أن يستر الوجه والعينان، هذا لا يمكن أبدا، والصواب الذي لا شك فيه عندنا فيه، أنه لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها إلا لزوجها أو محارمها

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

وحديث الباب بالنسبة للمخيط وحديث الحبرة بالنسبة لغيره (رواه أبو داود والترمذي) في «جامعه» و «شمائله» من طرق متعددة وفي بعضها يزيادة «يلبسه» كما تقدم (وقال) في «جامعه» (حديث حسن) .

١١٩ - باب صفة طول القميص والكم والإزار

هو ما يستر أسافل البدن ويقابله الرداء (وطرف العمامة) أي بيان قدر الطول المشروع فيما ذكر (وتحريم إسبال) أي إرخاء (شيء من ذلك) أي المذكور من القميص وما بعده (على سبيل الخيلاء) بضم المعجمة وفتح التحتية: أي الكبر أو الإعجاب (وكراهته) تنزيهاً (من غير خيلاء) والمراد أن الإرخاء زيادة على المشروع في الطول: إما مكروه وإما حرام.

١٧٩٠ - (عن أسماء) بالمد (بنت يزيد) بفتح التحتية الأولى وكسر الزاي وسكون التحتية بعدها دال مهملة ابن السكن بفتح المهملة والكاف وبالنون (الأنصارية) قال في «التقريب» : تكنى أم سلمة ويقال أم عامر صحابية لها أحاديث تقدمت ترجمتها (رضي الله عنها) في باب فضل الجوع (قالت: كان كم) بضم الكاف وتشديد الميم (قميص رسول الله إلى الرسغ) كذا في نسخ الرياض بالسين، قال ابن حجر الهيثمي في «شرح الشمائل» : هو بالصاد عند أبي داود والمصنف وبالسين عند غيرهما، قيل ولعله أراد عند الترمذي في «جامعه» وإلا فنسخ «الشمائل» بالسين بلا خلاف اهـ. ومنه يعلم أن كتابته بالسين هنا من الكتاب، وقال التوربستى: هو بالسين المهملة وبالصاد لغة فيه، وفي «القاموس» : الرسع بضم وضمتين ثم قال:

والرصغ اهـ. والرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ، وأما غير القميص فالسنة ألا يجاوز رؤوس الأصابع، ولا يخالف هذا الحديث ما أورده ابن الجوزي في الوفاء من حديث ابن عباس «كان رسول الله يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه» بحمل ذلك على تعدد القميص أو أن حديث الباب على التقريب والتخمين وذاك على التعيين (رواه أبو داود والترمذي) في «جامعه» وشمائله (وقال: حديث حسن) .

٢٧٩١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: من جر) أي سحب على وجه الأرض لطوله حتى مسها (ثوبه) وهو شامل لجميع أنواعه وذكر الإزار في رواية «من جرّ إزاره» لا يخصه لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص على أنه إنما ذكر كما قال الطبري، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الأزر والأردية، فلما اعتيد لبس القميص تركا فكان حكمهما في ذلك حكمهما (خيلاء) منصوب على أنه مفعول له (ويجوز) نصبه على أنه مفعول مطلق: أي جرّ خيلاء فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو على الحال: أي ذا خيلاء (لم ينظر الله إليه) أي نظر رضا ورحمة (يوم القيامة) الذي هو يوم الدين (فقال أبو بكر) أي الصديق (رضي الله عنه يا رسول الله إن إزاري يسترخي) أي لنحافة بدنه (إلا أن أتعاهد ذلك منه) أي بالشد والرفع أفأدخل في الوعيد المقتضي لكون فعل ذلك كبيرة (فقال رسول الله: إنك لست ممن يفعله) إفرد الضمير نظراً للفظ من (خيلاء) ففيه بيان أن قوام الأعمال بالنيات وأنها تختلف أحكامها بحسب اختلافها، وفيه أن الوعيد لمن فعل ذلك عجباً أو كبراً، لا لمن وقع له ذلك لا يقصد ذلك ولو لقصد آخر لا محظور فيه (رواه البخاري) في اللباس وأبو داود

والنسائي في «سننهما» (وروى مسلم) في اللباس (بعضه) وهو قوله «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء» وأورده من طرق بألفاظ متقاربة.

٣٧٩٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: لا ينظر الله) أي نظر رضا (يوم القيامة) خص بالذكر لأنه محل الرحمة المستمرة بخلاف رحمة الدنيا فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث، قاله في «الفتح» ، أو لأنه يوم الجزاء وإلا ففاعل ذلك لا يرضى الله بفعله دنيا وأخرى ولا ينظر الله إليه لذلك أصلاً (إلى من جر إزاره بطراً) بفتح الموحدة والمهملة هو بوزن الأشر ومعناه: وهو كفر النعمة وعدم شكرها والمراد لازم ذلك: أي عجباً وخيلاء فيكون ما قبله كالمفسر له (متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ في اللباس ولفظ مسلم عن أبي هريرة عن النبي «إن الله لا ينظر إلى من يجرّ إزاره بطراً» .

٤٧٩٣ - (وعنه عن النبيّ قال: ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) قال الحافظ في «الفتح» : ما موصولة وبعض صلته محذوف وهو كان وأسفل خبره وهو منصوب قلت: لا يتعين على النصب تقدير كان، بل يجوز أن يكون أسفل ظرفاً وقع صلة والله أعلم. ويجوز الرفع على ما هو أسفل وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلاً ماضياً ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة بأسفل. قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار فكنى بالثوب عن لابسه، ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة، وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، ويحتمل أن يكون تبيينه المراد الشخص نفسه،

والمعنى: ماأسفل من الكعبين الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير: لابس أسفل ما سفل من الكعبين، أو التقدير: أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار، أو فيه تقديم وتأخير: أي ما سفل من الإزار من الكعبين في النار، وكل ذلك مستفاد من استحالة الإزار في النار حقيقة. وأخرج عبد الرزاق أن نافعاً سئل عن ذلك فقال: وما ذنب الثياب، بل هو من القدمين جاء، لكن يقتضي إدخال نفس الثوب في النار. فعليه لا مانع من حمل الحديث على ظاهره ويكون من باب قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء: ٩٨) ويكون في الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أن من يتعاطاها أحق بذلك، والفاء في قوله ففي النار مزيدة: لتضمن «ما» معنى الشرط، ثم هذا محمول على من فعل ذلك خيلاء وبطراً كما تقدم ما يدل له، ومحل الكراهة لمن أرخى إزاره عن كعبه إذا لم يكن عذر، وإلا فمن برجله جراح يؤذيه الذباب وأسبل إزاره ليسلم من أذاها فلا كراهة، نبه عليه الحافظ زين الدين العراقي في «شرح الترمذي» ، واستدل له بإذن النبي لابن عوف في لبس الحرير لحكة والجامع تعاطي ما حرم في كل للضرورة، والحديث في الرجال لما سيأتي في حديث ابن عمر عن أم سلمة (رواه البخاري) في اللباس.

٥٧٩٤ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي قال: ثلاثة لا يكلمهم الله) قيل المراد الإعراض عنهم وقيل لا يكلمهم كلام رضا يسرهم بل كلام غضب وسخط (يوم القيامة ولا ينظر إليهم) أي يعرض عنهم، ونظره تعالى إلى عبده رحمته ولطفه به (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وقيل لا يثني عليهم (ولهم عذاب أليم) أي مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه (قال فقرأها) أي فتلا هذه الجملة (رسول الله ثلاث مرار) ليثبت عند السامعين فيكون أبلغ في النفع «ومرار» بكسر الميم وتخفيف الراءين بينهما ألف جمع تكسير

لمرة (قال أبو ذرّ خابوا وخسروا) أي المحدث عنهم بالوعيد المذكور (من هم) ليعرفوا بأعيانهم أو بأوصافهم (يا رسول الله» قال: المسبل) بصيغة الفاعل من الإسبال المرخي لثوبه الجار له خيلاء فهو مخصوص بذلك (والمنان) أي الذي يذكر إحسانه ممتناً به على المحسن إليه، والمبالغة قيد في الوعيد المذكور لما فيه من المبالدة المقتضى لكونه من الكبائر وإلا فالمن حرام وإن لم يتكرر، قال تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} (البقرة: ٢٦٤) (والمنفق) بصيغة الفاعل من الإنفاق (سلعته) بكسر المهملة الأولى وسكون اللام أي المكثر طلاب بضاعته (بالحلف) بفتح فكسر: أي القسم (الكاذب) كقوله والله إنها حسنة والله إنها فريدة (رواه مسلم) في كتاب الأيمان ورواه أبو داود في اللباس من «سننه» (وفي رواية له) فيه (المسبل إزاره) وتقدم عن ابن جرير حكمة تخصيصه بالذكر وإلا فالحكم شامل لسائر الملبوس، وتقدم أن ذكره في هذه الرواية لا يخصص عموم الأحاديث المطلقة.

٦٧٩٥ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ قال الإسبال) أي الإرخاء (في الإزار) وهو ما يستر به أسافل البدن (والقميص) أي إرخاء كل منهم عن الكعب (والعمامة) أي بإطالة عذبتها (من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) أي إذا لم يتب من ذلك أما جرّ ما ذكر بغير الخيلاء فمكروه إلا لعذر كالصديق أو لضرورة كذي الجراحة القاصد بإطالة ثوبه سترها من الذباب ليسلم من أذاها (رواه أبو داود) في اللباس من «سننه» (والنسائي بإسناد صحيح) أي باعتبار منتهى الإسناد وهو حسين الجعفي عن سالم عن ابن عمر وإلا ففيما قبل ذلك الإسناد متعدد، ورواه ابن ماجه في «سننه» أيضاً.

٧٧٩٦ - (وعن أبي جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد التحتية مصغر كما نص عليه الحافظ في «تبصير المنتبه» وما وقع في «المفاتيح شرح المصابيح» أنه بفتح الجيم خطأ (جابر بن سليم) مصغر قال المزي في «الأطراف» : ويقال سليم بن جابر، قال ابن الأثير: والأول أصح (الهجمي) بضم الهاء وفتح الجيم نسبة إلى الهجيم بن عمرو بن تميم، عداده في أهل البصرة (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله أحاديث وليس عنه في الصحيحين شيء (قال: رأيت) أي أبصرت (رجلاً) التنوين فيه للتعظيم بدليل وصفه بقوله (يصدر) بضم الدال (الناس عن رأيه) أي يرجعون عن رأيه: أي يرجعون إلى ما يظهر من صدره من الرأي الذي يرشدهم إليه (لا يقول لهم شيئاً إلا صدروا) بفتح الدال (عنه) بعد سماعه كما يصدر الوارد عن الورد بعد الذي يشرب من مائه، قال ابن رمد ملاك: وكان للنبيّ بئر يسمى الصادر وإنه يصدر عنها بالري (فقلت) لهم (من هذا؟ فقالوا رسول الله) بحذف المبتدأ المدلول عليه بوجوده في جملة السؤال (قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين) عند الترمذي أنه قال «عليك السلام يا رسول الله ثلاثاً» (قال: لا تقل عليك السلام) وعلل ذلك بقوله على طريق الاستئناف البياني (عليك السلام تحية الموتى) يعني باعتبار عادة شعر الجاهلية لا أن ذلك المشروع في السلام عليهم لأنه سلم عليهم كالأحياء فقال «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وقيل أراد بالموتى كفار الجاهلية، قال ابن رسلان: ثم تقدم الدعاء على الضمير في الدعاء بالخير، أما في الشرّ فيقدم الضمير نحو وإن عليكم لعنتي عليهم دائرة السوء اهـ، وفيه تعقب بحديث «ألعنك بلعنة الله» إذ قدم الدعاء على ضمير المخاطب (قل السلام عليك) فيه إفراد الضمير وجمعه إذا كان المخاطب به مفرداً. فالجمع باعتبار من معه من الملكين (قال: قلت أنت) بتقدير همزة الاستفهام قبله: أي أأنت (رسول الله) (قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضرّ) بضم الضاد المعجمة هو الفقر

والفاقة وبفتحها مصدر ضره يضره من باب قتل إذا فعل به مكروهاً كذا في «المصباح» وبه يعلم أنه بالضم (فدعوته) يتضرع وافتقار (كشفه) أي رفع ذلك عنك (وإن أصابك عام سنة) بالإضافة، وفي بعض نسخ أبي داود بالتنوين ورفع عام صفة لها

والأول أصوب: أي عام شدة ومجاعة. قال المنذري: السنة هي العام الفحط الذي لم تنبت الأرض فيه

شيئاً سواء نزل عليها غيث أم لا (فدعوته أنبتها لك) أي أوجد لك فيها النبات ونماه بفضله (وإذا كنت بأرض) بالتنوين (قفر) وهي الأرض الخالية من الأنيس التي لا ماء بها ولا ناس، وفي «المصباح» هي: المفازة التي لا ماء بها ولا نبات وجمع القفر أقفار (أو) أرض (فلاة) أي لا ماء فيها وجمعها فلا كحصاة وحصى (فضلت راحلتك) في تلك الأرض (فدعوته) أي بدعاء مستجمع لشرائط الإجابة، ومنها كون الداعي عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته وتسخيره وكون الدعاء باضطرار وافتقار، فإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل (ردها عليك، قال) أي جابر (قلت له) أي النبي أي بعد الإسلام بالله تعالى وبه (اعهد إلى) بفتح الهاء من العهد بمعنى الوصية ومنه حديث على «عهد إلى النبيّ» أي أوصى إلى (قال: لا تسبن أحداً) السبّ الشتم وهو حرام، ولا يجوز للمسبوب الانتصار ممن سابه إلا بمثل ما سبه به ما لم يكن كذباً أو قذفاً، وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرىء من حقه وبقي عليه حق الابتداء (قال) جابر (فما سببت بعده حرّاً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة) وأشار به إلى كمال الامتثال وعدم المشاحنة في شيء من ذلك، وجملة قال ومقوله معترضة بين جملة لا تسبن أحداً وجملة (ولا تحقرن) بكسر القاف يعني لا تترك (من المعروف شيئاً) احتقاراً له واستهانة لقدره فكل معروف وإن قلّ نفعه فهو صدقه ينمو أجره إلى يوم القيامة، والتنوين في شيء للتحقير والتقليل كما يدل عليه المقدم (و) لا تحقر (أن) بفتح

الهمزة (تكلم) بضم الفوقية (أخاك) المؤمن (وأنت منبسط إليه وجهك) بالرفع فاعل ما قبله، والمعنى: لا تحقر خطابك لأخيك وفي وجهك البشر له كأنك مستبشر بحديثه لما في ذلك من إدخال السرور عليه وجلب وداده المأمور به بقوله «وكونوا عباد الله إخواناً» ثم علل النهي عن احتقارك ذلك بقوله (إن ذلك) أي المتكلم أو المذكور (من المعروف) وإن قل، والخطاب مع البشر (من المعروف) أي الذي يطلبه الشرع، ومثل ذلك لا ينبغي احتقار شيء منه (وأرفع

إزارك) ومثله باقي الثياب كما تقدم (إلى نصف الساق) وفي الحديث «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وذلك لحصول الغرض به من لبس الثوب وهو ستر العورة، وفيه مع ذلك تواضع وإعراض عن رعونة النفس (فإن أبيت) عبر عن عدم فعل ذلك بالإباء إيماء إلى شرف مكانه، قال: إن تركت فعل ذلك المرقى لك الدرجات في الجنة (فإلى الكعبين) أي فأرفعه عن جانب الأرض إليهما فلا جناح فيما بين الكعبين إلى نصف الساقين (وإياك) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوباً (وإسبال الإزار) أي احذر تلاقي نفسك وإسبال الإزار فحذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني فانتصب، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل لتعذر اتصال الضمير، قاله ابن هشام في «التوضيح» / وفي مثله لابن الحاجب طريق آخر في مثل ذلك (فإنها) تلك الهيئة المدلول عليها بالسياق، والسياق (من المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة من الاختيال والكبر واحتقار الناس والعجب عليهم، وظاهر أن ذلك محمول على من قصد ذلك أو أن من شأنها ذلك فذلك نهى عنها تحريماً بقصد ذلك وتنزيهاً عند عدم قصده (وإن الله لا يحبّ) أي لا يوافق أو لا يرضى (المخيلة) أي النفوس ذوات الخيلاء فلا يظهر عليهم أثر النعمة في الآخرة وفيه وعيد للمتكبر والمختال (إن امرؤ شتمك) مبين لفعل الشرط المحذوف العامل في امرىء: أي إن شتمك امرؤ وحذف جوابه وهو فلا تشتمه اكتفاء بدلالة المذكور بعده عليه، والنهي

للتنزيه وإلا فيجوز الاستيفاء بالشرط المذكور قريباً (أو عيرك بما يعلم فيك) من الذنب والأفعال القبيحة (فلا تعيره بما تعلم فيه) فقد روى أحمد عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» يقال عيرته بفعل كذا: إذا قبحته عليه ونسبته إليه (فإنما وبال) بفتح الواو وتخفيف الموحدة: أي ثقل (ذلك) ووخامته (عليه) مأخوذ من وبل المرتع بضم الموحدة وبالاً إذا وخم، ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى سوء قبل في سوء العاقبة وبال، والمراد به في الحديث العذاب في الآخرة، وقد يعجل بعضه في الدنيا (رواه أبو داود والترمذي) في اللباس (بالإسناد الصحيح. قال الترمذي: حديث صحيح) .

٨٧٩٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل) بالرفع مبتدأ وجملة (يصلي) خبره والجملة الإسمية مستأنفة ولم أر من عيَّن الرجل (مسبلاً إزاره) بصيغة الفاعل ونصب الإزار مفعولاً به، ويجوز قراءته بصيغة المفعول ورفع إزاره نائب فاعله والأول أنسب بقوله آخر الحديث «إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل» (قال له رسول الله: اذهب فتوضأ) فذهب عقب الأمر من غير توان كما تومىء إليه الفاء (فتوضأ) الوضوء الشرعي لأن الأصل فيما جاء في الشرعيات من الألفاظ حمل المعنى الشرعي حتى يجىء ما يصرفه عنه (ثم جاء) أي إلى النبي، لعل الإتيان بثم لتراخي مجيئه عن الوضوء لاشتغاله بأمر كسنة الوضوء (فقال: اذهب فتوضأ) أي ثانياً (فقال له رجل) ويحتمل أن تكون بمعنى عن: أي فقال عن المأمور: أي سائلاً عن سبب أمره بما أمر به أولاً الضمير فيه للنبي: أي فقال رجل للنبي واللام للتبليغ، وثانياً وسكوته عنه آخراً (يا رسول الله مالك) مبتدأ وخبر وجملة (أمرته أن يتوضأ) في محل نصب على الحال (ثم سكتّ عنه) بترك الأمر بذلك (قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره) أي بطول ثوبه وإرساله إذا مشى حتى يصل إلى الأرض وفعله ذلك كان تكبرا واختيالاً، فيحتمل والله أعلم أن يكون أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفراً لذنبه، فقد جاء أن الطهور مكفر للذنوب، فمن ذلك حديث البراء بإسناد حسن عن عثمان مرفوعاً «لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» فلما كان في إسبال الإزار من الإثم ما فيه أمره بالوضوء ثانياً ليكون تكفيراً لذنب الإسبال ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها «صحيحه» وإن لم تقبل كما قال (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل) ويحتمل أن يكون الأمر بإعادة الوضوء للإخلال بلمعة من أعضائه وبإخلال طهارته لا يصح الوضوء ولم يؤمر بإعادة الصلاة لأنها نفل، والله أعلم.

والمراد من قوله لا يقبل: لا يكفر ذنوبه ولا يطهر قلبه من الآثام وإن أسقطت عنه الطلب (رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط

مسلم) في الصلاة وفي اللباس من «سننه» .

٩٧٩٨ - (وعن قيس بن بشر التغلبي) بالفوقية المعجمة وكسر اللام الشامي. قال الحافظ في «التقريب» : مقبول ممن عاصر صغار التابعين روى عنه أبو داود. قال تلميذه ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» : قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً (قال: أخبرني أبي) بشر بن قيس التغلبي، قال في «التقريب» : من أهل قنَّسرين بكسر القاف وتشديد النون وسكون المهملة الأولى، صدوق من كبار التابعين خرّج له أبو داود (وكان جليساً لأبي الدرداء) يحتمل أن تكون حالية بإضمار قد، وأن تكون معطوفة على جملة أخبرني أبي (قال: كان بدمشق) بكسرا لدال وفتح الميم مدينة بالشام (رجل من أصحاب النبي) جمع صاحب بمعنى صحابي أي من صحابته (يقال له سهل) ابن الربيع بن عمرو بن عديّ (ابن الحنظلية) هي أمة، وقيل أم جده، وهي من بني حنظلة ابن تميم وسهل أوسيّ بايع تحت الشجرة، وكان زاهداً معتزلاً عابداً نزل دمشق. قال ابن الأثير: ومات بها أول خلافة معاوية ولا عقب له، وكان يقول: لأن يكون لي عقب أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس. قال الحافظ في «التقريب» : الحنظلية أمة أو من أمهاته، واختلف في اسم أبيه اهـ. ولم يحك كل من ابن الأثير وابن رسلان خلافاً في اسم أبيه (وكان رجلاً متوحداً) بالحاء المهملة: أي بحب التوحد وهو الانفراد عن الناس (قل ما يجالس الناس) أي قلت مجالسته الناس، في «ما» فيه مصدرية فلذا كانت في الأصول مفصولة عن الفعل والكافة توصل به (إنما هو) أي سهل (صلاة) أي ذو صلاة أو إنما شغله صلاة فحذف المبتدأ المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل مرفوعاً (فإذا فرغ) منها (فإنما هو تسبيح) لله عزّ وجل: أي تنزيه له عما لا يليق به (وتكبير) أي ثناء عليه بإثبات الكبرياء والعظمة، ويحتمل أن

المراد الكناية عن كونه في غير

الصلاة ملازم ذكر الله تعالى بأيّ نوع منه لا بخصوص هين وها أقرب (حتى يأتي أهله) غاية لمقدر: أي يستمر على ذلك إلى أن يأتيهم فيشغله ما يحتاج إليه من أمرهم عن ذلك فيشغل به (فمر بنا ونحن) جلوس (عند أبي الدرداء) الصحابي الجليل المشهور واسمه عويمر، وقيل عامر، وعويمر لقب له، ابن زيد ابن قيس الأنصاري وقد تقدمت ترجمته (فقال له أبو الدرداء: كلمة) بالنصب بفعل محذوف: أي قل لنا كلمة أو تكلم كلمة فهي مفعول به أو مفعول مطلق تنفعنا (أي بثوابها إذا عملنا بها) ولا تضرّك (أي لا يعود عليك من الإتيان بها ضرر قال: بعث رسول الله سرية) بفتح فكسر فتشديد التحتية: هي قطعة من الجيش يبعثها الإمام إلى العدو، وسميت به لأنها تكون سراة العسكر أي خلاصته الذي هو النفيس منه وقيل لسيرهم ليلاً (فقدمت) بكسر الدال: أي وصلت من البعث (فجاء رجل منهم) لم يسمه ابن رسلان في شرحه ولا السيوطي في «حواشيه» (فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله) فيه أن من ألف مجلسه لإقراء أو إفتاء ثم قام منه جاز لغيره الجلوس فيه زمن غيبته، ثم إن كانت المفارقة له بغير عذر سقط حقه منه بعد العودة إليه وإلا فلا (فقال لرجل إلى جنبه) أي من الصحابة الذين يحضرون مجلس النبي (لو رأيتنا) بفتح الفوقية أي أبصرتنا (حين التقينا نحن والعدوّ) بالرفع عطف على الضمير المتصل لتأكيده بالمنفصل (فحمل فلان) أي على شخص من العدو (فطعن) أي برمحه العدو (فقال) عند طعنته إياه (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة العدوّ (فقال) عند طعنته إياه (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة لبني غفار قبيلة أبي ذرّ.

وفيه جواز قول الإنسان ذلك حال الحرب والتعريف بنفسه بذكر اسمه أو نسبه أو شهرته إذا كان بطلاً شجاعاً ليرهب عدوّه (كيف ترى في قوله هذا) أي ما رأيك في قوله المذكور مفتخراً به (قال) أي الرجل المحدث بذلك (ما أراه) بضم الهمزة: أي أظنه (إلا قد بطل أجره) لأنه أظهر عمله وافتخر على القوم (فسمع بذلك) المذكور منهما (آخر فقال: ما أرى) بفتح الهمزة بذلك القول (بأساً) لأن فيه إرهاباً للكفرة (فتنازعا) في ذلك

(حتى سمع رسول الله) حذف المفعول: أي سمع تنازعهما فيه، وحتى غاية لمقدر، أي وانتشر تنازعهما إلى أن وصل رسول الله (فقال: سبحان الله) فيه استعمال التسبيح عند التعجب من الشيء، وقد عقد له المصنف باباً في كتاب «الأذكار» ، وكذا يقال في ذلك لا إله إلا الله ونحوها (لا بأس أن يؤجر) بالبناء للمفعول: أي بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد) بالبناء للمفعول أيضاً: أي يثنى عليه بالثناء الحسن في الدار الدنيا: أي لا منع من حصولهما معاً، ففيه حثّ على قول أنا فلان في الحرب إذا كان مشهوراً بالشجاعة قاصداً بذلك إرهاب الكفرة وإخافتهم لا الفخر والخيلاء (فرأيت أبا الدرداء سرّ بذلك) لما فيه من أن النفع الدنيوي لا ينافي الثواب الأخروي وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً - قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل: ٩٧) . وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: ٤٦) (وجعل يرفع رأسه إليه) أي بعد أن كان خافضه (ويقول أنت سمعت ذلك من رسول الله؟) بتقدير همزة الاستفهام قبل الضمير: أي أأنت سمعته (فيقول نعم، فما زال أبو الدرداء يعيد عليه) القول (حتى إني لأقول) اللام معينة لكسر همزة «إن» لا لأنها تكون في خبر المفتوحة (يبركن على ركبيته) مبالغة في التواضع كما هو شأن المتعلم بين يدي المعلم (قال) أي بشر (فمرّ بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء كلمة) أي

اذكر لنا أو قل لنا كلمة (تنفعنا) وإسناد النفع إليها مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب كما علم مما تقدم (ولا تضرّك قال: قال لنا رسول الله: المنفق على الخيل) في رعيها وسقيها وعلفها ونحو ذلك، والمراد الخيل المعدة لسبيل الله تعالى من الجهاد وإعانة منقطع بإركابه عليها (كالباسط يده بالصدقة) أي الذي يفتح يده باصدقة أبداً (لا يقبضها) بكسر الموحدة بإمساك ما فيها، ورواه ابن حبان في «صحيحه» «مثل المنفق على الخيل كالمتكفف بالصدقة، فقلت لعمر: ما المتكفف بالصدقة؟ قال: «الذي يعطي بكفه» وزاد الطبراني في «الأوسط» «وأهلها معانون عليها، والمنفق

عليها كالباسط يده في الصدقة وأرواثها لأهلها عند الله يوم القيامة من مسك الجنة» (ثم مرّ بنا يوماً آخر فقال أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرّك) فيه طلب العلم والاستزادة منه وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد، وإنما وصف أبو الدرداء الكلمة بما وصفها به لما مرّ من أن المخاطب كان قليل الكلام مع الناس خوفاً من أن يقع منه ما يضرّ به في دينه، فوصف مطلوبه بقوله ولا تضرّك ليسعفه به (قال: قال رسول الله: نعم الرجل خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية. وهو ابن فاتك بفاء وبعد الألف فوقية مكسورة كما ضبطه المنذري/ قال: وكنيته أبو يحيى، وقيل أبو أيمن، وقال غيره: هو خريم ابن أخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك (الأسيدي) وقيل فاتك لقب أبيه أخرم، شهد بدراً مع أخيه سبرة، وقيل إن خريماً وابنه أيمن أسلما يوم الفتح، وقد صحح البخاري وغيره أن خريماً وأخاه شهد بدراً ونزل خريم بالرقة (لولا طول جمته) بضم الجيم وتشديد الميم: ويه الشعر إذا طال حتى بلغ المنكبين وسقط عليهما. والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة التي ألمت بالمنكب (وإسبال) أي إرخاء (إزاره) حذف جواب لولا لدلالة ما قبله عليه وفيه أن إطالة الجمة وإسبال الإزار تدافع المدح وتمانع الرفعة الدينية لأن ذلك

منهي عنه على سبيل الحرمة تارة والكراهة أخرى (فبلغ ذلك) أي الحديث (خريما فعجل) بكسر الجيم: أي سبق وبادر وهو من باب المسابقة إلى فعل البرّ خوفاً من عائق (فأخذ شفرة) بفتح الشين المعجمة: هي السكين العريضة (فقطع بهاجمته) حتى بلغت (إلى أذنيه ورفع إزاره) حتى بلغ (إلى أنصاف ساقيه) وقد قيل في قوله تعالى:

{وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) أي قصر وشمر لأن تقصير الثياب إلى أنصاف الساقين طهرة لها من الأنجاس والأوساخ (ثم مرّ بنا) أي رابعاً (يوماً آخر، فقال أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرّك) .

فيه الاستكثار من العلم والاستفادة من العالم كما مرّ (قال: سمعت رسول الله يقول) لما قفل من غزو (إنكم) أي في غد (قادمون على إخوانكم) من المؤمنين (فأصلحوا رحالكم) جمع

رحل أي ما أنتم راكبون عليه (وأصلحوا لباسكم) من رداء أو إزار أو عمامة ونحو ذلك.

ففيه تحسين المرء ثوبه وكذا بدنه لملاقاة إخوانه ورؤية أعينهم، فإن رؤيتهم تمتد إلى الظواهر دون البواطن حذراً من ذمهم ولومهم واسترواحاً إلى توقيرهم واحترامهم فإن ذلك مطلوب في الشريعة، وفي الحديث دليل أن على الإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الإخوان واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه، وهذه مرايأة في المباحاة وليس من باب الكبر، بل من باب إظهار نعمة الله سبحانه والتحدث بها (حتى) غائية ويصح كونها تعليلية للأمر قبلها (تكونوا كأنكم شامة) بسكون الهمزة وتخفيف الميم قال ابن الأثير: الشامة هي الحال في الجسد معروفة (في الناس) المراد منه كونوا في أحسن هيئة وزيّ حتى تظهروا للناس ظهور الشامة في البدن (فإن الله لا يحبّ الفحش) أي لا يرضى ذا الفحش وهو من تكون هيئته ولباسه وقوله فاحشاً (ولا التفحش) ولا يرضى الرجل ذا الفحش: أي المتكلف الفحش والفاعل له قصداً.

(رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا) أي المحدثون (في توثيقه وتضعيفه وقد روى له مسلم) لم يرمز الحافظ في «التقريب» لرواية قيس عن مسلم بل اقتصر على رمز روايته عن أبي داود، ومثله في «الكاشف» للحافظ الذهبي وظاهر كلام المصنف أنه روى له الصحيح وهو المتبادر من عبارته.

١٠٧٩٩ - (وعن أبي سعيدالخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إزرة) قال المنذري: ضبطها بعضهم بضم الهمزة، والصواب كسرها لأن المراد هنا الهيئة في الاتزار كالجلسة لهيئة الجلوس لا المرة الواحدة (المسلم) وعند ابن ماجه «إزرة المؤمن» أي الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن (إلى نصف الساق) لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع (ولا حرج أو) شك من الراوي (لا

جناح) وهما بمعنى واحد: أي لا شيء من اللوم على المؤمن إذا أرخى ثوبه (فيما بينه وبين الكعبين) فالإرخاء إليهما جائز بلا كراهة وإلى ما فوقهما من نصف الساق (وما كان أسفل من الكعبين) أي من الثياب وعند النسائي من الإزار (فهو في النار) مستحبّ هو من تسمية الشيء بما يؤول إليه أمره في الآخرة غالباً، وقيل كناية عن تحريم ذلك لأن فعل الحرام يقتضي دخول النار في الآخرة فسماه الله باسمه، والمراد بالتحريم من أسبله قصداً للتكبر والخيلاء وإلا فيكره لغير النساء، فالحديث كنظيره من حديث الصحيح السابق مطلق محمول على ما ذكر (ومن جر إزاره بطراً) بفتح أوليه مفعول له ويجوز فتح أوله وكسر ثانيه فيكون حالاً، ووقع لابن رسلان عكس ما ذكرنا وهو سبق من القلم والبطر، تقدم أنه الطغيان عند تتابع نعم الله تعالى وعافيته (لم ينظر الله إليه) أي نظر رحمة ويحتمل أن ذلك يوم القيامة كما جاء مقيداً به في الخبر الصحيح ويحتمل أن ذلك عام للدارين ولا يقيده لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه (رواه أبو داود) في اللباس من «سننه» كالذي قبله (بإسناد صحيح) .

١١٨٠٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله وفي إزاري استرخاء) جملة مركبة من خبر مقدم هو الظرف: أي متعلقة ومبتدأ مؤخر في محل نصب على الحال، والمراد أن فيه إسبالاً (فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته) أي إلى الكعبين أو قريب منهما (ثم قال: زد) أي في الرفع لكونه أطيب وأطهر (فزدت) أي حتى بلغت به أنصاف الساقين (فما زلت أتحراها) أي أقصدها (بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه: أي بعد ذلك الأمر الصادر منه ففيه مزيد اعتنائه بالسنة وملازمته للاتباع (فقال بعض القوم: إلى أين؟) أي كان انتهاء الرفع المأمور به (قال: إلى أنصاف الساقين) جمع المضاف إلى المثنى مع أنه مثنى دفعا لثقل تكرار ذلك ومنه قوله تعالى: {فقد صغت

قلوبكما} (التحريم: ٤) وهذه اللغة أفصح من لغة تثنيته نحو جاءك غلاماً الرجلين ومن لغة إفراده نحو نصف ساقيه (رواه مسلم) .

١٢٨٠١ - (وعنه قال: قال رسول الله: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) أي نظر رحمة. وقال الزين العراقي في «شرح الترمذي» : عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر، لأن من نظر إلى متواضع رحمه أو إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. وقال الكرماني في نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية، لأن من اعتد بالشخص التفت إليه ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة وهو الله تعالى مجاز بمعنى الإحسان، وظاهر الحديث أن الوعيد في جره كذلك فيخرج من أطال ثوبه كذلك، غير أنه لم يجره حال مشيه بل يشمره، ويحتمل شموله لذلك، والمراد أن هذا شأن ذلك، وبه صرح في «الفتح» فقال: التقييد بالجرّ للغالب والبطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه (فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن) أي وهن مأمورات بإرسالها.

قال تعالى: {يا أيها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} (الأحزاب: ٥٩) أي والوعيد المذكور في الحديث يشمله فيتعارضان، فقال النبي منبهاً على أن ذلك فيمن زاد على المشروع قاصداً ما ذكر فيه والمشروع لهن إرساله للآية فلا شيء عليهن فيه كما حكت عنه بقولها (قال: يرخين شبراً) هو ما بين الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد (قالت إذن تنكشف أقدامهن) أي لصغر ذلك فربما نشب بعود أو حجر فانكشفت أقدامهن وبعض سوقهن (قال: فيرخينه ذراعاً) قال ابن رسلان: والظاهر أن المراد به ذراع اليد، قال أهل اللغة: الذراع اليدان من كل حيوان، لكنه من الإنسان فيمن المرافق إلى أطراف الأصابع، وذراع القماش قريب منه فإنه ست قبضات

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي رواية: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ.

وفي رواية: أنَّ هذِهِ القَضِيَّةَ كَانَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

في الحديث: استحباب الإبعاد لقضاء الحاجة، وجواز لبس الصوف.

وفيه: مشروعية مسح الخفين إذا لبسهما على طهارة.

[١١٨- باب استحباب القميص]

[٧٨٩] عن أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها قالت: كَانَ أحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمِيص. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: وجه أحبية القميص أنه أستر للأعضاء من الإزار، والرداء لأنه أقل مؤنة، وأخف على البدن، ولابسه أكثر تواضعًا. وروي أنه كان قميص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطنًا قصير الطول والكمين.

١١٩- باب صفة طول القميص والكُم والإزار

وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء

وكراهته من غير خيلاء

[٧٩٠] عن أسماءَ بنتِ يزيد الأنصاريَّةِ رَضِيَ الله عنها، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرُّسْغِ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

الرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ. وأما غير القميص فالسنَّة أن لا بجاوز رؤوس الأصابع.

[٧٩١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ جَرَّ

ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رسول الله، إنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إِلا أنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ» . رواه البخاري وروى مسلم بعضه.

فيه: وعيدٌ شديدٌ لمن سحب ثوبه تكبرً وإعجابًا بنفسه.

وفيه: أن من وقع له ذلك بغير قصد لا محظور فيه، وأن الأحكام تختلف بسحب النية.

[٧٩٢] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزاره بَطَراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

إنما ذكر الإزار، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الإزار والأردية، والوعيد الشامل لجميع أنواع الثياب.

[٧٩٣] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أسْفَل مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإزْارِ فَفِي النار» رواه البخاري.

قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن لابسه. ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة. ومحل الكراهة إذا لم يكن عذر من جروح في قدمه ونحوها.

[٧٩٤] وعن أَبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فقَرأها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مِرار، قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا

وَخَسِرُوا! مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ» . رواه مسلم

وفي رواية لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» .

فيه: الوعيد الشديد لهؤلاء الثلاثة.

[٧٩٥] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الإسْبَالُ في الإزار، وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئاً خُيَلاءَ لَمْ ينْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسناد صحيح.

فيه: أن الوعيد شامل لجميع الملبوسات.

[٧٩٦] وعن أَبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيْم - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ، لا يَقُولُ شَيْئاً إِلا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالوا: رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله – مرّتين – قَالَ: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى، قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: أنْتَ رسول اللهِ؟ قَالَ: «أنَا رسول الله الَّذِي إِذَا أصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَه عَنْكَ، وَإِذَا أصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ. قَالَ: «لا تَسُبَّنَ أحَداً» قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً، وَلا عَبْداً، وَلا بَعِيراً، وَلا شَاةً، «ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وأَنْ تُكَلِّمَ أخَاكَ وَأنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أبَيْتَ فَإلَى الكَعْبَينِ،

وَإيَّاكَ وَإسْبَالَ الإزَار فَإنَّهَا مِنَ المخِيلَةِ. وَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ؛ وَإن امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: أن الإزار يكون رفعه من نصف الساق إلى الكعبين. وأن الإسبال لا يجوز لأنه من الاختيال، والكبر، والإعجاب.

[٧٩٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبلٌ إزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ... «اذْهَبْ فَتَوَضّأ» فَقَالَ لَهُ رجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، مَا لَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «إنّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبلٍ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم.

يقال: إنما أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفرًا لذنبه كما ورد أن الطهور مكفر للذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها صحيحة، وإن لم تقبل.

[٧٩٨] وعن قيس بن بشر التَّغْلِبيِّ، قَالَ: أخْبَرَني أَبي - وكان جَلِيساً لأَبِي الدرداء - قَالَ: كَانَ بِدمَشْق رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقال لَهُ سهل بن الْحَنْظَلِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّداً قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُوَ صَلَاةٌ، فإذا فَرَغَ فَإنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبيرٌ حَتَّى يَأتي أهْلَهُ، فَمَرَّ بنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبي الدَّرداء، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدرداءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ.

قَالَ: بَعَثَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأيْتَنَا حِيْنَ التَقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأنَا الغُلَامُ الغِفَاريُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إِلا قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ.

فَسَمِعَ بِذلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أرَى بِذلِكَ بَأساً، فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «سُبْحَانَ الله؟ لا بَأسَ أنْ يُؤجَرَ وَيُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيقول: نَعَمْ، فما زال يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ، كَالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقَةِ لا يَقْبضُهَا» ، ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيمٌ الأسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ!» فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْماً فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزارَهُ إِلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوانِكُمْ، فَأصْلِحُوا رِحَالكُمْ، وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ؛ فإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّش» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ، إِلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ روى لَهُ مسلم.

في هذا الحديث: أن إطالة الجمة والإسبال تدافع المدح وتمانع الرفعة

الدينية لأن ذلك منهيٍّ عنه على سبيل الحرمة تارةً، والكراهة أخرى.

وفيه: جواز قول الإنسان في الحرب: أنا ابن فلان إذا كان شجاعًا ليرهب عدوه، وأنه لا مانع من حصول الحمد والأجر.

وفيه: طلب العلم والاستزادة منه. وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد.

وفيه: طلب حسن الهيئة وجمال الزي والاحتراز من ألم المذمة، وطلب راحة الإخوان، واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه.

[٧٩٩] وعن أَبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلا حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فمَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

قوله: «إزرة المسلم إلى نصف الساق» ، وعند ابن ماجة: «إزرة المؤمن» ، أي: الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن إلى نصف الساق، لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس، وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع، ولا كراهة في إرخائه إلى ما فوق الكعبين، ويحرم إرخاء الثياب تحت الكعبين.

[٨٠٠] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مررتُ عَلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي إزَارِي استرخاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبدَ اللهِ ارْفَعْ إزَارَكَ» فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ» فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أتَحَرَّاهَا بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: إِلَى أينَ؟ فَقَالَ: إِلَى أنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواه مسلم.

فيه مزيد اعتناء ابن عمر بالسنة، وملازمته للاتباع.

[٨٠١] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله